إمارة المؤمنين بميزان قرآني

 


بين الدبلوماسية الدينية وأمانة حماية السلم الإفريقي

(حين يجتمع العلماء لا لتوسيع سلطان، بل لحماية الإنسان من الغلو والعنف، يصبح الدين جسرًا للتعارف والسلم، لا راية للهيمنة أو الصراع).


تمهيد

حين يدعو المغرب إلى ندوة تجمع علماء الدول الإفريقية حول موضوع إمارة المؤمنين وامتداداتها الدينية والتاريخية في إفريقيا، فإن السؤال لا ينبغي أن يُطرح بسطحية أو استعجال:


هل نحن أمام دبلوماسية دينية تستعمل الدين في السياسة، وتوظف الشرعية الروحية لتوسيع النفوذ المغربي في القارة الإفريقية؟ أم أمام مبادرة تحمل همًا إنسانيًا، ودينيًا، وتنمويًا أعمق، لأن الإرهاب الذي يضرب إفريقيا اليوم لم يعد مجرد انحراف ديني معزول، بل صار جزءًا من معركة كبرى على السلم، والاستقرار، والتنمية، وكرامة الإنسان الإفريقي؟.../...


هذا السؤال مشروع، بل ضروري. فالدين حين يدخل المجال العام قد يكون جسرًا للسلم، وقد يتحول إلى أداة سلطة. وقد يكون خطابًا لتحرير الإنسان من العنف والخوف، وقد يُستعمل غطاءً لمصالح سياسية واقتصادية. لذلك لا يكفي أن نقرأ المبادرة المغربية من زاوية الريبة وحدها، ولا من زاوية التزكية المطلقة وحدها. المطلوب هو ميزان أدق: أن نسأل عن خلفيتها التاريخية، ومفهومها القرآني، وسياقها الإفريقي، وحدودها السياسية، ووظيفتها في مواجهة إرهاب صار يستعمل اسم الله لقتل الإنسان.


فالإرهاب في إفريقيا، وخاصة في الساحل، لا يقتل الناس فقط، بل يعطل الدولة، ويفرغ القرى، ويقطع الطرق، ويوقف التعليم، ويخنق الاستثمار، ويدفع الشباب إلى الهجرة أو حمل السلاح. وفي خلفيته تتداخل هشاشة الدولة، والفقر، والتهريب، والصراع على الموارد، وآثار الاستعمار، وتنافس القوى الدولية، واستعمال الخطاب الديني المتطرف لتجنيد الغاضبين واليائسين.


ومن هنا يصبح اختزال المبادرة المغربية في مجرد “استعمال للدين في السياسة” قراءة ناقصة، وقد تكون مجحفة في بعض وجوهها؛ لأن مواجهة العنف الذي يتكلم باسم الله لا تكون بالبندقية وحدها، بل تحتاج إلى خطاب ديني جديد، وعلماء منفتحين على ما يطرحه الواقع من أسئلة شائكة، كما تحتاج إلى مناهج مدرسية جديدة، وزوايا صوفية تروج لخطاب إنساني حول دين المحبة، وتنمية مجتمعية، وعدالة اجتماعية، ومصالحة الإنسان الإفريقي مع الحياة.


كما أن تفاقم العنف بعد تراجع الحضور الفرنسي في بعض دول الساحل يُستعمل أحيانًا في الخطاب الدولي لإيصال رسالة خطيرة: أن القوى الاستعمارية السابقة كانت هي التي تحفظ الأمن، وأن الدولة الوطنية الإفريقية، بعد خروجها من عباءة الحماية الأجنبية، أصبحت عاجزة عن إنتاج السلم بنفسها. وهذه السردية ليست بريئة؛ لأنها تجعل إفريقيا تبدو كأنها لا تستطيع العيش إلا تحت وصاية أمنية خارجية.


لذلك فإن أي مبادرة إفريقية أو مغربية تحاول بناء قدرة ذاتية على مواجهة التطرف دينيًا وتنمويًا وأمنيًا تستحق أن تُقرأ أيضًا من زاوية التحرر من تلك الوصاية، لا من زاوية التوظيف السياسي وحدها.


لكن الإنصاف يقتضي أيضًا أن نحرر مفهوم إمارة المؤمنين مما علق به في التاريخ من صور الخلافة، والغلبة، والفتح بالسيف، وخلط الدين بالسلطان. فالمبادرة المغربية، في صورتها المعلنة، لا تبدو عودة إلى مشروع خلافة سلطوية عابرة للحدود، ولا محاولة لفرض إرادة سياسية على الدول الإفريقية، بل محاولة لتقديم خبرة دينية وروحية في مواجهة خطر مشترك.


غير أن هذه المحاولة لا تكتسب مشروعيتها الحقيقية إلا إذا بقيت في مقام التعاون لا الوصاية، وفي مقام التعارف لا الهيمنة، وفي مقام حماية الإنسان لا توسيع السلطان.


لذلك سيكون سؤال هذا المقال هو:


هل يمكن أن تتحول إمارة المؤمنين من مفهوم تاريخي ملتبس ارتبط أحيانًا بالسلطان والغلبة، إلى أمانة قرآنية لحماية المشترك الديني والإنساني في إفريقيا؟



أولًا: ليست خلافة جديدة ولا سلطة فوق الدول


لا ينبغي أن تُقرأ المبادرة المغربية في إفريقيا بوصفها عودة مقنّعة إلى مفهوم الخلافة التاريخية، ولا محاولة لإحياء مركز ديني فوق وطني يفرض سلطانه السياسي على الدول والشعوب. فهذا لا يعني إنكار الروابط التاريخية التي جمعت المغرب بعدد من فضاءات إفريقيا، من الصحراء وموريتانيا إلى السنغال وبلاد الساحل، حيث وُجدت أشكال من البيعة الروحية والدينية، والانتساب العلمي والصوفي، والاعتراف الرمزي بمكانة المغرب الدينية، خاصة عبر الزوايا والطرق الصوفية والعلماء والتجار.


لكن هذه البيعة، في جوهرها التاريخي الأعمق، لم تكن دائمًا بيعة سيادة سياسية بالمعنى الحديث، ولا عقد خضوع إداري لدولة مركزية، بقدر ما كانت في كثير من صورها رابطة روحية وسندًا دينيًا ورمزيًا، يقوم على الثقة والمحبة والتلقي العلمي والانتساب الصوفي. ومن هنا يجب التمييز بين بيعة روحية تحفظ الذاكرة الدينية المشتركة، وبين مشروع خلافة أو وصاية سياسية عابرة للحدود.


فالسياق المغربي المعاصر لا يتحدث عن إلزام الدول الإفريقية بمرجعية سلطانية، ولا عن نقل نموذج الحكم المغربي إلى خارج مجاله الدستوري، بل عن استحضار رصيد تاريخي وروحي يمكن أن يُوظف في التعاون الديني والعلمي، ومواجهة التطرف، وحماية السلم، دون المساس بسيادة الدول الإفريقية أو استقلال مؤسساتها الدينية والسياسية. فالمطلوب ليس أن تتحول إمارة المؤمنين إلى سلطة فوق وطنية، بل أن تُقرأ بوصفها خبرة روحية وتاريخية في تدبير الحقل الديني، تُعرض في مقام التعاون والتعارف، لا في مقام الإلزام والوصاية.


وبهذا المعنى، لا تكون البيعة الروحية جسرًا للهيمنة، بل ذاكرةً للتواصل؛ ولا تكون إمارة المؤمنين مشروع سلطان عابر للحدود، بل أمانةً في حماية السلم الديني، حين تبقى منضبطة بحدود السيادة، والعدل، والتعارف بين الشعوب. كما أن الأمر لا يتعلق بتطبيق المقولة المنسوبة إلى عثمان بن عفان: “إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”، بمعنى جعل السلطان أداة قهر ديني حين يعجز الوعظ عن التأثير. فالمبادرة، في صورتها المعلنة، لا تقوم على فرض سلطة سياسية باسم الدين، بل على بناء تعاون ديني وعلمي وروحي في مواجهة خطاب التكفير والعنف الذي يهدد إفريقيا والساحل.


وبالتالي فإمارة المؤمنين، حين تُطرح في هذا السياق، لا ينبغي أن تُفهم كبديل عن سيادة الدول الإفريقية، ولا كوصاية على علمائها ومؤسساتها الدينية، بل كخبرة تاريخية مغربية في تدبير الحقل الديني يمكن أن تُعرض للحوار والتعاون، لا للإلزام والهيمنة.


فالفرق كبير بين أن تقدم دولة تجربتها في تحصين المجال الديني من التطرف، وبين أن تدّعي حق القيادة الدينية والسياسية على غيرها من الشعوب.


ومن هنا يمكن القول بوضوح:


ليست المبادرة المغربية مشروع خلافة، ولا سلطة فوق الدول، ولا إمامة سياسية عابرة للحدود؛ إنها، في أحسن قراءاتها، محاولة لبناء جبهة علمية وروحية إفريقية ضد الإرهاب، بشرط أن تبقى في مقام التعاون لا الوصاية، وفي مقام التعارف لا الهيمنة.



ثانيًا: الإرهاب لا يُواجه بالأمن وحده


أثبتت التجارب الحديثة أن المقاربة الأمنية وحدها غير كافية في مواجهة الإرهاب. فالسلاح قد يوقف خلية، لكنه لا يحرر عقلًا من خطاب التكفير. والشرطة قد تمنع جريمة، لكنها لا تجيب عن سؤال الشاب الفقير الذي يبحث عن معنى، أو عدالة، أو كرامة، أو انتقام من عالم يراه ظالمًا.


الإرهاب ليس انحرافًا دينيًا فقط، ولا مشكلة أمنية فقط. إنه ثمرة اجتماع تأويل ديني فاسد مع واقع اجتماعي هش، حيث يجد خطاب العنف طريقه إلى نفوس مسحوقة تبحث عن معنى وقوة وانتقام.


لهذا كان من الضروري أن تجمع مواجهة الإرهاب بين ثلاث مقاربات:


المقاربة الأمنية لحماية الناس من العنف المباشر.

والمقاربة الدينية لتفكيك خطاب الغلو والتكفير واستباحة الدماء.

والمقاربة التنموية لمعالجة الفقر والهشاشة والبطالة وغياب الأفق.


فالجماعات المتطرفة لا تجند الناس باسم الاقتصاد فقط، بل باسم “الدين”، و“الجهاد”، و“الولاء”، و“الشهادة”، و“الحاكمية”. لذلك لا يمكن مواجهة هذا الخطاب بمجرد القمع؛ بل يجب تفكيكه من داخل النص، ومن داخل المفاهيم القرآنية: حرمة النفس، والعدل، والتبين، والتعارف، وعدم الإكراه، ورفض الغلو.


ومن هنا يكون للمبادرة المغربية معناها إذا فهمناها ضمن هذا الأفق: ليست مجرد نشاط دبلوماسي، بل محاولة لإحياء خطاب ديني إفريقي قادر على مقاومة العنف الذي يستعمل الدين ليهدم الدين والمجتمع معًا.


فحين تُستعمل الآيات لتبرير القتل، يحتاج الناس إلى علماء يردون الآيات إلى محكماتها. وحين يلبس البغي لباس الجهاد، يحتاج المجتمع إلى دعاة يميزون بين الدفاع عن المظلوم والعدوان على الأبرياء. وحين تُستغل هشاشة الفقراء باسم الجنة، يحتاج الدين إلى من يعيد إليه وظيفته الأصلية: هداية الإنسان لا تحويله إلى وقود للحروب السياسية.



ثالثًا: إحياء وظيفة العلماء في زمن الغلو


من أهم ما تحمله المبادرة المغربية، في وجهها الإيجابي، أنها تعيد الاعتبار لدور العلماء في مواجهة العنف والتطرف. فالمجتمعات لا تُحمى من الإرهاب بالقوة الأمنية وحدها، لأن الإرهاب لا يولد من السلاح فقط، بل من فكرة فاسدة، وتأويل منحرف، وجرأة على دماء الناس باسم المقدس.


ومن هنا يصبح دور العلماء ضروريًا: لا لإنتاج خطاب وعظي مكرر، بل لاجتهاد حيّ يعيد بناء المفاهيم، ويفكك خطاب التكفير، ويكشف زيف استباحة الدماء، ويرد الدين إلى مقاصده الكبرى في الرحمة، والعدل، والتعارف، وحفظ النفس، وكرامة الإنسان.


فإذا كان التطرف قد استغل الجهل والهشاشة والغضب ليجعل من الدين سلاحًا لتبرير العنف، فإن مسؤولية العلماء أن يجعلوا من الدين قوة تحرير وسلام، لا أداة تعبئة للقتل. وهذا لا يكون إلا باجتهاد مسؤول، يميز بين النص وتأويله، وبين الجهاد والقتال، والدفاع المشروع والعدوان، وبين الشجاعة والبغي، وبين نصرة المظلوم وتحويل المظلومين إلى وقود لصراعات لا تخدمهم.


وهنا تلتقي المبادرة مع معنى قرآني واسع:


﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13].


فالغاية من اختلاف الشعوب والقبائل ليست الغلبة، ولا الاستتباع، ولا تحويل الدين إلى راية صراع، بل التعارف. والتعارف هنا ليس مجرد معرفة سطحية، بل بناء علاقة تقوم على الاعتراف، والاحترام، والتعاون، وتبادل الخبرة، وحماية السلم المشترك.


فإذا كان العلماء الأفارقة يجتمعون على نشر قيم المحبة، والتسامح، والتعاون، والتضامن بين الشعوب المستضعفة، فإنهم لا يخدمون دولة بعينها فقط، بل يخدمون حاجة إنسانية ودينية عاجلة: حماية الإنسان الإفريقي من أن يُساق باسم الدين إلى العنف، أو باسم الفقر إلى اليأس، أو باسم الهوية إلى الكراهية.


وقيمة المبادرة، من هذه الزاوية، لا تكمن في توسيع سلطة دينية، بل في إحياء مسؤولية العلماء: أن يواجهوا الإرهاب من داخل المفهوم، وأن يعيدوا للدين وظيفته القرآنية بوصفه هداية ورحمة وعدلًا، لا راية قتل أو غلبة.



رابعًا: تحرير مفهوم إمارة المؤمنين من شوائب التاريخ


من أخطر ما يحتاجه هذا الموضوع هو تحرير مفهوم إمارة المؤمنين مما علق به في التاريخ الإسلامي من شوائب السلطان والغلبة. فقد ارتبط هذا المفهوم في تجارب كثيرة بالخلافة، والملك، والفتوحات، وتوسيع النفوذ، وجمع الغنائم، وقهر المخالفين، حتى صار في بعض الأزمنة عنوانًا للهيمنة لا للخدمة، وللسيف لا للأمانة.


والحقيقة أن كثيرًا مما سُمّي في التاريخ “فتحًا” لم يكن دائمًا حركة هداية خالصة، بل اختلط فيه الدين بالسلطان، والدعوة بالغنيمة، والرسالة بالمصلحة. وهذا لا ينقص من صدق المؤمنين الذين حملوا الدين بإخلاص، لكنه يمنعنا من تقديس التاريخ كله باسم الدين.


لذلك لا بد من إعادة المفهوم إلى الميزان القرآني.


فـ“أمير المؤمنين” لا ينبغي أن يكون، في القراءة القرآنية، أميرًا على أتباع مذهب، ولا قائدًا لطائفة مغلقة، ولا سلطانًا باسم جماعة دينية مخصوصة. فإذا كان القرآن يفتح أفق الإيمان على معيار أوسع من العصبية الطائفية، فإن مفهوم المؤمنين لا يجوز أن يُختزل في الانتماء التاريخي إلى أمة محمد وحدها بوصفها هوية مغلقة.


ومن هنا تبرز أهمية قوله تعالى:


﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 62].


هذه الآية لا تلغي خصوصية الرسالة القرآنية، لكنها تمنع احتكار الإيمان داخل عصبية مذهبية أو سياسية. فهي تجعل معيار النجاة مرتبطًا بالإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، لا بمجرد الانتماء الاسمي أو الطائفي.


ومن هنا، فإذا أُخذ مفهوم إمارة المؤمنين بمعناه القرآني الواسع، فهو لا يعني إمارة أتباع مذهب، ولا رئاسة طائفة، ولا وصاية على المسلمين وحدهم، بل مسؤولية أخلاقية عن حماية فضاء الإيمان، والعدل، والتعايش، والكرامة بين المؤمنين بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، مهما اختلفت مللهم وعقائدهم وشعائرهم وثقافاتهم وتقاليدهم.


بهذا المعنى، تصبح إمارة المؤمنين أمانة لا امتيازًا، ورعاية لا وصاية، وحفظًا للسلم لا توسعًا في السلطان.



خامسًا: الإسلام الإفريقي بين القوافل والزوايا


من المهم، في قراءة المبادرة المغربية، أن نستحضر أن حضور الإسلام في مناطق واسعة من إفريقيا لم يتشكل أساسًا بمنطق الفتح العسكري، بل بمنطق التجارة، والعلم، والتصوف، والصحبة، وحسن المعاملة.


لقد كانت القوافل المغربية تعبر الصحراء حاملة الملح والذهب والسلع المختلفة، لكنها حملت معها أيضًا اللغة، والفقه، والقرآن، والذكر، وأخلاق التعامل. ومع التجار سار العلماء والصلحاء وأهل الزوايا، فدخل الإسلام إلى القلوب من باب الثقة، والأمانة، وحسن المعاملة، والصحبة الصادقة، لا من باب القهر والغلبة والسعي وراء الغنائم التي ميزت الفتوحات الإسلامية المشرقية تاريخيا.


وفي هذا السياق لعبت الطرق الصوفية، وفي مقدمتها التيجانية وغيرها، دورًا عميقًا في ترسيخ إسلام إفريقي قائم على الذكر، والتربية، والسند الروحي، واحترام العلماء، وربط الدين بالسلم الاجتماعي لا بالعنف المسلح.


لذلك فإن الحديث اليوم عن إمارة المؤمنين في إفريقيا لا ينبغي أن يُفهم كعودة إلى منطق الخلافة أو الفتح أو الوصاية، بل يمكن أن يُقرأ، في أحسن وجوهه، بوصفه استدعاءً لذاكرة تاريخية أخرى: ذاكرة الإسلام الذي انتشر بالتعارف، والمحبة، والاحترام، والتجارة، والعلم، والزوايا، لا بالإكراه والسيف.


ولا يقتصر هذا الامتداد الروحي على غرب إفريقيا وحدها؛ فحتى في السودان، ما تزال الذاكرة الدينية تحتفظ بأثر الزوايا والطرق الصوفية، ومنها ذات الصلة بالمغرب ومجاله الروحي. ويشهد كثير من علماء السودان ومرتادي الزوايا بأن التصوف كان من أهم جسور انتشار الإسلام، لا بوصفه خطاب غلبة أو قهر، بل بوصفه تربية للروح، وذكرًا، ومجالس علم، وصحبة، وسلوكًا أخلاقيًا.


وما تزال بعض الساحات الصوفية، كما في أم درمان، تشهد اجتماعات روحية منتظمة يلتف فيها الناس عصر كل جمعة حول الذكر والإنشاد والتربية، باعتبارها غذاءً للروح وامتدادًا لذاكرة إسلامية دخلت المجتمعات من باب المحبة لا من باب السيف.


وهذا المعطى التاريخي مهم؛ لأنه يبيّن أن إفريقيا لم تعرف الإسلام في كثير من أقاليمها كسلطة عسكرية وافدة، بل كحضور روحي واجتماعي تدرّج عبر التجارة، والزوايا، والعلماء، والصحبة، والذكر.


لقد دخل الإسلام إلى كثير من دول إفريقيا على ظهور القوافل لا على ظهور الدبابات، وفي صحبة التجار والصلحاء لا في ظلال السيوف؛ لذلك فإن أي حديث مغربي عن الشأن الديني الإفريقي لا يكون مقنعًا إلا إذا ظل وفيًا لهذا الإرث: إرث التعارف، والسلم، والزوايا، لا إرث الغلبة والهيمنة.



سادسًا: الدبلوماسية الدينية ليست تهمة دائمًا


لا يمكن إنكار أن للدين بعدًا دبلوماسيًا في العلاقات الدولية. فالدول تستثمر لغتها، وثقافتها، وتاريخها، ومؤسساتها، ورصيدها الروحي لبناء علاقات خارجية. وهذا أمر معروف ومشروع في السياسة الدولية، ولا يخص المغرب وحده.


لكن وجود بعد دبلوماسي لا يعني بالضرورة أن المشروع استغلال فجّ للدين. فالسياسة والدين قد يتقاطعان في مجال السلم ومواجهة الإرهاب دون أن يعني ذلك آليًا تلاعبًا بالدين أو توظيفًا انتهازيًا له لأن هدفه الأساس هو إصلاح الانسان الذي هو مطلب الدين الأسمى.


تقاطع الهدف الديني مع المصلحة الدبلوماسية لا يكفي وحده للحكم على المشروع بأنه استغلال للدين؛ لأن مقاومة الإرهاب، وحماية السلم الروحي، وتحصين المجتمعات الإفريقية من خطاب التكفير، أهداف تتجاوز المصلحة الظرفية. لكن هذا التقاطع يفرض الشفافية والاحتراز حتى لا تتحول الرعاية الدينية إلى وصاية سياسية.


لذلك ينبغي أن يكون الميزان واضحًا:


إذا كانت المبادرة تعاونًا بين العلماء، وتبادلًا للخبرات، وتكوينًا للأئمة، ومواجهة فكرية للتطرف، وخدمة للسلم الإفريقي، فهي مبادرة ذات معنى.


أما إذا تحولت يومًا إلى احتكار للكلام باسم الدين، أو إلى وصاية على العلماء، أو إلى أداة لإخضاع الدول الإفريقية رمزيًا، أو إلى توسع سياسي مغطى بلغة روحية، فهنا يجب أن تُنتقد بوضوح.


لكن الحكم على المبادرة لا ينبغي أن ينطلق من سوء الظن، بل من تتبع وظيفتها ونتائجها وحدودها: هل تحمي الإنسان من العنف؟ هل تحرر الدين من التكفير؟ هل تفتح باب التعارف؟ هل تحترم سيادة الدول والعلماء والمجتمعات؟ أم تنقل الدين من يد المتطرف إلى يد السلطة دون تحريره مما علق به من شوائب؟



سابعًا: من الأمن الديني إلى التنمية


الإرهاب لا يعيش في الفراغ. إنه يحتاج إلى بيئة: فقر، تهميش، انهيار تعليم، غياب الدولة، حدود سائبة، تهريب، فساد، ذاكرة استعمارية، ويأس اجتماعي. لذلك لا تكفي مواجهة الإرهاب بخطبة دينية فقط، كما لا يكفي مواجهته بعملية أمنية فقط.


إذا كانت المبادرة المغربية تريد أن تكون عميقة، فلا بد أن تُفهم ضمن رؤية أوسع: الأمن، والدين، والتنمية، والتضامن بين الشعوب المستضعفة.


فالشاب الإفريقي الذي يقع في يد جماعة متطرفة لا يُختطف دائمًا لأنه درس نصوصًا دينية خطأ فقط. قد يُختطف لأنه جائع، مهمّش، غاضب، بلا مدرسة، بلا دولة، بلا أفق، ثم يجد من يقول له: إن العنف هو الطريق إلى الكرامة، وإن القتل هو الطريق إلى الجنة، وإن العالم كله عدو ينبغي محاربته.


هنا يصبح الجهل بالقرآن جزءًا من المشكلة، لكنه لا يكون المشكلة كلها. فالفقر والهشاشة والظلم وغياب التنمية تفتح أبوابًا واسعة أمام خطاب التطرف. ولذلك فإن مقاومة الإرهاب تحتاج إلى تحرير العقول من التأويل الفاسد، كما تحتاج إلى تحرير المجتمعات من الفقر والمهانة وغياب العدالة.


ومن هنا يمكن أن تكون المبادرة المغربية ذات قيمة إذا لم تفصل بين الدين والتنمية، ولم تجعل العلماء بديلًا عن العدالة الاجتماعية، بل جعلت الخطاب الديني جزءًا من مشروع أوسع لحماية الإنسان الإفريقي من العنف واليأس والاستغلال.


فالدين الذي لا يدافع عن المستضعفين يتحول إلى خطاب من خشب. والتنمية التي لا تحترم القيم تتحول إلى عمران بلا روح. والأمن الذي لا يسنده عدل يتحول إلى قمع. لذلك لا بد من مقاربة مركبة: أمن يحمي، وعلم يهدي، وتنمية تفتح الأفق.



ثامنًا: إمارة المؤمنين كأمانة لا كامتياز


في ضوء ما سبق، لا ينبغي أن نفهم إمارة المؤمنين بوصفها لقبًا سلطانيًا، أو امتيازًا تاريخيًا، أو رأس مال دينيًا يُستثمر في السياسة الخارجية. إذا بقيت كذلك، فإنها لن تضيف شيئًا إلى تاريخ طويل من خلط الدين بالسلطة.


أما إذا أُعيد فهمها بميزان القرآن، فإنها يمكن أن تصبح أمانة: أمانة في حماية الدين من العنف، وحماية الإنسان من التكفير، وحماية المجتمع من الفتنة، وحماية المشترك الإنساني من منطق الصراع.


الأمير، في هذا المعنى، ليس من يملك الناس باسم الدين، بل من يحمي حقهم في السلم والعدل والكرامة. وليس من يفرض الإيمان، بل من يمنع تحويل الإيمان إلى ذريعة للقتل. وليس من يستعمل العلماء لتثبيت السلطان، بل من يفتح لهم باب الاجتهاد كي يواجهوا العنف بالعلم، والغلو بالحكمة، واليأس بالأمل.


وهنا يحضر قوله تعالى:


﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256].


فأي إمارة للمؤمنين لا تستقيم إذا تحولت إلى إكراه. وأي رعاية دينية تفقد معناها إذا صارت وصاية. وأي خطاب عن السلم يفقد روحه إذا لم يحترم حرية الإنسان وكرامته.


كما يحضر قوله تعالى:


﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].


وهذه الآية وحدها تكفي لهدم كل خطاب يجعل الدين طريقًا إلى استباحة الدم. فمن أراد أن يحمي الدين في إفريقيا، فليبدأ بحماية النفس الإنسانية من أن تُقتل باسم الله.



خاتمة


ليست المبادرة المغربية في إفريقيا مجرد عنوان بروتوكولي، ولا ينبغي أن تُختزل في دبلوماسية دينية تبحث عن النفوذ، كما لا ينبغي أن تُقرأ قراءة مثالية تجعلها فوق السؤال والمراجعة. إنها مبادرة تتحرك في منطقة دقيقة، حيث يتقاطع الدين بالسياسة، والأمن بالتنمية، والتاريخ بالمستقبل، والمصلحة الوطنية بالحاجة الإفريقية إلى السلم.


والإنصاف يقتضي أن نقول: إذا كان الإرهاب يختطف الدين ليهدم الإنسان، فمن حق المجتمعات أن تستدعي العلماء، والزوايا، والذاكرة الروحية، والتجارب الدينية المعتدلة، لتعيد للدين وظيفته الأصلية في الرحمة والعدل والتعارف.


لكن الحذر يقتضي أيضًا أن نقول: لا شرعية لأي رعاية دينية إذا تحولت إلى وصاية، ولا قيمة لأي حديث عن إمارة المؤمنين إذا أعاد إنتاج منطق السلطان والغلبة، ولا معنى لأي دبلوماسية دينية إذا لم تجعل الإنسان، لا النفوذ، غايتها الأولى.


إمارة المؤمنين، بميزان قرآني، ليست خلافة جديدة، ولا سلطة عابرة للحدود، ولا حقًا في قيادة الشعوب من فوق. إنها، في أحسن معانيها، أمانة لحماية المشترك الديني والإنساني من العنف، والتكفير، والاستغلال، واليأس.


فإذا ظلت المبادرة في مقام التعاون بين العلماء، وخدمة السلم الإفريقي، وتحصين الشباب من خطاب الموت، وربط الدين بالتنمية والكرامة، فإنها تكون امتدادًا لذاكرة الإسلام الذي دخل إفريقيا بالقوافل والزوايا والمحبة.


أما إذا انحرفت يومًا إلى منطق الوصاية والهيمنة، فإن الميزان القرآني نفسه سيكون أول ما يدعو إلى مراجعتها.


ذلك أن الدين لم ينزل ليكون سلاحًا في يد جماعة، ولا غطاءً لسلطة، ولا أداة نفوذ بين الدول، بل هدى للناس، ورحمة للعالمين، وميزانًا يرد الإنسان إلى الله، ويرد السياسة إلى العدل، ويرد الشعوب إلى التعارف لا الغلبة.


فالإسلام الذي تحتاجه إفريقيا اليوم ليس إسلام السيف ولا إسلام الوصاية، بل إسلام العلم، والرحمة، والتعارف، والاحترام، والتنمية، وحماية الإنسان من أن يُقتل مرتين: مرة بالفقر، ومرة باسم المقدس.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق