عندما تفقد كرة القدم براءتها
لم تعد كرة القدم، في نسختها العالمية الكبرى، مجرد لعبة تدور بين قدم وكرة وجمهور ينتظر النتيجة بشغف. لقد تحولت، بفعل تضخم المال والإعلام والسياسة والمراهنات، إلى صناعة كونية تتداخل فيها المصالح الرياضية بالاقتصادية، والحسابات التجارية بالرمزية السياسية، وصورة المنتخبات الكبرى بميزان الإشهار والرعاية والبث التلفزيوني. ومن هنا، لم يعد السؤال عن نزاهة مباراة ما مجرد انفعال جماهيري عابر، بل أصبح سؤالًا مشروعًا كلما تراكمت قرائن الغموض، وتكررت قرارات التحكيم المثيرة، وظهر أن بعض المنتخبات الكبرى تحظى بمعاملة مختلفة في اللحظات الحاسمة.../...
هذا لا يعني أن كل هزيمة غير مفهومة دليل على التلاعب، ولا أن كل قرار تحكيمي خاطئ جزء من مؤامرة. كرة القدم تعرف الأخطاء، واللاعبون ينهارون، والمدربون يسيئون التقدير، والحكام يخطئون حتى مع وجود التقنية. غير أن المشكلة تبدأ حين لا يظهر الخطأ معزولًا، بل ضمن سياق أوسع: تسييس الفيفا، تضخم سوق المراهنات، غموض قرارات تقنية الفيديو، اختيار حكام تثير جنسيتهم وأسئلتهم الرمزية حساسية إضافية، ووجود إحساس عام لدى الجماهير بأن بعض المسارات تبدو وكأنها تُدفع دفعًا نحو تأهيل منتخبات بعينها إلى الأدوار النهائية.
في هذا السياق جاءت مباراتا مصر والأرجنتين، ثم المغرب وفرنسا، لتفتحا بابًا واسعًا من الشكوك والأسئلة. فقد خرجت مصر من دور الستة عشر أمام الأرجنتين بنتيجة 3-2 بعد مباراة مثيرة، اعترضت بعدها الجامعة المصرية لكرة القدم على التحكيم وقرارات تقنية الفيديو، بينما نقلت وكالة أسوشيتد برس أن الاتحاد المصري عبّر عن عدم رضاه العميق عن قرارات الحكم والـVAR، وأن المدرب حسام حسن وعددًا من اللاعبين انتقدوا التحكيم بعد عودة الأرجنتين بثلاثة أهداف في ثلاث عشرة دقيقة. كما نقلت سكاي سبورتس عن حسام حسن قوله إن التحكيم كان “غير عادل”، وإن البطولة بدت “موجهة نحو الأرجنتين”، مع الإشارة إلى أن سكاي طلبت تعليق الفيفا على هذه التصريحات.
ولم تكن المسألة مجرد غضب مصري بعد الإقصاء. فقد تحدثت تقارير إعلامية عن جدل واسع حول قرار من تقنية الفيديو ألغى هدفًا مصريًا في الشوط الثاني، وعن مطالبات مصرية رسمية بمراجعة أداء الحكم والطاقم التحكيمي. وكانت المفارقة أن الحكم الرئيسي في تلك المباراة كان الفرنسي فرانسوا لوتكسييه، كما ظهر في صور المباراة وهو يحاور محمد صلاح أثناء لقاء الأرجنتين ومصر. وهنا بدأ السؤال يأخذ بعدًا رمزيًا: هل من الحكمة، في مباراة حاسمة لمنتخب الأرجنتين، أن يقودها حكم فرنسي، بينما يمكن أن تلتقي فرنسا والأرجنتين لاحقًا في مسار البطولة أو تتقاطع مصالحهما الرياضية والإعلامية في المربع الذهبي؟
قد يقال إن جنسية الحكم لا تعني شيئًا ما دام الحكم محترفًا. وهذا صحيح من حيث المبدأ. لكن كرة القدم الحديثة لا تدار بالمبدأ وحده، بل أيضًا بإدارة صورة النزاهة. فالعدالة لا يكفي أن تكون موجودة، بل ينبغي أن تظهر كذلك بوصفها عدالة لا تثير الشبهة. وحين تكون المباراة حساسة، والمنتخب المعني من كبار المرشحين، والسياق العام مشحونًا بالمراهنات والمصالح التجارية، يصبح اختيار الحكم نفسه جزءًا من رسالة الثقة أو سببًا في تقويضها.
ثم جاءت مباراة المغرب وفرنسا في ربع النهائي لتضاعف الشعور ذاته. فقد عُيّن الحكم الأرجنتيني فاكوندو تيلو لقيادة المباراة، ضمن طاقم تحكيمي أرجنتيني، وهو اختيار أثار ردود فعل واسعة قبل انطلاق اللقاء. وقد ذكرت تقارير صحفية أن الطاقم التحكيمي لمباراة فرنسا والمغرب كان أرجنتينيًا بالكامل، وأن ذلك أثار انتقادات ومخاوف من شبهة التحيز، خصوصًا في ظل الجدل السابق حول مباراة الأرجنتين ومصر. كما أفردت الصحافة الدولية مقالات للتساؤل عن هذا الاختيار، وعن رمزيته في مباراة تقود إلى نصف النهائي.
مرة أخرى، لا يعني كون الحكم أرجنتينيًا أنه متحيز بالضرورة، ولا يعني أن الطاقم الأرجنتيني جاء لتنفيذ خطة ما. لكن السؤال المشروع هو: لماذا تختار الفيفا طاقمًا من جنسية واحدة في مباراة بهذا الحجم والحساسية، وفي بطولة مشحونة أصلًا بالحديث عن الأرجنتين وفرنسا وميسي ومبابي وسوق الصورة العالمية؟ أليس من الأفضل، حتى من باب الوقاية من الشبهة، توزيع المسؤوليات التحكيمية بين جنسيات مختلفة، أو اختيار طاقم من دولة بعيدة تمامًا عن مسار المنتخبات الكبرى المعنية؟
إن المشكلة هنا ليست في جنسية الحكم بذاتها، بل في إدارة الفيفا للثقة العامة. فحين يشعر الجمهور بأن حكامًا من بلد منتخب كبير يقودون مباراة قد تؤثر، مباشرة أو رمزيًا، في مصلحة ذلك المنتخب أو في صورة البطولة، فإن الفيفا تكون قد أخطأت حتى لو كان الحكم نزيهًا. ذلك أن النزاهة في البطولات العالمية ليست فقط امتناعًا عن الفساد، بل هي أيضًا تجنب لكل ما يفتح الباب لتأويل الفساد.
أما داخل الملعب، فقد وصفت المباراة بأنها مباراة "بونو ضد فرنسا"، بسبب أداء المنتخب المغربي الذي عمّق الشكوك حول أدائه. لم يخسر المغرب فقط أمام فرنسا، بل ظهر، في نظر كثير من المراقبين والمغاربة، خارج شخصيته الكروية. الفريق الذي عُرف بالقتالية والانضباط والضغط والتحولات السريعة بدا هذه المرة باهتًا، يساير الإيقاع الفرنسي بدل أن يفرض إيقاعه، وينتظر ما ستفعله فرنسا بدل أن يطرح عليها أسئلة تكتيكية. وقد وصف متابعون وصحفيون أداء المغرب بأنه غريب وخافت بل وغير مفهوم، بل إن تغطية الغارديان للمباراة نقلت تعليقات تشير إلى أن المغرب بدا وكأنه “لم يحضر”، وأن أداءه كان باهتًا إلى درجة غير مألوفة في ربع نهائي كأس العالم من فريق بمستواه.
ولا يتعلق الأمر بالنتيجة وحدها. فالهزيمة أمام فرنسا ممكنة ومفهومة، لأنها منتخب قوي يملك لاعبين كبارًا وعمقًا فنيًا هائلًا. لكن غير المفهوم هو الطريقة. أين كانت خطة المغرب؟ هل قرر الدفاع المنخفض؟ لم يظهر ذلك بوضوح. هل قرر الضغط العالي؟ لم يحدث. هل قرر اللعب على التحولات؟ لم تكن هناك سرعة ولا دقة كافية. هل قرر غلق العمق وترك الأطراف؟ لم تكن هناك صلابة واضحة. بدا الفريق وكأنه دخل المباراة بلا خيار حاسم: لا هو دافع بضراوة، ولا هاجم بجرأة، ولا كسر إيقاع فرنسا، ولا أدار لحظات المباراة بمنطق منتخب يريد التأهل إلى نصف النهائي.
حتى الأخطاء الفردية بدت أكبر من مجرد أخطاء عادية. حين يضيع لاعب بقيمة أشرف حكيمي كرات أو فرصًا بطريقة بدائية لا تليق بخبرته ولا بمستواه، فإن السؤال لا يعود سؤال تقنية فقط، بل سؤال حالة ذهنية عامة. اللاعب الكبير لا يفقد بساطة القرار في مباراة كبرى إلا إذا كان يعيش ضغطًا نفسيًا غير عادي، أو إذا كان الفريق كله فاقدًا للوضوح، أو إذا كان الإعداد الذهني والتكتيكي لم يبلغ مستوى الحدث. وهنا يصبح من حق الجمهور المغربي أن يسأل: ماذا وقع قبل المباراة؟ ولماذا بدا المدرب حزينًا ومتجهمًا قبل انطلاقها؟ ولماذا غابت الخطة الدفاعية والهجومية معًا؟ ولماذا لم تظهر ردّة فعل حقيقية بعد الهدف الأول؟
لكن الإنصاف يقتضي أيضًا أن نميز بين مستويين. المستوى الأول هو الشك المشروع في الأداء، وفي التحكيم، وفي سياق الفيفا العام. وهذا شك له ما يبرره من حيث تراكم القرائن والأسئلة. أما المستوى الثاني فهو الجزم بأن هناك خطة رتبت لإخراج مصر والمغرب وتأهيل الأرجنتين وفرنسا إلى المربع الذهبي. هذا الاستنتاج، مهما بدا مغريًا للجمهور الغاضب، يحتاج إلى أدلة لا إلى انطباعات: وثائق، اتصالات، تسريبات، رهانات غير عادية، قرارات داخلية، أو تحقيق مستقل يثبت العلاقة بين الاختيارات التحكيمية والنتائج النهائية.
ومع ذلك، فإن غياب الدليل لا يعني غياب المشكلة. فالقضية الأخطر أن الفيفا باتت، في نظر كثيرين، عاجزة عن حماية صورة النزاهة. فاللعبة اليوم محاطة بسوق مراهنات ضخمة، ومصالح بث ورعاية، وضغط سياسي وإعلامي، ورغبة دائمة في بقاء النجوم والمنتخبات الأكثر تسويقًا داخل البطولة إلى أبعد مدى ممكن. وفي هذا المناخ، يصبح القمار الرياضي عنصرًا خطيرًا، لا لأنه يثبت التلاعب في كل مباراة، بل لأنه يخلق دافعًا ماليًا هائلًا يجعل كل قرار تحكيمي أو تقني أو تأديبي قابلًا للريبة.
فالمراهنات لا تتعلق فقط بمن يفوز أو يخسر. إنها تمتد إلى الأهداف، والبطاقات، وركلات الجزاء، والتبديلات، وعدد الركنيات، وتوقيت الأهداف، وتأهل هذا الفريق أو ذاك. وحين تدخل هذه التفاصيل في سوق مالية عالمية، يصبح أي غموض في التحكيم أو الـVAR أو تعيين الحكام خطرًا مضاعفًا. فاللعبة التي كانت تقوم على الخطأ البشري المقبول أصبحت محاطة بتكنولوجيا يفترض أنها تقلل الجدل، لكنها في أحيان كثيرة زادت الشكوك بسبب غياب الشفافية وتفاوت تطبيق المعايير. وقد تحدثت رويترز عن انتقادات واسعة لاستخدام تقنية الفيديو في مونديال 2026، وعن شكاوى من عدم الاتساق ومن تضخم دور التكنولوجيا في قرارات أثارت جدلًا واسعًا، منها حالات في مباريات خروج المغلوب.
من هنا، فإن السؤال لم يعد: هل ظلم الحكم مصر؟ أو هل ظلم الحكم المغرب؟ بل صار أوسع من ذلك: هل تملك الفيفا نظامًا شفافًا بما يكفي ليقنع العالم بأن النتائج تصنع داخل الملعب وحده؟ هل تعلن معايير اختيار الحكام بوضوح؟ هل تنشر حوارات غرفة الـVAR في الحالات الحاسمة؟ هل تفسر لماذا يختار طاقم من جنسية واحدة لمباراة حساسة؟ هل تكشف العلاقة بين المراهنات والرعاة والإعلانات ومصالح البث؟ هل تسمح بتحقيق مستقل حين تتكرر الشبهات في مباريات تؤهل منتخبات كبرى؟
إن القول بإن بعض التحليلات تذهب إلى وجود خطة لتأهيل الأرجنتين وفرنسا إلى المربع الذهبي بدل مصر والمغرب ليس اتهامًا يمكن اعتماده كحقيقة نهائية، لكنه مؤشر على حجم انهيار الثقة. فحين يصل جمهور واسع إلى هذا النوع من الاستنتاج، فذلك يعني أن الفيفا فشلت في إقناع الناس بأن المسار الرياضي محصن من السياسة والمال والمراهنات. وهذه وحدها أزمة كبرى، حتى لو لم يثبت وجود تلاعب مباشر.
فالرياضة لا تعيش بالنتائج وحدها، بل بالثقة في أن النتيجة وُلدت من تنافس عادل. وحين يشعر جمهور مصر أن فريقه أُخرج بقرارات مشبوهة أمام الأرجنتين، ويشعر جمهور المغرب أن فريقه دخل مباراة فرنسا وكأنه منزوع الإرادة وبلا خطة، ثم يكتشف الجمهور أن الحكم الفرنسي قاد مباراة الأرجنتين ومصر، وأن طاقمًا أرجنتينيًا قاد مباراة فرنسا والمغرب، فإن الفيفا لا تستطيع أن تطلب من الناس أن ينسوا كل ذلك باسم “احترام الحكام”. احترام الحكام واجب، لكن مساءلة منظومة التحكيم أوجب.
المطلوب اليوم ليس الانجرار وراء الغضب ولا تبرئة الفيفا باسم الاحتراف. المطلوب هو تحقيق مستقل في القرارات المثيرة للجدل، ونشر معايير تعيين الحكام، وتوضيح دور غرفة الفيديو، ومنع كل ما يمكن أن يخلق تضارب مصالح أو شبهة سياسية أو تجارية. كما ينبغي فصل كرة القدم قدر الإمكان عن ضغط الرؤساء والحكومات والمراهنات، لأن اللعبة حين تدخل مثلث السياسة والمال والقمار تفقد براءتها، ويصبح كل هدف موضع سؤال، وكل صافرة قابلة للتأويل.
في النهاية، قد تكون فرنسا قد فازت لأنها كانت أقوى. وقد تكون الأرجنتين قد تأهلت لأنها عرفت كيف تعود في المباراة في الدقائق الأخيرة. وقد يكون المغرب قد خسر لأنه لم يحضر ذهنيًا وتكتيكيًا وغاب عن المربع الأخضر بدنيا وفنيا. وقد تكون مصر قد دفعت ثمن لحظات انهيار بعد تقدمها. كل هذا ممكن. لكن الممكن الآخر، والأخطر، أن تكون الفيفا قد صنعت، بقلة شفافيتها وسوء اختياراتها وتداخل مصالحها، مناخًا يجعل الجمهور لا يصدق البراءة حتى عندما تكون موجودة.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية: ليس فقط في أن تكون المباراة مشبوهة، بل في أن تصبح كرة القدم كلها قابلة للشبهة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق