الإسلامويون بعد السلطة:
حين تتحول الديمقراطية إلى سلّم مؤقت والدولة إلى شماعة
لا تكمن خطورة بعض الخطب السياسية في الكلمات التي تُقال فقط، بل في ما تكشفه تلك الكلمات من تحولات أعمق في البنية النفسية والسياسية لصاحبها. فالشتيمة، حين تصدر عن شخص عابر، قد تكون انفعالًا لحظيًا. أما حين تصدر عن زعيم حزبي سابق، ورئيس حكومة سابق، وأمين عام لحزب عرف تجربة طويلة في السلطة، فإنها لا تعود مجرد لفظة ساقطة في مهرجان خطابي، بل تصبح علامة سياسية تستحق القراءة.
من هنا لا ينبغي التعامل مع خرجة عبد الإله بنكيران الأخيرة بوصفها زلة لسان معزولة، أو مجرد لحظة غضب في سياق انتخابي متوتر. فالرجل لم يعد يتكلم من موقع معارضة تملك مشروعًا بديلًا، ولا من موقع زعامة حزبية تريد إقناع المجتمع ببرنامج جديد، بل من موقع سياسي يختلط فيه الحنين إلى زمن النفوذ، بألم الهزيمة، وبمحاولة استعادة الأضواء عبر الصدام اللفظي.../...
فالشتيمة هنا ليست مجرد انفلات لسان، بل علامة على مأزق سياسي أوسع: مأزق تيار دخل الدولة باسم الأخلاق، وشارك في السلطة باسم الإصلاح، ثم حين لفظته صناديق الاقتراع عاد إلى قاموس الضحية، والمظلومية، والخصومة، وصناعة الأعداء.
فالمشكلة لا تبدأ من لفظة “قندوح”، ولا تنتهي عند شخص هذا المستشار أو ذاك. المشكلة أن الخطاب الإسلاموي، حين يعجز عن مواجهة حصيلته في الحكم، يلجأ إلى تحويل النقاش من سؤال المسؤولية إلى سؤال المؤامرة. وبدل أن يسأل نفسه: ماذا فعلنا حين حكمنا؟ ماذا وعدنا؟ ماذا أنجزنا؟ ماذا خذلنا؟ يذهب مباشرة إلى السؤال الأسهل: من تآمر علينا؟ من حاربنا؟ من منعنا؟ من أسقطنا؟
فالسياسة، في أصلها، فعل إقناع. وحين يعجز الخطاب السياسي عن الإقناع، يلجأ أحيانًا إلى الاستثارة. وحين تضيق مساحة الفكرة، تتسع مساحة الشتيمة. وحين يغيب المشروع، يُستدعى الخصم. وهذا بالضبط ما تكشفه خرجات بنكيران الأخيرة: انتقال تدريجي من خطاب سياسي كان، مهما اختلف الناس معه، قادرًا على التعبئة والتواصل، إلى خطاب غاضب يبحث عن خصوم أكثر مما يبحث عن حلول.
هذه هي آلية الهروب الكبرى في الخطاب الإسلاموي بعد السلطة: تحويل الفشل إلى مظلومية، وتحويل المحاسبة إلى استهداف، وتحويل الناخب إلى ضحية تضليل، وتحويل الدولة إلى خصم غامض يصلح لتفسير كل شيء. وحين يصبح كل إخفاق نتيجة “تحكم”، وكل هزيمة نتيجة “مؤامرة”، وكل نقد نتيجة “استهداف”، يصبح من المستحيل تقريبًا أن تنشأ مراجعة سياسية جادة.
لقد دخل الإسلامويون تجربة الحكم في المغرب وهم يقدمون أنفسهم بوصفهم البديل الأخلاقي عن السياسة التقليدية. قالوا إنهم أنظف، وأقرب إلى الناس، وأكثر وفاء للهوية، وأقدر على مقاومة الفساد. غير أنهم حين جلسوا على كرسي السلطة، اكتشف المغاربة أن الأخلاق المرفوعة في الخطاب لا تكفي لتدبير الدولة، وأن الوعظ لا يعوض الكفاءة، وأن الحديث باسم الدين لا يقدم حلولًا تلقائية للتعليم والصحة والشغل والعدالة الاجتماعية.
بل إن جزءًا من المفارقة أن الإسلامويين، حين كانوا في المعارضة، تحدثوا كثيرًا عن الشعب والضعفاء والمقهورين، لكنهم حين دخلوا الحكومة مرروا قرارات موجعة، ودافعوا عن اختيارات اجتماعية قاسية، وقبلوا منطق الإكراهات، ثم طلبوا من الناس أن يفهموا ما كانوا هم أنفسهم يرفضون فهمه حين كان غيرهم يحكم. وهنا انكشف الفرق بين خطاب الطهرانية في المعارضة، وبراغماتية السلطة حين تصبح الكراسي قريبة.
ولذلك فإن هزيمة 2021 لم تكن مجرد حادث انتخابي. كانت عقوبة سياسية واجتماعية على فجوة كبرى بين الوعد والممارسة. عاقب المغاربة حزب العدالة والتنمية لأنهم رأوا، بعد عشر سنوات، أن الحزب الذي صعد باسم الإصلاح لم يعد قادرًا على إقناعهم بأنه مختلف جوهريًا عمن سبقه. بل بدا في لحظات كثيرة أكثر حرصًا على البقاء داخل اللعبة منه على تغيير قواعدها، وأكثر استعدادًا لتبرير الإكراهات منه لمصارحة الناس بحدود تجربته. وبذلك سقط شعار “التغيير من داخل السلطة” الذي روج له الإسلامويون زمن الربيع العربي.
غير أن بنكيران، بدل أن يقرأ هذا الزلزال باعتباره رسالة من المجتمع، يحاول أن يعيد تأويله بوصفه نتيجة قوى خفية. وهنا يظهر جوهر المشكلة في علاقة الإسلامويين بالديمقراطية. فهم يقبلون الديمقراطية حين تحملهم إلى السلطة، ويشككون في معناها حين تنزع منهم الشرعية. يقدسون الصندوق حين يمنحهم الأغلبية، لكنهم يفتشون عن “التحكم” حين يعاقبهم الناخب. يحتفون بإرادة الشعب حين تكون في صالحهم، ثم يلمحون إلى أن الشعب خُدع أو ضُلّل أو دُفع إلى معاقبتهم حين يصوت ضدهم.
هذه ليست ديمقراطية ناضجة، بل استعمال أداتي للديمقراطية. الديمقراطية هنا ليست ثقافة قبول بالتداول والمحاسبة، بل سلّم للوصول إلى الحكم. فإذا أوصلتهم الصناديق قالوا: هذه إرادة الأمة. وإذا أخرجتهم قالوا: هناك من تآمر على الأمة. وهكذا يصبح الشعب واعيًا حين يصوت لهم، وقاصرًا أو مخدوعًا حين يصوت ضدهم.
وهذا بالضبط ما يجعل خطاب بنكيران اليوم خطرًا على النقاش العمومي. فهو لا يقدم نقدًا سياسيًا محددًا، ولا يعرض مراجعة لتجربة حزبه، ولا يقترح بديلًا واضحًا، بل يعيد تسخين معجم قديم: التحكم، الخصوم، المعرقلون، مراكز النفوذ، والذين لا يريدون للإصلاح أن ينجح. وهذه اللغة، وإن كانت قادرة على تحريك جزء من الجمهور الحزبي، فإنها تعفي الإسلامويين من السؤال الأصعب: ماذا فعلتم حين كانت لكم رئاسة الحكومة والوزارات والبرلمان والشرعية الانتخابية؟
المسكوت عنه في كلمة بنكيران أنه لا يريد محاكمة تجربته في الحكم، بل يريد محاكمة من يزعم أنهم منعوه من الحكم كما أراد. غير أن هذا المنطق لا يصمد أمام سؤال بسيط: إذا كنتم قد حكمتم عشر سنوات، فلماذا يحق لكم أن تنسبوا ما تعتبرونه إنجازًا إلى أنفسكم، وأن تنسبوا ما يعتبره الناس إخفاقًا إلى غيركم؟ بأي منطق يصبح النجاح لكم، والفشل على الدولة العميقة؟ بأي منطق تكونون أصحاب القرار حين تريدون الفخر، وضحايا القرار حين تبدأ المحاسبة؟
هنا يتجلى مأزق الإسلامويين مع الدولة. فهم يريدون الدولة حين تمنحهم الشرعية والمؤسسات والميزانيات والمناصب، لكنهم يعودون إلى اتهامها حين تطالبهم الحصيلة بالكلام. يريدون الدولة حين يكونون داخلها، ويعادون “الدولة العميقة” حين يكونون خارجها. يستفيدون من قواعد اللعبة حين تصعد بهم، ثم يهاجمون قواعدها حين تسقطهم. وهذا ما يجعل علاقتهم بالدولة علاقة ملتبسة: لا هم يقطعون معها، ولا هم يندمجون فيها بوضوح؛ لا هم معارضة جذرية، ولا هم قوة مؤسساتية كاملة؛ بل يتحركون بين الداخل والخارج بحسب المصلحة الخطابية.
ومن هنا يمكن فهم استهداف بنكيران لمستشاري الملك. فهو لا يهاجمهم لأنهم ينافسونه انتخابيًا، فهم لا يقودون حزبًا ولا يطلبون أصواتًا. إنه يهاجمهم لأنهم يسمحون له بإعادة بناء صورة الخصم الرمزي: خصم قريب من مركز القرار، لكنه ليس الملك نفسه؛ حاضر في المخيال السياسي، لكنه غير حاضر في الحلبة الانتخابية؛ يصلح لأن يُحمّل جزءًا من مسؤولية الهزيمة دون الدخول في مواجهة صريحة مع المؤسسة الملكية.
هذه طريقة قديمة في الخطاب الإسلاموي: الاقتراب من مركز السلطة دون الاصطدام به مباشرة؛ التلويح دون التصريح؛ الإيحاء دون تحمل كلفة الاتهام الكامل. يقال للجمهور إن المشكلة في “المحيط”، في “المستشارين”، في “التحكم”، في “من لا يريدون الإصلاح”، لكن لا تُقدم أدلة دقيقة ولا تُبنى مواجهة سياسية واضحة. إنها سياسة الظلال: تسمية جزئية، اتهام ضمني، وتعبئة وجدانية.
غير أن هذه الطريقة تضر بالديمقراطية أكثر مما تخدمها. لأن الديمقراطية تحتاج إلى وضوح في المسؤولية. إذا كان الخلاف مع سياسة عمومية، فليُنتقد القرار. وإذا كان الخلاف مع مؤسسة، فليُطرح النقاش دستوريًا وسياسيًا. أما تحويل أشخاص في محيط القرار إلى أعداء رمزيين، فهو لا يبني وعيًا ديمقراطيًا، بل يعمق ثقافة الغموض والتلميح والخصومة الشخصية.
والأخطر أن بنكيران لا يكتفي باستدعاء خصم سياسي، بل يلامس أحيانًا مناطق هوياتية حساسة. فالهجوم على أندري أزولاي، مثلًا، بما يمثله من رمزية يهودية مغربية، ومن ارتباط بمدينة الصويرة وصورة التعايش والانفتاح، لا يمكن فصله تمامًا عن السياق الثقافي والجمهور المتلقي. قد يقول بنكيران إنه ينتقد سياسيًا لا هوياتيًا، وهذا ممكن من حيث التصريح. لكن الخطاب لا يُقرأ بالنوايا وحدها، بل بما يثيره من إيحاءات، وبما يعرف المتكلم أنه يمكن أن يحرّكه داخل جمهوره.
وهنا تظهر إحدى آفات الخطاب الإسلاموي: القدرة على استخدام الهوية دون الاعتراف باستخدامها. فهو قد لا يقول صراحة إنه يستهدف شخصًا بسبب دينه أو خلفيته العرقية، لكنه يختار كلمات وسياقات يعرف أنها تشتغل في وجدان محافظ، وتوقظ حساسيات عميقة تجاه “الآخر” الديني، أو العرقي، أو الثقافي، أو الحداثي. ثم إذا انتُقد، قال: أنا لم أقل ذلك. وهذه لعبة خطيرة؛ لأنها تسمح بإطلاق الإشارة الفتنوية ثم التنصل من معناها.
إن المغرب، مهما كانت أعطابه السياسية والاجتماعية، بنى جزءًا معتبرًا من صورته الحديثة على التعدد الإثني والتعايش الديني، واستعادة الذاكرة اليهودية المغربية، وتقديم نفسه باعتباره بلدًا للتسامح لا للكراهية والإقصاء والتحريض. ولذلك فإن استهداف رمز من هذا المجال بلغة سوقية، وفي مدينة ذات رمزية مثل الصويرة، لا يمكن أن يمر كأنه مجرد نكتة سياسية. إنه يكشف توترًا أعمق بين نموذجين: نموذج دولة تريد تسويق التعدد والانفتاح، ونموذج خطاب إسلاموي لا يزال يجد في الهوية مادة للتعبئة عند الحاجة.
لكن المشكلة لا تتعلق ببنكيران وحده. فهو مجرد مرآة مكبرة لأزمة أوسع في الإسلام السياسي بعد تجربة الحكم. هذه الحركات بنت جزءًا من شرعيتها على فكرة أنها تمثل “النقاء” في مواجهة فساد السياسة، و“الهوية” في مواجهة التغريب، و“الشعب” في مواجهة النخب. لكنها حين دخلت الدولة، اضطرت إلى فعل ما تفعله كل الأحزاب: التفاوض، التنازل، تبرير الإكراهات، قبول الممكن، وحماية موقعها داخل السلطة. وعندما خرجت ضعيفة، وجدت نفسها بلا خطاب جديد. فلا هي تستطيع أن تعود إلى خطاب المعارضة النقية كما كانت، ولا هي قادرة على الاعتراف بأنها أصبحت جزءًا من النظام السياسي الذي كانت تنتقده.
من هنا جاء الارتباك: بدل المراجعة، عودة إلى المظلومية. بدل النقد الذاتي، هجوم على الخصوم. بدل بناء برنامج، توزيع نعوت. بدل فهم التحول الاجتماعي، استدعاء ذاكرة المعركة مع “التحكم”. وكأن الإسلامويين يريدون أن يقولوا للناس: نحن لم نفشل؛ لقد مُنعنا من النجاح. غير أن هذه الجملة لم تعد تقنع كثيرين، لأن الناس لا يحاسبون النوايا بل النتائج. والمواطن الذي دفع ثمن قرارات اجتماعية صعبة لا يعنيه كثيرًا أن يسمع بعد سنوات أن الحزب كان ضحية. هو يسأل ببساطة: ماذا فعلتم حين كنتم هناك؟
ولعل أخطر ما في خطاب بنكيران أنه يمنع حزبه من التحول إلى حزب ديمقراطي عادي. فالديمقراطية الحزبية الحقيقية تقتضي أن يعترف الحزب بهزيمته، ويفتح نقاشًا داخليًا، وينتج قيادة جديدة، ويراجع برنامجه، ويستمع إلى المجتمع. أما حين يبقى الحزب أسير زعيم واحد، ومزاج واحد، وذاكرة واحدة، فإنه لا يتطور، بل يدور حول جرحه. وحين يصبح الأمين العام هو الحزب، والحزب صدى للأمين العام، فإن التنظيم يفقد صفة المؤسسة ويصبح ملحقًا بشخص.
هذه أيضًا من أمراض الإسلام السياسي: تقديس الزعيم باسم الدعوة أو التاريخ أو الكاريزما الشعبية. فبدل أن تكون القيادة وظيفة مؤقتة داخل مؤسسة، تتحول إلى مرجعية عاطفية. وبدل أن يناقش الأعضاء الخط السياسي ببرودة ومسؤولية، يصبحون مضطرين إلى الاصطفاف مع أو ضد شخص. وهكذا تغيب السياسة، وتحضر البيعة النفسية؛ تغيب المؤسسة، ويحضر الشيخ؛ يغيب البرنامج، ويحضر المزاج.
والنتيجة أن الحزب الذي يفترض أن يقدم نفسه كفاعل ديمقراطي يصبح عاجزًا عن ممارسة الديمقراطية داخله. يطالب الدولة بالديمقراطية، لكنه يختزل قراره في زعيم. يطالب المجتمع بالثقة، لكنه لا يثق في تداول داخلي حقيقي. يطالب الآخرين بالمحاسبة، لكنه يهرب من محاسبة تجربته. وهذه المفارقة تكشف أن الأزمة ليست فقط في خصوم الإسلامويين، بل في بنيتهم السياسية نفسها.
لقد تعامل الإسلامويون مع الديمقراطية طويلًا بوصفها وسيلة أكثر مما هي ثقافة. قبلوا الانتخابات لأنها تمنح شرعية رقمية، لكنهم لم يستوعبوا دائمًا أن الديمقراطية تعني أيضًا قبول الهزيمة دون شيطنة الناخب، واحترام التعدد دون احتكار الأخلاق، وفصل الدين عن التنافس الحزبي حتى لا يتحول الاختلاف السياسي إلى شبهة أخلاقية أو دينية. وحين يخرج خطابهم عن السيطرة، كما يحدث في خرجات بنكيران، تظهر هذه الخلفية بوضوح: نحن أخلاقيون، إذن خصومنا مشبوهون؛ نحن نمثل الشعب، إذن من هزمنا لا بد أنه تلاعب بالشعب؛ نحن أصحاب مرجعية، إذن نقدنا استهداف للهوية.
هذه ليست ديمقراطية، بل وصاية أخلاقية على الديمقراطية. فالسياسة الديمقراطية تفترض أن الجميع فاعلون مدنيون قابلون للصواب والخطأ، لا أن طرفًا يمتلك فائضًا أخلاقيًا يجعله فوق المحاسبة. وحين يدخل حزب بمرجعية دينية إلى المنافسة، فمن حقه أن يشارك كغيره، لكن ليس من حقه أن يحول مرجعيته إلى درع يحميه من النقد، أو إلى سلاح يلمح به ضد خصومه، أو إلى رصيد عاطفي يعوض به فقر الحصيلة.
إن كلمة بنكيران الأخيرة، بما حملته من شتيمة وإيحاء وخصومة، تكشف أن جزءًا من الإسلام السياسي لم يغادر بعد منطق الحركة إلى منطق الدولة. فهو حين يكون خارج السلطة يتكلم كحركة احتجاجية، وحين يدخلها يتصرف كحزب إصلاحي، وحين يخرج منها يعود إلى المظلومية وعقدة الضحية. هذا التنقل بين المواقع لا يعبّر عن مرونة سياسية بقدر ما يكشف غياب مصالحة حقيقية مع قواعد الدولة الديمقراطية الحديثة.
فالدولة ليست غنيمة حين ندخلها، ولا مؤامرة حين نخرج منها. والديمقراطية ليست طريقًا ذا اتجاه واحد نحو السلطة. والانتخابات ليست شهادة طهرانية تمنح مرة واحدة إلى الأبد. والحكم ليس منصة للوعظ، بل امتحان للكفاءة. والمعارضة ليست حقًا في الشتيمة، بل مسؤولية في بناء البديل. ومن لا يفهم هذه القواعد يظل يتعامل مع السياسة كما لو كانت منبرًا خطابيًا، لا مجالًا عموميًا تحكمه الحصيلة والمحاسبة.
لذلك فإن الرد الحقيقي على بنكيران لا ينبغي أن يقتصر على استنكار لفظة نابية. الأهم هو تفكيك ما وراءها: خطاب يريد أن يتهرب من سؤال التجربة، وأن يعيد صناعة المظلومية، وأن يحوّل الدولة إلى شماعة، وأن يتعامل مع الديمقراطية كأداة مؤقتة لا كثقافة دائمة. فحين ينتصر، يقول باسم الشعب. وحين ينهزم، يقول إن الشعب حُرم من إرادته. وحين يحكم، يبرر الإكراهات. وحين يعارض، ينسى أنه كان جزءًا من تلك الإكراهات.
هنا يتضح أن الشتيمة ليست سوى القشرة الخارجية لأزمة أعمق. إنها تعبير عن عجز عن إنتاج جواب جديد بعد نهاية مرحلة. فبنكيران لم يعد يقدم مشروعًا، بل يقدم غضبًا. لم يعد يشرح المستقبل، بل يستحضر خصوم الماضي. لم يعد يحاور المجتمع، بل يخاطب ذاكرة أنصاره. وهذا قد يمنحه تصفيقًا في القاعة، لكنه لا يعيد بناء ثقة ضاعت في الشارع وصناديق الاقتراع.
لقد خسر الإسلامويون كثيرًا لأنهم ظنوا أن الرصيد الأخلاقي يكفي. ثم خسروا أكثر حين ظنوا أن المظلومية تمحو الحصيلة. وقد يخسرون ما تبقى إذا ظنوا أن الشتيمة تعوض المشروع. فالمجتمعات لا تعود إلى من خذلها لمجرد أنه يرفع صوته، ولا تغفر للفاشلين لأنهم وجدوا خصومًا جددًا، ولا تمنح التفويض مرة أخرى لمن يرفض الاعتراف بسبب سقوطه أول مرة.
في النهاية، بنكيران ليس مشكلة لفظية، بل علامة سياسية. إنه يكشف مأزق تيار لا يريد أن يعترف بأن الدولة ليست مسجدًا حزبيًا، وأن الديمقراطية ليست جسرًا للتمكين، وأن الناخب ليس تابعًا في جماعة، وأن الهزيمة ليست دائمًا مؤامرة، وأن الشرعية لا تُستعاد بالصراخ بل بالمراجعة.
وحين يتحول العجز عن الإقناع إلى موهبة في توزيع الإهانات، فإن الخاسر لا يكون مستشارًا أو خصمًا أو حزبًا بعينه، بل السياسة كلها. لأن الديمقراطية لا تموت فقط بالتزوير والقمع، بل تموت أيضًا حين تتحول إلى منبر للغضب، وحين يستبدل الفاعلون العموميون الحجة بالشتيمة، والمحاسبة بالمظلومية، والدولة بالشماعة، والشعب بجمهور يصفق للغضب بدل أن يسأل عن الحصيلة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق