سبتة ومليلية وتقرير المصير

 

من يملك حق تقرير سيادة الإقليم: السكان أم الدولة؟


تمهيد


أعادت أزمة سبتة الأخيرة إلى الواجهة سؤالًا ظلت العلاقات المغربية الإسبانية تديره أكثر مما تحله: هل وضع سبتة ومليلية قضية أغلقها التاريخ، أم أن النزاع حول السيادة عليهما ما زال قائمًا، حتى وإن لم يكن موضوع تفاوض رسمي بين الرباط ومدريد؟


بالنسبة إلى إسبانيا، يبدو الجواب محسومًا. فقد أكد رئيس الحكومة بيدرو سانشيز أمام البرلمان في 3 سبتمبر 2026 أن سبتة ومليلية إسبانيتان منذ قرون، واستند إلى معاهدة واد راس ليقول إن السيادة الإسبانية عليهما ترسخت «إلى الأبد»، قبل أن يضيف أنهما ستظلان كذلك «حتى نهاية الزمان». ولم يكن وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس أقل وضوحًا عندما رفض إمكان التفاوض بشأن السيادة الإسبانية على المدينتين، مؤكدًا أن هذا الموضوع لا يدخل أصلًا ضمن القضايا القابلة للنقاش بين البلدين.../...


غير أن إعلان أحد أطراف النزاع انتهاءه لا يعني بالضرورة أن الطرف الآخر يعتبره منتهيًا. وهذا ما أعادته إلى الواجهة تصريحات صدرت عن مسؤولين مغاربة بشأن سبتة ومليلية، وأثارت احتجاج مدريد. وقد حاول الخطاب الإسباني وضع بعضها في سياق الحملة الانتخابية المغربية، وهو تفسير يمكن أن ينطبق على بعض المواقف الحزبية، لكنه يصعب تعميمه على جميع التصريحات التي صدرت في الفترة نفسها.


فوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق ليس زعيم حزب يخوض الانتخابات، ولم يصدر كلامه في تجمع انتخابي، وإنما في خطاب ألقاه أمام الملك محمد السادس بمناسبة دينية رسمية، استحضر فيه القاضي عياض وأبا العباس العزفي، وهما من أعلام سبتة، كما استحضر الإمام الجزولي وكتابه «دلائل الخيرات» في سياق الحديث عن التعبئة التاريخية لتحرير المدن المحتلة. وبصرف النظر عن الدلالة السياسية التي يمكن استخلاصها من الخطاب، فإن طبيعته ومكان إلقائه يجعلان من الصعب اختزاله في ظرف انتخابي عابر؛ فهو يعيد القضية، على الأقل رمزيًا، إلى الذاكرة التاريخية المغربية وإلى تصور أوسع لوحدة المجال الذي تشكلت فيه الدولة المغربية عبر تاريخها.


وبين موقف إسباني يعتبر السيادة نهائية وغير قابلة للتفاوض، وموقف مغربي لم يتخل عن المطالبة، ظهر داخل البرلمان الإسباني اقتراح مختلف: لماذا لا يترك لسكان سبتة ومليلية أنفسهم تقرير مستقبل المدينتين؟


فقد طرح النائب أغيريتشيا غافين، من مجموعة  Junts per Catalunya، في لجنة برلمانية في أغسطس 2026 فكرة إجراء استفتاء يقرر سكان المدينتين من خلاله ما إذا كانوا يريدون الاستمرار تحت السيادة الإسبانية، مستحضرًا تجربة جبل طارق. وذهب إلى أن تأكيد السكان بأنفسهم رغبتهم في البقاء ضمن المملكة الإسبانية يمكن أن يمنح مدريد أساسًا ديمقراطيًا أقوى لتثبيت شرعية سيادتها. وظهر داخل النقاش البرلماني نفسه موقف قريب لدى ممثلة EH Bildu التي اعتبرت أن مستقبل المدينتين يقرره مواطنوهما، لا المغرب.


للوهلة الأولى يبدو الاقتراح بسيطًا، بل جذابًا من الناحية الديمقراطية: إذا اختلفت دولتان بشأن إقليم، فلماذا لا يسأل السكان الذين يعيشون فيه؟


غير أن السؤال يخفي وراء بساطته مشكلة قانونية أعمق. فتقرير المصير ليس آلية عامة أوجدها القانون الدولي لحسم جميع المنازعات الإقليمية عن طريق استفتاء الأشخاص المقيمين فوق الأرض. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق الحديث عن نتيجة أي استفتاء ليس: هل يفضل سكان سبتة ومليلية إسبانيا أم المغرب؟ فالجواب السياسي عن ذلك معروف إلى حد بعيد، ولا يحتاج إلى بحث طويل. السؤال الحقيقي هو: هل سكان المدينتين هم أصلًا أصحاب الحق القانوني في تقرير السيادة عليهما؟


والفرق بين السؤالين جوهري.


فإذا كانت سبتة ومليلية تمثلان حالة شعب خاضع لسيطرة أجنبية ويسعى إلى ممارسة حقه في تقرير المصير، يصبح استفتاء ذلك الشعب جزءًا طبيعيًا من الآلية القانونية لإنهاء الوضع. أما إذا كانت القضية نزاعًا بين دولتين تدعي كل منهما السيادة على الإقليم نفسه، فإن تحويل النزاع إلى اختيار للسكان الحاليين يفترض مسبقًا أن هؤلاء السكان، لا الدولتين المتنازعتين، يملكون سلطة تحديد صاحب السيادة على الأرض.


وهنا تظهر المفارقة الكاتالونية. فقد رفضت إسبانيا سنة 2017 أن تكون إرادة سكان كاتالونيا وحدهم كافية لتقرير السيادة على الإقليم، وتمسكت بأن السيادة الوطنية تعود إلى الشعب الإسباني في مجموعه، وأن جزءًا منه لا يستطيع منفردًا التصرف في وحدة التراب الوطني. فإذا كان هذا هو المبدأ الذي تقوم عليه الدولة الإسبانية دستوريًا، فإن اقتراح جعل سكان سبتة ومليلية وحدهم أصحاب القرار في السيادة يثير مشكلة تتجاوز العلاقات مع المغرب، لأنه قد يرتد على التصور الإسباني نفسه لوحدة الدولة.


ولا يعني ذلك أن كاتالونيا وسبتة ومليلية حالات متطابقة قانونيًا. ففي الأولى توجد حركة انفصالية داخل دولة لا تنازعها دولة أخرى على الإقليم، بينما توجد في الحالتين الأخريين مطالبة خارجية من دولة أخرى. لكن هذا الاختلاف، بدل أن يلغي المشكلة، يقود مباشرة إلى أصلها: إذا كانت هناك دولة ثانية تدعي السيادة، فنحن لم نعد أمام مجرد اختيار محلي لطبيعة النظام السياسي، بل أمام نزاع على عنوان السيادة ينبغي معرفة أساسه قبل تحديد من يملك حسمه.


وتزداد المسألة وضوحًا لأن المطالبة المغربية لا تشمل سبتة ومليلية وحدهما، وإنما تمتد إلى الجزر الجعفرية وصخرة الحسيمة وصخرة باديس، وهي أراض لا توجد في بعضها جماعة مدنية مستقرة يمكن استفتاؤها. فإذا كانت إرادة السكان هي مصدر السيادة، فكيف تحدد السيادة على أرض لا سكان فيها؟ وإذا كان الجواب يقتضي عندئذ العودة إلى التاريخ والمعاهدات وممارسة الدولة للسلطة والاعتراف والاحتجاج، فلماذا تتوقف هذه المعايير عن العمل عندما يكون الإقليم مأهولًا؟


هذه الأسئلة لا تثبت، نظريا، السيادة المغربية ولا تنفي السيادة الإسبانية القائمة. لكنها تكشف أن عبارة «دعوا السكان يقررون» لا تحل المشكلة القانونية، بل قد تفترض مسبقًا الإجابة عن السؤال الذي يفترض أنها تريد حسمه.


ولذلك لن يبحث هذا المقال في الاتجاه الذي قد يصوت فيه سكان سبتة ومليلية. كما لن يناقش سيناريوهات افتراضية لإحالة النزاع إلى القضاء الدولي. ما يهمنا أسبق من ذلك: ما طبيعة النزاع أصلًا، وما الذي تكشفه المعاهدات والسلوك التاريخي للدولتين عن سند كل منهما، وهل يستطيع تقرير المصير أن يحل محل البحث في عنوان السيادة؟


ومن هنا ينبغي أن نبدأ.



أولًا: قبل تقرير المصير — ما طبيعة النزاع أصلًا؟


لا يعالج القانون الدولي جميع النزاعات المتعلقة بالأرض بالطريقة نفسها. فقد يتعلق الأمر بإقليم غير متمتع بالحكم الذاتي يخضع لمسار تصفية الاستعمار، أو بشعب يمارس حقه في تقرير المصير، أو بحركة انفصالية داخل دولة قائمة، أو بنزاع بين دولتين تدعي كل منهما السيادة على الإقليم نفسه. وقد تتداخل بعض هذه الأوضاع تاريخيًا وسياسيًا، لكن الآليات القانونية التي تحكمها ليست واحدة.


ولهذا فإن التكييف ليس مجرد خلاف حول الكلمات. عندما نصف قضية بأنها «تصفية استعمار» نكون قد أدخلناها في إطار قانوني معين له مؤسساته وقراراته ومفهومه للشعب صاحب الحق. وعندما نصفها بأنها «نزاع على السيادة» يصبح السؤال مختلفًا: ما سند كل دولة في الإقليم، وكيف نشأ، وهل انتقل إلى الطرف الآخر بمعاهدة أو اعتراف أو سلوك لاحق؟ أما وصف القضية بأنها «تقرير مصير» فيفترض أولًا تحديد الشعب صاحب هذا الحق والوضع القانوني الذي يمنحه إياه.


ومن هنا تظهر أولى الخصوصيات التي تميز سبتة ومليلية عن الصحراء الغربية وجبل طارق.


فالصحراء الغربية مدرجة منذ سنة 1963 ضمن قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وإسبانيا نفسها كانت تقدم المعلومات المتعلقة بما كان يسمى «الصحراء الإسبانية» تطبيقًا للمادة 73 من ميثاق الأمم المتحدة. وبعد انسحابها سنة 1976 لم تعتبر الأمم المتحدة أن عملية تصفية الاستعمار قد اكتملت، وظل الإقليم مدرجًا في القائمة.


وجبل طارق مدرج بدوره منذ سنة 1946 ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. وعلى الرغم من اختلاف بريطانيا وإسبانيا حول طبيعة الحل، فإن وضع الإقليم داخل منظومة الأمم المتحدة لتصفية الاستعمار حقيقة قانونية ومؤسسية مستقرة.


أما سبتة ومليلية فليستا مدرجتين في هذه القائمة.


هذه حقيقة ينبغي تثبيتها بوضوح، لأنها تمنع التعامل مع المدينتين كما لو أن الأمم المتحدة تصنفهما بالطريقة نفسها التي تصنف بها الصحراء الغربية أو جبل طارق. لكنها لا تعني، في الاتجاه المقابل، أن المنظمة الدولية أصدرت حكمًا قضائيًا يقرر أن السيادة الإسبانية صحيحة وأن المطالبة المغربية باطلة. فعدم إدراج إقليم ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي شيء، والفصل في عنوان السيادة بين دولتين شيء آخر.


والتمييز مهم، خصوصًا لأن المغرب حاول بالفعل نقل القضية إلى مجال تصفية الاستعمار. ففي سبعينيات القرن الماضي طرح سبتة ومليلية والجزر الواقعة تحت السيطرة الإسبانية أمام اللجنة الخاصة المعنية بتصفية الاستعمار، وردت إسبانيا رسميًا بأن هذه الأراضي ليست مستعمرات ولا أقاليم غير متمتعة بالحكم الذاتي، وإنما أجزاء من التراب الوطني الإسباني.


واستندت مدريد إلى سلوكها نفسه عند تطبيق التزاماتها تجاه الأمم المتحدة. فعندما قدمت المعلومات الخاصة بالأقاليم التي كانت تديرها، أدرجت الصحراء وإفني وغينيا الإسبانية، ولم تدرج سبتة ومليلية، لأنها لم تعتبرهما في التصور القانوني الإسباني مستعمرتين.


لم ينجح المغرب في جعل المدينتين بندًا دائمًا ضمن عملية تصفية الاستعمار، ولم تدخلا القائمة الأممية. ومن ثم لا يستطيع التحليل القانوني الجاد أن يبدأ من افتراض أن وضعهما مطابق لوضع الصحراء الغربية.


لكن النتيجة المقابلة لا تلزم عن ذلك. فرفض التكييف الاستعماري لا يجيب وحده عن السؤال: لمن تعود السيادة؟ إنه يقول إن الآلية التي حاول المغرب استعمالها لم تعتمدها الأمم المتحدة، لكنه لا يغني عن البحث في التاريخ والمعاهدات التي تستند إليها الدولتان.


وهذا التمييز هو الذي يجعل استحضار جبل طارق أكثر تعقيدًا مما يوحي به اقتراح الاستفتاء.


  • جبل طارق: تشابه ظاهري واختلاف في أصل العنوان


يبدو جبل طارق للوهلة الأولى المثال الأقرب: إقليم صغير على الضفة المقابلة، تسيطر عليه دولة بينما تطالب به دولة مجاورة، وسكانه يعبرون بوضوح عن رغبتهم في استمرار الوضع القائم. ولذلك استحضره النائب الكاتالوني بوصفه نموذجًا يمكن تطبيقه على سبتة ومليلية.


لكن الاختلاف يبدأ من أصل السيطرة البريطانية نفسها.


فالمادة العاشرة من معاهدة أوترخت لسنة 1713 تتضمن تنازلًا رسميًا من التاج الإسباني للتاج البريطاني عن جبل طارق. وبذلك توجد أداة تعاهدية يمكن تحديدها بدقة بوصفها سندًا لانتقال السيادة، بصرف النظر عن الخلافات اللاحقة بشأن نطاق الأرض التي يشملها التنازل أو الوضع الاستعماري أو مستقبل الإقليم.


أما في سبتة ومليلية فالسؤال مختلف: هل توجد أداة مغربية مماثلة نقلت أصل السيادة على المدينتين إلى إسبانيا؟


هذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه بمجرد القول إن الوجود الإسباني قديم. فالسيطرة الفعلية والعنوان القانوني مفهومان متصلان لكنهما غير متطابقين. وقد تبدأ السيطرة بالحرب أو الاحتلال ثم يعاد تنظيمها لاحقًا بمعاهدة، وقد تنتقل السيادة صراحة بتنازل، وقد تنشأ أوضاع تاريخية أكثر تعقيدًا تتداخل فيها المعاهدات والاعترافات والممارسة الطويلة.


ومن هنا لا يصح نقل نموذج جبل طارق إلى سبتة ومليلية قبل تحديد هذا الفارق.


بل إن المقارنة قد تعمل في الاتجاه المعاكس. فإسبانيا ما تزال تطالب بجبل طارق رغم تنازلها الرسمي عنه قبل أكثر من ثلاثة قرون، ورغم ممارسة بريطانيا السلطة عليه طوال هذه المدة، ورغم أن سكانه عبروا بصورة واضحة عن رغبتهم في استمرار ارتباطهم ببريطانيا. ولذلك لا تعتبر مدريد إرادة السكان وحدها كافية لإسقاط مطالبتها.


وهنا تظهر مفارقة لا تثبت الحق المغربي، لكنها تستحق الفحص: إذا كانت إرادة سكان جبل طارق لا تكفي لإنهاء مطالبة دولة يوجد في تاريخها تنازل صريح عن الإقليم، فكيف يمكن اعتبار إرادة سكان سبتة ومليلية كافية لإنهاء مطالبة المغرب قبل التحقق أصلًا من وجود تنازل مغربي مماثل؟


الجواب قد يكون أن التاريخ والمعاهدات والسلوك اللاحق مختلف تمامًا في الحالتين. وهذا جواب مشروع. لكنه يؤكد تحديدًا ما نريد الوصول إليه: الحسم لا يأتي من السكان وحدهم، وإنما من دراسة سند السيادة في كل حالة.


  • ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى سبتة ومليلية؟


إذا كانت إسبانيا تعتبر المدينتين جزءًا لا يتجزأ من ترابها الوطني، فإنهما، من منظورها، ليستا أصلًا حالتي تقرير مصير. فالمواطن الإسباني المقيم في سبتة لا يحتاج إلى استفتاء لإثبات إسبانية المدينة أكثر مما يحتاج إليه المواطن المقيم في مدريد أو إشبيلية أو غيرهما. والسيادة، وفق هذا التصور، سابقة على رأي السكان لأنها مستمدة من الدولة وعنوانها التاريخي والقانوني.


لكن اقتراح الاستفتاء يغير طبيعة الحجة من حيث لا يقصد صاحبه ربما. فإذا كان التصويت مطلوبًا لتأكيد شرعية السيادة، فهذا يعني أن شرعية الوضع لا تستند فقط إلى العنوان الذي تتمسك به إسبانيا، بل إلى إرادة جماعة سكانية محددة. وعندئذ ينبغي بيان الأساس الذي يمنح هذه الجماعة وحدها سلطة التصرف في السيادة على الإقليم.


وهنا لا تكفي كلمة «تقرير المصير». فالقانون الدولي يتحدث عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، ولا يجعل كل جماعة من السكان المقيمين داخل مساحة جغرافية معينة شعبًا مستقلًا يملك حق تغيير السيادة الدولية على الأرض. وإلا أصبحت الحدود نفسها قابلة لإعادة النظر كلما قررت أغلبية محلية الانفصال أو الالتحاق بدولة أخرى.


ولهذا يتعايش مبدأ تقرير المصير مع مبدأ السلامة الإقليمية للدول، ولا يعمل أحدهما بوصفه قاعدة بسيطة تلغي الآخر.


وهذه النقطة ستعود بقوة عندما نصل إلى كاتالونيا. لكن قبل ذلك توجد مسألة أسبق؛ لأن مطالبة المغرب ليست مطالبة سكان محليين بالانفصال عن إسبانيا، وإنما مطالبة دولة تقول إن الإقليم نفسه يدخل ضمن وحدتها الترابية. وهذا يعيدنا إلى السؤال الذي حاول الاستفتاء تجاوزه:


ما سند السيادة الذي تتمسك به كل دولة؟


والطريق إلى الإجابة يبدأ من المعاهدات.



ثانيًا: المعاهدات وسند السيادة — ماذا تنازل المغرب عنه فعلًا؟


إذا كان النزاع حول سبتة ومليلية نزاعًا في السيادة، فإن التاريخ يصبح ضروريًا، لكنه لا يكفي وحده. فالتاريخ يستطيع أن يخبرنا بمن حكم المدينة، ومن استولى عليها، ومن فقدها، وكم استمرت السيطرة. أما السؤال القانوني فهو أكثر تحديدًا: كيف انتقلت السيادة، وبأي سند؟


وهنا تكتسب المعاهدات أهمية مركزية، لأنها تسمح بالتمييز بين ثلاثة أمور كثيرًا ما تختلط في الخطاب السياسي: السيطرة على الإقليم، والاعتراف بوجود الطرف الآخر فيه، والتنازل عن السيادة عليه.


والفرق بينها هو الذي يجعل المقارنة مع جبل طارق مفيدة. ففي أوترخت يوجد تنازل رسمي صريح من الدولة الإسبانية لصالح الدولة البريطانية. أما في حالة سبتة ومليلية، فينبغي قراءة المعاهدات المغربية الإسبانية نفسها لمعرفة ما الذي اعترف به المغرب، وما الذي تنازل عنه، وما الذي بقي خارج نصوص التنازل.


سبتة قبل واد راس


لم تصبح سبتة إسبانية نتيجة حرب 1859-1860. فقد استولى عليها البرتغاليون سنة 1415، ثم انتقلت المدينة في سياق التحولات التي عرفتها شبه الجزيرة الإيبيرية إلى الارتباط بالتاج الإسباني، واستمرت تحت السلطة الإسبانية بعد استعادة البرتغال استقلالها في القرن السابع عشر.


وبذلك كانت إسبانيا تسيطر على سبتة بالغصب قبل معاهدة واد راس بأكثر من قرنين.


هذه الحقيقة مهمة لأنها تمنع نسبة أصل الوجود الإسباني إلى معاهدة 1860. لكن قدم السيطرة لا يحسم وحده السؤال الذي يطرحه المغرب. فإذا كانت الرباط تعتبر أن المدينة كانت جزءًا من المجال السيادي المغربي قبل السيطرة البرتغالية، يبقى السؤال: هل صدر لاحقًا عن السلطة المغربية صاحبة الأهلية الدولية تنازل عن ذلك الحق؟


ومن هنا ينبغي قراءة معاهدة السلام الموقعة في تطوان في 26 أبريل 1860 قراءة حرفية قبل استخلاص دلالتها السياسية.


ماذا تقول معاهدة 1860 فعلًا؟


جاءت معاهدة تطوان، المعروفة أيضًا بصلح واد راس، لإنهاء الحرب الإسبانية المغربية التي اندلعت سنة 1859. وقد استند إليها بيدرو سانشيز في حديثه عن تكريس السيادة الإسبانية «إلى الأبد»، لكن بنية النص تحتاج إلى تفكيك أدق.


تبدأ المادة الأولى بإعلان السلام والصداقة بين ملكة إسبانيا وسلطان المغرب، وتستعمل في هذا السياق لغة الدوام. ولذلك ينبغي التمييز منذ البداية بين وصف العلاقة السلمية بأنها دائمة وبين القول إن كل ترتيب إقليمي ورد في المعاهدة وصف صراحة بأنه قائم «إلى الأبد». فالعبارتان ليستا شيئًا واحدًا.


أما المادة الثانية فتنتقل إلى سبتة، ولا تقول إن السلطان يتنازل عن المدينة لإسبانيا، وإنما توافق السلطة المغربية على توسيع المجال الترابي الخاضع لسبتة الإسبانية بما يحقق أمن الحامية.


وتأتي المادة الثالثة لتحدد هذا التوسع، وتنص بصورة صريحة على تنازل سلطان المغرب لملكة إسبانيا، بالملكية الكاملة والسيادة، عن الأراضي الواقعة ضمن الحدود التي رسمتها المعاهدة حول سبتة.


وهذا النص بالغ الأهمية لأنه يجمع داخل المادة نفسها تقريبًا بين عنصرين مختلفين: وجود سابق لما تسميه المعاهدة سبتة الإسبانية، وتنازل مغربي جديد وصريح عن أراض إضافية توسع ذلك الوجود.


إذن، هناك تنازل مغربي عن السيادة في معاهدة 1860، ولا يصح القول إن المغرب لم يتنازل لإسبانيا عن أي أرض مرتبطة بسبتة. لقد تنازل صراحة عن أراض وحددت المعاهدة طبيعة الحق المنقول بعبارة واضحة: الملكية الكاملة والسيادة.


لكن موضوع هذا التنازل، وفق بنية النص، ليس أصل مدينة سبتة، وإنما الأراضي التي أضيفت إلى مجالها.


وهذا التمييز يغير طبيعة النقاش.


فالقول إن معاهدة واد راس «أعطت سبتة لإسبانيا» غير دقيق تاريخيًا ولا قانونيا، لأن إسبانيا كانت تسيطر عليها قبل المعاهدة بقرون. كما أن القول إن سلطان المغرب تنازل في المادة الثالثة عن «مدينة سبتة» لا يطابق موضوع التنازل كما صيغ في النص. لكنه لا يعني في المقابل أن المعاهدة تخلو من اعتراف مغربي مهم بالوضع الإسباني.


فالمغرب لم يتفاوض في 1860 كما لو أن وجود إسبانيا في سبتة لا وجود قانونيًا له. النص يتعامل مع «سبتة الإسبانية» كواقع قائم قبل المعاهدة، ثم يوسع مجالها على حساب أراض مغربية يتنازل السلطان عنها بالسيادة الكاملة.


وهنا تستطيع الحجة الإسبانية أن تنتقل من التنازل عن المدينة إلى الاعتراف التعاهدي بالسيادة القائمة عليها.


قد تقول مدريد إن المغرب، عندما قبل في معاهدة دولية تحديد حدود مدينة توصف بأنها إسبانية، ثم تنازل لها عن أراض إضافية بالسيادة الكاملة، كان يعترف قانونيًا بأن أصل المدينة نفسها خارج السيادة المغربية. وهذا استدلال لا يمكن تجاهله لمجرد أن المعاهدة لم تستعمل عبارة «نتنازل عن سبتة».


وفي المقابل، يمكن للموقف المغربي أن يميز بين الاعتراف بواقع سياسي وعسكري قائم يقتضي تنظيم الحدود وبين التخلي القانوني النهائي عن أصل المطالبة التاريخية. فالدول قد تدخل في اتفاقات لتنظيم علاقتها بأراض تسيطر عليها دولة أخرى من دون أن تكون تلك الاتفاقات هي الأداة المنشئة أصلًا لانتقال السيادة.


وهنا بالضبط تكمن أهمية المعاهدة: فهي لا تمنح أحد الطرفين جوابًا بسيطًا، لكنها تكشف أن النزاع أكثر تعقيدًا من روايتين متقابلتين، إحداهما تقول إن المغرب «تنازل عن سبتة إلى الأبد»، والأخرى تقول إنه «لم يعترف قط بأي وجود إسباني». 


النص لا يقول الأولى بهذه البساطة، ولا يسمح بالثانية. المواد اللاحقة توسع دلالة المعاهدة. 


ولا ينبغي عزل المادتين الثانية والثالثة عن بقية المعاهدة. فالمادة الرابعة ترتب آثار السيادة الإسبانية على الأراضي التي جرى التنازل عنها، بينما تعود مواد أخرى إلى الثغور والمواقع الإسبانية وتحدد علاقتها بالمجال المغربي المحيط.


وتكتسب المادة الخامسة أهمية خاصة لأنها ترتبط بالاتفاق السابق المؤرخ في 24 أغسطس 1859 بشأن مليلية وصخرة الحسيمة وباديس، وتؤكد ترتيبات وتنازلات إقليمية مرتبطة بها. كما تنظم المادة السادسة مناطق محايدة حول بعض المواقع، وتتعامل المادة السابعة مع احترام الأراضي الواقعة تحت السيادة الإسبانية.


وهذا يعني أن معاهدة 1860 لم تكن مجرد اتفاق سلام ينهي القتال، بل أعادت تنظيم جزء من العلاقة الترابية بين المغرب وإسبانيا، ورسخت حدودًا وتنازلات وأوضاعًا قائمة أنتجتها الحرب حينها.


ومن هنا تأتي قوة السند الإسباني: ليس لأنه توجد مادة واحدة يمكن اقتطاعها والقول إنها «تنازل المغرب عن سبتة»، وإنما لأن مجموعة النصوص قد تسمح ببناء حجة أوسع مفادها أن الدولة المغربية تعاملت تعاهديًا مع وجود إسباني ذي طبيعة سيادية، ونظمت حدوده، وتنازلت عن أراض لتوسيعه.


لكن هذه القوة نفسها تجعل من الضروري تحديد ما لم تفعله المعاهدة. فهي لم تنشئ أصل السيطرة الإسبانية على سبتة، ولم تتضمن، بحسب نصوصها التي بين أيدينا، تنازلًا مماثلًا في صيغته لتنازل إسبانيا عن جبل طارق في أوترخت عن أصل المدينة نفسها.


وبين الاعتراف بالوضع القائم الناتج عن الجرب، والتنازل المنشئ لانتقال السيادة تقع إحدى أهم مناطق الخلاف في القضية كلها.


هل كانت الإرادة المغربية حرة في 1860؟


تحليل النص وحده لا يكفي. فالمعاهدة لا توجد خارج الظروف التي أنتجتها.


لم يكن المغرب سنة 1860 مستعمرة إسبانية، ولم يكن السلطان مجرد سلطة محلية تعمل تحت سيادة دولة أجنبية. كان المغرب دولة مستقلة، وكان السلطان يمثلها في علاقاتها الدولية ويملك، وفق النظام القانوني السائد في القرن التاسع عشر، أهلية إبرام المعاهدات والتنازل عن الأراضي.


وهذه النقطة تمنع حجة سهلة لكنها غير دقيقة: لا يمكن القول إن معاهدة تطوان باطلة لأن «الشعب المغربي لم يستفت» في التنازلات التي تضمنتها. فاشتراط الاستفتاء الشعبي لصحة المعاهدات الإقليمية لم يكن قاعدة من قواعد القانون الدولي في ذلك العصر، كما أن مفهوم السيادة الشعبية المعاصر لا يمكن إسقاطه آليًا على بنية الدولة والمعاهدات في منتصف القرن التاسع عشر.


غير أن استقلال المغرب القانوني لا يعني أن الطرفين دخلا المفاوضات في ظروف متكافئة.


فالمعاهدة جاءت في نهاية حرب انتصرت فيها إسبانيا عسكريًا. وكانت القوات الإسبانية قد احتلت تطوان، وتعرض المغرب لهزائم دفعت السلطان إلى طلب السلام، وفرضت التسوية عليه تعويضًا ماليًا ضخمًا إلى جانب التنازلات الإقليمية، مع استمرار الاحتلال الإسباني لتطوان ضمانًا لأداء التعويض.


وهذه ليست قراءة مغربية لاحقة وحدها؛ فالمصادر التاريخية الإسبانية نفسها تقدم السلام بوصفه نتيجة للانتصارات العسكرية التي أجبرت الجانب المغربي على طلب إنهاء الحرب وقبول شروط كان قد رفض بعضها من قبل. 


هناك اعتراف رسمي إسباني بالإجبار إذن، ما يؤكد انعدام إرادة الطرف المجبر.


وبذلك ينبغي التمييز بين أهلية الدولة في التوقيع وحرية الإرادة في التفاوض.


كانت للدولة المغربية أهلية التوقيع. لكن ميزان القوة الذي أنتج شروط المعاهدة كان ميزان حرب انتهت باحتلال جزء من أراضيها وانتصار خصمها العسكري.


القانون الدولي المعاصر يتعامل مع استعمال القوة لانتزاع التزامات تعاهدية أو أقاليم بطريقة مختلفة جذريًا عن قانون القرن التاسع عشر. فقد حظر ميثاق الأمم المتحدة التهديد بالقوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي للدول، ثم جاءت اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لتقرر بطلان المعاهدة التي يتم إبرامها نتيجة التهديد بالقوة أو استخدامها بالمخالفة لمبادئ الميثاق.


لكن هذه القواعد نشأت بعد معاهدة تطوان بنحو قرن، ولا يجوز تطبيقها عليها بأثر رجعي وكأن النظام القانوني لسنة 1860 كان هو النظام نفسه الذي نشأ بعد 1945.


ولهذا سيكون من المبالغة القانونية القول إن ظروف الحرب تجعل معاهدة 1860 باطلة تلقائيًا اليوم. لكن المبالغة المقابلة هي تقديمها كما لو أنها كانت تعبيرًا مجردًا عن إرادة دولتين متكافئتين اختارت إحداهما بحرية التخلي عن أراض للأخرى. فقد كانت معاهدة سلام في أعقاب هزيمة عسكرية، وكانت القوة جزءًا مباشرًا من السياق الذي أنتج التنازلات.


وهذا التمييز مهم خصوصًا عندما تستعمل المعاهدة في الخطاب السياسي المعاصر لإثبات أن المغرب حسم بإرادته الحرة قضية السيادة «إلى الأبد». فالسؤال لا يتعلق فقط بوجود توقيع السلطان، وإنما بما وقعه تحديدًا، وبالظروف التي وقع فيها، وبالآثار التي يمكن أن تستمد اليوم من وثيقة أنتجها نظام دولي كان يسمح للحرب بأن تؤدي وظيفة في اكتساب الأقاليم لم يعد القانون المعاصر يقبلها بالطريقة نفسها.


مليلية: مسار مختلف لا يجوز دمجه في سبتة


أما مليلية فتحتاج إلى قدر من الاستقلال في التحليل، لأن تاريخها لا يطابق تاريخ سبتة.


دخلت المدينة تحت السيطرة الإسبانية في نهاية القرن الخامس عشر، واستمر الوجود الإسباني فيها وسط علاقات متوترة وصدامات متكررة مع القبائل والسلطات المغربية. ثم جاءت معاهدات واتفاقات لاحقة لتنظيم السلام والتجارة والمناطق المحيطة بالثغور، قبل أن تصبح الحدود والمجالات الترابية المحيطة بمليلية موضوع ترتيبات أكثر تحديدًا في القرن التاسع عشر.


ولذلك لا ينبغي الخلط بين تاريخ بدء السيطرة الإسبانية وتاريخ تثبيت نطاقها الإقليمي.


فإذا كانت إسبانيا موجودة في مليلية منذ نهاية القرن الخامس عشر، فإن الاتفاقات التي جاءت بعد ذلك بقرون لا يمكن أن تكون هي التي أنشأت أصل الوجود الإسباني. لكنها قد تكون ذات أهمية كبيرة في معرفة موقف الدولة المغربية من ذلك الوجود، وما إذا كانت قد اعترفت به أو نظمت حدوده أو تنازلت عن أراض إضافية لصالحه.


وهنا تعود المسألة نفسها التي ظهرت في سبتة: هل توجد وثيقة تنقل أصل السيادة على مليلية إلى إسبانيا بالصراحة التي نقلت بها معاهدة أوترخت جبل طارق إلى بريطانيا، أم أن السند الإسباني يقوم على السيطرة التاريخية الطويلة مدعومة بمعاهدات لاحقة اعترفت بالوضع ونظمت نطاقه؟


ولا يجوز أن نستنتج من غياب وثيقة تنازل صريحة، إن تأكد بعد فحص مجموع المعاهدات، أن إسبانيا لا تملك سندًا قانونيًا. فالمعاهدات اللاحقة وسلوك الدولة المغربية يمكن أن يكونا عنصرين مهمين في تقييم العنوان. لكن لا يجوز كذلك تحويل كل اتفاق لترسيم حدود ثغر خاضع لسيطرة أجنبية إلى دليل تلقائي على أن الدولة تنازلت في ذلك الاتفاق عن أصل السيادة التاريخية عليه.


وهذه هي المنطقة التي نحتاج فيها  إلى أكبر قدر من الدقة: ليس كل اعتراف بالواقع تنازلًا عن الحق، لكن الاعتراف المتكرر بالواقع قد يكتسب مع الزمن قيمة قانونية لا يمكن تجاهلها.


معاهدة 1860 وإفني: لماذا لا توجد سيادة «إلى الأبد»؟


تحتوي معاهدة تطوان نفسها على مثال يساعد على وضع عبارة «إلى نهاية الزمان» في إطارها الصحيح.


فالمادة الثامنة تناولت موقعًا على الساحل الأطلسي ارتبط لاحقًا بمسألة سانتا كروز دي لا مار بيكينيا وإفني، وأقرت ترتيبات إقليمية لصالح إسبانيا. وبعد أكثر من قرن، أعادت إسبانيا إفني إلى المغرب سنة 1969 بموجب اتفاق جديد. والوثيقة الإسبانية الرسمية الخاصة بعملية التسليم تتعامل مع الإقليم بوصفه أرضًا كان المغرب قد تنازل عنها سابقًا تطبيقًا لمعاهدة تطوان ثم أعيدت إليه.


لا يعني ذلك أن إفني وسبتة حالتان قانونيتان متطابقتان. فاختلاف تاريخ كل إقليم وسند السيطرة عليه يمنع القياس المباشر.


لكن المثال يكشف قاعدة أبسط: المعاهدة تنشئ وضعًا قانونيًا، ومعاهدة لاحقة تستطيع تغييره. والسيادة الإقليمية ليست حكمًا ميتافيزيقيًا لا يستطيع التاريخ اللاحق المساس به. فالدول تتنازل عن الأراضي، وتستعيدها، وتتبادلها، وتعيد ترسيم حدودها، وتنهي باتفاق جديد أوضاعًا أنشأتها اتفاقات سابقة.


ومن ثم فإن عبارة «إلى نهاية الزمان» تعبر عن إرادة سياسية إسبانية في إغلاق النقاش، لكنها لا تصف خاصية قانونية للسيادة تجعلها عصية بطبيعتها على أي تغيير مستقبلي.


بل إن المثال الإسباني نفسه في جبل طارق يكفي لإثبات ذلك: إذا كانت معاهدة تنازل صريحة منذ 1713 لم تمنع إسبانيا من الاستمرار في المطالبة بالإقليم، فمن الصعب القول إن أي معاهدة تاريخية أخرى تستطيع، بمجرد وصف سياسي معاصر لها، أن تمنع الدولة الأخرى حتى من إثارة السؤال.


وهل حسمت معاهدة الصداقة لسنة 1991 المسألة؟


قد يبدو أن العودة إلى القرن التاسع عشر تتجاهل وثيقة أقرب بكثير إلى حاضر العلاقات بين البلدين. ففي سنة 1991 أبرم المغرب وإسبانيا معاهدة للصداقة وحسن الجوار والتعاون، أكد فيها الطرفان احترام القانون الدولي والمساواة في السيادة والسلامة الإقليمية.


وهنا يطرح سؤال مشروع: إذا كان المغرب قد تعهد باحترام السلامة الإقليمية لإسبانيا، فهل يعني ذلك اعترافًا منه بأن سبتة ومليلية داخل هذه السلامة الإقليمية وتخليًا بالتالي عن المطالبة بهما؟


النص لا يسمح بهذه النتيجة بصورة تلقائية. فالمعاهدة لا تسمي سبتة ولا مليلية، ولا تحتوي بندًا صريحًا يتخلى فيه المغرب عن مطالبته بهما. ومبدأ احترام السلامة الإقليمية مبدأ عام يحكم العلاقة بين الدولتين، أما تحويله إلى تنازل خاص عن مطالبة إقليمية معلومة فيحتاج إلى ما يثبت أن هذا هو المعنى الذي قصده الطرفان.


لكن ذلك لا يجعل المعاهدة عديمة القيمة بالنسبة إلى إسبانيا. تستطيع مدريد إدراجها ضمن سلسلة أوسع من السلوك التعاهدي المغربي الذي يعترف بالدولة الإسبانية ويتعامل معها على أساس احترام سيادتها وسلامتها الإقليمية. وتصبح المسألة عندئذ مسألة تفسير للسلوك في مجموعه، لا استخراج جملة واحدة من سياقها.


وفي المقابل، يستطيع المغرب الاستناد إلى استمرار مطالبته بعد هذه المعاهدة وإلى تحفظاته الدولية اللاحقة للقول إن توقيعه عليها لم يكن مقصودًا به التخلي عن سبتة ومليلية.


وهذا يعيدنا إلى النتيجة نفسها: لا توجد إجابة صالحة تبنى على وثيقة واحدة بمعزل عن بقية السلوك التعاهدي والدبلوماسي للطرفين.


  • ما الذي تكشفه المعاهدات إذن؟


تكشف قراءة المعاهدات حتى هذه المرحلة أن الروايتين المبسطتين تحتاجان معًا إلى المراجعة.


ليس دقيقًا القول إن المغرب لم يتنازل لإسبانيا عن أي أرض مرتبطة بسبتة ومليلية؛ فمعاهدة 1860 تتضمن تنازلات إقليمية صريحة بالملكية الكاملة والسيادة، وتؤكد ترتيبات سابقة تتعلق بمواقع أخرى.


وليس دقيقًا كذلك القول، استنادًا إلى المعاهدة نفسها، إن سلطان المغرب تنازل فيها عن أصل مدينة سبتة بالطريقة التي تنازل بها التاج الإسباني عن جبل طارق في أوترخت. فالنص يتعامل مع سبتة الإسبانية كوجود سابق ثم يتنازل عن أراض إضافية لتوسيعها.


وبين الأمرين توجد منطقة هي الأهم قانونيًا: ما قيمة تعامل المغرب التعاهدي مع الوجود الإسباني القائم؟


هل يمثل اعترافًا نهائيًا بأن السيادة الأصلية انتقلت إلى إسبانيا؟


أم يمثل تنظيمًا لعلاقة فرضها واقع عسكري وسياسي سابق، من دون أن يكون هو الأداة التي انتقل بها أصل الحق؟


أم أن تراكم المعاهدات والممارسة اللاحقة تجاوز مع الزمن هذا التمييز وأنتج سندًا مستقلًا لصالح إسبانيا؟


هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها من نص 1860 وحده. ولذلك ينبغي الانتقال من المعاهدة إلى الزمن: ماذا فعلت الدولتان بعد ذلك؟ هل تصرفت إسبانيا باستمرار باعتبارها صاحبة السيادة؟ وهل قبل المغرب هذا الوضع، أم احتج عليه عندما استعاد استقلاله وقدرته الكاملة على التعبير عن إرادته الدولية؟


وهنا نصل إلى الحلقة التالية من النزاع: ممارسة السيادة الفعلية في مواجهة استمرار المطالبة.



ثالثًا: الزمن وممارسة السيادة الفعلية في مواجهة استمرار المطالبة


إذا كانت المعاهدات لا تقدم جوابًا بسيطًا وحاسمًا بشأن أصل السيادة على سبتة ومليلية، فإن العامل التالي الذي يفرض نفسه هو الزمن. فإسبانيا لا تمارس سلطتها على المدينتين منذ سنوات قليلة، وإنما منذ قرون، وقد ترسخت خلال هذه المدة مؤسسات الدولة والقضاء والأمن والإدارة والتمثيل السياسي، وأصبح سكان المدينتين جزءًا من البنية الدستورية الإسبانية.


وهذه حقيقة لا يمكن التقليل من أهميتها. فالقانون الدولي في منازعات الأقاليم لا ينظر فقط إلى النصوص التاريخية، وإنما إلى ممارسة وظائف الدولة على الأرض. وكلما كانت هذه الممارسة علنية، مستقرة، مستمرة، ومنظمة، اكتسبت وزنًا أكبر في إثبات وجود سلطة سيادية فعلية.


لكن قوة ممارسة السيادة الفعلية لا تعني أن مرور الزمن يعمل بصورة آلية لصالح الطرف الموجود على الأرض. فلا توجد قاعدة عامة تقول إن استمرار السيطرة خمسين سنة أو مائة أو خمسة قرون يحولها بذاته إلى عنوان قانوني نهائي. فالزمن لا يعمل منفصلًا عن سلوك الطرف الآخر، ولا سيما إذا كان هذا الطرف يدعي وجود حق سابق في الإقليم.


وهنا يظهر الفرق بين حالتين مختلفتين. الحالة الأولى هي أن تمارس دولة سيادتها على إقليم مدة طويلة، بينما تلتزم الدولة الأخرى التي كان من الممكن أن تدعي حقًا فيه الصمت ولا تعترض ولا تسجل تحفظًا ولا تصدر عنها أفعال تناقض الوضع القائم. في هذه الحالة قد يكتسب الصمت وزنًا قانونيًا، لأن عدم الاعتراض في ظروف كان من المنتظر فيها الاعتراض يمكن أن يفهم باعتباره قبولًا ضمنيًا.


أما الحالة الثانية فهي أن تستمر الدولة الموجودة على الأرض في ممارسة سلطتها، بينما يواصل الطرف الآخر الاحتجاج، ويرفض الاعتراف، ويسجل مطالبته في المحافل الدولية. هنا يتغير أثر الزمن؛ لأن الاستمرار في السيطرة لا يواجه صمتًا يمكن تفسيره قبولًا، وإنما يواجه منازعة معلنة.


وهذا هو بالضبط ما يجعل السلوك المغربي بعد الاستقلال مهمًا.


فبعد انتهاء نظام الحماية سنة 1956 واستعادة المغرب أهليته الكاملة في إدارة سياسته الخارجية، لم يتعامل مع وضع سبتة ومليلية باعتباره مسألة مغلقة. ففي 7 أكتوبر 1960 سجل ممثل المغرب أمام اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة موقف حكومته بشأن المدينتين، وطالب بإعادتهما إلى السيادة المغربية. وفي السنة التالية أعاد الملك الحسن الثاني طرح القضية في مؤتمر دول عدم الانحياز في بلغراد، واضعًا سبتة ومليلية ضمن الأقاليم التي اعتبر أن الوجود الإسباني ما زال قائمًا فيها شمال المغرب.


ثم انتقلت المطالبة من مستوى التصريح السياسي إلى محاولة إدراجها ضمن إطار قانوني دولي. ففي يناير 1975 طلب المغرب رسميًا من لجنة تصفية الاستعمار إدراج سبتة ومليلية وصخرة الحسيمة وصخرة باديس والجزر الجعفرية ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.


لم تقبل الأمم المتحدة هذا التكييف، ولم تدخل هذه الأقاليم نتيجة الطلب المغربي في القائمة. لكن عدم نجاح المطالبة في تغيير التصنيف شيء، واستمرار المطالبة نفسها شيء آخر. فمن زاوية القبول الضمني، ما يهم هو أن المغرب لم يسكت.


وتأكد هذا الاتجاه لاحقًا بصورة أوضح في إعلانه المرتبط بالتصديق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، حين أكد أن سبتة ومليلية وصخرة الحسيمة وصخرة باديس والجزر الجعفرية أراض يطالب باستعادتها، وأن تصديقه على الاتفاقية لا ينبغي تفسيره بوصفه اعترافًا بالسيطرة الإسبانية عليها.


هذه الصياغة بالذات ذات دلالة؛ لأنها لم تكتف بتجديد المطالبة السياسية، بل هدفت صراحة إلى منع استخلاص اعتراف قانوني ضمني من سلوك دولي مغربي يمكن أن يترتب عليه أثر في المجالات البحرية المحيطة بهذه الأراضي.


ومن هنا يمكن صياغة الوضع بصورة أكثر دقة: إسبانيا تستطيع إثبات ممارسة سيادية فعلية قوية ومتواصلة، لكن هذه الممارسة لم تواجه، على الأقل في مرحلة ما بعد الاستقلال المغربي، سكوتًا مطولًا من الرباط يسمح بسهولة بتحويل الزمن إلى قبول.


وهذا لا يعني أن الاحتجاج المغربي يهزم الحجة الإسبانية. فالاحتجاج لا ينشئ بذاته عنوان السيادة، ولا يكفي لتجاوز قرون من الإدارة الفعلية. لكنه يؤدي وظيفة مختلفة: يمنع الاستنتاج السهل بأن الدولة التي تطالب بالإقليم قد قبلت الوضع أو تخلت ضمنيًا عن حقها.


ولهذا ينبغي التمييز بين أمرين كثيرًا ما يختلطان في النقاش العام. الأول هو القدرة على إثبات ممارسة السيادة الفعلية، وهي قدرة إسبانية قوية جدًا. والثاني هو القدرة على إثبات قبول مغربي بهذا الوضع باعتباره نهائيًا، وهي مسألة أكثر صعوبة في ضوء السجل الدبلوماسي المغربي بعد الاستقلال.


ومن هنا أيضًا يظهر حدود الاستناد إلى الزمن وحده. فعبارة «إسبانيا موجودة في سبتة منذ قرون» ذات وزن تاريخي وسياسي واضح، لكنها لا تعمل قانونيًا منفصلة عن باقي العناصر. ينبغي دائمًا السؤال: كيف نشأت السيطرة؟ ما السند الذي رافقها؟ كيف تصرفت الدولة الأخرى؟ وهل أدى سلوكها إلى الاعتراف أم إلى استمرار النزاع؟


وفي هذه النقطة تصبح المقارنة مع جبل طارق مفيدة مرة أخرى، لكن ليس لإثبات التشابه بين الحالتين. فإسبانيا نفسها لم تعتبر مرور أكثر من ثلاثة قرون على الوجود البريطاني، ولا معاهدة التنازل نفسها، سببًا كافيًا لإنهاء مطالبتها بالإقليم. وهذا يكشف أن الممارسة الإسبانية ذاتها لا تتعامل مع الزمن باعتباره قاعدة مستقلة تسقط المطالبات الإقليمية بصورة آلية.


وعليه، فإن قدم الوجود الإسباني في سبتة ومليلية يقوي الموقف الإسباني، لكنه لا يلغي الحاجة إلى دراسة السند القانوني ولا يسمح باعتبار استمرار المطالبة المغربية مجرد بقايا خطاب تاريخي لا أثر له.


فالزمن في منازعات السيادة لا يمحو التاريخ، وإنما يعيد ترتيب وزنه.



رابعًا: تقرير المصير والفخ الكاتالوني


إذا كان الزمن لا يكفي وحده لحسم النزاع، وإذا كانت المطالبة المغربية لم تختف نتيجة الصمت أو القبول الضمني، فإن اقتراح إجراء استفتاء في سبتة ومليلية يواجه سؤالًا لا يمكن تجاوزه: ما الأساس الذي يمنح سكان المدينتين وحدهم سلطة تقرير السيادة؟


هنا ينبغي العودة إلى الفرق بين إرادة السكان وحق تقرير المصير وعنوان السيادة.


من الناحية السياسية، لا خلاف في أن إرادة السكان عنصر مهم في أي تسوية تمس حياتهم ومستقبلهم. لكن القانون الدولي لا يساوي تلقائيًا بين سكان إقليم وبين «شعب» يتمتع بحق تقرير المصير الخارجي. فحق تقرير المصير يتعلق بالشعوب، وتحديد من يشكل شعبًا صاحب هذا الحق يرتبط بالسياق القانوني والتاريخي للإقليم، ولا ينشأ لمجرد وجود جماعة بشرية مستقرة فوقه.


وهذه النقطة بالذات تضع الاقتراح الإسباني أمام مشكلة داخلية قبل أن تضعه أمام المغرب. فالدستور الإسباني لا يجعل السيادة ملكًا لسكان كل إقليم على حدة، وإنما ينص على أن السيادة الوطنية تعود إلى الشعب الإسباني في مجموعه، ويؤكد وحدة الأمة وعدم قابليتها للتجزئة.


وكان هذا هو الأساس الذي استندت إليه الدولة الإسبانية في رفض الاستفتاء الكاتالوني سنة 2017. لم يكن الجدل يتعلق فقط بوجود رغبة سياسية داخل كاتالونيا في التصويت، وإنما بمن يملك الحق في تقرير السيادة على الإقليم. وكان الموقف الرسمي أن سكان كاتالونيا لا يستطيعون، بوصفهم جزءًا من الشعب الإسباني، أن يقرروا وحدهم مصير جزء من التراب الوطني.


وهنا يظهر الفخ الذي ينشئه اقتراح الاستفتاء في سبتة ومليلية.


فإذا كانت المدينتان جزءًا من إسبانيا وفق الدستور، وإذا كانت السيادة للشعب الإسباني كله، فليس من السهل تفسير لماذا تمنح جماعة محلية في سبتة أو مليلية سلطة سيادية لا تمنح لسكان كاتالونيا.


أما إذا قيل إن السبب هو وجود مطالبة خارجية من دولة أخرى، فإن هذا الجواب يعيد المشكلة إلى أصلها بدل حلها. فوجود مطالبة مغربية يعني أننا لسنا أمام مجرد قضية محلية تتعلق بعلاقة السكان بالدولة، وإنما أمام نزاع في السيادة بين دولتين. وعندئذ لا يصبح استفتاء السكان بديلًا عن فحص سند الطرفين، بل نتيجة سياسية يمكن أن تأتي بعد تحديد طبيعة النزاع وليس قبله.


وبهذا المعنى، فإن المقارنة مع كاتالونيا لا تفترض تطابق الحالتين، وإنما تكشف تناقضًا في استعمال المبدأ. فإذا كانت مدريد ترفض أن تتحول الإرادة المحلية وحدها إلى مصدر للسيادة عندما تهدد وحدة الدولة من الداخل، فكيف يمكن أن تصبح الإرادة المحلية وحدها مصدرًا للسيادة عندما تكون النتيجة المتوقعة تثبيت الوضع الذي تريده الدولة؟


المشكلة إذن ليست في الاستفتاء كآلية ديمقراطية في ذاته، وإنما في الوظيفة القانونية التي يراد إعطاؤها له. يمكن للدولة أن تستشير السكان سياسيًا، ويمكن لأي تسوية أن تجعل رغبتهم عنصرًا أساسيًا فيها. لكن تحويل هذه الرغبة إلى أصل قانوني حاسم لعنوان السيادة يتطلب أساسًا آخر غير مجرد وجود أغلبية محلية.


وهنا يعود جبل طارق للمرة الثالثة، ولكن في صورة أكثر إحراجًا. فسكانه عبروا مرارًا عن رغبتهم في البقاء تحت السيادة البريطانية، ومع ذلك لم تعتبر إسبانيا تلك الإرادة كافية لإغلاق مطالبتها. وبذلك يصعب عليها من حيث الاتساق أن تجعل إرادة سكان سبتة ومليلية وحدها قاعدة كافية لإغلاق مطالبة المغرب.


ولا يعني ذلك أن إسبانيا ملزمة قانونيًا بمعاملة الحالات الثلاث بالطريقة نفسها. لكل حالة تاريخها ومعاهداتها ووضعها الدولي. لكن هذه الفوارق نفسها تؤكد أن الاستفتاء لا يستطيع أن يعمل خارج التكييف القانوني للنزاع.


ومن هنا تصبح الجزر غير المأهولة اختبارًا أخيرًا لمنطق السكان.



خامسًا: الجزر غير المأهولة — اختبار منطق السكان


تشمل المطالبة المغربية، إلى جانب سبتة ومليلية، الجزر الجعفرية وصخرة الحسيمة وصخرة باديس. وتعتبرها إسبانيا، في المقابل، أجزاء من أراضيها الخاضعة لسيادتها.


لكن بعض هذه المواقع لا توجد فيها جماعة مدنية مستقرة يمكن الحديث عنها بوصفها «شعبًا محليًا» أو هيئة ناخبة تمارس تقرير المصير.


وهذه الحقيقة البسيطة تكشف حدود النظرية التي تجعل السكان مصدرًا للسيادة.


فإذا كان نزاع السيادة يمكن أن يستمر قانونيًا وسياسيًا على إقليم لا يسكنه أحد، فهذا يعني أن وجود السكان ليس شرطًا لوجود السيادة ولا لوجود النزاع عليها. وعندما لا يوجد سكان، لا يبقى أمام الطرفين إلا الرجوع إلى الأدوات التقليدية: العنوان التاريخي، المعاهدات، ممارسة السلطة، الاعتراف، الاحتجاج، والسلوك اللاحق للدول.


وهنا يطرح السؤال نفسه بصورة طبيعية: إذا كانت هذه العناصر هي التي تحدد السيادة على الجزر غير المأهولة، فلماذا تختفي بمجرد أن يكون الإقليم مدينة مأهولة؟


وجود السكان يضيف إلى النزاع بعدًا إنسانيًا وسياسيًا لا يمكن تجاهله. فأي تسوية تمس سبتة أو مليلية ينبغي أن تراعي أمن السكان وحقوقهم وجنسيتهم وممتلكاتهم ومصالحهم. لكن هذه الحقوق لا تحول السكان تلقائيًا إلى أصحاب عنوان السيادة على الأرض.


وهذه هي النقطة التي تكشفها الجزر بأوضح صورة: السيادة تتعلق بالإقليم، لا بمجرد وجود جماعة بشرية فوقه.


ولا يعني ذلك أن السكان مجرد عنصر ثانوي. بل يعني فقط ضرورة الفصل بين مستويين مختلفين: مستوى تحديد صاحب الحق في الإقليم، ومستوى حماية الأشخاص الذين يعيشون فيه وترتيب مستقبلهم في إطار أية تسوية ممكنة.


وهذا الفصل يمنع خطأين متقابلين: الأول أن نجعل السكان وحدهم مصدر السيادة، والثاني أن نتعامل معهم كأن وجودهم بلا قيمة. الصحيح أن حقوقهم مركزية، لكن عنوان السيادة يحتاج إلى أساس مستقل عنها.


ومن هنا يمكن فهم لماذا لا يحل الاستفتاء المشكلة من أصلها. فإذا كان النزاع يشمل مدنًا مأهولة وجزرًا غير مأهولة، وإذا كانت المطالبة المغربية تقوم على تصور واحد للوحدة الترابية، فإن اختزال جزء من النزاع في إرادة السكان وترك الجزء الآخر للمعاهدات والتاريخ ينتج معيارين مختلفين لمسألة واحدة.


والأدق هو العكس: يبدأ التحليل من عنوان السيادة، ثم تضاف إرادة السكان وحقوقهم بوصفها عناصر ضرورية في أي حل سياسي مشروع.



خاتمة: قبل الاستفتاء، سؤال السيادة


تكشف قضية سبتة ومليلية أن بعض النزاعات لا يمكن اختزالها في السؤال الأسهل.


السؤال الأسهل هو: ماذا يريد السكان؟


أما السؤال الأصعب فهو: لمن تعود السيادة على الأرض؟


والفرق بينهما هو الذي يفسر لماذا لا تكفي الدعوة إلى الاستفتاء وحدها لحل النزاع.


فالمعاهدات تكشف أن العلاقة بين المغرب وإسبانيا أكثر تعقيدًا من روايتين متقابلتين. هناك سيطرة إسبانية تاريخية طويلة، وهناك تنازلات مغربية صريحة عن أراض مرتبطة ببعض الثغور في ظروف استثنائية أملتها شروط الحرب، وهناك تعامل تعاهدي مغربي مع وضع إسباني قائم. لكن يبقى السؤال حول ما إذا كان ذلك يساوي تنازلًا عن أصل السيادة على سبتة ومليلية نفسها، وما القيمة التي ينبغي إعطاؤها لظروف القوة والحرب التي أحاطت ببعض تلك المعاهدات.


ويكشف الزمن بدوره صورة مركبة. فإسبانيا تستطيع إثبات ممارسة سيادية فعلية شديدة الرسوخ، لكن المغرب بعد الاستقلال لم يسلك طريق الصمت أو القبول النهائي، بل استمر في تسجيل مطالبته واحتجاجاته. ومن ثم لا يستطيع الزمن وحده أن يقوم مقام الحكم في أصل الحق.


أما تقرير المصير، فلا يمكن استعماله كاختصار لهذه الأسئلة. فإسبانيا نفسها لا تعتبر، بحكم الدستور، أن سكان كل إقليم يملكون وحدهم سلطة تقرير السيادة عليه، وقد ظهر ذلك بوضوح في الحالة الكاتالونية. وإذا كانت سبتة ومليلية تخضعان لمطالبة خارجية من المغرب، فإن ذلك لا يجعل سكانهما تلقائيًا أصحاب القرار في نزاع بين دولتين، بل يعيد التأكيد على ضرورة تحديد طبيعة النزاع أولًا.


وتكشف الجزر غير المأهولة الحد النهائي لهذا المنطق. فهناك نزاعات سيادة لا يوجد فيها سكان أصلًا، ومع ذلك يبقى السؤال قائمًا: لمن تعود الأرض؟


ولهذا فإن جوهر القضية لا يتمثل في إنكار إرادة سكان سبتة ومليلية ولا في افتراض نتيجتها، وإنما في وضعها في موقعها الصحيح داخل النزاع. فهم أصحاب حقوق ومصالح لا يمكن تجاهلها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنهم أصحاب العنوان القانوني للسيادة.


وعند هذه النقطة يصبح الاقتراح البرلماني بإجراء استفتاء أقل بساطة مما يبدو. فهو قد يمنح إسبانيا نتيجة سياسية متوقعة، لكنه لا يجيب عن السؤال الذي يسبقها: هل النزاع أصلًا نزاع تقرير مصير أم نزاع على السيادة؟


كما أن تبنيه يضع مدريد أمام تناقض داخلي لا يسهل تجاوزه: فالدولة التي رفضت أن يقرر سكان كاتالونيا وحدهم مصير إقليمهم، لأنها تعتبر السيادة ملكًا للشعب الإسباني كله، ستحتاج إلى تفسير لماذا يمكن لسكان سبتة ومليلية وحدهم أن يقرروا السيادة في المدينتين.


وبذلك تنقلب الفكرة من حل بسيط إلى اختبار لمفهوم السيادة نفسه.


أما القول إن المدينتين ستظلان إسبانيتين «حتى نهاية الزمان»، فهو يعبر عن وضوح الموقف السياسي الإسباني، لكنه لا يحسم وحده نزاعًا تاريخيًا وقانونيًا ما دام الطرف الآخر لم يعتبره منتهيًا. وكما لا يكفي المغرب أن يستحضر القرب الجغرافي والذاكرة التاريخية لإثبات حقه، لا يكفي إسبانيا أن تستحضر طول مدة السيطرة لتجعل كل سؤال سابق بلا موضوع.


ويبقى السؤال الذي يسبق جميع الأسئلة الأخرى:


قبل أن نسأل سكان سبتة ومليلية مع أي دولة يريدون أن يعيشوا، ينبغي أولًا أن نعرف ما طبيعة النزاع على الأرض نفسها، وما السند الذي تستند إليه كل دولة في ادعاء السيادة عليها.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق