من تجنيس الصحراويين والسفارديم إلى سؤال حقوق الموريسكيين
تمهيد
في العاشر من سبتمبر/أيلول 2026، أعاد مجلس النواب الإسباني فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في علاقة إسبانيا بذاكرتها التاريخية، حين وافق على مقترح قانون يتيح لفئات من الصحراويين المولودين في الصحراء الغربية قبل 29 سبتمبر/أيلول 1977، ولأبنائهم من الدرجة الأولى وفق الشروط التي يحددها النص، طريقًا استثنائيًا لاكتساب الجنسية الإسبانية خلال أجل محدد. ولم يكن التصويت مجرد تعديل تقني لقواعد الجنسية؛ فقد جرى في ظل نزاع الصحراء الغربية المستمر، وفي لحظة تتسم بحساسية خاصة في العلاقات المغربية الإسبانية، فيما تابع الجلسة ممثلون صحراويون من داخل البرلمان. وهكذا التقت في تصويت واحد قضايا تبدو للوهلة الأولى منفصلة: الجنسية، والذاكرة الاستعمارية، والمسؤولية التاريخية، والنزاع على الإقليم، والعلاقة بين الدولة وأشخاص كانوا في مرحلة سابقة خاضعين لسلطتها.../...
ولا ينشئ المقترح، من الناحية القانونية، حكمًا جديدًا بشأن السيادة على الصحراء الغربية، كما لا يمثل في ذاته اعترافًا بالجمهورية الصحراوية أو تغييرًا تلقائيًا في الموقف الإسباني من النزاع. غير أن الجنسية ليست رابطة رمزية محضة؛ فهي تنشئ علاقة قانونية مباشرة بين الفرد والدولة، بما يرتبط بها من حقوق وحماية والتزامات. ولذلك فإن منحها استثنائيًا لجماعة يحددها القانون استنادًا إلى ارتباطها التاريخي بإقليم كانت إسبانيا تديره يطرح سؤالًا يتجاوز المستفيدين أنفسهم:
متى تتحول الذاكرة التاريخية في التشريع الإسباني من مجرد اعتراف بالماضي إلى مصدر لآثار قانونية في الحاضر والمستقبل؟
هذا السؤال ليس جديدًا على المشرع الإسباني. ففي سنة 2015 أصدرت إسبانيا القانون رقم 12/2015 الذي أنشأ طريقًا استثنائيًا للحصول على الجنسية لفائدة السفارديم ذوي الأصل الإسباني، وربطت ديباجته هذا الإجراء بتاريخ الاضطهاد الذي تعرض له اليهود في إسبانيا، وما انتهى إليه مرسوم 1492 من تخييرهم بين التحول إلى المسيحية ومغادرة البلاد، وبالرغبة في استعادة رابطة تاريخية ظلت قائمة رغم مرور قرون. وبذلك لم تعد الذاكرة مجرد موضوع للتأريخ أو الاعتذار الأخلاقي، وإنما تحولت إلى أساس تدخل به المشرع في قانون الجنسية ويمنح على أساسه مركزًا قانونيًا لم يكن متاحًا بالطريقة نفسها لغير المستفيدين من القانون.
غير أن العودة إلى التاريخ التشريعي لذلك القانون تكشف مفارقة أكثر أهمية. ففي أثناء مناقشته داخل مجلس النواب سنة 2015، طُرح تعديل يقترح توسيع المعاملة الاستثنائية لتشمل، إلى جانب السفارديم، أحفاد الموريسكيين وسكان الصحراء وسيدي إفني. لم يعتمد المشرع هذا التوسيع آنذاك، فصدر القانون خاصًا بالسفارديم. وبعد أحد عشر عامًا، يعود أحد المكونات التي جرى اقتراحها يومئذ، أي الصحراويون، إلى البرلمان من باب قانون خاص، بينما يظل الموريسكيون خارج نظام مماثل. ومن ثم لم تعد المقارنة بين السفارديم والصحراويين والموريسكيين مقارنة يصنعها الباحث بأثر رجعي، بل أصبحت لها جذور داخل التاريخ التشريعي الإسباني نفسه.
وهنا تظهر حالة الموريسكيين باعتبارها اختبارًا بالغ الدلالة. فقد كان الموريسكيون جزءًا من المجتمع الذي عاش داخل إسبانيا، وتعرضوا لمسار طويل من الإكراه الديني والسياسي انتهى بقرارات الطرد الجماعي في مطلع القرن السابع عشر، واستقر قسم كبير من أحفادهم في المغرب وشمال إفريقيا. وإذا كان المشرع الإسباني قد استطاع، بعد أكثر من خمسة قرون، أن يستعيد مأساة السفارديم ليقيم عليها نظامًا استثنائيًا للجنسية، وإذا كان يستدعي اليوم المسؤولية التاريخية الناشئة عن الإدارة الإسبانية للصحراء لتبرير معاملة خاصة للصحراويين، فإن غياب الموريسكيين يطرح سؤالًا يصعب اختزاله في مجرد مطالبة عاطفية بالمساواة.
ولا يعني ذلك أن الحالات الثلاث متماثلة تاريخيًا أو قانونيًا. فالسفارديم والموريسكيون ارتبطوا بإسبانيا من داخل تاريخها الاجتماعي والديني والسياسي، بينما نشأت علاقة الصحراويين بها أساسًا في سياق إدارة إقليم استعماري. كما تختلف إمكانات إثبات الأصل، واستمرارية الهوية الجماعية، وطبيعة الضرر التاريخي، والوضع القانوني للأقاليم والسكان المعنيين. ولذلك لا تكون قيمة المقارنة في افتراض التطابق، وإنما في استخراج المعيار الذي تستخدمه الدولة الإسبانية عندما تختار أن تمنح الذاكرة التاريخية أثرًا في قانون الجنسية، ثم اختبار مدى اتساق تطبيقه على الحالات المختلفة.
ومن هذه الزاوية، يثير المشروع المتعلق بالصحراويين سؤالًا آخر لا يقل أهمية، خصوصًا بالنسبة إلى المغرب. فإسبانيا تستطيع أن تقدم الإجراء باعتباره جبرًا لآثار ماضيها الاستعماري تجاه أفراد كانت لهم صلة قانونية بإدارتها السابقة، لكن القانون، بصرف النظر عن النية التي تقف وراءه، يعيد في الوقت نفسه إنتاج «الصحراوي» بوصفه فئة قانونية متميزة تستحق نظامًا خاصًا في الجنسية. وهذا لا يثبت موقفًا في نزاع السيادة، لكنه يبين أن قانون الجنسية يمكن أن يتجاوز تنظيم العلاقة بين الفرد والدولة ليؤثر في تعريف الجماعات وفي استمرار هويات تاريخية وسياسية داخل نزاعات لم تُغلق بعد.
لذلك لا ينطلق هذا البحث من السؤال عما إذا كانت إسبانيا محقة أو مخطئة في تجنيس الصحراويين أو السفارديم، ولا من مطالبة مسبقة بمنح الجنسية لأحفاد الموريسكيين. وإنما ينطلق من سؤال أكثر تحديدًا: بأي معيار تحول إسبانيا بعض الروابط والمظالم التاريخية إلى أساس لمعاملة استثنائية في الجنسية، ولماذا أنتج هذا المعيار مسارًا قانونيًا خاصًا للسفارديم، ويتجه اليوم إلى إنتاج مسار مماثل لفئات من الصحراويين، بينما لم ينتج إلى الآن نظامًا مماثلًا لأحفاد الموريسكيين؟
الإجابة عن هذا السؤال تقتضي العودة أولًا إلى القانون نفسه: إلى مفهوم الجنسية ووظيفتها، ثم إلى الأساس الذي أقام عليه المشرع الإسباني قانون السفارديم، وإلى المبررات التي يقوم عليها المقترح الخاص بالصحراويين، قبل وضع حالة الموريسكيين أمام المعايير المستخرجة من الحالتين. عندئذ فقط يمكن تحديد ما إذا كنا أمام اختلافات قانونية موضوعية تفسر تفاوت المعاملة، أم أمام سياسة انتقائية للذاكرة التاريخية تحدد، لأسباب قانونية وسياسية متداخلة، أي ماضٍ يستحق أن يتحول إلى حق في الحاضر، وأي ماضٍ يبقى مجرد ذكرى تاريخية مستبعدة من آليات الاعتراف وجبر الضرر.
أولًا: تجنيس الصحراويين — حين تتحول المسؤولية التاريخية إلى رابطة قانونية
1. من الذاكرة الاستعمارية إلى الجنسية
لا يمكن فهم المقترح الذي أقره مجلس النواب الإسباني في 10 سبتمبر/أيلول 2026 باعتباره مجرد توسع جديد في قواعد التجنيس. فخصوصيته تبدأ من الطريقة التي يحدد بها المستفيدين ومن الأساس الذي يبرر معاملتهم بصورة مختلفة. فالأمر لا يتعلق بأجانب تربطهم بإسبانيا إقامة طويلة أو اندماج اجتماعي لاحق، وإنما بأشخاص تستمد علاقتهم الاستثنائية بالدولة الإسبانية من صلة تاريخية بإقليم كانت إسبانيا نفسها تديره. ومن هنا تدخل الذاكرة الاستعمارية مباشرة إلى قانون الجنسية.
ويستهدف النص، في جوهره، الصحراويين المولودين في الصحراء الغربية قبل 29 سبتمبر/أيلول 1977، مع فتح الطريق، وفق شروط خاصة، أمام أبنائهم من الدرجة الأولى. كما يضع وسائل لإثبات الصفة المطلوبة، من بينها الوثائق الإسبانية التاريخية المرتبطة بالسكان الصحراويين، والتسجيل في إحصاء الاستفتاء الذي أعدته الأمم المتحدة، بما يعني أن المشرع لم يكتف بالانتماء الجغرافي المجرد، وإنما حاول إنشاء رابطة يمكن التحقق منها بين الشخص وبين الجماعة التي كانت لها صلة مباشرة بالإدارة الإسبانية السابقة.
وهذه النقطة ضرورية لفهم الطبيعة القانونية للمشروع. فإسبانيا لا تمنح الجنسية لكل سكان إقليم كان خاضعًا لها، ولا لكل من ينتمي ثقافيًا أو إثنيًا إلى المجال الصحراوي، وإنما تنشئ فئة قانونية محددة تستند أهليتها إلى علاقة تاريخية قابلة للإثبات. ومن ثم يصبح الماضي عنصرًا منشئًا لتمييز قانوني في الحاضر: شخصان قد يعيشان اليوم في المكان نفسه ويحملان الجنسية المغربية نفسها، لكن أحدهما يستطيع، بسبب انتمائه إلى الفئة التاريخية التي حددها المشرع الإسباني، الدخول في مسار استثنائي نحو الجنسية الإسبانية لا يتاح للآخر.
ولا يعني ذلك أن القانون يحسم هوية الصحراويين السياسية أو يقرر أنهم لا ينتمون إلى المغرب. فقانون الجنسية لا يستطيع وحده الفصل في نزاع دولي على السيادة، كما أن اكتساب شخص الجنسية الإسبانية لا يغير تلقائيًا الوضع القانوني للإقليم الذي يقيم فيه. لكن هذا الفصل القانوني بين الجنسية والسيادة لا يلغي الآثار السياسية التي يمكن أن تنتج عن الجنسية. فالدولة التي تجعل الانتماء إلى جماعة تاريخية معينة أساسًا لاكتساب جنسيتها تسهم، بصرف النظر عن مقصدها، في استمرار تعريف تلك الجماعة باعتبارها فئة متميزة في القانون.
2. الأبعاد الاستراتيجية — المكاسب الإسبانية والتحديات المغربية
إذا كان الأثر القانوني المباشر للمشروع يتمثل في إنشاء طريق استثنائي إلى الجنسية على أساس رابطة تاريخية، فإن نتائجه لا تتوقف عند هذا الحد. فالجنسية ليست مجرد وثيقة تثبت صفة قانونية، وإنما رابطة بين الفرد والدولة، وتحول المستفيد في هذه الحالة إلى مواطن إسباني، ومن ثم إلى مواطن في الاتحاد الأوروبي. ومن هنا تبدأ أبعاد للمشروع تتجاوز قانون الجنسية إلى المجال السياسي والاستراتيجي.
وتكتسب هذه الآثار أهمية خاصة في حالة الصحراء الغربية، لأن الجنسية تمنح لفئة ترتبط بإقليم ما يزال موضوع نزاع سياسي وقانوني دولي، وتعيش جماعات منها في مناطق تخضع لإدارات وسلطات مختلفة.
بالنسبة إلى إسبانيا، يتيح المشروع أولًا معالجة جانب من الإرث الذي خلفته نهاية إدارتها للصحراء الغربية. فبدل إعادة فتح مسألة السيادة أو التراجع عن الموقف الذي اتخذته الحكومة الإسبانية منذ سنة 2022 من المقترح المغربي للحكم الذاتي، تستطيع الدولة أن تفصل بين الوضع السياسي للإقليم وعلاقتها بالأشخاص الذين تربطهم بها صلة تاريخية مباشرة. وبهذا تصبح الجنسية وسيلة لمعالجة البعد الإنساني والقانوني للماضي من دون أن تقتضي بالضرورة تغيير الموقف الدبلوماسي من النزاع.
وفي الوقت نفسه، يحافظ المشروع لإسبانيا على رابطة طويلة الأمد مع جزء من سكان الإقليم. فالعلاقة التي كانت في الماضي علاقة بين دولة وإقليم خاضع لإدارتها يمكن أن يعاد إنتاج جزء منها في صورة مختلفة تمامًا: علاقة بين الدولة الإسبانية ومواطنين يحملون جنسيتها وينحدرون من ذلك الإقليم. ولا يعني ذلك استعادة حضور سيادي إسباني في الصحراء، لكنه ينشئ حضورًا بشريًا وقانونيًا يمكنه الاستمرار، ولا سيما أن المشروع يفتح، وفق شروطه، طريقًا لأبناء المستفيدين من الدرجة الأولى.
ويمنح ذلك إسبانيا أيضًا مكسبًا في مجال صورتها السياسية. فالدولة تستطيع تقديم المشروع باعتباره استجابة متأخرة لمسؤولية تاريخية تجاه سكان إقليم كانت تديره، وهو ما يسمح لها باستعادة جانب من خطاب المصالحة بعد الجدل الذي أثاره تحول موقف الحكومة الإسبانية من قضية الصحراء سنة 2022. ومن هذه الزاوية، تجمع المبادرة بين الاعتراف بالماضي والمحافظة على مرونة الحاضر: فهي لا تتخلى عن العلاقة الاستراتيجية مع المغرب، لكنها لا تقطع في الوقت نفسه الرابطة التاريخية مع الصحراويين.
غير أن ما يمثل لإسبانيا إمكانية للمصالحة وإعادة بناء العلاقة يمكن أن ينتج بالنسبة إلى المغرب آثارًا أكثر تعقيدًا. فالمغرب يعتبر سكان الأقاليم الصحراوية التي يديرها مواطنين مغاربة ويدمج الإقليم في بنيته الإدارية والسياسية والقانونية، بينما ينشئ التشريع الإسباني، انطلاقًا من التاريخ السابق لخروج إسبانيا، فئة من الأشخاص تستطيع اكتساب مركز قانوني استثنائي بصفتها الصحراوية. ولا يسقط ذلك جنسيتهم المغربية حيث تكون قائمة، ولا يقرر أن الصحراويين شعب منفصل قانونًا عن المغرب، لكنه يجعل الصفة الصحراوية نفسها منتجة لأثر قانوني خارجي مستقل عن النظام المغربي.
وتزداد المسألة تعقيدًا عندما تتحول هذه الصفة إلى مواطنة إسبانية وأوروبية. فإذا كان المستفيدون يقيمون في الصحراء الغربية أو مخيمات تندوف أو إسبانيا وغيرها، فإن القضية لم تعد تتعلق بأشخاص تربطهم بإسبانيا ذاكرة تاريخية فقط، وإنما بمواطنين إسبان تترتب لهم الحقوق التي يمنحها القانون الإسباني، فضلًا عن الحقوق الناشئة عن مواطنة الاتحاد الأوروبي. وقد يؤدي ذلك، في حالات معينة، إلى إضافة بعد إسباني إلى مسائل كانت تُطرح سابقًا في إطار العلاقة بين السلطات المغربية وأشخاص تعتبرهم مواطنين مغاربة. ولا يعني ذلك وجود حق إسباني مطلق في الحماية القنصلية لمزدوجي الجنسية داخل المغرب، فهذه المسألة تخضع لقواعد قانونية أكثر تعقيدًا، لكنه يضيف إلى النزاع شبكة جديدة من العلاقات القانونية المحتملة.
أما بالنسبة إلى جبهة البوليساريو، فلا يتمثل الأثر المباشر للمشروع في اعتراف إسباني بالجبهة أو بالجمهورية التي أعلنتها، لأن النص لا يفعل ذلك، وإنما في شيء أكثر دقة: استمرار الاعتراف القانوني بوجود فئة صحراوية متميزة ترتبط بإسبانيا بتاريخ خاص. وقد اكتسب هذا البعد قيمة رمزية إضافية بحضور ممثلين صحراويين جلسة التصويت في مجلس النواب، إذ اجتمع في المشهد نفسه التاريخ الاستعماري الإسباني، والمؤسسة التشريعية المعاصرة، وممثلو الحركة التي تطالب باستقلال الإقليم.
لكن الأثر الاستراتيجي الأبعد قد لا يظهر في لحظة التجنيس نفسها. فالصحراوي الذي يحصل على الجنسية لا يصبح حاملًا لوثيقة إسبانية فحسب، بل مواطنًا إسبانيًا وأوروبيًا، بما تتيحه هذه الصفة من إمكانات أوسع للإقامة والتنقل والتنظيم والعمل السياسي والمدني داخل الاتحاد الأوروبي. وإذا تكونت بمرور الزمن كتلة معتبرة من المواطنين الإسبان ذوي الأصل الصحراوي، فقد تكتسب القضية الصحراوية قاعدة بشرية دائمة تعمل من داخل المجال الأوروبي نفسه، وتستطيع الدفاع عن هوية صحراوية متميزة والتأثير في الأحزاب والمؤسسات والمجتمع المدني والمحافل الأوروبية والدولية.
وقد يكون أثر ذلك بالنسبة إلى المغرب أكثر أهمية في المستقبل منه في الحاضر. فالمغرب يسعى إلى جعل الحكم الذاتي تحت سيادته تسوية نهائية للنزاع، لكن التسوية القانونية للإقليم لا تعني بالضرورة انتهاء الصراع السياسي حول الهوية. فإذا اكتسب عدد معتبر من الصحراويين وأبنائهم الجنسية الإسبانية، فقد تساعد هذه المواطنة موضوعيًا على إبقاء الهوية السياسية الصحراوية قابلة لإعادة التعبئة حتى بعد تسوية محتملة، من خلال مواطنين أوروبيين يستطيعون مواصلة الدفاع، من داخل فضاء سياسي وقانوني آخر، عن الاستقلال أو إعادة فتح الوضع الذي اعتبرته التسوية منتهيًا.
وهذه النتيجة تحتاج إلى ضبط مهم: لا يوجد في مجرد إنشاء هذا المسار للجنسية ما يثبت أن المشرع الإسباني قصد إنتاج هذا الأثر، أو أن إسبانيا تسعى من خلاله إلى إبقاء النزاع مفتوحًا بعد تسويته. فذلك سيكون انتقالًا من تحليل النتائج الممكنة إلى افتراض النوايا دون دليل. لكن غياب الدليل على القصد لا يلغي الأثر الموضوعي المحتمل؛ فالسياسات قد تنتج على المدى الطويل نتائج تتجاوز الدوافع المباشرة التي أدت إلى تبنيها.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم المشروع باعتباره أكثر من إجراء متعلق بالجنسية، من دون تحميله في الوقت نفسه أهدافًا لا يعلنها. فهو يعالج إرثًا تاريخيًا إسبانيًا، ويحافظ على رابطة بشرية وقانونية مع الصحراويين، ويمنح المستفيدين فضاءً أوروبيًا أوسع لممارسة حقوقهم، وفي المقابل قد يزيد تعقيد البيئة التي يسعى المغرب داخلها إلى تحويل أي تسوية مستقبلية إلى نهاية نهائية للنزاع. فالحكم الذاتي قد يستهدف إغلاق النزاع الإقليمي، بينما تستطيع الجنسية، من حيث آثارها الموضوعية، نقل جزء من استمراره إلى فضاء الهوية والتمثيل السياسي عبر الحدود.
ومن هنا نعود إلى السؤال الذي يهم موضوع هذا البحث مباشرة. فإذا كانت علاقة تاريخية انتهت رسميًا قبل عقود تستطيع أن تنتج اليوم رابطة جنسية جديدة، فإن الزمن وحده لا يكفي لتفسير متى تنتهي آثار الماضي قانونيًا. والسؤال يصبح: ما طبيعة الرابطة التاريخية التي تعتبرها إسبانيا قوية بما يكفي لإنتاج أثر قانوني في الحاضر، وما المعايير التي تستخدمها لتحديد المستفيدين منها؟
والإجابة تقود إلى السابقة الأقدم والأكثر اكتمالًا في التشريع الإسباني الحديث: السفارديم وقانون 12/2015.
ثانيًا: السفارديم — حين تحولت المصالحة التاريخية إلى جنسية
إذا كان مشروع تجنيس الصحراويين يعيد إسبانيا إلى مسؤولية تاريخية تعود إلى النصف الثاني من القرن العشرين، فإن قانون السفارديم أعادها إلى ماض أبعد بكثير. فقد صدر القانون رقم 12/2015 بعد أكثر من خمسة قرون على مرسوم 1492، ومع ذلك اعتبر المشرع أن مرور الزمن لم يقطع الرابطة بين إسبانيا وجماعة غادرت البلاد نتيجة الاضطهاد الديني والطرد. وهذه السابقة مهمة؛ لأنها تثبت أن البعد الزمني وحده لا يمنع الدولة الإسبانية من تحويل مظلمة تاريخية بعيدة إلى أثر قانوني معاصر.
ولم يقدم المشرع القانون باعتباره مجرد امتياز يمنح لجماعة أجنبية ذات تعاطف ثقافي مع إسبانيا. فديباجة القانون بنت سردية تاريخية كاملة للعلاقة بين إسبانيا والسفارديم، واستحضرت وجود الجماعات اليهودية في شبه الجزيرة الإيبيرية، والاضطهاد الذي تعرضت له، وقرار الطرد سنة 1492، ثم استمرار ارتباط السفارديم باللغة والثقافة والذاكرة الإسبانية في البلدان التي استقروا فيها. وانتهت هذه السردية إلى مفهوم بالغ الدلالة هو المصالحة؛ أي إن الدولة لم تتعامل مع الماضي بوصفه واقعة انتهت بانتهاء أصحابها المباشرين، وإنما باعتباره علاقة تاريخية يمكن أن تمتد آثارها إلى أحفادهم.
وهنا حدث التحول القانوني الحاسم. فالاعتراف بالمظلومية التاريخية كان يمكن أن يظل في مستوى الخطاب أو الاعتذار أو إحياء الذاكرة، لكن إسبانيا اختارت أن تربطه بأحد أقوى الروابط التي تستطيع الدولة إنشاءها مع الفرد: الجنسية. وبذلك انتقلت العلاقة من «أسلاف تعرضوا للطرد من إسبانيا» إلى «أحفاد يستطيعون إعادة إنشاء رابطة قانونية مع إسبانيا»، فتحول الماضي من واقعة تاريخية إلى عنصر منتج لأثر قانوني في الحاضر.
وقد ظهر حجم هذا التحول في التطبيق. فحتى 31 مارس/آذار 2026، تشير إحصاءات وزارة العدل الإسبانية إلى أن عدد الملفات المقدمة في إطار قانون 12/2015 إلى الجهة المختصة بلغ 89,078 ملفًا، بُتَّ في 81,222 منها، وانتهى المسار، بعد احتساب قرارات المنح والطعون والأحكام والتسويات اللاحقة، إلى حصول نحو 74,469 شخصًا من أصول سفاردية على الجنسية الإسبانية، فيما ظلت آلاف الملفات الأخرى قيد المعالجة. وتكشف هذه الأرقام أن استدعاء الذاكرة التاريخية لم يكن مجرد مصالحة رمزية مع جماعة غادرت إسبانيا قبل أكثر من خمسة قرون، وإنما أصبح أساسًا لإعادة إنشاء رابطة قانونية فعلية بين الدولة الإسبانية وعشرات الآلاف من أحفاد تلك الجماعة.
لكن أهمية التجربة السفاردية بالنسبة إلى بحثنا لا تكمن في العدد وحده، وإنما في الطريقة التي عالج بها القانون مشكلة إثبات الانتماء بعد هذه المدة الطويلة. فالاعتراض المتوقع على أي مطالبة مشابهة هو أن مرور قرون يجعل التحقق من النسب التاريخي شبه مستحيل. غير أن المشرع الإسباني لم يشترط سلسلة وثائق مدنية متصلة من القرن الخامس عشر إلى الحاضر، بل أنشأ منظومة إثبات تعتمد اجتماع مجموعة من القرائن، مثل الشهادات الصادرة عن المؤسسات اليهودية المختصة، والأسماء العائلية، واللغة العائلية كاللادينو أو الحاكيتية، والتقاليد الثقافية، والوثائق التي تثبت الأصل السفاردي، إلى جانب إثبات الصلة الخاصة بإسبانيا.
وهذا التفصيل ستكون له أهمية كبيرة عندما نصل إلى الموريسكيين. فإذا كان مرور خمسة قرون لم يمنع المشرع من بناء وسائل إثبات للأصل السفاردي، فلا يمكن رفض النظر في حالة الموريسكيين لمجرد أن الطرد وقع قبل أكثر من أربعة قرون. قد تكون وسائل الإثبات أصعب، وقد تختلف قوة استمرار الهوية الجماعية والوثائق المتاحة، لكن الزمن في ذاته لم يعد مانعًا وفق السابقة التي أنشأها المشرع الإسباني نفسه. ويصبح السؤال الصحيح ليس: كيف نثبت النسب بعد أربعة قرون؟ وإنما: هل يمكن إنشاء منظومة قرائن تاريخية ونَسَبية وثقافية مماثلة في حالة الموريسكيين، وما درجة موثوقيتها؟
ومع ذلك، يتضمن قانون السفارديم عنصرًا آخر يمنعنا من اختزاله في جبر الضرر وحده. فالمشرع لم يكتف بإثبات الأصل السفاردي، بل اشترط أيضًا إثبات «صلة خاصة بإسبانيا». وهذا يعني أن المنطق التشريعي لا يقوم على المظلومية التاريخية وحدها، وإنما يجمع بينها وبين استمرار رابطة تجعل استعادة الجنسية ذات معنى في الحاضر. وقد يبدو هذا الشرط لأول وهلة عنصرًا يميز الحالة السفاردية عن الحالة الموريسكية، غير أن هذا الافتراض يحتاج بدوره إلى الاختبار؛ فأحفاد الموريسكيين، ولا سيما في المغرب وشمال إفريقيا، لم يفقدوا بالضرورة كل صلة بموطن أسلافهم، بل استمرت أشكال متعددة من الذاكرة الأندلسية في الموسيقى والتقاليد والأسماء العائلية والعمران والمطبخ والحرف، إلى جانب احتفاظ بعض الأسر والجماعات بذاكرة انتسابها إلى أصول أندلسية. ولا تثبت هذه العناصر في ذاتها وجود «صلة خاصة بإسبانيا» بالمعنى الذي قصده قانون 2015، لكنها تمنع افتراض غيابها مسبقًا.
وهنا تكشف الأعمال التحضيرية لقانون 2015 عن واقعة شديدة الأهمية. ففي أثناء مناقشة المشروع داخل مجلس النواب، قُدم تعديل اقترح توسيع النظام الاستثنائي ليشمل، إلى جانب السفارديم، أحفاد الموريسكيين وسكان الصحراء وسيدي إفني. لم يصبح هذا التعديل جزءًا من القانون النهائي، لكن مجرد طرحه يعني أن المقارنة بين هذه الجماعات لم تكن غائبة عن المشرع الإسباني. لقد دخل الموريسكيون والصحراويون بالفعل إلى النقاش التشريعي نفسه الذي انتهى بمنح السفارديم معاملة استثنائية.
وبعد أحد عشر عامًا، تكتسب هذه الواقعة دلالة جديدة. فالصحراويون الذين لم يشملهم قانون 2015 عادوا إلى البرلمان في مشروع مستقل وأصبحوا على طريق الحصول على نظام استثنائي خاص بهم، بينما ظل الموريسكيون خارج إطار مماثل. وبذلك يتحول التاريخ التشريعي نفسه إلى تجربة مقارنة: ثلاث جماعات حضرت، بدرجات مختلفة، في نقاش الذاكرة التاريخية الإسبانية؛ حصلت الأولى على قانون خاص سنة 2015، وتتجه الثانية إلى الحصول على قانونها سنة 2026، بينما بقيت الثالثة دون تسوية مماثلة.
ولا يكفي هذا الاختلاف وحده لإثبات التمييز غير المبرر. فقد تكون هناك أسباب موضوعية تتعلق بطبيعة العلاقة التاريخية أو إمكان إثبات النسب أو استمرارية الجماعة أو السياسة التشريعية للدولة. لكن المثير للاهتمام أن مبررات الزمن والبعد التاريخي وصعوبة الإثبات لم تعد كافية وحدها: السابقة السفاردية تجاوزت خمسة قرون، وابتكرت نظامًا للإثبات؛ والحالة الصحراوية توسع بدورها مفهوم المسؤولية التاريخية ليشمل سكان إقليم كانت إسبانيا تديره خارج أراضيها الأوروبية.
ومن هنا نصل إلى المقارنة التي لا يمكن للبحث تجاوزها: إذا كانت إسبانيا قد أقرت بأن الطرد التاريخي يمكن أن يولد مصالحة عبر الجنسية، فما الذي يميز قانونيًا بين اليهود الذين طُردوا من إسبانيا وأحفاد المسلمين الذين طُردوا منها بعد أكثر من قرن؟
وللإجابة عن ذلك لا يكفي أن نقول إن الجماعتين تعرضتا للطرد. ينبغي أن نضع التجربتين التاريخيتين جنبًا إلى جنب: من كان السفارديم والموريسكيون في النظام السياسي الإسباني؟ كيف جرى الإكراه الديني في الحالتين؟ كيف وقع الطرد؟ وماذا حدث للأموال والعقارات التي تركها المطرودون وراءهم؟ فالمسألة الموريسكية لا تفتح سؤال الجنسية وحده، وإنما تفتح أيضًا سؤالًا أوسع عن الممتلكات التي صودرت أو آلت إلى التاج وغيره نتيجة الطرد. وإذا كانت إسبانيا الحديثة قد قبلت في سياقات أخرى مبدأ جبر بعض الأضرار التاريخية ورد الممتلكات أو التعويض عنها، فإن البحث يصبح مدعوًا إلى التساؤل عما إذا كان استبعاد الإرث الموريسكي من أي معالجة مماثلة يستند إلى مانع قانوني موضوعي أم إلى حدود سياسية وزمنية وضعتها الدولة نفسها لسياسة الذاكرة.
ولا يعني ذلك أن أحفاد الموريسكيين يملكون اليوم، بمجرد إثبات النسب، دعوى قضائية جاهزة لاسترداد عقارات تعود إلى القرن السابع عشر؛ فمرور أكثر من أربعة قرون، وتعاقب الملكيات، وتغير النظام القانوني، ومشكلات الإثبات والتقادم والأمن القانوني تجعل المطالبة القضائية الفردية المباشرة شديدة التعقيد. لكن هذه الصعوبات لا تلغي السؤال السياسي والتشريعي عن جبر الضرر، لأن إسبانيا نفسها أثبتت في حالات أخرى أن مرور الزمن لا يمنعها، متى أرادت، من إنشاء آلية قانونية خاصة لمعالجة ظلم تاريخي.
ثالثًا: السفارديم والموريسكيون — مظلمتان تاريخيتان وتفاوت في المصالحة
تبدأ المقارنة بين السفارديم والموريسكيين من حقيقة أساسية: لم تكن أي من الجماعتين، لحظة وقوع الاضطهاد والطرد، جماعة مهاجرة حديثة تطالب بحقوق في بلد أجنبي عنها. فقد تشكل وجودهما داخل التاريخ الطويل لشبه الجزيرة الإيبيرية، وكان أفرادهما جزءًا من مجتمعاتها واقتصادها وثقافتها ومدنها. ولذلك فإن السؤال المعاصر لا يتعلق بمنح امتياز لجماعات لا صلة لها بإسبانيا، وإنما بكيفية تعامل الدولة الحديثة مع أحفاد جماعات أخرجتها السلطة السياسية والدينية من المجال الإسباني في مراحل مختلفة من تاريخها.
ومع ذلك، لم يكن المساران متطابقين. فقد انتهت الضغوط والاضطهادات التي تعرض لها اليهود إلى مرسوم الحمراء سنة 1492، الذي وضع اليهود الذين رفضوا التحول إلى المسيحية أمام مغادرة ممالك التاج. أما المسلمون، فإن سقوط غرناطة في السنة نفسها لم يؤد فورًا إلى طردهم جميعًا؛ إذ نصت شروط تسليم المدينة في البداية على ضمانات دينية ومدنية للسكان المسلمين، قبل أن تتراجع السلطة تدريجيًا عن جانب أساسي منها. وتوالت بعد ذلك سياسات التنصير القسري والقيود على اللغة واللباس والعادات، فتحول المسلمون الذين بقوا رسميًا إلى المسيحية وأصبحوا يُعرفون بالموريسكيين، إلى أن انتهى المسار بقرارات الطرد العام التي بدأت سنة 1609 واستمرت في السنوات التالية.
وهذه الاختلافات في المسار والتوقيت لا تلغي عناصر تشابه بنيوية يصعب تجاهلها: تدخل السلطة السياسية والدينية في تحديد الوضع القانوني للجماعة على أساس دينها، وفرض التحول الديني أو الإقصاء في مراحل مختلفة، ثم انتهاء المسارين إلى خروج جماعي واسع وفقدان للممتلكات والروابط الاجتماعية والاقتصادية. وإذا كانت الدولة الإسبانية الحديثة قد عادت إلى أحد هذين المسارين لتصف علاقتها بأحفاد ضحاياه بمنطق المصالحة التاريخية، يصبح من المشروع اختبار الأسباب التي حالت دون بناء مصالحة مماثلة مع أحفاد الجماعة الأخرى.
بل إن الحالة الموريسكية تضيف عنصرًا لا ينبغي أن يضيع داخل سؤال الجنسية. فالطرد لم يكن انتقالًا بشريًا مجردًا من آثاره المادية؛ إذ صاحبته ترتيبات تتعلق بالأراضي والمنازل والأموال والممتلكات التي تركها المطرودون، وانتقلت بموجبها أو بعدها ثروات إلى التاج أو إلى أصحاب امتيازات ومالكين آخرين بحسب الأقاليم والظروف. ومن ثم فإن الذاكرة الموريسكية لا تحمل فقط سؤال من أُخرج من إسبانيا؟ وإنما أيضًا سؤال ماذا حدث لما كان يملكه من أُخرج منها؟
ولا يؤدي إثبات المصادرة التاريخية تلقائيًا إلى حق قضائي معاصر في استعادة عقار بعينه أو المطالبة بقيمته الحالية. فالفاصل الزمني يتجاوز أربعة قرون، وتعاقبت أنظمة قانونية وملاك وورثة وتحولات عمرانية واقتصادية تجعل رد الممتلكات العينية في معظم الحالات بالغ التعقيد، فضلًا عن مسائل التقادم والإثبات والأمن القانوني. غير أن تعذر الرد العيني لا يستبعد من حيث المبدأ جبر الضرر بوسائل أخرى، بما فيها التعويض المالي إذا اختار المشرع إنشاء أساس قانوني لذلك.
ولا يستبعد رفض المشرع إنشاء آلية لجبر الضرر إمكان انتقال المسألة إلى المجال القضائي أو الدولي، غير أن ذلك لا يعني وجود دعوى دولية مباشرة لاسترداد ممتلكات صودرت في القرن السابع عشر. فاختصاص المحاكم الدولية مقيد بطبيعة أطراف النزاع وبالاختصاص الزمني والموضوعي، مما يجعل الطريق الأقرب في الحالة الموريسكية سياسيًا وتشريعيًا في المقام الأول. وقد يكتسب البعد القضائي أهمية مختلفة إذا نشأ في الحاضر نظام قانوني لجبر المظالم التاريخية وأثير نزاع حول تطبيقه أو حول اختلاف المعاملة بين فئات متقاربة، إذ يصبح محل الفحص عندئذ القرار المعاصر لا المصادرة التاريخية في ذاتها.
لكن استبعاد الدعوى القضائية المباشرة لا يستبعد جبر الضرر بوصفه خيارًا تشريعيًا وسياسيًا. فإسبانيا الحديثة عرفت في ملفات أخرى قوانين للذاكرة تضمنت الاعتراف بضحايا مظالم تاريخية، ومعالجة مسائل الممتلكات والمصادرات في حدود زمنية وقانونية حددها المشرع. وقانون السفارديم نفسه يقدم مثالًا أوضح بالنسبة إلى موضوعنا: لم يكن هناك حق تلقائي ظل قابلًا للمطالبة به قضائيًا منذ 1492، وإنما تدخل المشرع بعد أكثر من خمسة قرون وأنشأ في الحاضر طريقًا قانونيًا لم يكن موجودًا من قبل.
ومن هنا تتغير طبيعة سؤال الموريسكيين. فالمسألة ليست إثبات أن أحفادهم يستطيعون اليوم مقاضاة الدولة الإسبانية لاسترجاع بيوت وأراضٍ صودرت في القرن السابع عشر، وإنما التساؤل عن سبب غيابهم عن سياسة الاعتراف وجبر الضرر التي أنشأتها الدولة الإسبانية الحديثة لفئات أخرى من ضحايا تاريخها. وإذا كان المشرع قادرًا على تجاوز خمسة قرون في الحالة السفاردية ليجعل الجنسية أداة للمصالحة، فإن مرور أربعة قرون على طرد الموريسكيين لا يصلح، بمفرده، تفسيرًا كافيًا لاستبعادهم.
هل انقطعت الصلة الموريسكية بإسبانيا؟
قد يكون الجواب الأكثر وضوحًا لتفسير الاختلاف أن السفارديم حافظوا بعد الطرد على رابطة مميزة بإسبانيا، بينما اندمج الموريسكيون في المجتمعات الإسلامية التي استقبلتهم وانقطعت صلتهم بالبلاد التي طردوا منها. وهذا تفسير يستحق الفحص، خصوصًا أن قانون 12/2015 لم يجعل المظلومية التاريخية وحدها كافية، بل طلب، إلى جانب إثبات الأصل السفاردي، إثبات صلة خاصة بإسبانيا.
غير أن تحويل هذا الاختلاف إلى حقيقة مسلَّمة يواجه مشكلة تاريخية. فقد استقر عدد كبير من الأندلسيين والموريسكيين في المغرب وبلدان شمال إفريقيا، وتركوا آثارًا لا تزال ظاهرة في مجتمعات الاستقرار. ولم تقتصر هذه الآثار على ذاكرة مجردة عن «الأندلس»، بل ظهرت في أنماط العمران والحرف والمطبخ والعادات والأسماء العائلية والتقاليد الموسيقية، وفي تكوين جماعات وأسر احتفظت بوعي بأصولها الأندلسية. وتمثل الموسيقى الأندلسية في المغرب مثالًا واضحًا على أن الانتقال الجغرافي لم يؤد بالضرورة إلى محو الذاكرة الثقافية للمجتمع الذي انتقل.
لكن ينبغي هنا التمييز بين استمرار الأثر الأندلسي وإثبات الانحدار الموريسكي الفردي. فوجود تقليد موسيقي أو معماري أندلسي في مدينة مغربية لا يجعل كل من يعيش فيها حفيدًا للموريسكيين، كما أن حمل اسم عائلي ذي أصل أندلسي لا يكفي دائمًا لإقامة سلسلة نسب قانونية. إلا أن السابقة السفاردية نفسها مهمة في هذا الموضع، لأن إسبانيا لم تطلب من المتقدمين إثبات سلسلة وثائق مدنية متصلة بخمسة قرون، وإنما قبلت منظومة من القرائن التاريخية واللغوية والثقافية والنسبية والمؤسساتية يمكن تقييمها مجتمعة. ولذلك يصبح السؤال المقارن مشروعًا: هل يمكن إنشاء منظومة إثبات للموريسكيين تقوم على منهج مشابه، وإن اختلفت الأدلة المستخدمة؟
والصلة بين الضفتين أعمق من الذاكرة الثقافية وحدها. فقد ظل مضيق جبل طارق عبر قرون مجالًا للحركة البشرية في الاتجاهين، وشهدت شبه الجزيرة الإيبيرية في عصور الأندلس انتقال جماعات من شمال إفريقيا، كما شهد المغرب لاحقًا موجات من الوافدين الأندلسيين والموريسكيين. وداخل هذا التاريخ الطويل حدثت مصاهرات واندماجات وتحولات دينية واجتماعية تجعل تصور المغرب وإسبانيا باعتبارهما مجتمعين ظلا منفصلين بشريًا عبر التاريخ تصورًا يصعب الدفاع عنه.
ولا ينبغي تحويل هذه الحقيقة التاريخية إلى مفهوم عرقي مبسط عن «الدم المشترك». فالهوية القانونية لا تحددها الجينات، والمجتمعات الإسبانية والمغربية المعاصرة نتاج طبقات سكانية وتاريخية متعددة. لكن التاريخ الديمغرافي المشترك يضيف عنصرًا إلى مفهوم الرابطة: فالعلاقة بين أحفاد الموريسكيين وإسبانيا ليست مجرد إعجاب بثقافة بلد أجنبي، وإنما يمكن، في حالات قابلة للإثبات، أن تكون علاقة أصل عائلي ببلد أُخرج منه الأسلاف قسرًا بقرار من سلطته.
ومن ثم فإن شرط «الصلة الخاصة بإسبانيا» الذي يبدو في البداية مبررًا للتمييز بين السفارديم والموريسكيين قد يتحول، عند إخضاعه للفحص، إلى سؤال موجه إلى الدولة الإسبانية نفسها: ما المقصود بالصلة؟ فإذا كان استمرار اللغة أو الأسماء أو التقاليد والذاكرة العائلية قرائن ذات قيمة في الحالة السفاردية، فلماذا لا يمكن من حيث المبدأ فحص نظائرها الموريسكية؟ وإذا كانت الصلة لا تقوم على هذه العناصر وحدها، فما العنصر الموضوعي الآخر الذي يجعل استمرار الذاكرة لدى جماعة مؤهلًا للمصالحة القانونية واستمرارها لدى جماعة أخرى غير كافٍ؟
الموريسكيون دخلوا البرلمان الإسباني فعلًا
وقد سبقت الإشارة إلى أن المقارنة بين الموريسكيين والسفارديم لم تبق افتراضًا نظريًا، بل عُرضت بالفعل على المشرع الإسباني أثناء مناقشة قانون 2015، حين اقترح التعديل رقم 14 إدخال أحفاد الموريسكيين، إلى جانب الصحراويين وسكان سيدي إفني، في المسار الاستثنائي نفسه للجنسية. وقد رُفض هذا التوسيع آنذاك استنادًا، من بين ما طُرح في النقاش البرلماني، إلى «خصوصية» الحالة السفاردية. غير أن الخصوصية ليست في ذاتها معيارًا قانونيًا كافيًا؛ فالسؤال الذي يبقى هو ما العناصر الموضوعية التي صنعتها، وما إذا كانت هذه العناصر غائبة فعلًا عن الحالة الموريسكية أم أن بعضها قابل للتحقق فيها أيضًا.
المفارقة التي صنعتها سنة 2026
لو بقي الأمر عند قانون 2015، لأمكن القول إن إسبانيا قررت معالجة حالة تاريخية استثنائية واحدة ورفضت توسيعها إلى جماعات أخرى. غير أن التطورات اللاحقة جعلت هذا التفسير أقل كفاية.
فالصحراويون كانوا ضمن الفئات التي اقترح التعديل رقم 14 إدخالها إلى جانب السفارديم والموريسكيين. وبعد أحد عشر عامًا، أقر مجلس النواب الإسباني في سبتمبر/أيلول 2026 مشروعًا يمنح فئة من الصحراويين طريقًا استثنائيًا إلى الجنسية قائمًا بدوره على العلاقة التاريخية بإسبانيا، واستعادت أعماله التشريعية قانون 12/2015 بوصفه سابقة يمكن الاستفادة منها في بناء النظام الجديد.
وهنا تظهر مفارقة تشريعية واضحة: في 2015 جُمعت في تعديل واحد فئات من بينها السفارديم والموريسكيون والصحراويون وسكان سيدي إفني؛ انتهى القانون إلى السفارديم وحدهم، ثم عاد الصحراويون في 2026 ليحصلوا على طريق تشريعي مستقل نحو الجنسية، بينما بقي الموريسكيون خارج تسوية مماثلة.
ولا تثبت هذه النتيجة وحدها وجود تمييز ديني أو سياسي، لكنها تجعل تفسير الاختلاف بمجرد «خصوصية الحالة السفاردية» غير كافٍ. فإذا كان اختلاف الحالة الصحراوية جذريًا عن الحالة السفاردية لم يمنع المشرع من إنشاء نظام خاص بها، فإن السؤال لم يعد ما إذا كان الموريسكيون مطابقين للسفارديم، وإنما:
ما الخاصية القانونية الموجودة لدى السفارديم والصحراويين، رغم اختلاف تاريخيهما، والتي تبرر تحويل علاقتهما التاريخية بإسبانيا إلى طريق استثنائي للجنسية، بينما لا توجد لدى الموريسكيين؟
ويكشف المشروع الصحراوي كذلك أن اختلاف التجارب التاريخية لا يمنع المشرع من تكييف وسائل الإثبات مع كل تجربة. فإثبات الصلة الصحراوية يقوم على وثائق الهوية والسجلات المدنية والأسرية ووثائق الإدارة الإسبانية وغيرها، وهي أدلة مختلفة بطبيعتها عن الأدلة المستخدمة لإثبات الأصل السفاردي وصلته بإسبانيا. وبذلك لا يصبح اختلاف وسائل الإثبات سببًا كافيًا لاستبعاد الموريسكيين من حيث المبدأ، وإنما يطرح سؤال إمكان بناء منظومة إثبات تناسب تاريخهم هم: الوثائق الأرشيفية، والأنساب الموثقة، وسجلات استقرار الأسر المطرودة في شمال إفريقيا، والأسماء العائلية حيث تكون ذات قيمة إثباتية، وغيرها من القرائن التي يحدد البحث التاريخي والقانوني وزنها.
ولا يعني ذلك أن مجرد ادعاء أصل أندلسي ينبغي أن يؤدي إلى الجنسية الإسبانية. المطلوب أكثر تحديدًا: إذا أمكن لشخص إثبات انحداره، وفق معايير قانونية معقولة، من جماعة أخرجتها السلطة الإسبانية تاريخيًا، وإثبات صلة معتبرة بإسبانيا وفق معايير تلائم التجربة الموريسكية، فما المبرر الموضوعي لعدم وجود طريق قانوني يسمح أصلًا بالنظر في حالته، بينما أنشئت طرق استثنائية لجماعات تاريخية أخرى؟
وعند هذه النقطة نكون قد وصلنا إلى السؤال الذي ينبغي اختباره بدل افتراض جوابه.
رابعًا: اختبار الاتساق — هل تنطبق معايير المصالحة الإسبانية على الموريسكيين؟
لا تقتضي المساواة في المعاملة أن تكون الحالات التاريخية متطابقة. فالسفارديم والموريسكيون والصحراويون ينتمون إلى سياقات زمنية وسياسية وقانونية مختلفة، ولا يمكن اختزال هذه الاختلافات في نموذج واحد. لكن اختلاف الحالات لا يمنع المقارنة القانونية متى كانت الدولة نفسها قد استندت في معاملتها الاستثنائية لها إلى فكرة مشتركة هي وجود رابطة تاريخية بإسبانيا تستحق أن تنتج أثرًا قانونيًا في الحاضر.
ومن ثم، لا يقوم اختبار الاتساق على السؤال عما إذا كان الموريسكيون يشبهون السفارديم أو الصحراويين في كل شيء، وإنما على سؤال أدق: ما المعايير التي جعلت المشرع الإسباني يعتبر الماضي التاريخي في هاتين الحالتين سببًا مشروعًا للخروج عن القواعد العادية للجنسية؟ وهل تغيب هذه المعايير موضوعيًا عن الحالة الموريسكية؟
الضرر التاريخي
يبدو هذا المعيار الأقل إثارة للإشكال. فقد بنى قانون السفارديم جزءًا أساسيًا من منطقه على الاضطهاد الذي انتهى بالطرد، وعلى الرغبة في تحقيق مصالحة متأخرة مع أحفاد الذين تعرضوا له. كما يقوم المشروع الصحراوي على استدعاء المسؤولية التاريخية الناتجة عن علاقة إسبانيا بالإقليم وسكانه خلال فترة الإدارة الإسبانية.
وفي الحالة الموريسكية لا نكون أمام ذكرى ثقافية مجردة، وإنما أمام سلسلة موثقة من الإجراءات التي مست جماعة محددة: تراجع الضمانات التي أعقبت سقوط غرناطة، والتحول الديني القسري، والقيود على اللغة والدين والعادات والممارسات، والتهجير الداخلي في مراحل معينة، ثم قرارات الطرد في بداية القرن السابع عشر وما رافقها من فقدان للممتلكات واضطراب للحياة الأسرية والاجتماعية.
ومن ثم يصعب تفسير الاستبعاد الموريسكي بمجرد غياب المظلومية التاريخية؛ فهي موجودة وقابلة للتوثيق. وقد تختلف طبيعتها عن المظلومية السفاردية أو عن المسؤولية الإسبانية تجاه الصحراويين، لكن الاختلاف في شكل الضرر لا يعني غيابه.
مسؤولية السلطة التي حكمت إسبانيا
قد يثار هنا اعتراض أكثر تعقيدًا: إسبانيا الديمقراطية الحالية ليست الدولة التي أصدرت قرارات الطرد في القرنين الخامس عشر والسابع عشر، ومن غير المنطقي تحميل دولة معاصرة المسؤولية القانونية عن أفعال نظام ملكي وديني يعود إلى قرون بعيدة.
غير أن هذا الاعتراض يصطدم بمنطق قانون السفارديم نفسه. فالدولة التي سنت قانون 12/2015 ليست السلطة التي أصدرت مرسوم 1492، ومع ذلك اعتبرت نفسها صاحبة أهلية لإقامة المصالحة مع أحفاد المتضررين منه. وبذلك تكون إسبانيا الحديثة قد قبلت، على مستوى الذاكرة والسياسة التشريعية على الأقل، وجود استمرارية تاريخية تسمح للدولة الحالية بمعالجة آثار أفعال سلطات إسبانية سابقة.
ولا يعني ذلك انتقال المسؤولية القانونية المدنية آليًا عبر خمسة قرون، ولا أن كل فعل صدر عن مملكة تاريخية يصبح دينًا ماليًا واجب الأداء على الخزانة الإسبانية الحالية. لكنه يمنع استخدام تغير النظام السياسي وحده سببًا لاستبعاد الحالة الموريسكية، بعدما لم يمنع تغير النظام نفسه من إنشاء المصالحة السفاردية.
وهنا يظهر مبدأ مهم في المقارنة: إذا اختارت الدولة استحضار الاستمرارية التاريخية عندما تمنح حقًا، فلا يمكن تفسير عدم منح حق آخر بمجرد إنكار هذه الاستمرارية؛ بل تحتاج إلى معيار إضافي يفسر اختلاف الحالتين.
مرور الزمن
وقد يبدو الزمن عاملًا أكثر قوة، لأن طرد الموريسكيين بدأ سنة 1609، وتفصلنا عنه أكثر من أربعة قرون. لكن السابقة السفاردية تجعل هذا الاعتراض ضعيفًا بمفرده؛ فمرسوم الطرد اليهودي يعود إلى 1492، أي أن الفاصل الزمني الذي تجاوزه قانون 2015 أطول من الفاصل الذي يفصل إسبانيا المعاصرة عن الطرد الموريسكي.
وبذلك يكون المشرع الإسباني نفسه قد أثبت أن الزمن لا يمحو بالضرورة قابلية المظلومية التاريخية لأن تنتج أثرًا تشريعيًا معاصرًا. يستطيع الزمن أن يصعّب الإثبات، وأن يغير شكل الجبر الممكن، وأن يجعل استرداد الممتلكات أو تحديد الورثة أكثر تعقيدًا، لكنه لا يستطيع بعد سابقة 2015 أن يكون وحده مبررًا كافيًا لرفض النظر في الحالة الموريسكية.
بل تظهر هنا مفارقة زمنية لافتة: إذا أمكن إنشاء طريق إلى الجنسية سنة 2015 استنادًا إلى رابطة انقطعت رسميًا بطرد سنة 1492، فمن الصعب اعتبار طرد وقع بعد ذلك بأكثر من قرن قديمًا أكثر مما ينبغي لكي يدخل أصلًا في سياسة الذاكرة.
الأصل والانحدار: هل يمكن إثبات من هو موريسكي؟
هنا نصل إلى اعتراض أقوى بكثير. فكيف يمكن، بعد أربعة قرون، تحديد من ينحدر فعلًا من الموريسكيين؟ وهل يكفي لقب أندلسي أو تقليد عائلي أو الإقامة في مدينة استقبلت المطرودين؟ وإذا فتح الباب لمجرد الادعاء، فقد يصبح عدد المستفيدين غير قابل للتحديد ويضعف الأساس القانوني للنظام كله.
هذا اعتراض جدي، ولا ينبغي التقليل منه. لكن قانون السفارديم يقدم مرة أخرى جوابًا منهجيًا مهمًا: صعوبة الإثبات لا تساوي استحالته. فالمشرع واجه المشكلة نفسها تقريبًا مع جماعة طردت قبل الموريسكيين بأكثر من قرن، ولم يشترط وثيقة واحدة حاسمة تربط طالب الجنسية مباشرة بشخص خرج من إسبانيا سنة 1492، وإنما أنشأ منظومة من القرائن تسمح بتقييم الأصل السفاردي والصلة بإسبانيا.
ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: هل يستطيع جميع من يدعون أصلًا موريسكيًا إثباته؟ بالتأكيد لا. بل: هل توجد فئة من أحفاد الموريسكيين تستطيع إثبات انحدارها بدرجة من الموثوقية تسمح بإنشاء معيار قانوني؟
وقد تشمل وسائل الإثبات، إذا قرر المشرع أصلًا إنشاء مثل هذا النظام، الوثائق الأرشيفية الإسبانية والمغاربية، والأنساب العائلية الموثقة، وسجلات استقرار الجماعات المطرودة، والأسماء العائلية عندما تقترن بقرائن أخرى، وغيرها من الوسائل التي يستطيع البحث التاريخي وعلم الأنساب والأرشيف تحديد قيمتها. ولا ينبغي لنا الآن تقرير كفاية أي منها؛ فتلك مهمة نظام إثبات يحتاج إلى دراسة مستقلة.
لكن المبدأ الذي نستخلصه من السابقة السفاردية واضح: لا يجوز تحويل غياب سلسلة وثائق مدنية متصلة إلى استحالة قانونية مطلقة بعدما قبل المشرع نفسه وسائل إثبات تاريخية مركبة في حالة أقدم زمنًا.
الصلة الخاصة بإسبانيا
يبقى هذا ربما أقوى معيار يمكن أن تستند إليه إسبانيا لتفسير اختلاف المعاملة. فالقانون السفاردي لم يقل إن كل من يثبت انحداره من يهود إسبانيا المطرودين يستحق الجنسية تلقائيًا، بل جمع بين الأصل السفاردي و«الصلة الخاصة بإسبانيا». وهنا يمكن القول إن السفارديم احتفظوا عبر القرون بعناصر مميزة، وفي مقدمتها لغة اللادينو أو الحاكيتية وبعض التقاليد والأسماء والذاكرة الجماعية المتعلقة بإسبانيا، وهو ما جعل المصالحة القانونية تعيد تفعيل رابطة لم تختف تمامًا.
غير أن الحالة الموريسكية تمنعنا مرة أخرى من افتراض النتيجة. فقد احتفظت مجتمعات في المغرب وشمال إفريقيا بتراث أندلسي ظاهر، واستمرت أسماء وأسر وذاكرات محلية وموسيقى وعادات وأنماط عمرانية ارتبطت بالوافدين من الأندلس. وليس المطلوب اعتبار كل أثر أندلسي دليلًا على أصل موريسكي، وإنما اختبار ما إذا كانت بعض الأسر أو الجماعات تستطيع الجمع بين إثبات الانحدار واستمرار رابطة ثقافية أو تاريخية بإسبانيا.
وهنا تصبح صياغة قانون السفارديم نفسها مثيرة للاهتمام. فإذا كانت «الصلة الخاصة» مفهومًا يمكن إثباته بمجموعة متنوعة من القرائن وليس بحيازة رابطة قانونية مستمرة مع الدولة الإسبانية، فلا يوجد سبب منطقي مسبق يجعل المفهوم غير قابل للاختبار في الحالة الموريسكية. وقد تنتهي الدراسة إلى أن الصلة السفاردية أكثر وضوحًا أو تنظيمًا أو قابلية للإثبات؛ لكن هذه ستكون نتيجة للمقارنة، لا مقدمة لها.
هل حجم الجماعة مبرر للاختلاف؟
قد يظهر أيضًا اعتبار عملي غير تاريخي: ربما يكون عدد الأشخاص القادرين على الادعاء بأصل موريسكي كبيرًا جدًا، خصوصًا في المغرب والجزائر وتونس، بحيث يصبح فتح الجنسية أمامهم ذا آثار ديمغرافية وإدارية ومالية تختلف جذريًا عن الحالة السفاردية.
وهذا الاعتبار لا يمكن تجاهله إذا ثبت. فالدولة تملك، عند تصميم سياسة الجنسية، مساحة واسعة لمراعاة القدرة الإدارية والآثار المترتبة على التشريع. لكن العدد المحتمل للمستفيدين ينبغي هو الآخر ألا يتحول إلى افتراض غير موثق. كما أن قانونًا افتراضيًا لا يلزم أن يمنح الجنسية لكل من يدعي أصلًا أندلسيًا؛ يستطيع المشرع وضع معايير صارمة للنسب والصلة، وتحديد آجال للتقديم، واشتراط وسائل إثبات معينة، تمامًا كما فعل في الأنظمة الاستثنائية الأخرى.
والأهم أن الاعتبار العددي، إذا كان هو السبب الحقيقي، سيكون مختلفًا جذريًا عن القول إن الموريسكيين لا يملكون رابطة تاريخية تستحق الاعتراف. الأول اعتبار متعلق بإدارة آثار النظام القانوني؛ والثاني إنكار لأساسه التاريخي. وينبغي ألا نخلط بينهما.
الجنسية أم جبر الضرر؟
ركزت المقارنة حتى الآن على الجنسية، لأنها الأداة القانونية التي اختارتها إسبانيا لإعادة بناء الرابطة مع السفارديم، وهي الأداة نفسها التي يتجه المشروع الصحراوي إلى اعتمادها. غير أن ثبوت مظلومية تاريخية لا يفرض أن تكون الجنسية الشكل الوحيد الممكن لمعالجتها. وفي الحالة الموريسكية تحديدًا، يتجاوز الضرر فقدان الرابطة بإسبانيا ليشمل، بحسب ما تثبته الوقائع التاريخية، الطرد وفقدان الممتلكات وما ترتب عليهما من آثار مادية واجتماعية. ولذلك يطرح الملف الموريسكي سؤالًا أوسع من التجنيس: ما صور الاعتراف وجبر الضرر التي يمكن أن تتناسب مع طبيعة الأضرار التي لحقت بهذه الجماعة؟
ويمكن نظريًا أن تتخذ هذه المعالجة صورًا مختلفة: اعترافًا رسميًا، أو استعادة للذاكرة التاريخية في المؤسسات والمناهج، أو تسهيلًا للجنسية لمن يثبت شروطًا محددة، أو برامج لحفظ التراث الموريسكي، أو آليات لجبر الأضرار المادية، بما فيها التعويض المالي إذا أنشأ المشرع أساسًا قانونيًا لذلك.
وتكتسب مسألة الممتلكات هنا خصوصية لا ينبغي إغفالها. فإذا أثبت البحث أن الطرد الموريسكي اقترن بمصادرات واسعة للأراضي والمنازل والأموال، فإن الضرر التاريخي لم يقتصر على فقدان الوطن أو الرابطة السياسية، وإنما شمل انتقالًا للثروة أيضًا. ولا يعني ذلك وجود دعوى قضائية جاهزة اليوم لاسترداد عقارات القرن السابع عشر أو قيمتها الحالية، لكن ذلك يجعل جبر الضرر المادي أحد الخيارات التي يمكن أن تدخل في أي نقاش تشريعي جدي حول المصالحة.
وبذلك لا يكون السؤال: لماذا لم تمنح إسبانيا الموريسكيين التعويض نفسه الذي منحته للسفارديم؟ فالسفارديم لم يحصلوا أصلًا على تعويض مالي جماعي بموجب قانون 2015. السؤال الأدق هو: لماذا تحولت مظلومية جماعة إلى سياسة قانونية للمصالحة، بينما لم تنتج مظلومية جماعة أخرى حتى الآن إطارًا قانونيًا خاصًا بها، سواء اتخذ شكل الجنسية أم الاعتراف أم شكلًا آخر من جبر الضرر؟
ماذا بقي من مبررات الاختلاف؟
بعد إخضاع المعايير واحدًا واحدًا للاختبار، تبدأ صورة أكثر تعقيدًا في الظهور. فالضرر التاريخي موجود في الحالة الموريسكية؛ ومسؤولية السلطات التي حكمت إسبانيا تاريخيًا قابلة للإسناد بالمعنى التاريخي والسياسي؛ ومرور الزمن لا يستطيع وحده إسقاط القضية بعد السابقة السفاردية؛ وصعوبة إثبات النسب حقيقية لكنها ليست بالضرورة استحالة؛ أما استمرار الصلة بإسبانيا فهو المعيار الذي يحتاج إلى أكبر قدر من البحث التاريخي والإثبات الفردي، لكنه لا يمكن افتراض غيابه مسبقًا.
ولا تعني هذه النتيجة أن الموريسكيين يملكون اليوم حقًا مكتسبًا في الجنسية الإسبانية مماثلًا لحق أنشأه المشرع للسفارديم. فالحقوق في الجنسية تنشأ وفق النظام القانوني القائم، ولا يكفي التشابه التاريخي لإنشاء حق لم ينص عليه القانون. كما لا تعني أن المحاكم تستطيع ببساطة أن تحل محل البرلمان وتكتب نظامًا جديدًا للتجنيس.
لكنها تقود إلى نتيجة أكثر تحديدًا وأصعب تجاهلًا: المعايير التي استخدمتها إسبانيا لتحويل الذاكرة التاريخية إلى معاملة قانونية استثنائية لا تكشف، حتى الآن، عن سبب بديهي يجعل الحالة الموريسكية غير قابلة أصلًا للدخول في سياسة مماثلة.
وهنا تحديدًا ينبغي أن نتوقف قبل إصدار الحكم. فقد يكون العامل المفقود خارج المعايير القانونية المعلنة نفسها: في السياسة، والدبلوماسية، وطبيعة الجماعات المنظمة التي طالبت بالاعتراف، وعلاقة إسبانيا الحديثة بكل جماعة، وربما في الكلفة الداخلية والخارجية لكل مصالحة.
وإذا صح ذلك، فإن السؤال ينتقل من القانون إلى السياسة: هل تحدد طبيعة الضرر التاريخي وحدها الجماعات التي تحول إسبانيا ذاكرتها إلى اعتراف قانوني ومصالحة، أم أن استدعاء الماضي نفسه يتأثر بحسابات الحاضر ومصالحه؟
خاتمة
لا يقود هذا البحث إلى القول إن أحفاد الموريسكيين يملكون اليوم، بموجب القانون الإسباني القائم، حقًا مكتسبًا في الجنسية أو التعويض، كما لا يكفي التشابه بين تجارب تاريخية مختلفة لإنشاء حقوق قانونية متماثلة. لكنه يكشف أن استبعاد الحالة الموريسكية من سياسات المصالحة التاريخية الإسبانية يصعب تفسيره ببعض الحجج البسيطة التي قد تبدو لأول وهلة حاسمة.
فمرور الزمن لا يكفي وحده، لأن قانون 12/2015 تجاوز أكثر من خمسة قرون لإعادة بناء رابطة قانونية مع السفارديم. وصعوبة إثبات النسب لا تعني استحالته، بعدما أنشأ القانون نفسه منظومة مرنة من القرائن التاريخية والثقافية لإثبات الأصل السفاردي. كما أن اختلاف التجارب لا يمنع تكييف وسائل الإثبات معها، وهو ما يظهر مرة أخرى في المشروع الخاص بالصحراويين. أما المظلومية التاريخية، فلا يبدو أنها غائبة عن الحالة الموريسكية؛ إذ اقترنت تجربتهم بالإكراه الديني والطرد وفقدان الوطن والممتلكات.
والأكثر دلالة أن المقارنة بين هذه الحالات ليست بناءً نظريًا استحدثه البحث من الخارج. فقد دخل الموريسكيون فعلًا إلى النقاش التشريعي الإسباني سنة 2015، واقترح تعديل برلماني وضع أحفادهم إلى جانب السفارديم والصحراويين وسكان سيدي إفني داخل الآلية الاستثنائية نفسها للجنسية. انتهى القانون آنذاك إلى السفارديم وحدهم، ثم عاد الصحراويون بعد أحد عشر عامًا ليجدوا طريقًا تشريعيًا مستقلًا نحو الجنسية، بينما بقي الموريسكيون خارج إطار مماثل.
ولا تكفي هذه الوقائع لإثبات أن سبب الاختلاف ديني أو سياسي، مثلما لا تكفي عبارة «خصوصية الحالة السفاردية» لتفسيره. فالاختلاف في المعاملة قد تكون له أسباب موضوعية تتعلق بطبيعة الصلة، أو إمكان الإثبات، أو غير ذلك من الاعتبارات التي يملك المشرع سلطة تقديرها. لكن المقارنة تجعل من المشروع مطالبة هذا الاختلاف بتفسير موضوعي يمكن اختباره، بدل اعتباره نتيجة طبيعية لا تحتاج إلى تفسير.
ومن هنا ربما لا يكون السؤال الذي يتركه قانون السفارديم والمشروع الصحراوي هو: هل يستحق الموريسكيون الجنسية الإسبانية؟ فهذا سؤال يسبق القانون الذي يمكن أن ينشئ هذا الحق. السؤال الأسبق هو: لماذا لم تنشئ إسبانيا حتى الآن إطارًا قانونيًا يسمح أصلًا بالنظر في المظلومية الموريسكية وتحديد الشكل المناسب للاعتراف بها وجبرها؟
وإذا كانت المصالحة التاريخية لا تعني بالضرورة منح الجنسية، فما الذي يمنع التفكير في أشكال أخرى للاعتراف؟ وإذا كان الطرد الموريسكي قد اقترن بمصادرة الممتلكات، فهل يمكن فصل المصالحة مع ذاكرته عن سؤال الضرر المادي؟ وإذا كان مرور القرون لم يمنع معالجة المظلومية السفاردية، فلماذا يصبح الزمن مانعًا في حالة أخرى؟ وإذا كانت وسائل الإثبات قابلة للتكييف مع التاريخ الخاص بكل جماعة، فهل اختُبرت أصلًا إمكانية إنشاء معايير إثبات موريسكية قبل استبعادها؟
ويبقى وراء هذه الأسئلة جميعًا سؤال أوسع:
عندما تتحول الذاكرة التاريخية إلى قانون، ما المعيار الذي يحدد أي ماضٍ يستحق أن ينتج حقًا أو مصالحة في الحاضر، وأي ماضٍ يبقى مجرد ذكرى تاريخية؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق