من أَوْرَبَة سبتة ومليلية إلى أَفْرَقَة الهجرة

 


هل يحول المغرب الهجرة من ورقة إسبانية إلى قضية سيادة وعدالة قارية، 

ويضع أوروبا أمام مسؤولياتها التاريخية والأخلاقية؟



تمهيد: حان الوقت لتغيير موقع المتهم


نجحت إسبانيا، خلال أزمة الهجرة الأخيرة في سبتة، في الانتقال من موقع دولة تواجه نزاعًا تاريخيًا مع المغرب حول مدينتين محتلتين إلى موقع دولة تزعم أنها تدافع عن الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. ونقلت الملف من علاقتها الثنائية بالرباط إلى مؤسسات الاتحاد، وطالبت بالتضامن المالي والأمني والسياسي، وسعت إلى جعل أي ضغط على سبتة ومليلية ضغطًا على أوروبا كلها.


وبهذا التحرك لم تكتف مدريد بطلب المساعدة في مواجهة أزمة إنسانية وأمنية، بل استعملت الهجرة لإعادة بناء الموقع السياسي للمدينتين. فإذا أصبحتا حدودًا أوروبية، تحولت حمايتهما إلى مسؤولية سبع وعشرين دولة، وغدا الوجود الإسباني فيهما جزءًا من المنظومة الحدودية للاتحاد، لا مجرد أمر واقع تعترض عليه الرباط. لقد أوربت إسبانيا سبتة ومليلية حتى لا تواجه المغرب منفردة.../...


لكن هذا النجاح يفتح أمام المغرب سؤالًا استراتيجيًا مقابلًا: إذا كانت مدريد قد نقلت ملف المدينتين إلى الاتحاد الأوروبي وجمعت دوله خلفها، فلماذا يستمر المغرب في التعامل مع الهجرة الإفريقية باعتبارها مشكلة ثنائية بينه وبين إسبانيا؟ ولماذا لا ينقلها إلى الاتحاد الإفريقي، ويجمع دول القارة حول رؤية تربط الهجرة بالتنمية والسيادة على الموارد والعلاقات الموروثة عن الاستعمار؟


بعبارة أوضح: إذا كانت إسبانيا قد أوربت سبتة ومليلية، فقد حان الوقت لكي يقود المغرب أَفْرَقَة قضية الهجرة.


ولا يعني ذلك دفع المهاجرين نحو أوروبا أو استعمال معاناتهم للابتزاز السياسي، بل نقل النقاش من سؤال: «كيف يمنع المغرب الأفارقة من الوصول إلى أوروبا؟» إلى أسئلة أعمق: لماذا يغادر الأفارقة أوطانهم؟ ومن ساهم في إنتاج أسباب هجرتهم؟ ومن يستفيد من موارد قارتهم وكفاءاتها؟ ومن يتحمل كلفة المعالجة؟


لقد اعتادت أوروبا وضع دول الجنوب في موقع المتهم: دولة المنشأ لأنها لا تمنع مواطنيها من الرحيل، ودولة العبور لأنها لا توقفهم، والمهاجر لأنه تجاوز الحدود، بينما تقدم نفسها بوصفها الضحية. غير أن هذه الرواية تحذف تاريخًا من الاستعمار ونهب الموارد وربط اقتصادات القارة بتصدير المواد الأولية، وحاضرًا من العقود غير المتوازنة والديون واستنزاف الكفاءات والتحكم في سلاسل القيمة.


ولا يعفي ذلك الحكومات والنخب الإفريقية من مسؤولية الفساد والاستبداد وسوء التدبير؛ لكنه يمنع أوروبا من فصل الهجرة عن اختلالات ساهمت في إنتاجها، ثم مطالبة الأفارقة وحدهم بتحمل نتائج الفقر والبطالة والحروب والهشاشة.


وتزداد أهمية هذا السؤال لأن حاجة أوروبا إلى إفريقيا تتعاظم بفعل شيخوخة سكانها ونقص يدها العاملة وحاجتها إلى الطاقة والمعادن الاستراتيجية والأسواق الصاعدة. وفي المقابل تملك إفريقيا سكانًا شبابًا وموارد طبيعية وموقعًا جغرافيًا وإمكانات للنمو؛ ولذلك ينبغي أن تدخل الحوار بوصفها شريكًا يملك جزءًا من مستقبل الاقتصاد العالمي، لا قارة تنتظر المعونة.


وهنا يظهر المغرب بوصفه دولة إفريقية أطلسية تملك الموانئ والبنية التحتية والاستقرار وشبكات اقتصادية ودبلوماسية واسعة، وتقود مبادرة لربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي. لكن هذا الموقع لا ينبغي أن يحوله إلى وسيط يعيد أوروبا إلى إفريقيا بالشروط القديمة، بل إلى مركز يربط العبور بالسيادة والتصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا وتقاسم القيمة.


ويملك المغرب شرعية خاصة لقيادة هذا التحول؛ فقد اختار قادة الاتحاد الإفريقي الملك محمد السادس رائدًا للاتحاد في قضية الهجرة خلال قمة أديس أبابا يومي 30 و31 يناير 2017. وقدم الملك «الأجندة الإفريقية للهجرة» إلى القمة الثلاثين يوم 29 يناير 2018، واقترح إنشاء مرصد يمكّن القارة من إنتاج بياناتها وصوغ سياساتها. وأُقر إنشاء المرصد في المغرب خلال قمة نواكشوط يومي 1 و2 يوليوز 2018، قبل افتتاحه في الرباط يوم 18 ديسمبر 2020.


إذن، فالتكليف السياسي قائم، والأجندة معتمدة، والمؤسسة القارية موجودة. وما ينقص هو تحويل هذه المكتسبات إلى موقف إفريقي تفاوضي موحد.



أولًا: ما بعد تصريح مارلاسكا — من الرد على إسبانيا إلى بناء موقف إفريقي


نسب وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا انخفاض تدفقات الهجرة إلى السياسات الإسبانية، وطالب الاتحاد الأوروبي بمزيد من الدعم، متجاهلًا أن دول الضفة الجنوبية تتحمل جانبًا كبيرًا من كلفة المراقبة والمنع والاستقبال، بينما تستأثر إسبانيا بالنتائج داخل المؤسسات الأوروبية.


غير أن الرد لا ينبغي أن ينحصر في تعداد ما نفذته السلطات المغربية أو المطالبة بالاعتراف بدور الرباط؛ لأن ذلك يبقي النقاش داخل الإطار الذي وضعته مدريد: دولة أوروبية تحمي حدودها، ودولة جنوبية تساعدها، ثم يختلف الطرفان حول توزيع الفضل والتمويل.


المشكلة الأعمق هي من يملك سلطة تعريف الهجرة وتحديد أسبابها ووضع سياساتها وتوزيع أعبائها. فأوروبا تصنف الدول الإفريقية إلى دول منشأ وعبور واستقبال، وتحدد لكل منها وظيفة داخل منظومتها الأمنية؛ أما إفريقيا فتُستدعى لتنفيذ الحلول: تمنع مواطنيها، وتستقبل المرحّلين، وتفكك شبكات التهريب، بينما تنتقي أوروبا من تحتاج إليهم أسواقها.


ومن هنا ينبغي أن يتحول تصريح مارلاسكا من مناسبة لسجال مغربي إسباني إلى سؤال قاري: لماذا يفاوض كل بلد إفريقي أوروبا منفردًا، بينما تتعامل الدول الأوروبية من خلال مؤسسات الاتحاد وسياساته وتمويله المشترك؟ لقد وسعت إسبانيا دائرة القوة التي تستند إليها، ويستطيع المغرب أن يقابل ذلك بأجندة إفريقية تحدد مصالح القارة ومسؤولياتها وشروط تعاونها مع الشمال.


ولا تعني الأَفْرَقَة فتح الحدود أو تحويل المهاجرين إلى أداة ضغط، بل انتقال إفريقيا من موقع الحارس والمنفذ إلى موقع الشريك الذي يشارك في وضع القواعد، ويملك تعريفًا للمشكلة ورؤية لمعالجتها وشروطًا عادلة للتعاون.



ثانيًا: أَفْرَقَة الهجرة — استعادة القارة حقها في تعريف القضية


لا تبدأ السيادة بالحدود وحدها، بل بالقدرة على تعريف المشكلات؛ فمن يضع التعريف يحدد المسؤوليات والحلول والتكاليف. وقد فرضت أوروبا تعريفًا أمنيًا للهجرة الإفريقية باعتبارها «تدفقًا غير نظامي» يهدد حدودها، فأصبحت القارة جزءًا من منظومتها الأمنية من دون أن تكون شريكًا متكافئًا في تحديد غاياتها.


لكن الهجرة، من الزاوية الإفريقية، نتيجة لاختلالات اقتصادية وسياسية ومناخية وتاريخية. فالمهاجر لا يبدأ رحلته عند السياج أو الشاطئ، بل في القرية التي فقدت مواردها، والمدينة التي لم توفر له العمل، والدولة التي أضعفتها الديون أو النزاعات أو الفساد، والاقتصاد الذي يصدر مواده الأولية ولا يحتفظ بالقيمة المضافة.


ومن ثم تعني أَفْرَقَة الهجرة إعادة بناء الملف من وجهة نظر القارة، والانتقال:


• من حماية الحدود الأوروبية إلى حماية حق الأفارقة في الحياة والتنمية.


• ومن تمويل المنع إلى الاستثمار في أسباب الاستقرار.


• ومن إعادة المهاجرين إلى دول العبور إلى تحديد مسؤولية كل دولة وفق الجنسية والقانون والمسار الفعلي.


• ومن استقطاب الكفاءات بلا مقابل إلى تقاسم كلفة تكوينها.


• ومن الاتفاقات الثنائية المتفرقة إلى موقف إفريقي مشترك.


• ومن اعتماد الأرقام الأوروبية إلى إنتاج إفريقيا معرفتها المستقلة.


ولا تبرئ هذه المقاربة الحكومات الإفريقية؛ فالفساد والاستبداد وسوء التدبير والحروب عوامل أساسية في دفع الشباب إلى الرحيل. لكن مسؤولية النخب لا تمحو مسؤولية القوى التي تستفيد من موارد القارة وكفاءاتها، ثم ترفض تحمل النتائج البشرية لاختلال العلاقة. فأَفْرَقَة الهجرة تجمع بين مسؤولية إفريقيا عن بناء دول توفر الأمن والفرص، ومسؤولية أوروبا عن مراجعة السياسات التي تعمق أسباب الرحيل.



ثالثًا: من الشرعية الإفريقية إلى المبادرة السياسية


بحكم الشرعية التي منحها قادة الاتحاد الإفريقي للملك محمد السادس، يستطيع المغرب قيادة انتقال القارة من تنفيذ المقاربة الأوروبية إلى صياغة سياستها المستقلة. غير أن هذه الشرعية تظل غير مكتملة الأثر ما لم تتحول إلى مبادرة تغير شروط التفاوض.


فأوروبا ما تزال تنتج القسم الأكبر من الأرقام المتداولة، وتحدد مؤشرات «الخطر»، ثم تبني عليها برامج التمويل والمراقبة والإعادة، بينما تبرم الدول الإفريقية اتفاقات منفردة تختلف باختلاف حاجتها وقدرتها على التفاوض.


لذلك لا ينبغي أن يقتصر دور المرصد الإفريقي للهجرة على جمع البيانات وإصدار الدراسات؛ فقيمته تبدأ حين يحول المعرفة إلى سياسة، والسياسة إلى موقف مشترك، والموقف إلى قوة تفاوضية. والمطلوب أن يصبح المرجع الذي تستند إليه القارة في تحديد حجم الهجرة واتجاهاتها وأسبابها وكلفتها ومنافعها.


ويمكن للرباط أن تقترح مؤتمرًا إفريقيًا حول الهجرة والسيادة والتنمية، تشارك فيه الدول ومؤسسات الاتحاد والتجمعات الإقليمية والخبراء والمجتمع المدني، لإعداد ميثاق إفريقي موحد يجيب عن أسئلة ظلت أوروبا تنفرد بها: ما حدود مسؤولية دولة العبور؟ ومن يتحمل كلفة المراقبة والاستقبال والإعادة؟ وكيف تنظم المسارات القانونية؟ وما مقابل استقطاب الكفاءات؟ وكيف يرتبط التعاون بالتجارة والاستثمار والديون ونقل التكنولوجيا؟


عندئذ تتحول الريادة المغربية من صفة مؤسسية إلى وظيفة سياسية: لا بالتحدث باسم إفريقيا، بل بتمكينها من التحدث بصوت منظم، وجمع مصالحها المتفرقة داخل أرضية تفاوضية مشتركة.



رابعًا: الاستراتيجية المغربية — بناء الكتلة الإفريقية أولًا


لا تكفي الدعوة إلى مؤتمر أو اقتراح ميثاق؛ فالبيانات لا تغير الموازين ما لم تقف وراءها كتلة دول تلتقي مصالحها. ولذلك ينبغي أن تبدأ الاستراتيجية المغربية ببناء التحالف الإفريقي قبل التفاوض مع أوروبا.


وليست للقارة مصلحة واحدة: دول المنشأ تريد العمل القانوني والتحويلات والاستثمار، ودول العبور تتحمل كلفة المراقبة والاستقبال، ودول المقصد الإفريقية تواجه تحديات الاندماج، فيما تخشى حكومات خسارة التمويل الأوروبي. والمطلوب تحويل اختلاف المواقع إلى تكامل: الاستثمار والمسارات القانونية لدول المنشأ، وتقاسم الكلفة لدول العبور، ودعم الاندماج لدول المقصد، وحماية المواطنين من الاتجار والاستغلال للجميع.


ويمكن للرباط بناء التحالف في دوائر متدرجة: تبدأ بالدول الأكثر اتصالًا بمسارات الهجرة في الساحل وغرب إفريقيا وشمالها، وتتسع إلى الدول الأطلسية، ثم تنتقل إلى مؤسسات الاتحاد الإفريقي. وتمنح مبادرة تمكين دول الساحل من الوصول إلى الأطلسي هذه الدائرة أساسًا عمليًا؛ فالطريق والميناء والممر اللوجستي ليست وسائل نقل فقط، بل أدوات لتحويل مسارات الهروب إلى مسارات للتجارة والعمل.


وبذلك يعرض المغرب على شركائه تبادلًا واضحًا: الوصول إلى البنية التحتية والأسواق والموانئ مقابل بناء موقف يربط الهجرة بالتنمية والسيادة الاقتصادية. غير أن المشروع ينبغي أن يقدم بوصفه مبادرة إفريقية تحت مظلة الاتحاد، لا أداةً للنفوذ المغربي؛ إذ قد تعرقله الجزائر أو تتحفظ عليه قوى كبرى إذا بدا محاولة للتحدث باسم القارة.


يقترح المغرب الإطار ويوفر الخبرة والمؤسسة الموجودة في الرباط، لكنه يترك للدول المشاركة صياغة المضمون وآليات القيادة. ويمكن إنشاء مجموعة إفريقية دائمة تمثل أقاليم القارة ومواقعها المختلفة من الهجرة، وتعد الموقف المشترك قبل الاجتماعات مع الاتحاد الأوروبي. فالاستراتيجية الناجحة تبدأ بتنظيم البيت الإفريقي، لأن عدالة القضية وحدها لا تكفي من دون دول مستعدة للدفاع عنها ومصالح توحدها.



خامسًا: ماذا تضع إفريقيا على طاولة التفاوض؟


لا تهدف أَفْرَقَة الهجرة إلى قطع التعاون مع أوروبا، بل تغيير قواعده حتى لا تحدد أوروبا المشكلة والحل والتمويل، بينما تتولى إفريقيا التنفيذ والكلفة. وينبغي أن تدخل القارة بملف متكامل لا بمطالب مالية متفرقة، قائم على مبدأ: لا تعاون أمنيًا منفصلًا عن التنمية والسيادة وتقاسم القيمة.


الهجرة القانونية بدل الانتقاء الأحادي


تحتاج أوروبا إلى العمالة الإفريقية بسبب شيخوخة سكانها والنقص في قطاعات الصحة والزراعة والبناء والخدمات، لكنها تريد اختيار من تحتاج إليهم وترك كلفة تكوينهم لدولهم. ويمكن للموقف الإفريقي أن يطالب بحصص معلنة للهجرة القانونية، وبرامج تكوين مشتركة، ومساهمة أوروبية في تعويض البلدان التي تفقد أطباءها ومهندسيها وكفاءاتها، من دون تقييد حق الإنسان في التنقل.


الاستثمار المنتج بدل تمويل الحراسة


ينبغي توجيه التمويل من الأسوار والدوريات وحدها إلى استثمارات تخلق العمل وتربط استخراج الموارد بالتصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا وإدماج الشركات والعمال الأفارقة في سلاسل القيمة. عندئذ تصبح مكافحة الهجرة نتيجة للتنمية، لا وظيفة أمنية تؤدى نيابة عن أوروبا.


تقاسم كلفة الاستقبال والاندماج


أصبحت دول إفريقية، وفي مقدمتها المغرب، بلدان إقامة تتحمل كلفة تعليم المهاجرين وعلاجهم وإدماجهم. فإذا كانت أوروبا تستفيد من بقائهم في الجنوب، فعليها المشاركة في تمويل التعليم والصحة والسكن والتكوين وفرص العمل، بآليات شفافة تمنع تحول الدعم إلى ريع أمني.


رفض نقل مسؤولية الإعادة إلى دولة العبور


لا يجوز تحويل دولة العبور إلى مستودع لكل من وصل إلى أوروبا مرورًا بها. ويجب أن تقوم الإعادة أساسًا على الجنسية والاتفاق مع دولة المنشأ، لا على الاشتباه في المرور بدولة ثالثة، إلا وفق اتفاق يحدد المدة والتمويل والضمانات القانونية والإنسانية.


ربط حركة السلع بحركة البشر


إذا تمتعت الشركات الأوروبية بحرية الاستثمار واستخراج الموارد وتحويل الأرباح، فمن العدل توسيع فرص التنقل القانوني للطلاب والباحثين والعمال ورجال الأعمال الأفارقة. فالشراكة المتكافئة لا تحرر حركة المال والسلع وتتعامل مع الإنسان وحده بوصفه خطرًا.


بهذه الشروط تتحول الهجرة من بند أمني إلى جزء من اتفاق شامل: لا تطلب إفريقيا ثمنًا لمنع أبنائها، بل تفاوض على شروط تقلل اضطرارهم إلى الرحيل، وتضمن لمن يهاجر طريقًا قانونيًا وآمنًا.



سادسًا: تنويع الشركاء — صناعة البدائل لا تبديل التبعية


لا يتحسن موقع المغرب التفاوضي إذا ظلت أوروبا وحدها قادرة على توفير السوق والاستثمار والتكنولوجيا والغطاء السياسي. فالقوة لا تأتي من حدة الخطاب، بل من بدائل حقيقية تسمح برفض الشروط غير الملائمة. غير أن الولايات المتحدة والصين وروسيا وإسرائيل ليست أوراقًا متشابهة، ولكل منها وظيفة وحدود.


الولايات المتحدة: الغطاء الاستراتيجي


يستطيع المغرب أن يقدم نفسه لواشنطن منصة لشراكة أمريكية إفريقية في البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا والأمن الغذائي، وأن يدفعها إلى دعم مقاربة تربط الهجرة بالتنمية والاستقرار في الساحل. ووجود الولايات المتحدة يوسع هامش المناورة الإفريقي ويقلق الاحتكار الأوروبي، لكن ينبغي ألا يتحول المغرب إلى أداة في صراع واشنطن مع الصين وروسيا.


الصين: البديل الاقتصادي


تملك الصين القدرة على تمويل الموانئ والطرق والسكك والطاقة والمناطق الصناعية. ويمكن لشراكاتها خدمة المبادرة الأطلسية وربط الموانئ المغربية بالأسواق الداخلية وإنشاء سلاسل إنتاج داخل القارة. لكن التمويل الصيني قد ينتج مديونية أو اعتمادًا على الشركات والعمالة والتكنولوجيا الصينية؛ ولذلك يجب اشتراط التصنيع المحلي ونقل المعرفة وتشغيل الأفارقة وشفافية العقود. الغرض هو استعمال المنافسة لانتزاع شروط أفضل، لا استبدال تبعية بأخرى.


روسيا: التوازن السياسي والأمني


لا تملك روسيا القدرة المالية الصينية أو الأوروبية، لكنها مؤثرة في الطاقة والحبوب والأسمدة والتعاون الأمني، وعضو دائم في مجلس الأمن. ويفيد الانفتاح عليها في تنويع الأسواق والمصادر وتأكيد استقلال القرار، مع الحذر من أن يُفهم اصطفافًا في مواجهتها مع الغرب أو يربط المغرب بمقاربات أمنية مثيرة للجدل في إفريقيا.


إسرائيل: تقنية متقدمة وحساسية سياسية


يمكن للتعاون مع إسرائيل أن يوفر تقنيات في المياه والزراعة والطاقة والأمن السيبراني. لكنها لا تصلح واجهة لمشروع يطالب أوروبا بالعدالة التاريخية؛ لأن الصراع الفلسطيني والرفض الشعبي قد يضعفان شرعيته الإفريقية. كما أن تكنولوجيا مراقبة الحدود قد تعيد إنتاج المقاربة الأمنية المنتقدة. لذلك ينبغي أن يظل التعاون محددًا بالمصلحة المغربية، وألا يتحول إلى ركيزة سياسية للمشروع أو منفذ تستعمله إسرائيل لتحقيق مصالحها في القارة على حساب الأفارقة.



سابعًا: البعد الخليجي — رأس المال العربي في خدمة المبادرة


تملك الإمارات والسعودية وقطر صناديق سيادية وشركات في الموانئ والطاقة والنقل والاتصالات، ويمكنها تحويل الربط الأطلسي والتنمية الإفريقية إلى مشاريع قابلة للتنفيذ. وتمتاز الشراكة الخليجية بقدرتها على الجمع بين التمويل العربي والتكنولوجيا الدولية والخبرة المغربية من دون إلزام الرباط باختيار معسكر واحد.


الإمارات: الموانئ والخدمات اللوجستية


تملك الإمارات الحضور الخليجي الأوسع في الموانئ والطاقة والزراعة والتعدين والبنية التحتية الإفريقية. ويمكن بناء شراكة ثلاثية قوامها تمويل إماراتي وخبرة وموانئ مغربية ومشاريع في الساحل وغرب إفريقيا. لكن الاستثمار يجب أن يرتبط بالتصنيع المحلي والتشغيل وشفافية العقود، حتى لا يصبح المغرب غطاءً لتوسع لا تستفيد منه المجتمعات المضيفة.


قطر: الاستثمار السيادي والوساطة


تملك قطر قدرة مالية وشركات في الطاقة والطيران والاتصالات والضيافة، إلى جانب نفوذ دبلوماسي وإعلامي. ويمكن إنشاء صناديق مشتركة للطاقة والسياحة والأمن الغذائي، ولمؤسسات التعليم والصحة والتكوين بصيغ استثمارية تحقق عائدًا وتكوّن الموارد البشرية اللازمة للمشروعات. كما يمكن للخطوط القطرية الاستفادة من موقع المغرب لتوسيع الربط مع المدن الإفريقية. وفي المقابل تحصل القارة على الاستثمار والخدمات والعمل، مع ضرورة تجنب نقل التنافس القطري الإماراتي إلى المشروع.


السعودية: التمويل والأمن الغذائي والبحر الأحمر


تملك السعودية رأس المال والطاقة والوزن السياسي والديني، ويربطها أمن البحر الأحمر وباب المندب مباشرة باستقرار القارة. ويمكن لشراكة مغربية سعودية تمويل الممرات الأطلسية والزراعة والطاقة والمناطق الصناعية وربطها بالأسواق الخليجية، فتنتقل العلاقة من الدعم الظرفي إلى المصالح طويلة الأمد.


نحو منصة مغربية خليجية في إفريقيا


يمكن إنشاء منصة تشارك فيها الصناديق والشركات الخليجية والمصارف والمقاولات المغربية لإعداد المشروعات وتمويلها وتنفيذها. يوفر المغرب المعرفة بالأسواق والشبكات المصرفية والموانئ والخبرة التنفيذية، وتوفر دول الخليج رأس المال والخبرة في الطاقة والطيران واللوجستيات، وتقدم الدول الإفريقية الموارد والأسواق ومجالات النمو.


وتركز المنصة على الموانئ والممرات، والمناطق الصناعية، وتحويل المواد الأولية، والزراعة وتحلية المياه، والطاقة، والطيران والاتصالات، والمستشفيات والمعاهد، وتمويل المقاولات. وتربط التمويل بالمكون المحلي وتشغيل الأفارقة ونقل المعرفة، حتى لا تستخرج المشروعات الأرباح وتترك المجتمعات خارجها.


وتمنح المنصة الخليج فرصًا استثمارية وأمنًا غذائيًا وطاقيًا، والمغرب دور المنظم والممر والمنفذ، وإفريقيا البنية التحتية والتصنيع والعمل. كما تمنح الرباط مصدرًا إضافيًا للتمويل؛ فلا تستهدف إقصاء أوروبا، بل منعها من احتكاره ودفعها إلى تقديم عرض أكثر تنافسية.



خاتمة: التوازن بدل الارتهان


لا تكمن القوة المغربية في اختيار الولايات المتحدة بدل أوروبا، أو الصين بدل الولايات المتحدة، أو الخليج لتعويض الجميع، بل في منع أي طرف من احتكار الخيارات وتحويل تعدد الشركاء إلى استقلال استراتيجي.


ويمكن توزيع الوظائف داخل هذه الهندسة: الولايات المتحدة للغطاء الاستراتيجي والتقنية؛ الصين للبنية التحتية والتصنيع؛ روسيا للطاقة والأمن الغذائي والتوازن؛ إسرائيل للتكنولوجيا المتخصصة ضمن حدود أخلاقية وسياسية؛ الإمارات للموانئ واللوجستيات؛ السعودية للتمويل والطاقة والأمن الغذائي؛ قطر للاستثمار السيادي والطيران والوساطة؛ وأوروبا للسوق والقرب والتكامل الاقتصادي.


ولا ينبغي أن تعمل هذه العلاقات في مسارات منفصلة، بل داخل مشاريع تجمع تمويلًا خليجيًا، وخبرة مغربية، وتكنولوجيا دولية، وأسواقًا أوروبية، واستثمارات داخل إفريقيا توظف أبناءها وتحول مواردها محليًا.


وعندما يدرك الأوروبيون أن المغرب يملك بدائل قابلة للتنفيذ، سيصبحون أكثر استعدادًا لتقاسم القيمة ونقل التكنولوجيا وتمويل التنمية واحترام الموقف الإفريقي. أما الزيارات والاتفاقات غير المنفذة فلا تصنع ضغطًا؛ لأن ورقة التفاوض لا تكتسب قيمتها من الإعلان، بل من القدرة على استخدامها.


ولا يعني التوازن توزيع الوعود على القوى المتنافسة أو تحويل إفريقيا إلى ساحة لصراعها. فكل شراكة تقاس بما تنقله من معرفة، وما تخلقه من عمل، وما تتركه داخل اقتصادات القارة من قيمة مستدامة.


وهكذا لا يهدد المغرب أوروبا بالابتعاد عنها، بل يضع أمامها خيارًا: شراكة جديدة تحترم مصالح المغرب وإفريقيا، أو فضاء مفتوح أمام قوى أخرى مستعدة لملء الفراغ. وفي الحالتين، لا يكون المغرب بوابة تعبر منها القوى إلى القارة، بل مركزًا يضع شروط العبور ويضمن أن تستفيد إفريقيا منه.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق