ازدواج الجنسية والمسؤولية السياسية في المغرب

 


(حين يصبح تعدد الانتماء القانوني سؤالًا عن السيادة والولاء وتضارب المصالح)


تمهيد


لم يعد موضوع ازدواج الجنسية في المغرب مسألة شخصية تخص المهاجرين وأبناء الجالية وحدهم، بل بدأ يتحول إلى سؤال سياسي ودستوري يتعلق بطبيعة النخب التي تتولى تمثيل الدولة، وصناعة قوانينها، وإدارة مصالحها الاستراتيجية، والتفاوض باسمها مع دول أجنبية.


فمن الطبيعي أن يسعى المواطن العادي إلى الحصول على جنسية ثانية لأسباب متعددة؛ منها الإقامة الطويلة في بلد أجنبي، أو تسهيل السفر، أو تجاوز قيود التأشيرات، أو تحسين شروط العمل والاستقرار الاجتماعي، أو ضمان حقوق أبنائه وأسرته. ولا يجوز، من حيث المبدأ، اتهام مزدوجي الجنسية بضعف الوطنية أو التشكيك الجماعي في انتمائهم إلى المغرب، لأن الجنسية الأجنبية لا تلغي بالضرورة الارتباط بالوطن الأصلي، كما أن حمل الجنسية المغربية وحدها لا يشكل في ذاته ضمانة للنزاهة أو الإخلاص../....


لكن الوضع يتغير عندما ينتقل حامل الجنسية الأجنبية من المجال المدني الخاص إلى دائرة السلطة العامة، فيصبح برلمانيًا يشرّع باسم الأمة، أو وزيرًا يشارك في صناعة القرار، أو سفيرًا يمثل سيادة المغرب، أو مسؤولًا عن مؤسسة استراتيجية، أو عضوًا في لجنة تفاوضية تدافع عن المصالح المغربية في مواجهة دولة يحمل جنسيتها.


عند هذه النقطة لا تعود المسألة متعلقة بالمشاعر والنيات، بل تصبح مسألة تضارب محتمل بين التزامات قانونية وسياسية تترتب عن الانتماء إلى دولتين مختلفتين.



الجنسية الثانية ليست مجرد جواز سفر


من الخطأ اختزال الجنسية الأجنبية في كونها مجرد وثيقة تسهل السفر. فالجنسية تنشئ علاقة قانونية وسياسية كاملة بين الفرد والدولة التي تمنحه إياها.


فالمتجنس يصبح، بحسب قانون الدولة الثانية، مواطنًا يتمتع بحقوقها السياسية والمدنية، وخاضعًا لقوانينها ومحاكمها، ومستفيدًا من حمايتها الدبلوماسية والقنصلية، وملزمًا بالواجبات المدنية والوطنية المقررة لمواطنيها. كما يصبح صاحب حق في الدخول إلى أراضيها والإقامة فيها، وقد يكون مرتبطًا بها بمصالح عقارية ومالية ومهنية وعائلية دائمة.


ولا يعني ذلك أن كل مزدوج الجنسية يوزع ولاءه بالتساوي بين دولتين، لكن معناه أن مركزه القانوني لم يعد محكومًا بدولة واحدة.


فالمواطن المغربي الفرنسي، على سبيل المثال، يعد مغربيًا كامل الصفة في نظر المغرب، وفرنسيًا كامل الصفة في نظر فرنسا. وكذلك المغربي الإسباني في إسبانيا، والمغربي الكندي في كندا. والمغربي البريطاني في المملكة المتحدة، وكل دولة تطبق عليه قانونها داخل إقليمها بوصفه مواطنًا تابعًا لها.


وهنا يظهر السؤال الحقيقي: ماذا يقع عندما يتولى هذا الشخص مسؤولية مغربية تمس مصالح الدولة الثانية التي يحمل جنسيتها؟



الولاء ليس مجرد إحساس داخلي


غالبًا ما يرد المدافعون عن حق مزدوجي الجنسية في تولي جميع المناصب بأن الوطنية لا تقاس بجواز السفر، وأن شخصًا يحمل جنسيتين قد يكون أكثر إخلاصًا للمغرب من آخر لا يحمل إلا الجنسية المغربية.


وهذا صحيح من الناحية النظرية، لكنه غير كافٍ من الناحية القانونية والأخلاقية والمؤسساتية.


فالقانون لا يبنى على افتراض سوء النيات، لكنه لا يبنى أيضًا على الثقة المطلقة في الضمائر، لأن النفس البشرية لا تؤتمن. ولذلك يمنع القاضي من النظر في قضية يكون أحد أطرافها قريبًا له، ولو كان القاضي نزيهًا. ويلزم المسؤول بالتصريح بممتلكاته، ولو كان أمينًا. ويمنع تضارب المصالح من قبل مسؤول في وزارة أو إدارة حتى قبل إثبات وقوع الفساد.


وبالمنطق نفسه، لا ينبغي انتظار وقوع خيانة أو تسريب أو انحياز فعلي حتى تناقش الدولة مدى ملاءمة ازدواج الجنسية لبعض المسؤوليات الحساسة.


فالمشكلة ليست أن كل مزدوجي الجنسية خونة، وإنما أن الدولة قد تضع مسؤولًا في وضع يصبح فيه مطالبًا بالدفاع عن مصالح دولته الأم، بينما يرتبط في الوقت نفسه بعلاقة مواطنة قانونية بالدولة المقابلة.



المسؤول السياسي الذي يملك ملاذًا خارجيًا


تزداد حساسية الموضوع عندما يكون البرلماني أو الوزير أو المسؤول قادرًا على الاحتماء بدولة ثانية عند حدوث نزاع سياسي أو قضائي أو عند بدء المساءلة على قدر المسؤولية.


فحامل الجنسية الأجنبية لا يملك مجرد وثيقة سفر، بل يملك حق الدخول إلى دولة أخرى والاستقرار فيها، وقد يملك فيها منزلًا وأموالًا وعائلة وحقوقًا اجتماعية. ويمكنه، بعد مغادرة المغرب، أن يستفيد من قوانين تلك الدولة ومن القيود التي تفرضها على تسليم مواطنيها أو متابعتهم أو تنفيذ الأحكام الأجنبية بحقهم.


ولا يعني ذلك أن الجنسية الأجنبية تمنح صاحبها حصانة مطلقة من القضاء المغربي. فداخل المغرب يعامل مزدوج الجنسية، من حيث الأصل، بوصفه مواطنًا مغربيًا، ولا تستطيع الدولة الأجنبية إلغاء اختصاص المحاكم المغربية عليه.


لكن المشكلة تظهر بعد مغادرته التراب الوطني، أو عندما تتحول قضيته إلى موضوع ضغط دبلوماسي أو سياسي أو إعلامي خارجي.


وهكذا يمكن أن تتحول الجنسية الثانية إلى شبكة أمان لمسؤول يمارس سلطة داخل المغرب، لكنه يحتفظ في الوقت نفسه بمخرج قانوني واجتماعي خارجه.



البرلمان والتمثيل باسم الأمة


ينص الفصل الثاني من الدستور المغربي على أن السيادة للأمة، تمارسها مباشرة بالاستفتاء وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها.


والبرلماني لا يمثل نفسه ولا أسرته ولا حزبه وحده، بل يشارك في ممارسة السيادة باسم الأمة. فهو يشرّع، ويراقب الحكومة، ويصادق على المعاهدات والاتفاقيات، وقد ينتمي إلى لجان تختص بالخارجية أو الدفاع أو المالية أو القطاعات الاستراتيجية.


ومن ثم يصبح من حق الناخب أن يعرف ما إذا كان المرشح يحمل جنسية أجنبية، وما هي الدولة التي يحمل جنسيتها، وما مصالحه المالية والمهنية والعائلية فيها، وما إذا كان قد شغل وظائف عمومية أو سياسية لديها.


غير أن التشريع المغربي لا يفرض، بالوضوح المطلوب، إعلان الجنسية الأجنبية للمرشح أمام الناخبين، ولا ينظم بصورة شاملة آثار ازدواج الجنسية على عضوية اللجان البرلمانية الحساسة.


وهذا يترك الناخب أمام وضع غير متوازن: فهو مطالب بمنح ثقته لمن سيمثله، لكنه قد لا يعرف جميع الروابط القانونية والسياسية لذلك المرشح بدول أجنبية.



مغاربة الخارج: حق دستوري غير مفعّل


تزداد المفارقة وضوحًا عند مقارنة وضع المسؤولين مزدوجي الجنسية بوضع عموم المغاربة المقيمين في الخارج.


فالفصل 17 من دستور 2011 يقرر صراحة أن المغاربة المقيمين بالخارج يتمتعون بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشح في الانتخابات، ويتيح لهم الترشح على مستوى الدوائر المحلية والجهوية والوطنية.


غير أن هذا الحق الدستوري لم يتحول إلى مشاركة مباشرة وكاملة من بلدان الإقامة. فلا يزال ملايين المغاربة في الخارج محرومين عمليًا من شبكة طبيعية لمكاتب الاقتراع في القنصليات والسفارات، ومن تمثيل برلماني خاص يختارونه مباشرة، على غرار ما تفعله دول أخرى لمواطنيها في الخارج.


وهنا تظهر مفارقة سياسية لافتة:


الدولة تطمئن إلى مزدوج الجنسية حين تختاره بالتعيين وزيرًا أو سفيرًا أو مسؤولًا، لكنها تتحفظ على منح الجالية حق اختيار ممثليها مباشرة بالانتخاب.


وبعبارة أخرى، يبدو أن الدولة أكثر ارتياحًا إلى الكفاءات التي تنتقيها من أعلى، منها إلى المواطنين الذين يدخلون إلى المؤسسات من أسفل بواسطة صناديق الاقتراع.


وقد تكون وراء هذا التأخر اعتبارات تنظيمية حقيقية، كصعوبة توزيع الدوائر ومراقبة الحملات في بلدان متعددة، لكن هذه الصعوبات لا تبدو مستحيلة بعد مرور أكثر من خمسة عشر عامًا على دستور 2011، خصوصًا أن دولًا كثيرة استطاعت تنظيم تصويت مواطنيها في الخارج سواء بالاقتراع في السفارات والقنصليات أو عبر البريد بالنسبة للمناطق البعيدة عن التمثيليات القنصلية.


كما تظل فرضية التخوف السياسي من كتلة انتخابية مستقلة نسبيًا عن الإدارة والأعيان والأحزاب التقليدية مطروحة للنقاش، خاصة أن جزءًا كبيرًا من مغاربة الخارج يعيش داخل مجتمعات ديمقراطية، ويتمتع بثقافة أوسع في المحاسبة والمشاركة والحقوق السياسية.



الوزراء والمناصب السيادية


لا تتساوى جميع المناصب الحكومية من حيث حساسيتها.


فوجود جنسية أجنبية لدى مسؤول عن قطاع اجتماعي أو ثقافي لا يطرح بالضرورة الإشكال نفسه الذي يطرحه وجودها لدى من يتولى:


وزارة الداخلية؛

وزارة الخارجية؛

الدفاع والأمن؛

أجهزة الاستخبارات؛

وزارة العدل؛

المؤسسات المالية والاستراتيجية؛

إدارة الثروات الوطنية؛

الطاقة والمياه والبنية الرقمية؛

التفاوض بشأن الاتفاقيات العسكرية والأمنية والاقتصادية الكبرى.


ففي هذه المجالات لا يتعلق الأمر فقط بإدارة مرفق عمومي، بل بحماية أسرار الدولة وتحديد مصالحها الاستراتيجية وموازين قوتها في مواجهة دول أخرى.


وإذا كان المسؤول يحمل جنسية الدولة التي يتفاوض معها، فإن احتمال تضارب المصالح يصبح قائمًا موضوعيًا، حتى إن لم يقع انحياز فعلي.


فالدولة لا ينبغي أن تسأل فقط: هل هذا المسؤول وطني؟


بل ينبغي أن تسأل أيضًا:


هل وضعه القانوني ومصالحه الخارجية يسمحان له باتخاذ قرار مستقل بالكامل عندما تتعارض مصالح المغرب مع مصالح دولته الثانية؟



السفراء وجنسية الدولة المضيفة


تبلغ الإشكالية أقصى درجاتها عندما تعين الدولة سفيرًا يحمل جنسية البلد الذي سيمثل المغرب لديه.


فاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية تنص على أن أعضاء الطاقم الدبلوماسي ينبغي، من حيث المبدأ، أن يحملوا جنسية الدولة الموفدة، وأن تعيين شخص يحمل جنسية الدولة المستقبلة لا يتم إلا بموافقتها.


كما أن الدبلوماسي الذي يحمل جنسية الدولة المستقبلة لا يكون مركزه في الحصانة مطابقًا بالضرورة لمركز السفير الأجنبي الذي لا يحمل جنسيتها، إلا في حدود الأعمال الرسمية أو بحسب ما تمنحه الدولة المضيفة من امتيازات إضافية.


وهذا يعني أن السفير الذي يحمل جنسية الدولة المضيفة يوجد في وضع مركب:


يمثل المغرب سياسيًا؛

لكنه مواطن في الدولة التي يمثل المغرب لديها؛

يخضع لقانون تلك الدولة بصفته مواطنًا؛

وقد يكون نطاق حصانته أضيق من نطاق حصانة السفير الأجنبي الخالص الجنسية؛

كما أن تعيينه يفترض موافقة الدولة المضيفة أصلًا.


وحتى لو لم يقع أي إخلال، فإن هذا الوضع يضعف الاستقلال الرمزي والقانوني للممثل الدبلوماسي، ويخلق شبهة كان يمكن تجنبها باختيار سفير لا يحمل جنسية البلد المضيف.


ولذلك ينبغي أن تكون القاعدة واضحة:


لا يعين سفير للمغرب لدى دولة يحمل جنسيتها، بصرف النظر عن كفاءته أو نزاهته الشخصية.



الوفود واللجان التفاوضية


يمتد الإشكال إلى أعضاء اللجان التي تعد الاتفاقيات الكبرى أو تتفاوض بشأن المصالح الاستراتيجية للمغرب.


فلا يكفي أن يكون المفاوض خبيرًا أو مسؤولًا رفيعًا؛ بل ينبغي أن تكون وضعيته القانونية ومصالحه المالية والعائلية خالية من أي ارتباط مباشر بالطرف الآخر يمكن أن يخلق تضاربًا في المصالح.


وعندما تتداول الصحافة أو الرأي العام أخبارًا عن وجود عدد مرتفع من مزدوجي الجنسية داخل وفد مكلف بالتفاوض مع الدولة التي يحملون جنسيتها، فإن الرد لا ينبغي أن يكون التخوين أو النفي المجرد، بل الشفافية.


ينبغي للدولة أن تعلن أسماء أعضاء اللجان التفاوضية وصفاتهم ومؤهلاتهم، والجنسيات التي يحملونها، والمصالح المهنية أو المالية التي قد تربطهم بالطرف المقابل، ونظام التصريح بتضارب المصالح الذي خضعوا له.


فالاتفاقيات السيادية ليست ملفات شخصية، بل قرارات تمتد آثارها إلى أجيال كاملة.



القانون المغربي والتخلي عن الجنسية


تزداد المفارقة تعقيدًا بالنظر إلى طبيعة الجنسية المغربية نفسها.


فالقانون المغربي لا يجعل التخلي عن الجنسية حقًا فرديًا يمارسه المواطن بإرادته المنفردة. فالمغربي الراشد الذي اكتسب طواعية جنسية أجنبية لا يفقد جنسيته المغربية إلا إذا أذن له بالتخلي عنها بموجب مرسوم.


أي إن مجرد حصول المغربي على جنسية أخرى أو إعلانه رغبته في التخلي عن الجنسية المغربية لا ينهي صفته المغربية.


وتبقى رابطة الجنسية قائمة إلى أن توافق الدولة على طلبه ويصدر المرسوم القانوني المتعلق بذلك.


ومن ثم فإن القانون المغربي لا يمنع فقدان الجنسية منعًا مطلقًا، لكنه لا يعترف به كحق أحادي الإرادة. فالمواطن يطلب التخلي، والدولة تقرر قبول الطلب أو رفضه.


وهذا يعكس تصورًا للجنسية باعتبارها رابطة لا يملك الفرد وحده حلها.


غير أن الصرامة في حماية استمرار الرابطة المغربية لا تقابلها صرامة موازية عند إسناد المسؤوليات السياسية والسيادية. فالشخص الذي لا يستطيع إنهاء جنسيته المغربية بمحض إرادته يستطيع أن يحمل جنسية دولة أخرى، ثم يتولى وظيفة مغربية حساسة من دون قواعد تفصيلية تمنع تعارض الولاءات القانونية.



قانون الجنسية يعترف أصلًا باحتمال التعارض


الأكثر دلالة أن قانون الجنسية المغربي نفسه لا ينكر احتمال تعارض الالتزامات بين المغرب ودولة أجنبية.


فهو يجيز، وفق شروط وإجراءات محددة، فقدان الجنسية بالنسبة إلى المغربي الذي يشغل وظيفة في مصلحة عمومية لدولة أجنبية أو في جيش أجنبي أو مؤسسة أمنية أجنبية، إذا كانت تلك الوظيفة تتعارض مع المصلحة الوطنية واستمر فيها بعد إنذاره بالتخلي عنها.


وهذا يعني أن المشرع يعترف بأن:


الارتباط الوظيفي بدولة أجنبية قد يتعارض مع الصفة المغربية؛

خدمة سلطة أجنبية قد تمس المصلحة الوطنية؛

ازدواج الالتزامات قد يتحول إلى مشكلة سيادية حقيقية.


لكن القانون يعالج أساسًا حالة المغربي الذي يعمل لمصلحة الدولة الأجنبية، ولا يعالج بالوضوح نفسه حالة المسؤول الذي يعمل باسم المغرب وهو يحمل جنسية الدولة الأجنبية التي يتفاوض معها أو يمثل المغرب لديها.


وهذه ثغرة ينبغي سدها.



هل تمنع الدول العريقة ازدواج الجنسية في السياسة؟


لا توجد قاعدة موحدة في الدول الديمقراطية.


التجارب المقارنة تعلمنا أن السماح بازدواج الجنسية لا يعني ترك جميع الوظائف الحساسة بلا تدقيق. فعدد من الدول يفرض تحريات أمنية مشددة للوصول إلى الأسرار، ويقيد بعض الوظائف الدفاعية والاستخباراتية، ويلزم المسؤولين بالتصريح بالمصالح والأصول الأجنبية.


كما توجد دول أخرى أكثر تشددًا، فتمنع مزدوجي الجنسية من الترشح للبرلمان أو تشترط التخلي عن الجنسية الأجنبية قبل تولي بعض الوظائف العليا.


إذن ليس المطلوب أن ينسخ المغرب نموذجًا أجنبيًا بعينه، بل أن يضع نظامًا يتناسب مع خصوصياته السيادية، وعلاقاته التاريخية المعقدة ببعض الدول، وحجم المصالح الاقتصادية والأمنية المتداخلة معها.



فرنسا ليست دولة أجنبية عادية في الحالة المغربية


تكتسي الجنسية الفرنسية حساسية خاصة في السياق المغربي، لا بسبب خلفية تاريخية استعمارية أنتجت عداء ثابت أو أبدي لفرنسا، بل بسبب الثقل التاريخي والسياسي والاقتصادي للعلاقة بين البلدين.


ففرنسا كانت دولة الحماية، وما زالت تملك حضورًا اقتصاديًا وثقافيًا وتعليميًا ولغويًا واسعًا في المغرب. كما أن العلاقات بين البلدين شهدت خلافات حول التأشيرات، والصحراء، والتعاون الأمني، والنفوذ في إفريقيا، والعلاقة مع الجزائر، قبل أن تدخل مرحلة جديدة من التقارب.


ولا تتصرف فرنسا في علاقتها بالمغرب انطلاقًا من العاطفة، بل وفق مصالحها القومية، كما يتصرف المغرب وفق مصالحه.


ومن ثم فإن إسناد ملفات التفاوض معها إلى مسؤولين يحملون جنسيتها، أو تعيين مواطن فرنسي سفيرًا للمغرب في باريس، لا ينبغي أن يعالج باعتباره أمرًا عاديًا لا يستحق النقاش.


فحتى عند توافر النزاهة والكفاءة، تبقى الدولة مطالبة بتجنب وضع قد يخلق شكًا مشروعًا في استقلال القرار الوطني.



ازدواج الجنسية ليس جريمة


مع ذلك، ينبغي تجنب تحويل النقاش إلى حملة ضد مغاربة العالم أو إلى خطاب تخويني.


فازدواج الجنسية واقع اجتماعي واسع، وكثير من مزدوجي الجنسية خدموا المغرب بإخلاص في الاقتصاد والبحث العلمي والثقافة والرياضة والدبلوماسية.


كما أن المغرب يحتاج إلى كفاءات جاليته وإلى خبراتها المتراكمة في مؤسسات دولية متقدمة.


لكن الاستفادة من الكفاءات لا تقتضي إلغاء قواعد تضارب المصالح.


ويمكن للمغرب أن يستعين بخبير مزدوج الجنسية أو يدمجه في الإدارة والاقتصاد والجامعة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة إسناد أكثر المناصب السيادية حساسية إليه.


فالتمييز المطلوب ليس بين مواطن وطني وآخر مشكوك فيه، بل بين حق مدني عام في حمل جنسيتين، وأهلية خاصة لتولي وظيفة تمس سيادة الدولة.



توصيات لإصلاح الوضع


أولًا: إقرار واجب التصريح العلني بالجنسية


ينبغي إلزام كل مرشح للبرلمان وكل عضو في الحكومة وكل مسؤول سامٍ بالتصريح بجميع الجنسيات التي يحملها، وتاريخ اكتسابها، وما إذا كانت أصلية أو مكتسبة.


ويجب أن يكون هذا التصريح متاحًا للناخبين والرأي العام، لأن الجنسية الأجنبية ليست شأنًا خاصًا عندما يتعلق الأمر بمن يطلب ممارسة سلطة عامة.


ثانيًا: توسيع التصريح بالمصالح الأجنبية


لا تكفي معرفة الجنسية، بل ينبغي التصريح كذلك بالإقامات الدائمة الأجنبية، والممتلكات والحسابات والأصول خارج المغرب، والوظائف السابقة لدى حكومات أو مؤسسات أجنبية، والروابط المهنية والاستشارية، والمصالح التجارية والعقارية، وأي امتيازات أو معاشات أو التزامات مالية مصدرها دولة أخرى.


ثالثًا: وضع قائمة بالمناصب التي تشترط الجنسية المغربية الحصرية


ينبغي أن يحدد القانون، على سبيل الحصر، الوظائف التي لا يجوز أن يتولاها حامل جنسية أجنبية، ومنها:


رئاسة الحكومة؛

وزارات الداخلية والخارجية والدفاع والعدل؛

أجهزة الأمن والاستخبارات؛

قيادة القوات المسلحة والمصالح الدفاعية الحساسة؛

إدارة الوثائق والأسرار المصنفة؛

بعض المؤسسات الاقتصادية والمالية والاستراتيجية؛

المناصب المتصلة بالسيادة الرقمية والأمن السيبراني؛

رئاسة الوفود التفاوضية في الاتفاقيات العسكرية والأمنية والسيادية.


ولا يشكل ذلك مساسًا بالمساواة؛ لأن المناصب السيادية ليست حقوقًا شخصية مطلقة، بل وظائف تحكمها متطلبات الأمن القومي.



رابعًا: منع تعيين السفير لدى دولة يحمل جنسيتها


ينبغي النص صراحة على عدم جواز اعتماد سفير أو عضو دبلوماسي رفيع لدى دولة يحمل جنسيتها.


فمن يمثل المغرب لدى فرنسا ينبغي ألا يحمل الجنسية الفرنسية، ومن يمثله لدى إسبانيا ينبغي ألا يحمل الجنسية الإسبانية، وهكذا.



خامسًا: تنظيم عضوية اللجان البرلمانية الحساسة


يمكن السماح لمزدوجي الجنسية بعضوية البرلمان، مع منع من يحمل جنسية أجنبية من عضوية لجان الدفاع والأمن والاستخبارات أو من الاطلاع على وثائق ترتبط مباشرة بالدولة التي يحمل جنسيتها، إلا بعد تدقيق أمني وقانوني خاص.



سادسًا: إحداث هيئة لتدبير تضارب المصالح السيادية


ينبغي إنشاء آلية مستقلة أو إسناد المهمة إلى هيئة دستورية قائمة، تتولى فحص أوضاع الوزراء والبرلمانيين وكبار المسؤولين والمرشحين للمناصب السيادية.


وتصدر الهيئة رأيًا ملزمًا بشأن وجود تضارب مصالح، أو ضرورة التخلي عن جنسية أجنبية، أو الامتناع عن المشاركة في ملف معين، أو عدم الأهلية لتولي منصب محدد.



سابعًا: إلزام المسؤول بالتنحي عن الملفات المرتبطة بدولته الثانية


عندما يسمح لمسؤول مزدوج الجنسية بتولي منصب عام، ينبغي أن يمنع من المشاركة في أي قرار أو تفاوض يرتبط مباشرة بالدولة التي يحمل جنسيتها، إذا كان من شأن ذلك خلق تضارب فعلي أو محتمل في المصالح.



ثامنًا: تجريم إخفاء الجنسية الأجنبية


يجب اعتبار إخفاء الجنسية الثانية أو تقديم تصريح غير صحيح بشأنها سببًا لإسقاط العضوية البرلمانية أو الإعفاء من المنصب، فضلًا عن المسؤولية القانونية المناسبة.



تاسعًا: تنظيم أثر الحماية الأجنبية


ينبغي إلزام المسؤول العام بتعهد قانوني بعدم طلب تدخل دولة أجنبية لحمايته من إجراءات قضائية مغربية مرتبطة بأفعال ارتكبها أثناء ممارسة مهامه.


ولا يمنع ذلك حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة، لكنه يمنع تحويل الجنسية الأجنبية إلى وسيلة ضغط على مؤسسات الدولة.



عاشرًا: تفعيل المشاركة السياسية لمغاربة الخارج


لا يمكن معالجة ازدواج الجنسية بمنطق أمني فقط، في الوقت الذي يظل فيه حق ملايين المغاربة في الخارج ناقص التطبيق.


ينبغي تنفيذ الفصل 17 من الدستور من خلال فتح مكاتب اقتراع في السفارات والقنصليات، وإنشاء دوائر أو مقاعد خاصة بمغاربة العالم، وتمكينهم من الترشح المباشر من بلدان إقامتهم، ووضع ضوابط شفافة لتمويل الحملات في الخارج، وضمان تمثيل حقيقي للجالية لا مجرد تعيين أفراد منها.


فالدولة التي تستفيد من تحويلات الجالية الضخمة وكفاءاتها وارتباطها الوطني لا يجوز أن تتردد في منحها المشاركة السياسية التي كفلها الدستور.



خاتمة: حماية القرار لا اتهام المواطنين


لا يتعلق النقاش حول ازدواج الجنسية بإصدار أحكام جماعية على وطنية الناس، ولا بالدعوة إلى عزل مغاربة العالم عن وطنهم، بل يتعلق بحماية الثقة في مؤسسات الدولة.


فمن حق المواطن العادي أن يحصل على جنسية ثانية بحثًا عن الاستقرار أو الحرية أو تحسين ظروف الحياة. ومن حق المغرب أن يستفيد من خبرات أبنائه في الخارج.


لكن من يطلب أن يصبح نائبًا أو وزيرًا أو سفيرًا أو مسؤولًا عن أسرار الدولة وثرواتها واتفاقياتها لا يمارس حقًا شخصيًا عاديًا، بل يتسلم جزءًا من السيادة الوطنية.


وعند هذه العتبة يصبح من المشروع أن تسأله الدولة والمجتمع:


ما هي جنسيتك الثانية؟ وما واجباتك تجاهها؟ وما مصالحك فيها؟ وهل تستطيع اتخاذ القرار بحرية كاملة إذا تعارضت مصالح المغرب مع مصالحها؟


فالجنسية المزدوجة حق مدني مشروع، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى ازدواج غير منظم في الولاء القانوني داخل مواقع القرار.


والقاعدة التي ينبغي أن تؤسس للإصلاح هي:


لا اتهام بلا دليل، ولا منع بلا قانون، ولكن أيضًا لا مسؤولية سيادية بلا شفافية، ولا سلطة عامة بلا تدقيق، ولا قرار وطني معرض لشبهة تضارب المصالح.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق