من باريس ومدريد إلى تعدد البوابات نحو آسيا وأمريكا وأوروبا وإفريقيا
تمهيد
خلال أسابيع قليلة، تراكمت في غرب المتوسط وإفريقيا وأوروبا وقائع تبدو، للوهلة الأولى، منفصلة بعضها عن بعض. ففي إسبانيا، انتقلت الأزمة المرتبطة بأحداث سبتة من الجدل حول تدبير الحدود والهجرة إلى حملة سياسية وإعلامية مست المغرب ومؤسساته ورموزه، وبلغت من الحدة ما دفع الرباط إلى الرد بخطاب واضح يرفض تحويل المملكة إلى مادة للصراع السياسي الداخلي الإسباني. وفي فرنسا، تأجلت إلى بداية سنة 2027 زيارة الدولة التي كان يفترض أن يقوم بها الملك محمد السادس إلى باريس لتتويج مرحلة المصالحة وإطلاق «الشراكة الاستثنائية الوطيدة» بين البلدين، وإن كانت المعطيات المنشورة تربط التأجيل أساسًا باستكمال إعداد المعاهدة الاستراتيجية الكبرى وبالروزنامة السياسية للبلدين، ولا تقدم دليلًا على وجود أزمة جديدة بين الرباط وباريس.../...
وفي الوقت نفسه، ازدادت البيئة الإفريقية المحيطة بفرنسا تعقيدًا. فبعد محاولة التمرد التي شهدتها النيجر في نهاية أغسطس/آب 2026، اتهمت سلطات نيامي فرنسا بالضلوع في دعم المحاولة، وهو اتهام نفته باريس ولم تقدم النيجر إلى الآن ما يكفي من الأدلة العلنية لإثباته. غير أن أهمية الحدث بالنسبة إلى المغرب لا تتوقف على ثبوت الاتهام؛ إذ يكفي أن تصدر مثل هذه الاتهامات في فضاء ساحلي أصبحت فيه صورة فرنسا مرتبطة لدى قطاعات واسعة من الرأي العام والنخب الحاكمة بالإرث الاستعماري وبالتدخل السياسي والعسكري، حتى تصبح للكثافة الظاهرة في العلاقة مع باريس كلفة محتملة على دولة تسعى في الوقت نفسه إلى تقديم نفسها لشركائها الأفارقة باعتبارها فاعلًا مستقلًا يحمل مشروعًا أطلسيًا خاصًا به.
لكن الصورة تصبح أكثر تعقيدًا عندما ننظر خارج دائرتي باريس ومدريد. ففي الخليج، توسع الإمارات العربية المتحدة حضورها الاستثماري والاستراتيجي في أوروبا، وأعلنت في سبتمبر/أيلول 2026 استثمارات جديدة في ألمانيا بقيمة 40 مليار يورو تضاف لسابقتها البالغة 37 مليار أورو، تشمل قطاعات ذات صلة بالبنية الرقمية والصناعة والطاقة، بالتوازي مع تعميق التعاون الأمني والدفاعي والتكنولوجي بين أبو ظبي وبرلين. ولا يعني ذلك وجود محور إماراتي ألماني مغربي منظم أو اتفاق ثلاثي معلن، لكنه يطرح سؤالًا عن الشبكات الجديدة التي تتقاطع فيها رؤوس الأموال الإماراتية مع الصناعة والتكنولوجيا الأوروبية، في الوقت الذي ترتبط فيه بعلاقة استراتيجية وثيقة مع المغرب، وتعمل الرباط بدورها على رفع مستوى علاقتها بألمانيا في الصناعة والطاقة والتكنولوجيا والتجارة والتعاون الإفريقي.
وتكتسب ألمانيا في هذه الصورة أهمية خاصة. فالعلاقات المغربية الألمانية لم تعد تقتصر على التعاون التنموي التقليدي؛ إذ أصبح المغرب موقعًا صناعيًا واستثماريًا مهمًا للشركات الألمانية، بينما تنظر برلين إليه بوصفه شريكًا أوروبيًا-إفريقيًا مهمًا وحلقة وصل نحو القارة، وتدعم المبادرة المغربية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الوصول إلى المحيط الأطلسي. وفي الاتجاه المقابل، تتيح العلاقة مع ألمانيا للمغرب قناة مباشرة إلى أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي وإلى مركز مؤثر في صناعة القرار الاقتصادي الأوروبي، بما يطرح احتمال انتقال برلين تدريجيًا من مجرد شريك أوروبي إضافي إلى إحدى البوابات المغربية الرئيسية نحو أوروبا، من دون أن يعني ذلك بالضرورة فطيعة مع فرنسا أو إسبانيا.
وفي المجال المادي نفسه، بدأت تتغير الطرق التي تصل المغرب بأوروبا. فإلى جانب طنجة المتوسط، يدخل الناظور غرب المتوسط مرحلة التشغيل، بينما تظهر البرتغال، ولا سيما ميناء سيتوبال، بوصفها محطة ترانزيت يمكن أن تربط الموانئ المغربية مباشرة بشبكة من موانئ شمال غرب أوروبا. وإذا أضيف إلى ذلك اتجاه الرباط إلى تنويع روابطها الطاقية واللوجستية الأطلسية، فإن الجوار الإسباني، الذي كان يمنح مدريد وظيفة يصعب تجاوزها في حركة المغرب نحو أوروبا، قد يصبح تدريجيًا إحدى الطرق الثانوية بدل أن يبقى الطريق الرئيسي الذي تفرضه الجغرافيا.
وعلى الرقعة نفسها تتحرك قوى أكبر. فالولايات المتحدة تعزز شراكتها الأمنية والاستراتيجية مع المغرب؛ وإسرائيل أصبحت جزءًا من شبكة جديدة للتعاون الدفاعي والتكنولوجي؛ والصين تضخ استثمارات صناعية كبيرة في المملكة، خصوصًا في السيارات والبطاريات، بما يثير في أوروبا نفسها تساؤلات حول تحول المغرب إلى قاعدة إنتاج صينية قريبة من السوق الأوروبية. وفي إفريقيا، تتقاطع هذه التحولات مع المبادرة الأطلسية المغربية، ومع التنافس على طرق الطاقة والموانئ والأسواق ودول الساحل، في فضاء تتحرك فيه أيضًا الجزائر وروسيا وقوى أوروبية وخليجية وفق مصالح لا تسمح باختزالها في محورين ثابتين متواجهين.
قد تبدو هذه الوقائع مجرد تزامن: أزمة سياسية مع إسبانيا، وتأجيل زيارة إلى فرنسا، واضطراب في النيجر، واستثمارات إماراتية في ألمانيا، وصعود للعلاقات المغربية الألمانية، وتوسع صيني في الصناعة المغربية، وحضور أمريكي وإسرائيلي متزايد، وموانئ وخطوط تجارية وطاقية جديدة. لكن وضعها داخل شبكة واحدة يثير سؤالًا مختلفًا: هل تتغير علاقات المغرب التقليدية فعلًا، أم أن الذي يتغير هو القيمة النسبية لكل علاقة بعد ظهور شركاء ومسارات قادرين على أداء وظائف كانت تحتكرها علاقات محدودة؟
فقد لا يكون المغرب بصدد استبدال فرنسا بألمانيا، أو إسبانيا بالبرتغال، أو أوروبا بالصين والولايات المتحدة، بقدر ما يكون بصدد بناء شبكة لا يحتكر فيها شريك واحد التمويل أو التكنولوجيا أو الأمن أو الطريق إلى أوروبا أو المدخل إلى إفريقيا. وإذا كان هذا التحول قائمًا بالفعل، فإن الأزمة مع مدريد وتأجيل زيارة باريس لا يعودان حدثين منفصلين، بل يصبحان اختبارًا لقدرة المغرب الجديدة على إدارة علاقاته مع شريكين تاريخيين في وقت لم تعد فيه جميع الطرق المؤدية إلى أوروبا وإفريقيا تمر بالضرورة عبرهما.
ومن هنا ينطلق هذا التحليل: هل نشهد خلافات ظرفية ستنتهي بانتهاء أسبابها، أم أن رقعة غرب المتوسط وإفريقيا الأطلسية يعاد ترتيبها على نحو يجعل المغرب ينتقل تدريجيًا من دولة تعتمد على بوابات استراتيجية محدودة إلى عقدة تتقاطع عندها شبكات أوروبية وأطلسية وخليجية وآسيوية وإفريقية متعددة؟
أولًا: حين كانت باريس ومدريد بوابتي المغرب
لم تنشأ المكانة الخاصة لفرنسا وإسبانيا في العلاقات الخارجية المغربية من التقارب الجغرافي وحده، ولا يمكن اختزالها في الإرث الاستعماري الذي جمع البلدان الثلاثة خلال النصف الأول من القرن العشرين. فقد تراكمت، منذ استقلال المغرب، شبكة كثيفة من المصالح الاقتصادية والبشرية والسياسية والأمنية جعلت باريس ومدريد تؤديان وظائف يصعب فصلها عن علاقة المملكة بأوروبا. ومع مرور الوقت، لم تعد أهمية الدولتين ناتجة فقط عما تمثلانه في ذاتهما، وإنما كذلك عما تتيحانه للمغرب من وصول إلى أسواق ومؤسسات وشبكات تتجاوز حدودهما الوطنية.
كانت فرنسا، في هذا البناء، أكثر من شريك أوروبي كبير. فقد مثلت لزمن طويل أحد المداخل الرئيسية للمغرب إلى المجال الاقتصادي والسياسي الأوروبي، وفي الوقت نفسه نقطة اتصال بشبكات واسعة في إفريقيا الفرنكوفونية. وأسهمت اللغة والتعليم والهجرة والاستثمار والشركات الفرنسية والمؤسسات المالية والتعاون الأمني والعسكري في تكوين علاقة شديدة الكثافة، جعلت باريس حاضرة في قطاعات متعددة من الاقتصاد والمجتمع والدولة المغربية.
ولا تزال هذه العلاقة قوية بالأرقام. فبحسب البيانات الفرنسية الرسمية، بلغ حجم المبادلات التجارية بين البلدين 14.1 مليار يورو سنة 2023، وكانت فرنسا ثاني مورد وثاني زبون للمغرب، فيما بلغ رصيد الاستثمارات الفرنسية المباشرة في المملكة 8.4 مليارات يورو، أي نحو 31 في المائة من مجموع رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر آنذاك. كما تعمل في المغرب قرابة ألف شركة أو فرع تابع لمجموعات فرنسية، توفر بصورة مباشرة وغير مباشرة نحو 150 ألف فرصة عمل. France Diplomatie
ولهذا لم تكن الأزمة المغربية الفرنسية التي سبقت مصالحة 2024 خلافًا مع شريك عادي. فقد مست علاقة متشعبة تشمل الاقتصاد والاستثمار والهجرة والتعليم والثقافة والأمن والسياسة الإفريقية. وعندما زار الرئيس إيمانويل ماكرون الرباط في أكتوبر/تشرين الأول 2024، لم يكتف البلدان بإعلان تجاوز الأزمة، وإنما رفعا العلاقة رسميًا إلى مستوى «الشراكة الاستثنائية الوطيدة»، واتفقا على إطار استراتيجي شامل ومستقر وطويل المدى، يشمل الحوار السياسي والاقتصاد والتعاون الدولي، مع إشراف مباشر من قائدي البلدين على متابعته. elysee.fr
ومن هنا تحديدًا تكتسب زيارة الملك محمد السادس المرتقبة إلى فرنسا أهميتها. فهي لم تكن مقررة باعتبارها زيارة بروتوكولية عادية، وإنما بوصفها مرحلة جديدة في تثبيت العلاقة التي أعيد بناؤها منذ 2024. وحتى منتصف يوليو/تموز 2026 كانت الخارجية الفرنسية تتحدث رسميًا عن اجتماع اللجنة العليا المغربية الفرنسية باعتباره جزءًا من التحضير لزيارة الدولة المقبلة للملك إلى فرنسا. France Diplomatie
لكن إسبانيا أدت وظيفة مختلفة.
فإذا كانت فرنسا قد راكمت جزءًا كبيرًا من أهميتها عبر السياسة والاستثمار والشبكات الاقتصادية والثقافية، فإن قوة إسبانيا تبدأ من حقيقة يصعب تغييرها: الجغرافيا. أربعة عشر كيلومترًا تقريبًا تفصل الضفتين عند مضيق جبل طارق، وتحولت هذه المسافة القصيرة إلى طرق وموانئ وسلاسل توريد وشبكات نقل وطاقة وهجرة جعلت إسبانيا المعبر الأوروبي الطبيعي الأقرب للمغرب.
ومع تكامل الاقتصاد المغربي تدريجيًا مع سلاسل الإنتاج الأوروبية، اكتسب هذا الموقع قيمة متزايدة. فالسلعة المغربية المتجهة برًا إلى فرنسا أو ألمانيا أو هولندا أو بلجيكا تمر في كثير من الحالات عبر الأراضي الإسبانية؛ والشاحنات والموانئ وخطوط العبارات والربط الكهربائي جعلت العلاقة المغربية الإسبانية جزءًا من البنية المادية لاتصال المغرب بالاتحاد الأوروبي.
ولذلك تحولت الجغرافيا إلى اقتصاد. فبحسب وزارة الاقتصاد والتجارة الإسبانية، أصبحت إسبانيا الشريك التجاري الأول للمغرب، وتجاوزت المبادلات الثنائية 22.5 مليار يورو سنويًا، كما توجد أكثر من 350 شركة إسبانية مستقرة في المملكة. وفي سنة 2024 ارتفعت الصادرات الإسبانية إلى المغرب بنحو 6 في المائة، بينما سجلت إسبانيا فائضًا تجاريًا يتجاوز ثلاثة مليارات يورو. والمغرب، في المقابل، هو الوجهة الأولى للاستثمار الإسباني في إفريقيا، برصيد يقترب من ملياري يورو. Comercio
هذه الأرقام مهمة لأنها تمنع قراءة العلاقة الحالية بمنطق القطيعة. فإسبانيا ليست مجرد جار يمكن للمغرب أن يقرر تجاهله بعد أزمة سياسية، كما أن فرنسا ليست شريكًا يمكن تعويضه بقرار دبلوماسي سريع. لقد تراكمت العلاقات خلال عقود حتى أصبحت جزءًا من البنية الاقتصادية والاستراتيجية للمملكة.
لكن هنا تحديدًا ينبغي التمييز بين قوة العلاقة واحتكار الوظيفة.
فكون إسبانيا الشريك التجاري الأول للمغرب لا يعني بالضرورة أن عليها أن تظل الممر شبه الضروري لتجارة المغرب مع بقية أوروبا. وكون فرنسا أكبر مستثمر أجنبي تاريخيًا وذات شبكة اقتصادية وبشرية استثنائية لا يعني أن عليها أن تظل المدخل السياسي والاقتصادي الأوروبي الأهم للمملكة.
وهذا التمييز يسمح بفهم التحول الذي نبحث عنه.
فالدولة تستطيع الاحتفاظ بعلاقة تجارية ضخمة مع إسبانيا، وفي الوقت نفسه بناء موانئ وخطوط بحرية تقلل اعتمادها على المرور عبر الأراضي الإسبانية. ويمكنها الحفاظ على شراكة استثنائية مع فرنسا، وفي الوقت نفسه توسيع علاقاتها مع ألمانيا والولايات المتحدة والصين والإمارات بحيث لا تعود باريس قادرة وحدها على توفير الوظائف التي كانت تمنح العلاقة الفرنسية قيمتها الاستثنائية.
وبعبارة أخرى، ليست المسألة: هل يحتاج المغرب إلى فرنسا وإسبانيا أم لم يعد يحتاج إليهما؟
فهذا سؤال ثنائي لا يعكس طبيعة العلاقات الدولية المعاصرة.
السؤال الأدق هو: ما الوظائف التي كان المغرب يحتاج فيها إلى فرنسا وإسبانيا، وأي من هذه الوظائف أصبح من الممكن الحصول عليه اليوم من علاقات ومسارات أخرى؟
وهنا يظهر الفرق بين إنهاء العلاقة وإعادة توزيع الاعتماد.
فلو استبدل المغرب إسبانيا بالبرتغال وحدها، أو فرنسا بألمانيا وحدها، لما تغير منطق الاعتماد كثيرًا؛ سيكون قد استبدل بوابة ببوابة. أما إذا أصبح قادرًا على توزيع الوظائف بين مجموعة من العلاقات ـ البرتغال في بعض المسارات اللوجستية، وألمانيا في الصناعة والنفوذ الاقتصادي الأوروبي، والصين في التكنولوجيا والتصنيع، والإمارات في رأس المال والشراكات الاستثمارية، والولايات المتحدة في الأمن والغطاء الاستراتيجي، والموانئ المغربية في الاتصال المباشر بالأسواق، وإفريقيا الأطلسية في بناء مجال استراتيجي خاص ـ فإن ما يتغير ليس اسم الشريك، وإنما بنية الشبكة نفسها.
وهذا ما يجعل اللحظة الحالية مختلفة.
فالعلاقة المغربية الفرنسية التي أعيد بناؤها في 2024 ما تزال قوية إلى درجة أن الإعلان المشترك بين البلدين تحدث عن شراكة استراتيجية طويلة الأمد تشمل السياسة والاقتصاد والتعاون الإقليمي والدولي، بل نص صراحة على احترام «الاختيارات في السياسة الخارجية» لكل دولة. elysee.fr
وفي الوقت نفسه، تظل إسبانيا الشريك التجاري الأول للمغرب. أي أننا لا نقف أمام انسحاب مغربي من المجال الفرنسي الإسباني، وإنما أمام احتمال أكثر دقة: أن تظل العلاقات التقليدية قوية من حيث حجم المبادلات والمصالح المتبادلة، بينما تتراجع أهميتها النسبية داخل الشبكة الخارجية المغربية نتيجة نمو علاقات ومسارات بديلة من حولها.
وهذه المفارقة هي التي ينبغي أن تقود بقية البحث. فقد يستطيع بلد ما أن يزيد تجارته مع شريك، ويعمق تعاونه معه، ومع ذلك يصبح أقل اعتمادًا عليه إذا كانت علاقاته الأخرى تنمو بصورة أسرع وتوفر له وظائف بديلة.
ومن هنا يصبح ما يحدث اليوم في غرب المتوسط أكثر وضوحًا. السؤال ليس ما إذا كانت الرباط ستغادر باريس أو تدير ظهرها لمدريد، وإنما ما إذا كان المغرب يبني، بهدوء وعلى مدى سنوات، شبكة تجعل باريس ومدريد شريكين مهمين لا بوابتين لا بديل عنهما.
وإذا كان هذا هو التحول الجاري فعلًا، فإن أول مكان ينبغي أن نبحث فيه عن آثاره هو إسبانيا نفسها؛ لأن الجغرافيا التي منحت مدريد وظيفة البوابة تبدو للوهلة الأولى أكثر ثباتًا من السياسة. لكن ظهور طنجة المتوسط، ثم الناظور غرب المتوسط، وصعود البرتغال كمحطة ترانزيت نحو شمال أوروبا، يجعل السؤال مختلفًا: هل تستطيع البنية التحتية أن تغير القيمة الاستراتيجية للجغرافيا من دون أن تغير الجغرافيا ذاتها؟
ثانيًا: إسبانيا — من ضرورة الجغرافيا إلى علاقة قابلة للبدائل
إذا كانت فرنسا قد اكتسبت جزءًا كبيرًا من قيمتها بالنسبة إلى المغرب من خلال السياسة والاستثمار وشبكات النفوذ الأوروبية والإفريقية، فإن إسبانيا استمدت جانبًا مهمًا من قيمتها من عامل أكثر صلابة: الجغرافيا. فالقرب من الضفة المغربية، والربط البحري والبري، والموقع داخل الاتحاد الأوروبي، جعل إسبانيا طوال عقود الطريق الأكثر طبيعية لجزء كبير من حركة المغرب نحو أوروبا.
لكن الجغرافيا، رغم ثباتها، لا تحتكر الوظيفة إلى الأبد.
وهنا تكتسب الأزمة المغربية الإسبانية الحالية دلالة تتجاوز السجال السياسي الذي رافق أحداث سبتة. فبعد عبور عشرات الآلاف إلى المدينة في نهاية يوليو/تموز، تحولت القضية سريعًا إلى معركة داخلية إسبانية؛ إذ اتهمت أحزاب المعارضة الرباط بتسهيل ما جرى أو التغاضي عنه، بينما أكدت الحكومة الإسبانية عدم وجود دليل قاطع على أن المغرب دبر العملية. وعندما رفعت مدريد السرية عن تقارير استخباراتية مرتبطة بالأحداث، تبين أن أجهزة الأمن الإسبانية كانت قد رصدت قبل العبور دعوات وتحركات على شبكات التواصل، وأن السلطات المغربية نفسها تلقت تحذيرات بشأن احتمال وقوع محاولة واسعة لاجتياز الحدود. Reuters
وردت الخارجية المغربية في 10 سبتمبر/أيلول بصورة أكثر وضوحًا من المواقف السابقة، فنفت وجود دليل يثبت تورط السلطات المغربية، ورفضت أن تتحول المملكة إلى «كبش فداء» في تصفية الحسابات السياسية الداخلية الإسبانية، مع التشديد في الوقت نفسه على أهمية التعاون الأمني والهجري والاقتصادي الذي بُني بين البلدين خلال السنوات الأخيرة.
وهذا التوازن في الموقف المغربي لافت. فهو لا يشير، في حد ذاته، إلى رغبة في هدم العلاقة مع إسبانيا، لكنه يدل على أن الرباط تريد الفصل بين أمرين: استمرار التعاون الاستراتيجي من جهة، وقبول تحميل المغرب تكاليف الصراع السياسي الإسباني من جهة أخرى.
وازداد الوضع حساسية بإقرار مجلس النواب الإسباني، في اليوم نفسه تقريبًا، مقترح القانون المتعلق بمنح الجنسية لفئات من الصحراويين، وهو إجراء لا يحسم قانونيًا وضع الإقليم ولا يمثل اعترافًا بالبوليساريو، لكنه يمس ملفًا يقع في صميم الأمن القومي والسياسة الخارجية المغربية. وقد حصل النص على 168 صوتًا مؤيدًا مقابل 31 معارضًا و145 ممتنعًا، ويتجه بعد ذلك إلى مجلس الشيوخ. Reuters
وهكذا تراكمت، خلال فترة قصيرة، ملفات مختلفة: سبتة، والاتهامات الموجهة إلى المغرب، والخطاب الحزبي والإعلامي الذي مس أحيانًا رموز المملكة، ثم القضية الصحراوية. وليس من الضروري أن تؤدي هذه الملفات إلى أزمة دبلوماسية معلنة حتى يكون لها أثر في حسابات الرباط؛ فقد يكون الأثر الأهم هو أن تعيد الدولة النظر في درجة الاعتماد التي ينبغي أن تظل لإسبانيا داخل بنيتها الاقتصادية واللوجستية الأوروبية.
وهنا تظهر أهمية التطورات التي تجري بعيدًا عن قاعات البرلمان وبيانات الخارجية.
ففي 10 سبتمبر/أيلول أعلنت الشركة المشغلة للمحطة الشرقية في ميناء الناظور غرب المتوسط استكمال جاهزيتها التشغيلية بعد اختبارات ناجحة، مؤكدة قدرتها على استقبال ومناولة أولى السفن التجارية. والمشروع نفسه سابق بكثير للأزمة الإسبانية، ولذلك سيكون من الخطأ اعتباره ردًا عليها. لكن الأحداث السياسية يمكن أن تغير القيمة الاستراتيجية لبنية تحتية أنشئت أصلًا لأسباب اقتصادية ولوجستية أوسع. SNRT News
فميناء جديد لا يعاقب دولة، لكنه يخلق خيارًا لم يكن موجودًا بالدرجة نفسها من قبل.
وتزداد أهمية ذلك مع إطلاق شركة WEC Lines، ابتداء من 10 سبتمبر، خدمة أسبوعية تربط الناظور بشبكة موانئ تمتد عبر سيتوبال وسينيس في البرتغال إلى موانئ شمال غرب أوروبا، بما فيها: روتردام، وأنتويرب، وهامبورغ، وليفربول، ودبلن، ومونتوار، وموردَيك، وثيمسبورت. وتصف الشركة سيتوبال صراحة بأنها مركز استراتيجي لإعادة الشحن يربط هذه الخطوط بشبكتها الأوروبية الأوسع. WEC Lines
الدلالة هنا ليست أن المغرب سيتوقف عن استخدام الموانئ والطرق الإسبانية؛ فهذا غير واقعي ولا تدعمه المعطيات. بل إن بعض خطوط الخدمة نفسها تشمل موانئ إسبانية. وإنما الجديد هو أن الوصول إلى شمال أوروبا لم يعد يتطلب بالضرورة عبور الأراضي الإسبانية برًا أو الاعتماد الحصري على الموانئ الإسبانية بوصفها نقطة الوساطة بين المغرب والقارة الأوروبية.
وهذا فرق استراتيجي جوهري.
فإسبانيا تستطيع أن تظل الشريك التجاري الأول للمغرب، ويمكن أن ترتفع المبادلات الثنائية نفسها، بينما تتراجع في الوقت ذاته حاجة المغرب إليها بوصفها ممرًا إلى شركاء آخرين. عندئذ لا تتراجع العلاقة التجارية الإسبانية المغربية، وإنما تتغير الوظيفة التي كانت تمنح إسبانيا قيمة إضافية تتجاوز تجارتها الثنائية مع المملكة.
وهنا ينبغي التمييز بين السوق والبوابة.
إسبانيا سوق مهمة للسلع المغربية، وستظل كذلك ما دامت المصالح الاقتصادية قائمة. لكن السوق شيء، والاضطرار إلى المرور عبر الدولة نفسها للوصول إلى فرنسا أو بلجيكا أو هولندا أو ألمانيا شيء آخر. وإذا استطاعت الموانئ المغربية أن تربط المنتج المغربي مباشرة بمراكز إعادة الشحن الأطلسية ثم بالأسواق الأوروبية، فإن إسبانيا تحتفظ بقيمتها كسوق وشريك، لكنها تفقد تدريجيًا جزءًا من ريع الوساطة الجغرافية الذي كان ينتجه موقعها.
والبرتغال تكتسب هنا وظيفة جديدة.
فلسنا أمام انتقال بسيط من مدريد إلى لشبونة؛ لأن ذلك لن يكون سوى استبدال تبعية بأخرى. الأهم أن سيتوبال تدخل الشبكة باعتبارها محطة توزيع يمكن استخدامها إلى جانب الموانئ الإسبانية والفرنسية والاتصالات المباشرة الأخرى. والنتيجة هي تعدد المسارات، لا نقل المسار من بلد إلى بلد.
ومن هذه الزاوية، تصبح الموانئ المغربية نفسها أداة لإعادة صياغة العلاقة مع أوروبا. فقد أظهر طنجة المتوسط منذ سنوات أن الموقع المغربي لا يحتاج بالضرورة إلى أن يبقى هامشًا تابعًا للموانئ الشمالية للمضيق؛ إذ يستطيع المغرب تحويل ضفته هو إلى مركز لوجستي يخدم التجارة العابرة للقارات. ويضيف الناظور غرب المتوسط إلى ذلك بعدًا جديدًا في الواجهة المتوسطية الشرقية، بما يزيد عدد النقاط التي تستطيع المملكة من خلالها تنظيم اتصالها بالأسواق الخارجية.
وهنا تظهر قاعدة أوسع: الجغرافيا تحدد المسافات، لكنها لا تحدد بالضرورة مسارات الحركة. فبين المغرب وإسبانيا لن يتغير المضيق، ولن تتحرك شبه الجزيرة الإيبيرية من مكانها، لكن الموانئ وخطوط الملاحة وإعادة الشحن تستطيع أن تعيد توزيع الوظائف التي أنتجتها هذه الجغرافيا.
وبهذا المعنى، قد يكون التحدي الذي تواجهه إسبانيا على المدى المتوسط أعمق من خلاف سياسي عابر. فالخلاف يمكن أن ينتهي بتغيير حكومة أو اتفاق جديد أو زيارة رسمية، أما إذا أعادت الشركات والموانئ وسلاسل التوريد تنظيم نفسها حول مسارات أخرى، فإن جزءًا من التحول يصبح اقتصاديًا ومؤسسيًا ويستمر بعد زوال الأزمة التي سرعته.
وهذا لا يعني أن المغرب وضع استراتيجية معلنة «لمعاقبة إسبانيا». لا توجد حتى الآن معطيات تكفي لإثبات ذلك، كما أن جزءًا كبيرًا من المشاريع اللوجستية الحالية سابق للأزمة. لكن هناك فرقًا بين القول إن مشروعًا ما أُنشئ للرد على إسبانيا، والقول إن وجوده اليوم يمنح المغرب قدرة أكبر على الرد على أي توتر معها دون تحمل التكلفة نفسها.
فالقدرة الاستراتيجية لا تتكون فقط عندما تستخدم الدولة البديل؛ بل تبدأ منذ اللحظة التي يصبح فيها البديل متاحًا.
ومن هنا يمكن فهم الأزمة الحالية باعتبارها اختبارًا مبكرًا لتحول أعمق: هل تستطيع الرباط أن تحافظ على حجم ضخم من التجارة والتعاون مع مدريد، وأن تشاركها في الأمن والهجرة وحتى تنظيم كأس العالم 2030، وفي الوقت نفسه تخفض تدريجيًا اعتمادها عليها في الوظائف التي تستطيع موانئ وشركاء آخرون أداءها؟
إذا كان الجواب نعم، فإن العلاقة المغربية الإسبانية تدخل مرحلة مختلفة. لن تكون أقل أهمية بالضرورة، لكنها ستكون أقل إلزامًا من السابق.
وهذا ربما هو التغيير الأكثر إزعاجًا لأي شريك اعتاد أن يستمد جزءًا من قوته التفاوضية من غياب البديل؛ لأن الدولة لا تحتاج عندئذ إلى القطيعة أو العقوبة المباشرة. يكفي أن توسع الخيارات المتاحة أمامها حتى تتغير موازين العلاقة تلقائيًا.
لكن الموانئ لا تفسر وحدها هذا التحول. فإذا كانت البرتغال تستطيع أن توفر مسارًا بحريًا آخر، فإن السؤال التالي يصبح أكثر أهمية: هل يستطيع المغرب أيضًا بناء بوابة سياسية وصناعية أوروبية لا تمر أساسًا عبر مدريد أو باريس؟
ثالثًا: ألمانيا — من شريك أوروبي مهم إلى بوابة استراتيجية جديدة
إذا كانت إسبانيا تستمد جزءًا معتبرًا من قيمتها بالنسبة إلى المغرب من الجغرافيا، وكانت فرنسا قد راكمت وزنها عبر السياسة والاستثمار والشبكات التاريخية، فإن ألمانيا تقدم نموذجًا جديدا مختلفًا: قوة أوروبية مركزية لا تقوم علاقتها بالمغرب على إرث استعماري مباشر، ولا على ضرورة جغرافية، وإنما على الصناعة والتكنولوجيا والاستثمار والمؤسسات الأوروبية.
وهذا الاختلاف في طبيعة العلاقة مهم؛ لأنه يجعل صعود ألمانيا في الشبكة المغربية أقل حساسية سياسيًا من صعود فرنسا، وأقل تقييدًا بالجغرافيا من إسبانيا. فالمغرب لا يحتاج إلى إعادة إنتاج نموذج العلاقة الفرنسية مع برلين، بل يستطيع بناء علاقة وظيفية جديدة معها تقوم على ما تحتاجه المملكة اليوم: التكنولوجيا الصناعية، والتحول الطاقي، وسلاسل القيمة، والتمويل، والولوج إلى مركز القرار الاقتصادي الأوروبي.
وتشير المعطيات الرسمية الألمانية إلى أن هذه العلاقة بالفعل تجاوزت منذ فترة إطار التعاون التقليدي. ففي أبريل/نيسان 2026، وصفت الرباط وبرلين علاقاتهما بأنها «ممتازة»، وأكدتا تطوير حوار استراتيجي متعدد الأبعاد يشمل الصناعة والطاقة المتجددة والهيدروجين والبنية التحتية والرقمنة والذكاء الاصطناعي والتعاون مع إفريقيا. كما شدد الجانب الألماني على أهمية المغرب بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي وألمانيا وإفريقيا، ورحب بالمبادرة الملكية لتمكين دول الساحل من الوصول إلى المحيط الأطلسي وبمشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي.
وتعزز الأرقام هذا الاتجاه. فالمغرب أصبح ثاني أهم موقع للاستثمار الألماني في إفريقيا وثالث أهم شريك تجاري لألمانيا في القارة، ويعمل فيه نحو 300 شركة ألمانية، بينها عشرات الفروع الإنتاجية والخدمية التي توفر عشرات الآلاف من فرص العمل. كما تجاوزت الصادرات الألمانية إلى المغرب في 2025 ثلاثة مليارات ونصف المليار يورو، فيما تجاوزت الواردات من المملكة ثلاثة مليارات يورو.
لكن الأهمية الحقيقية لهذه العلاقة لا تكمن في حجم التجارة وحده، وإنما في نوع الوظائف التي تستطيع ألمانيا أداءها.
فبرلين تمثل مركزًا صناعيًا أوروبيًا من الطراز الأول، وقاعدة رئيسية لصناعات السيارات والآلات والطاقة والتكنولوجيا والكيماويات والدفاع. وإذا أراد المغرب الانتقال من نموذج التصنيع منخفض الكلفة إلى نموذج أكثر تعقيدًا يعتمد على التكنولوجيا وسلاسل القيمة المتقدمة، فإن الشراكة مع ألمانيا تمنحه شيئًا مختلفًا عما تمنحه له التجارة التقليدية مع إسبانيا أو النفوذ السياسي الفرنسي.
كما أن ألمانيا، بحكم وزنها الاقتصادي والمؤسسي داخل الاتحاد الأوروبي، تمنح الرباط قناة مباشرة إلى النقاشات التي تحدد مستقبل الصناعة الأوروبية، وسياسات الطاقة، والتمويل الأخضر، والمواد الحرجة، وسلاسل التوريد، وقواعد الاستثمار الخارجي. وهنا قد تبدأ ألمانيا في أداء وظيفة كانت فرنسا تؤدي جزءًا كبيرًا منها تاريخيًا: توفير مدخل مؤثر إلى قلب أوروبا، لا إلى سوق أوروبية واحدة فقط.
لكن الأكثر إثارة هو أن هذا التقارب المغربي الألماني يتزامن مع توسع إماراتي ضخم داخل ألمانيا نفسها.
ففي سبتمبر/أيلول 2026، أعلنت الإمارات العربية المتحدة نيتها ضخ استثمارات جديدة بقيمة 40 مليار يورو في الاقتصاد الألماني، فوق رصيد استثماري قائم يقدر بـ 37 مليار يويو. وتشمل التوجهات الجديدة قطاعات البنية الرقمية ومراكز البيانات والطاقة والصناعة، بالتوازي مع توسيع التعاون الأمني والدفاعي والتجاري بين أبو ظبي وبرلين.
ولا توجد، حتى الآن، معطيات تثبت أن هذه الاستثمارات جزء من خطة إماراتية ألمانية مغربية مشتركة. ولذلك سيكون من الخطأ تقديمها كما لو كانت محورًا ثلاثيًا منظمًا. لكن الأهم من وجود اتفاق ثلاثي رسمي هو تقاطع الشبكات لأن الإمارات لا تعمل بمعزل عن المغرب. فالإمارات شريك استراتيجي واستثماري رئيسي للمغرب، وألمانيا توسع علاقتها الصناعية والسياسية مع الرباط، وأبوظبي في الوقت نفسه تصبح مستثمرًا أكبر داخل الاقتصاد الألماني. ومعنى ذلك أن المغرب يتحرك داخل بيئة باتت فيها بعض أهم علاقاته الخارجية مترابطة بصورة غير مباشرة عبر رأس المال والصناعة والتكنولوجيا.
وهنا تتغير طبيعة القوة نفسها.
في النموذج التقليدي، كانت العلاقة الثنائية تقاس أساسًا بما يجري بين دولتين: المغرب وفرنسا، أو المغرب وإسبانيا. أما في الشبكة الجديدة، فقد تظهر قيمة العلاقة من خلال الروابط التي يملكها الشريك مع شركاء آخرين يحتاج إليهم المغرب.
فالإمارات لا تهم المغرب فقط بما تستثمره داخله، بل أيضًا بقدرتها على الدخول في مشاريع ضخمة داخل أوروبا وآسيا وإفريقيا. وألمانيا لا تهم المغرب فقط بما تصدره إليه، بل بموقعها داخل الصناعة الأوروبية وبعلاقاتها مع رأس المال الخليجي والأسواق العالمية.
وهذا يفتح أمام الرباط مسارًا جديدًا يمكن تبسيطه هكذا: رأس مال إماراتي → صناعة وتكنولوجيا ألمانية → قاعدة إنتاج مغربية → أسواق أوروبية وإفريقية.
ولا يعني ذلك أن هذا المسار قائم بالفعل بهذه الصورة المتكاملة، لكنه يوضح نوع الشبكة التي يمكن أن تتشكل عندما تصبح العلاقات الثنائية قابلة للربط بعضها ببعض.
ومن هنا قد تكون ألمانيا مرشحة لأداء وظيفة مزدوجة في الاستراتيجية المغربية. من جهة، تستطيع أن تكون بوابة مغربية إلى أوروبا الصناعية والمؤسساتية، بما يقلل الاعتماد على باريس ومدريد في الوصول إلى قلب القرار الاقتصادي الأوروبي. ومن جهة أخرى، يمكن للمغرب أن يقدم نفسه لألمانيا باعتباره بوابة إلى إفريقيا؛ ليس بالمعنى الدعائي البسيط، وإنما من خلال موقعه الصناعي واللوجستي واتفاقياته الإفريقية وموانئه وعلاقاته المتراكمة مع غرب القارة والساحل.
وهنا تتكون علاقة تبادلية أكثر توازنًا.
فألمانيا تحتاج إلى أسواق جديدة، ومصادر طاقة نظيفة، وسلاسل توريد أكثر تنوعًا، وشركاء مستقرين في إفريقيا. والمغرب يحتاج إلى التكنولوجيا والاستثمار والوصول إلى الصناعة الأوروبية. وعندما يستطيع كل طرف أداء وظيفة يحتاج إليها الآخر، تنتقل العلاقة من نموذج المساعدة أو التبعية إلى نموذج التبادل الوظيفي.
وهذا مهم أيضًا لفهم ما قد يتغير في موقع فرنسا.
ففرنسا كانت تاريخيًا بوابة المغرب إلى جزء من إفريقيا الفرنكوفونية، لكن المغرب أصبح خلال العقدين الماضيين يبني شبكاته الإفريقية بنفسه في البنوك والاتصالات والأسمدة والتأمين والطاقة والبنية التحتية. وإذا استطاعت ألمانيا أن تدخل بعض هذه الأسواق عبر شراكة مع المغرب، فقد تنقلب المعادلة جزئيًا: بدل أن يحتاج المغرب إلى فرنسا للوصول إلى إفريقيا، قد تحتاج قوى أوروبية أخرى إلى المغرب نفسه للوصول إليها.
وهنا يصبح تعبير «البوابة» متحركًا.
في مرحلة سابقة كان السؤال: عبر أي دولة أوروبية يصل المغرب إلى أوروبا؟
أما في المرحلة الجديدة فقد يصبح السؤال أيضًا: عبر أي دولة إفريقية أو متوسطية تصل بعض القوى الأوروبية والآسيوية والخليجية إلى إفريقيا؟
وإذا أصبح الجواب في عدد متزايد من القطاعات هو المغرب، فإن موقع المملكة داخل الشبكة الدولية يتغير نوعيًا، لا كميًا فقط.
غير أن ألمانيا وحدها لا تكفي لإثبات هذا التحول. فقوتها تكمن في الصناعة والمؤسسات الأوروبية، بينما تحتاج الشبكة الجديدة إلى عناصر أخرى: رأس المال، والتكنولوجيا غير الأوروبية، والأمن، والأسواق العالمية. وهنا تظهر الصين بصورة أكثر تعقيدًا؛ لأنها لا تأتي إلى المغرب باعتبارها مجرد شريك تجاري، بل باعتباره قاعدة إنتاج قريبة من أوروبا ومتصلة بإفريقيا في آن واحد.
ومن ثم يقودنا المسار طبيعيًا إلى السؤال التالي: ماذا يعني أن تصبح الصين واحدة من أكبر المستثمرين الصناعيين الجدد في المغرب، بينما تزداد أوروبا نفسها قلقًا من استخدام هذه القاعدة للوصول إلى أسواقها؟
رابعًا: الصين — حين يتحول المغرب من بوابة إلى أوروبا إلى بوابة للصناعة الآسيوية
إذا كانت ألمانيا تمنح المغرب مدخلًا إضافيًا إلى قلب أوروبا الصناعية، فإن الصين تكشف وجهًا مختلفًا تمامًا للتحول الجاري. فالمسألة لم تعد فقط: كيف يصل المغرب إلى أوروبا؟ بل بدأت تأخذ اتجاهًا معاكسًا: كيف تصل الصناعة الصينية إلى أوروبا من خلال المغرب؟
وهنا تتغير وظيفة المملكة داخل الشبكة.
خلال السنوات الأخيرة، تسارع تدفق الاستثمارات الصينية نحو المغرب، خصوصًا في قطاعات السيارات الكهربائية والبطاريات ومكوناتها. وفي مارس/آذار 2026، أشارت تقارير اقتصادية إلى أن المغرب استحوذ على نحو نصف الاستثمارات الصينية الجديدة في صناعة السيارات داخل المنطقة خلال عامين، مستفيدًا من مجموعة عناصر متداخلة: القرب الجغرافي من أوروبا، واتفاقيات التجارة مع الاتحاد الأوروبي، والبنية الصناعية التي راكمها قطاع السيارات، وتوافر الفوسفات الضروري لإنتاج بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم.
وتجسد مشروع Gotion Power Morocco هذا التحول بوضوح. فالمشروع، الذي يحظى بتمويل من البنك الإفريقي للتنمية، يستهدف إنشاء أول مصنع متكامل واسع النطاق لبطاريات فوسفات الحديد والليثيوم في إفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بطاقة أولية تبلغ 10 جيغاواط/ساعة مع إمكان التوسع مستقبلًا إلى 100 جيغاواط/ساعة. ويستهدف جزء أساسي من الإنتاج الأسواق الأوروبية. وهذا يعني أن المغرب لا يستقبل مصنعًا صينيًا للاستهلاك المحلي، وإنما يدخل في سلسلة قيمة عابرة للقارات تربط التكنولوجيا ورأس المال الصينيين بالموقع المغربي والسوق الأوروبية.
وهنا تكمن الدلالة الاستراتيجية.
فالصين تستطيع الاستثمار في دول كثيرة. لكنها عندما تختار المغرب لمشروعات صناعية موجهة إلى أوروبا، فإنها لا تشتري الأرض أو اليد العاملة فقط؛ إنها تشتري وظيفة الموقع الذي أصبح المغرب قادرًا على أدائها.
وهذا يعيدنا إلى الفرق بين امتلاك الجغرافيا وتوليد القيمة منها. فالمغرب كان دائمًا قريبًا من أوروبا، لكنه لم يكن دائمًا قاعدة عالمية لصناعة السيارات والبطاريات. الذي تغير هو أن الموانئ والطرق والمناطق الصناعية والاتفاقيات التجارية والاستقرار المؤسسي وتراكم الخبرة الصناعية حولت القرب الجغرافي من خاصية ساكنة إلى وظيفة اقتصادية متحركة قابلة للاستعمال من فاعلين عالميين.
ومن هنا يبدأ القلق الأوروبي.
ففي صيف 2026، أصبح النقاش داخل المؤسسات والإعلام الأوروبي أكثر وضوحًا حول إمكانية استخدام الشركات الصينية للمغرب وتركيا باعتبارهما قواعد إنتاج تسمح بالوصول إلى السوق الأوروبية بشروط أفضل من التصدير المباشر من الصين. ولا يعني ذلك أن كل استثمار صيني في المغرب مصمم للتحايل على الرسوم الأوروبية، ولا يجوز افتراض هذه النية دون دليل. لكن مجرد قدرة المصانع القائمة في المغرب على الاستفادة من موقع المملكة واتفاقياتها التجارية تخلق مشكلة جديدة أمام بروكسل: أين تنتهي الصناعة المغربية وأين تبدأ الصناعة الصينية الموجهة إلى السوق الأوروبية؟
وهذه ليست مسألة تجارية فقط.
فإذا تحول المغرب إلى قاعدة رئيسية للصناعة الصينية القريبة من أوروبا، فإن قيمته بالنسبة إلى الطرفين ترتفع في الوقت نفسه. الصين تحتاج إليه بوصفه موقعًا صناعيًا ولوجستيًا قريبًا من السوق الأوروبية، وأوروبا تحتاج إلى التعامل معه باعتباره جزءًا متزايد الأهمية من سلاسل توريد السيارات والبطاريات والمواد الصناعية.
وهنا تظهر مفارقة جديدة: كلما ازدادت أوروبا قلقًا من التوسع الصناعي الصيني في المغرب، ازدادت في الوقت نفسه صعوبة تجاهل المغرب داخل السياسة الصناعية الأوروبية.
فالبديل ليس بسيطًا. إذا ضيقت بروكسل دخول المنتجات المصنعة في المغرب بسبب الملكية أو التكنولوجيا الصينية، فإنها تخاطر بالتأثير في شريك اقتصادي قريب يرتبط معها باتفاقيات طويلة الأمد. وإذا تركت الباب مفتوحًا تمامًا، فقد تصبح المملكة أحد أهم المسارات التي تدخل منها الصناعة الصينية إلى المجال الاقتصادي الأوروبي.
وهنا يصبح المغرب موضوعًا في التنافس الأوروبي الصيني، لكنه كذلك فاعل يستفيد من هذا التنافس.
والأهم أن إسبانيا نفسها تكشف تناقض هذه المعادلة. فهي من جهة جزء من الاتحاد الأوروبي الذي يبحث عن أدوات لحماية الصناعة الأوروبية من بعض آثار المنافسة الصينية، ومن جهة أخرى تعمل مدريد على جذب شركات صينية في السيارات والبطاريات إلى أراضيها، وتطالب بقواعد أوروبية تسمح بالاستثمار الصيني المنتج مع اشتراط المحتوى المحلي ونقل التكنولوجيا. ولذلك لا ينبغي تقديم العلاقة على أنها مواجهة بسيطة بين «أوروبا» و«الصين»؛ فالدول الأوروبية نفسها تتنافس على اجتذاب رأس المال الصيني الذي تخشاه في الوقت ذاته.
وهذا يجعل المغرب منافسًا لإسبانيا في مجال لم يكن بارزًا قبل سنوات.
فالمنافسة لم تعد فقط على حركة البضائع عبر المضيق، وإنما أيضًا على السؤال: أين ستبني الشركات الآسيوية مصانعها التي تخدم السوق الأوروبية والإفريقية؟
إذا اختارت المغرب، فإن المملكة لا تنتزع تجارة من إسبانيا فحسب، بل تستقطب وظيفة صناعية مستقبلية كان يمكن أن تتم داخل أوروبا نفسها.
وهنا يمكن فهم أهمية الموقع المغربي بطريقة مختلفة. فبالنسبة إلى الصين، المغرب ليس مجرد بوابة إلى أوروبا. إنه أيضًا قاعدة يمكنها الوصول من خلالها إلى غرب إفريقيا والساحل والأسواق الأطلسية، مستفيدة من البنية اللوجستية المغربية ومن العلاقات الاقتصادية التي بنتها المملكة في القارة.
وبذلك تتشكل علاقة ثلاثية الاتجاهات:
الصين - المغرب - أوروبا
ولكن أيضًا:
الصين - المغرب - إفريقيا
وفي الاتجاه المعاكس:
أوروبا - المغرب - إفريقيا
وهذا ما يجعل المملكة الشريفة عقدة أكثر منها مجرد ممر.
والفرق كبير بين الاثنين. فالممر تستعمله الدول للانتقال من نقطة إلى أخرى، وقد تستبدله عندما يظهر طريق أقصر أو أرخص. أما العقدة فتتجمع فيها شبكات متعددة، وكل شبكة جديدة تزيد قيمة الشبكات الأخرى الموجودة حولها.
وهنا تبدأ عناصر بحثنا في الارتباط بصورة أوضح. فالموانئ المغربية تزيد قيمة الاستثمار الصناعي الصيني، والاستثمار الصيني يزيد قيمة الربط بالموانئ الأوروبية، والعلاقات الألمانية توفر التكنولوجيا والسوق ورأس المال الصناعي، والإمارات توفر قدرة تمويلية عابرة للأقاليم، بينما تمنح العلاقات الإفريقية للمغرب مجالًا إضافيًا لتصريف المنتجات والاستثمارات.
أي أن كل علاقة لا تعمل مستقلة عن الأخرى، بل قد ترفع قيمة العلاقات الأخرى داخل الشبكة.
وهذه النقطة تفسر لماذا لا ينبغي أن نقول إن الصين «تحل محل فرنسا» أو إن البرتغال «تحل محل إسبانيا». فالعلاقات الجديدة لا تستنسخ الوظائف القديمة، ولا تنتقل الوظيفة بكاملها من شريك إلى آخر. الجديد هو أن المغرب أصبح يوزع حاجاته على شبكة أوسع من الشركاء والمسارات، بحيث يتراجع تدريجيًا عدد الوظائف التي يحتكرها شريك واحد، وتتراجع معها كلفة الاعتماد عليه.
وهنا بالضبط تبدأ استقلالية القرار في الارتفاع.
فالدولة الأكثر اعتمادًا ليست بالضرورة التي تتعامل مع دول كثيرة، بل التي لا تستطيع تعويض وظيفة حيوية إذا تعطلت علاقتها مع طرف واحد. أما الدولة التي تستطيع الحصول على الاستثمار من الخليج أو الصين، والتكنولوجيا من ألمانيا أو الولايات المتحدة أو آسيا، والوصول إلى أوروبا عبر عدة موانئ ومسارات، وبناء أسواق في إفريقيا، فإن تكلفة الخلاف مع أي شريك منفرد تنخفض نسبيًا.
لكن هذه الشبكة الاقتصادية والصناعية تظل ناقصة من دون العنصر الأمني والسياسي. فالموانئ والمصانع ورأس المال لا تحمي وحدها المصالح الكبرى، ولا تفسر التحولات في الصحراء والساحل وغرب المتوسط. وهنا تدخل الولايات المتحدة وإسرائيل إلى رقعة الشطرنج، ليس باعتبارهما مستثمرين إضافيين فقط، بل باعتبارهما فاعلين في الأمن والدفاع والتكنولوجيا وإعادة ترتيب موازين القوى الإقليمية.
ومن هنا ينتقل البحث إلى السؤال التالي: هل أصبحت الشراكة المغربية مع واشنطن وإسرائيل عنصرًا في بناء شبكة تجعل الأطلسي وغرب المتوسط امتدادًا واحدًا للمجال الاستراتيجي المغربي؟
خامسًا: واشنطن وأبو ظبي وإسرائيل — حين تدخل وظائف الأمن ورأس المال والتكنولوجيا إلى الشبكة
إذا كانت البرتغال توسع خيارات العبور، وألمانيا تضيف الصناعة والتكنولوجيا الأوروبية، والصين تمنح المغرب موقعًا جديدًا داخل سلاسل الإنتاج العالمية، فإن هذه العناصر لا تكفي وحدها لبناء استقلالية استراتيجية أوسع. فالدولة تحتاج أيضًا إلى الأمن، والتكنولوجيا العسكرية، والتمويل طويل الأمد، والغطاء السياسي في القضايا التي تمس مصالحها العليا. وهنا تظهر ثلاث علاقات مختلفة في طبيعتها، لكنها تتقاطع في وظائفها: الولايات المتحدة، والإمارات العربية المتحدة، وإسرائيل.
والبداية من واشنطن ضرورية؛ لأن العلاقة المغربية الأمريكية تختلف بنيويًا عن العلاقات الأوروبية التقليدية. فالولايات المتحدة ليست بوابة جغرافية للمغرب، ولا تمثل السوق الأقرب إليه، لكنها تستطيع أداء وظائف يصعب على معظم شركائه الآخرين أداؤها بالحجم نفسه: الأمن والدفاع، والتكنولوجيا العسكرية، والتأثير في التوازنات الدولية، والحضور في المجال الأطلسي.
وهذه ليست علاقة ظرفية نشأت مع أزمة الصحراء. فالمغرب يتمتع منذ 2004 بصفة حليف رئيسي للولايات المتحدة من خارج حلف شمال الأطلسي، وتطورت العلاقة العسكرية إلى شبكة واسعة من التسليح والتدريب والمناورات. وتظهر البيانات الأمريكية الرسمية حجمها: فقد بلغت قيمة ملفات المبيعات العسكرية الحكومية الأمريكية النشطة للمغرب أكثر من 8.5 مليارات دولار، وتشمل منظومات من طائرات F-16 ومروحيات Apache وراجمات HIMARS المتطورة والرادارات والصواريخ، بينما أصبحت مناورات «الأسد الإفريقي» التي يستضيفها المغرب أكبر تمرين عسكري مشترك تقوده القيادة الأمريكية في إفريقيا. État des États-Unis
لكن الأهم بالنسبة إلى موضوعنا أن واشنطن نفسها لا تنظر إلى المغرب باعتباره مجرد متلقٍ للتعاون الأمني. فالاستراتيجية الأمريكية المعلنة تجاه المملكة تتحدث عن بناء قدراتها بما يسمح لها بأداء أدوار قيادية في شمال إفريقيا والساحل وغرب إفريقيا وما وراءها. أي أن العلاقة تنتقل تدريجيًا من أمن المغرب إلى الوظيفة الإقليمية التي يستطيع المغرب أداؤها داخل شبكة الأمن الأمريكية الأوسع. État des États-Unis
وهنا يلتقي البعد الأمني بالبعد الأطلسي.
فالولايات المتحدة والمغرب عضوان في «الشراكة من أجل التعاون الأطلسي»، التي تجمع دولًا من إفريقيا وأوروبا والأمريكيتين والكاريبي حول تصور للمحيط الأطلسي باعتباره مجالًا مترابطًا للأمن والاقتصاد والطاقة والبيئة. واللافت أن الشبكة نفسها تضم البرتغال وإسبانيا ونيجيريا وموريتانيا والسنغال وغانا وعددًا كبيرًا من دول الساحل الأطلسي الإفريقي. État des États-Unis
وهذا يمنح التحول الذي ندرسه بعدًا أوسع. فالمغرب لا يقع فقط على الطرف الجنوبي لغرب المتوسط؛ إنه يقع أيضًا في منتصف شبكة أطلسية تمتد شمالًا نحو أوروبا، وغربًا نحو الولايات المتحدة، وجنوبًا على طول الساحل الإفريقي.
وهنا يصبح من الممكن فهم لماذا تكتسب الواجهة الأطلسية المغربية أهمية تتجاوز الموانئ.
أما الإمارات، فتؤدي وظيفة مختلفة.
فالعلاقة المغربية الإماراتية لا تقوم أساسًا على الجغرافيا أو على الوساطة نحو سوق بعينها، وإنما على رأس المال والقدرة الاستثمارية والتقارب السياسي والاستراتيجي. وقد وصف الديوان الملكي المغربي العلاقة، عقب لقاء الملك محمد السادس والشيخ محمد بن زايد في يونيو/حزيران 2026، بأنها «شراكة استراتيجية» وتعاون مثمر وتضامن فعال، وهو توصيف يعكس مستوى سياسيًا يتجاوز العلاقة الاقتصادية التقليدية.
وإذا ربطنا ذلك بما رأيناه سابقًا من توسع الاستثمار الإماراتي في ألمانيا، تظهر خاصية مهمة لا ينبغي أن نحولها إلى «محور» غير مثبت، لكنها تستحق الانتباه: رأس المال الإماراتي يتحرك عبر أكثر من عقدة من العقد التي يتوسع المغرب في علاقاته معها.
وهذا يعني أن قيمة أبو ظبي بالنسبة إلى الرباط لا تقاس فقط بحجم الأموال التي يمكن أن تدخل المغرب. فالمستثمر الذي يملك حضورًا واسعًا في أوروبا والولايات المتحدة وآسيا وإفريقيا يحمل معه شبكة علاقات وتمويل وخبرة يمكن أن تتقاطع مع مشاريع مغربية في أكثر من اتجاه.
وهنا مرة أخرى يظهر الفرق بين الشريك والعقدة.
الشريك يقدم لك وظيفة مباشرة. أما العقدة فتمنحك، بالإضافة إلى علاقتك بها، إمكان الاتصال بشبكات أخرى ترتبط بها.
لكن دخول إسرائيل يجعل الصورة أكثر تعقيدًا؛ لأن الوظيفة هنا ليست مالية أساسًا، بل ترتبط بدرجة كبيرة بالدفاع والتكنولوجيا والأمن، فضلًا عن علاقتها الوثيقة بالولايات المتحدة.
ومنذ استئناف العلاقات الدبلوماسية سنة 2020، تطور التعاون المغربي الإسرائيلي في مجالات متعددة، وكان المجال الدفاعي من أبرزها. ولا ينبغي مع ذلك اختزال العلاقة المغربية الأمريكية في إسرائيل أو العلاقة المغربية الإسرائيلية في الولايات المتحدة؛ فلكل علاقة منطقها ومصالحها وحدودها. لكن التداخل بين الصناعات الدفاعية الأمريكية والإسرائيلية يجعل بعض القدرات التي يحصل عليها المغرب جزءًا من منظومة تكنولوجية وأمنية غربية أوسع، وليس مجرد سلسلة من المشتريات المنفصلة.
وهذه النقطة تكتسب أهمية خاصة إذا وضعناها إلى جانب ما يحدث في أوروبا نفسها. فألمانيا، مثلًا، اشترت منظومة Arrow الإسرائيلية للدفاع الصاروخي، وهي منظومة طُورت بالتعاون مع وكالة الدفاع الصاروخي الأمريكية. أي أن التكنولوجيا الدفاعية الإسرائيلية أصبحت بدورها جزءًا من بنية أمنية تربط الولايات المتحدة بأوروبا. Reuters
وبذلك نجد العلاقات التي بدت في البداية منفصلة تبدأ في التقاطع مرة أخرى: المغرب — الولايات المتحدة — إسرائيل — ألمانيا.
ليس بوصفها تحالفًا رباعيًا، ولا باعتبارها محورًا سياسيًا مغلقًا، وإنما باعتبارها شبكات أمن وتكنولوجيا تتداخل فيها الشركات والمنظومات والمعايير والتدريب.
وهنا يجب أن نحذر من الوقوع في الصورة التقليدية للمعسكرات. فالصين، التي تستثمر صناعيًا في المغرب، تنافس الولايات المتحدة عالميًا. وألمانيا تتعامل اقتصاديًا مع الصين رغم الضغوط الأمريكية. والإمارات ترتبط استراتيجيًا بواشنطن لكنها بنت كذلك علاقات واسعة مع بكين. والمغرب نفسه لا يبدو أنه يريد الاختيار بين هذه الشبكات بقدر ما يريد الاستفادة من الوظائف المختلفة التي توفرها.
وهذه ربما إحدى أهم خصائص التحول الجاري: التعدد لا يعني الحياد بين القوى، كما لا يعني الانضمام إلى محور واحد؛ بل يعني منع علاقة واحدة من احتكار مجموع الوظائف التي تحتاج إليها الدولة.
ولهذا لا تتناقض، بالضرورة، شراكة أمنية عميقة مع الولايات المتحدة مع استقبال مصانع صينية، ولا تتناقض شراكة استثنائية مع فرنسا مع توسيع العلاقة الصناعية مع ألمانيا، ولا تستلزم العلاقة الاستراتيجية مع الإمارات تحويل كل استثمار إماراتي في أوروبا إلى مشروع مغربي غير مباشر.
المعيار هو الوظيفة.
واشنطن تقدم للمغرب وظيفة أمنية وسياسية لا تقدمها بكين بالصورة نفسها. الصين تقدم قاعدة صناعية واستثمارية لا تؤدي واشنطن وظيفتها بالطريقة نفسها. ألمانيا تمنحه ارتباطًا بالصناعة الأوروبية. الإمارات تضيف رأس المال والشبكات الاستثمارية. البرتغال توسع خيارات الاتصال البحري. وإسبانيا وفرنسا تظلان شريكين كبيرين، لكنهما تعملان الآن داخل بيئة أصبح فيها عدد البدائل أكبر.
وهكذا يمكن أن تنخفض درجة الاعتماد من دون أن ينخفض مستوى التعاون.
وهذه نتيجة مهمة؛ لأنها تمنعنا من تفسير السياسة الخارجية باعتبارها لعبة مقاعد: لكي يجلس شريك جديد لا يحتاج الشريك القديم إلى مغادرة الطاولة.
لكن الشبكة التي رسمناها حتى الآن ما تزال تنظر إلى المغرب بدرجة كبيرة من جهة علاقته بالقوى الخارجية. ويبقى السؤال الأهم: ماذا يملك المغرب نفسه ليقدمه لهذه الشبكات؟
والجواب لا يوجد في أوروبا ولا في الخليج ولا في الصين أو الولايات المتحدة وحدها، بل إلى الجنوب من المملكة، في المجال الذي تعمل الرباط منذ سنوات على إعادة تنظيم علاقتها به: إفريقيا الأطلسية والساحل.
وهنا قد نصل إلى التحول الأعمق في المقال كله: من المغرب الذي يبحث عن بوابات إلى القوى الكبرى، إلى المغرب الذي يحاول أن يصبح هو نفسه بوابة تحتاج إليها القوى الأخرى.
سادسًا: إفريقيا الأطلسية — حين يتحول المغرب من الباحث عن بوابة إلى بوابة للآخرين
حتى الآن نظرنا إلى التحول من زاوية واحدة في الغالب: كيف يستطيع المغرب تنويع الطرق التي يصل بها إلى أوروبا، ومصادر الاستثمار والتكنولوجيا والأمن التي يعتمد عليها؟ لكن هذه الصورة تبقى ناقصة ما لم نعكس اتجاه السؤال: ماذا يقدم المغرب نفسه لهذه الشبكات حتى تصبح القوى الأخرى معنية بالحفاظ على العلاقة معه؟
هنا تكتسب إفريقيا الأطلسية والساحل أهمية مختلفة تمامًا.
فالمغرب لا يمتلك الموارد المالية للإمارات، ولا القاعدة الصناعية لألمانيا، ولا التكنولوجيا والقوة العسكرية للولايات المتحدة والصين. لكنه يمتلك شيئًا لا تستطيع هذه الدول نقله إلى أراضيها أو إنتاجه بالاستثمار وحده: الموقع داخل شبكة جغرافية تصل المتوسط بالأطلسي، وأوروبا بإفريقيا، وتقع على مقربة من دول الساحل الحبيسة ومن أحد أهم فضاءات النمو الديمغرافي والاقتصادي في العالم.
لكن الموقع، كما رأينا في حالة إسبانيا، لا ينتج القيمة وحده. فالسؤال هو: ماذا تفعل الدولة بهذا الموقع؟
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة المبادرة الأطلسية التي أعلنها الملك محمد السادس سنة 2023 لتمكين دول الساحل من الوصول إلى المحيط. فبوركينا فاسو ومالي والنيجر وتشاد تعاني بدرجات مختلفة من قيد جغرافي واحد: غياب المنفذ البحري. وإذا أمكن ربط هذه الدول بشبكة من الطرق والموانئ والخدمات اللوجستية المغربية، فإن المملكة لا تقدم لها مجرد طريق أقصر أو إضافي، بل تؤدي وظيفة جغرافية لا تستطيع هذه الدول أداءها بنفسها.
وهنا تتحول خاصية الساحل الحبيس إلى علاقة حاجة، ويتحول الساحل الأطلسي المغربي إلى مورد استراتيجي.
ولا يتعلق الأمر بالموانئ وحدها. فالمشروع الأطلسي يتقاطع مع توسع ميناء الداخلة الأطلسي، ومع طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط، ومع الاستثمارات المغربية في البنوك والاتصالات والأسمدة والتأمين والنقل في عدد من الدول الإفريقية، كما يتقاطع مع مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي الذي يفترض أن يربط نيجيريا بالمغرب مرورًا بعدد كبير من دول غرب إفريقيا، قبل الاتصال بالشبكات الأوروبية.
واللافت أن ألمانيا نفسها رحبت رسميًا، في الإعلان المشترك الصادر في أبريل/نيسان 2026، بالمبادرة الملكية لتمكين دول الساحل من الوصول إلى الأطلسي، كما أكدت أهمية مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، وربطت ذلك بإمكانات التعاون المغربي الألماني في إفريقيا. وهذه نقطة بالغة الدلالة: المشروع الذي يبدو في ظاهره مغربيًا إفريقيًا بدأ يدخل بالفعل في حسابات شريك أوروبي كبير.
وهنا تتغير العلاقة التي ناقشناها في القسم السابق.
فألمانيا لا تقدم للمغرب الصناعة والتكنولوجيا فقط؛ المغرب يقدم لألمانيا بدوره منصة محتملة للعمل في فضاء إفريقي أوسع. والصين لا تأتي إلى المغرب فقط لأنها تريد إنتاج السيارات والبطاريات قرب أوروبا؛ وجود قاعدة صناعية ولوجستية مغربية متصلة بغرب إفريقيا يمنحها اتجاهًا آخر محتملًا للأسواق والاستثمار. والإمارات، بما تملكه من رأس مال وشبكات موانئ واستثمارات دولية، تجد أمامها دولة تبني بنية تحتية تربط المتوسط بالأطلسي وإفريقيا. أما الولايات المتحدة، فإن موقع المغرب واستقراره وتعاونه الأمني يمنحان العلاقة قيمة إضافية في فضاء يمتد من غرب المتوسط إلى الساحل والمحيط الأطلسي.
وبذلك لا يعود السؤال: أي قوة كبرى سيختار المغرب؟
بل يصبح: كم شبكة يستطيع المغرب أن يجعلها تمر به دون أن تصبح إحداها قادرة على احتكاره؟
وهذا هو الفارق بين تنويع العلاقات وبناء الموقع داخل الشبكة.
فالدولة قد توقع عشرات الاتفاقيات مع عشرات الدول، لكنها تظل ضعيفة إذا كانت جميع تلك العلاقات توفر لها الأشياء التي تحتاج إليها من دون أن يحتاج الشركاء إلى وظيفة تؤديها هي. أما عندما تصبح الدولة قادرة على توفير الوصول إلى سوق، أو ممر لوجستي، أو قاعدة إنتاج، أو اتصال بإقليم آخر، أو استقرار أمني، فإن العلاقة تبدأ في الاتجاهين.
ومن هنا يمكن أن نفهم القيمة الأعمق للمبادرة الأطلسية. فإذا حصلت دول الساحل على منفذ عملي ومستدام إلى الأطلسي عبر المغرب، فلن تزداد فقط قيمة المغرب بالنسبة إليها، بل سترتفع كذلك قيمته بالنسبة إلى القوى التي تريد الوصول إلى هذه الدول.
أي أن العلاقة قد تتكون على مستويين:
الساحل يحتاج إلى المغرب للوصول إلى الأطلسي، وبعض القوى الخارجية قد تحتاج إلى المغرب للوصول بكفاءة أكبر إلى الساحل.
وعندئذ لا تعود الجغرافيا المغربية مجرد موقع بين أوروبا وإفريقيا، وإنما تصبح وظيفة ربط بين شبكتين.
وهنا تظهر أيضًا المنافسة مع الجزائر، ولكن ينبغي ألا نختزلها في صراع ثنائي. فالجزائر تمتلك بدورها موقعًا وموارد وعلاقات عميقة مع دول الساحل، وتعمل على مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يفترض أن ينقل الغاز النيجيري عبر النيجر والجزائر نحو المتوسط. وفي المقابل، يتحرك المشروع المغربي على الواجهة الأطلسية عبر دول غرب إفريقيا. لسنا إذن أمام طريق صحيح وطريق خاطئ، بل أمام تصورين مختلفين لإعادة تنظيم علاقة الساحل بالأسواق الخارجية.
الأول يربط جزءًا من الساحل بالشمال عبر الجزائر والمتوسط، والثاني يسعى إلى ربطه بالغرب عبر المجال الأطلسي المغربي.
وتزداد أهمية هذا التنافس لأن روسيا أصبحت أكثر حضورًا أمنيًا في دول الساحل، بينما تحتفظ الجزائر بعلاقات عسكرية وسياسية قوية مع موسكو، في الوقت الذي يبني فيه المغرب علاقات أمنية وثيقة مع الولايات المتحدة وشركائها. لكن حتى هنا ينبغي تجنب رسم معسكرين مغلقين؛ فالجزائر تتعامل مع الولايات المتحدة وأوروبا والصين، والمغرب يتعامل مع الصين وروسيا في مجالات مختلفة. ما يتشكل هو تداخل مصالح وممرات ووظائف أكثر منه حدودًا صلبة بين محورين.
وهذا يعيدنا إلى السؤال الذي بدأ منه المقال.
ربما لا يعيد المغرب رسم خريطته الاستراتيجية بمعنى تغيير حلفائه واستبدالهم بحلفاء جدد. الذي يبدو أكثر اتساقًا مع الوقائع هو أنه يعمل، عبر مشروعات بدأت في أوقات مختلفة ولأسباب مختلفة، على زيادة عدد العلاقات القادرة على أداء الوظائف التي يحتاج إليها، وفي الوقت نفسه زيادة عدد الوظائف التي يستطيع هو أداءها للآخرين.
وهنا يمكن صياغة التحول كله في حركتين متعاكستين ومتكاملتين:
في الاتجاه الأول، يبني المغرب البدائل حتى لا يحتاج إلى المرور دائمًا عبر الشريك نفسه.
وفي الاتجاه الثاني، يبني الوظائف حتى يحتاج عدد أكبر من الشركاء إلى المرور عبره.
الأولى تقلل التبعية. والثانية تزيد القيمة الاستراتيجية.
وعندما تجتمع الحركتان، نفهم لماذا لا تحتاج الخريطة الجديدة إلى إلغاء فرنسا أو إسبانيا. فالمغرب يستطيع أن يحافظ على شراكة استثنائية مع باريس، وعلى تجارة كثيفة وتعاون أمني وهجري مع مدريد، وأن يوسع في الوقت نفسه خطوطه البحرية عبر البرتغال، وشراكته الصناعية مع ألمانيا، والاستثمار الصيني، وعلاقاته الأمريكية والإماراتية والإسرائيلية، ومجاله الأطلسي الإفريقي.
عندئذ لا يكون التغيير في عدد الأصدقاء، وإنما في بنية الاعتماد المتبادل بينهم.
وهذا ربما هو المؤشر الأدق على إعادة رسم الخريطة الاستراتيجية: ألا تختفي الخطوط القديمة منها، بل أن تظهر خطوط جديدة تجعل كل خط قديم أقل قدرة على تحديد حركة المغرب بمفرده.
خاتمة: هل بدأت نهاية زمن البوابة الواحدة؟
لا تسمح المعطيات التي استعرضناها بالقول إن المغرب اتخذ قرارًا بالابتعاد عن فرنسا أو إسبانيا، كما لا تسمح بتحويل كل ميناء أو استثمار أو اتفاق جديد إلى جزء من خطة مركزية واحدة صممت منذ البداية لإعادة توزيع علاقاته الخارجية. فالمشروعات التي تناولناها نشأت في أزمنة مختلفة، ولكل منها منطقه الاقتصادي والسياسي الخاص.
لكن اجتماعها يكشف تحولًا يصعب تجاهله.
فالمغرب الذي كان يعتمد بدرجة كبيرة على محور فرنسي إسباني في علاقته بأوروبا أصبح يمتلك اليوم شبكة أكثر تنوعًا: البرتغال تستطيع أن تؤدي بعض وظائف العبور البحري؛ ألمانيا توسع خيارات الصناعة والتكنولوجيا والولوج إلى مركز الاقتصاد الأوروبي؛ الصين ترى في المملكة قاعدة إنتاج تصل أوروبا بإفريقيا؛ الولايات المتحدة توفر بعدًا أمنيًا واستراتيجيًا؛ الإمارات تضيف رأس المال والشبكات الاستثمارية؛ وإسرائيل تدخل من بوابة التكنولوجيا والدفاع. وفي الوقت نفسه، يحاول المغرب تحويل واجهته الأطلسية وعلاقاته الإفريقية إلى وظيفة يقدمها لهذه القوى بدل أن يكون مجرد متلق لوظائفها.
ومن ثم فإن السؤال ليس ما إذا كانت فرنسا وإسبانيا ستفقدان أهميتهما. فالجغرافيا والمصالح والتجارة والهجرة والتاريخ تجعل ذلك احتمالًا بعيدًا وغير مفيد أصلًا للمغرب.
السؤال الحقيقي هو: هل ستظلان ضروريتين بالدرجة نفسها؟
وهنا يكمن الفرق بين العلاقة المهمة والعلاقة التي لا بديل عنها.
فالبرتغال لا تحتاج إلى أن تصبح إسبانيا جديدة حتى تقلل جزءًا من ضرورة إسبانيا. وألمانيا لا تحتاج إلى أن تصبح فرنسا جديدة حتى تمنح المغرب خيارات لم تكن متاحة له سابقًا. والصين لا تحتاج إلى أن تحل محل أوروبا حتى تغير موقع المغرب داخل العلاقة الأوروبية. وكذلك لا يحتاج المغرب إلى فك ارتباطه بشريك قديم حتى يرفع قدرته التفاوضية معه.
يكفي أن يتغير عدد البدائل وتوزيع الوظائف.
وهذا يسمح لنا بفهم التوترات الحالية مع إسبانيا، وتأجيل الزيارة الملكية إلى فرنسا، وصعود العلاقات الألمانية، وتطور البنية المينائية، والاستثمارات الصينية، والامتداد الأطلسي، دون الوقوع في إغراء تفسيرها جميعًا باعتبارها «عقوبات» أو انقلابًا في التحالفات. فقد تكون بعض هذه الأحداث ظرفية وبعضها غير مرتبط ببعضه سببيًا، ومع ذلك يمكن أن تنتج مجتمعة أثرًا بنيويًا واحدًا: تقليص احتكار بعض الشركاء للوظائف التي يحتاج إليها المغرب.
ومن هنا تظهر قاعدة ربما تكون أوسع من الحالة المغربية نفسها: الدولة لا تحتاج إلى إزالة العلاقة القديمة لكي تغير ميزانها؛ يكفيها أن تبني علاقات بديلة تؤدي بعض وظائفها، وأن تطور في المقابل وظائف تجعل الآخرين أكثر حاجة إليها.
وعند هذه النقطة يصبح بناء البديل مختلفًا جذريًا عن العقوبة. فالعقوبة تستهدف تغيير سلوك الطرف الآخر، وقد تنجح أو تفشل بحسب قدرته على تحملها. أما البديل فيغير شيئًا أكثر عمقًا: درجة حاجتك أنت إليه.
وإذا كان هذا هو الاتجاه الذي تتراكم مؤشراته اليوم، فإن ما يعيد المغرب رسمه ليس خريطة أصدقائه وخصومه، وإنما خريطة حاجاته وبدائله والوظائف التي يؤديها داخل الشبكة الدولية.
وربما لهذا السبب لا تظهر الخريطة الجديدة في إعلان دبلوماسي واحد، ولا في تحالف جديد يحمل اسمًا رسميًا. إنها تظهر في ميناء يفتح طريقًا آخر، ومصنع يربط الصين بأوروبا، وشراكة صناعية تصل المغرب بألمانيا، ورأس مال خليجي يتحرك بين القارات، وتعاون أمني يمتد عبر الأطلسي، ومشروع يحاول أن يمنح دولًا حبيسة منفذًا إلى البحر.
وحين تتكاثر هذه الخطوط بما يكفي، لا تختفي البوابات القديمة.
لكنها تتوقف عن أن تكون البوابات الوحيدة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق