مناهج التفسير المعاصرة 03: القراءة المقاصدية (05)

 

بين كليات القرآن ومقاصد الفقهاء


من المناهج التي برزت بقوة في الفكر الإسلامي المعاصر القراءة المقاصدية، وهي قراءة تنطلق من أن النصوص لا تُفهم على وجهها الكامل بمجرد الوقوف عند ألفاظها الجزئية، بل لا بد من ردّها إلى غاياتها الكبرى، ومقاصدها العامة، وروحها الكلية. وقد اكتسب هذا المنهج حضورًا خاصًا لأن كثيرًا من الأزمات المعاصرة نتجت عن جمود في قراءة النصوص، أو عن نقل أحكام من سياقات قديمة إلى واقع جديد دون اعتبار للمآلات والعلل والمقاصد.


ولا شك أن المقاصد، من حيث الأصل، فكرة صحيحة وضرورية. فالقرآن لا يقدّم أوامر ونواهي معزولة عن الغاية، بل يربط التشريع بالعدل، والرحمة، والتقوى، ورفع الحرج، وحفظ الكرامة، وإصلاح الإنسان، وإقامة القسط. فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزكاة تطهير للنفس والمال، والصيام طريق إلى التقوى، والقصاص فيه حياة، والإنفاق تزكية وتكافل، والشورى حفظ للأمانة الجماعية، والوفاء بالعهد صيانة للثقة والعدل. ومن ثم، فإن قراءة الحكم منفصلًا عن مقصده تؤدي إلى جفاف الفهم، وتجاهل الرحمة، وتشويه التنزيل.../...


غير أن الإشكال لا يقع في أصل المقاصد، بل في السؤال: من يحدد المقصد؟ هل يحدده القرآن نفسه؟ أم يحدده الفقيه؟ أم يحدده العقل المعاصر؟ أم تحدده حاجات الواقع؟ وهذا السؤال جوهري؛ لأن المقاصد قد تكون طريقًا إلى فهم أعمق، وقد تتحول إلى أداة لتعطيل النصوص أو إعادة تشكيلها وفق تصورات خارجة عن القرآن.


لقد اشتغل الفقهاء قديمًا على مقاصد الشريعة، وخصوصًا حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، ثم أضيفت إليها مقاصد أخرى عند بعض الفقهاء، كحفظ العرض، والحرية، والكرامة، والعدل. وهذه الجهود نافعة بلا شك، لأنها حاولت أن تنتقل من الجزئيات إلى الكليات، ومن ظاهر الحكم إلى علته وغايته. لكنها بقيت، في الغالب، مرتبطة بعلم أصول الفقه وبمجال التشريع، ولم تتحول دائمًا إلى رؤية قرآنية شاملة للإنسان والوجود والعمران.


ومن هنا نحتاج إلى التمييز بين مقاصد الفقهاء ومقاصد القرآن. فمقاصد الفقهاء اجتهادات بشرية في فهم غايات الشريعة، وهي نافعة لكنها ليست نهائية ولا معصومة. أما مقاصد القرآن فهي أوسع من التقسيمات الأصولية؛ لأنها تشمل التوحيد، والهداية، والتزكية، والعدل، والرحمة، والحرية المسؤولة، والشهادة على الناس، وإقامة القسط، وإخراج الإنسان من الظلمات إلى النور، وتحريره من عبودية الطاغوت والهوى والسلطة والمال.


فإذا حصرنا المقاصد في منظومة فقهية ضيقة، فقد نغفل المقصد القرآني الأكبر. فالقرآن لا يريد فقط حفظ النفس بمعنى منع قتلها، بل يريد بناء نفس زكية حرة مسؤولة. ولا يريد فقط حفظ العقل بمعنى منع المسكر، بل يريد عقلًا متدبرًا متحررًا من التقليد والهوى. ولا يريد فقط حفظ المال بمعنى حماية الملكية، بل يريد مالًا متداولًا بالحق لا دولة بين الأغنياء. ولا يريد فقط حفظ الدين بمعنى حماية الهوية، بل يريد دينًا يحرر الإنسان من الشرك والطغيان.


وهنا تظهر أهمية القراءة المقاصدية حين تُبنى من القرآن لا حين تُفرض عليه. فالمقاصد القرآنية لا تُستخرج من عقل الفقيه وحده، ولا من حاجة العصر وحدها، بل من مجموع القرآن: من محكماته، وتكرار موضوعاته، وربطه بين الأحكام والعلل، وقصصه، وسننه، وأوامره ونواهيه، وصور الإنسان والمجتمع التي يبنيها. وكل مقصد لا يشهد له القرآن شهادة واضحة يبقى اجتهادًا يحتاج إلى اختبار.


ومن أخطر ما يقع في القراءة المقاصدية المعاصرة أن تتحول المقاصد إلى ذريعة لإلغاء النصوص. فقد يقول بعضهم: المقصد هو الحرية، ثم يلغي كل حكم لا يوافق تصوره المعاصر للحرية. أو يقول: المقصد هو المساواة، ثم يقرأ كل الفروق التشريعية بوصفها بقايا تاريخية. أو يقول: المقصد هو الرحمة، ثم يعطل كل موضع فيه حزم أو عقوبة أو تكليف. وهذا ليس فقهًا مقاصديًا، بل انتقاء باسم المقاصد.


وفي المقابل، يقع الاتجاه الحرفي في خطأ معاكس حين يرفض المقاصد أو يهمشها، فيجعل الحكم مجرد لفظ يُطبق بلا نظر في العلة والمآل. وهذا قد يؤدي إلى تطبيق ظاهري يصادم روح القرآن. فالحكم إذا نُزع من مقصد العدل قد يتحول إلى ظلم، وإذا نُزع من مقصد الرحمة قد يتحول إلى قسوة، وإذا نُزع من مقصد التزكية قد يتحول إلى شكل بلا روح. ومن هنا فالقراءة المقاصدية ضرورة لحماية النص من سوء التنزيل، لا لإلغائه.


إذن نحن أمام خطرين: حرفية بلا مقصد، ومقاصدية بلا نص. الأولى تجمد القرآن داخل ظاهر جزئي، والثانية تذيب القرآن في قيم عامة قد يصوغها العصر. والمنهج القرآني يرفضهما معًا. فالنص له حرمة، والمقصد له وظيفة. النص يمنع المقاصد من الانفلات، والمقصد يمنع النص من سوء التطبيق. وبينهما يتحقق الميزان.


ومن هنا يمكن أن نضع قاعدة منهجية: المقصد الصحيح هو الذي يولد من مجموع النص، لا الذي يُستعمل لإبطال النص. فإذا كان المقصد مستخرجًا من القرآن، فإنه لا يصادم القرآن. أما إذا صادم المحكمات أو ألغى دلالة ظاهرة بلا دليل، فالغالب أنه مقصد مفروض من خارج النص. وهذا ما يوجب على الباحث أن يميز بين مقصد قرآني ومطلب أيديولوجي حديث.


وتتجلى أهمية القراءة المقاصدية في قضايا معاصرة كثيرة، مثل الحرية، والمرأة، والحكم، والمال، والعلاقة مع غير المسلمين، والعقوبات، والأسرة، والبيئة، والعدالة الاجتماعية. ففي هذه المجالات لا يكفي أن ننقل أحكامًا قديمة دون نظر في الواقع، ولا يكفي أن نستورد مفاهيم حديثة ونلبسها ثوبًا قرآنيًا. المطلوب أن نعود إلى القرآن لنستخرج مقاصده، ثم ننظر كيف تُنزّل في واقع مختلف دون خيانة للنص أو ظلم للإنسان.


خذ مثلًا مفهوم الشورى. القراءة الحرفية قد تكتفي بذكر الآية دون بناء نظام يمنع الاستبداد. أما القراءة المقاصدية القرآنية فتدرك أن الشورى ليست مجرد نصيحة للحاكم، بل مقصدها منع احتكار القرار، وإشراك الجماعة، وحفظ الأمانة، ومحاسبة السلطة. ومن هنا يمكن أن تتسع الشورى اليوم لتشمل الدستور، والمؤسسات، والرقابة، وتداول السلطة، لا لأن القرآن نصّ على هذه الأشكال الحديثة بأسمائها، بل لأن مقصده يمنع الفساد والاستبداد ويفرض مشاركة الأمة في القرار.


ومثل ذلك في العدل. لا يكفي أن نقول إن القرآن أمر بالعدل، ثم نترك أنظمة اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية تنتج الظلم. القراءة المقاصدية تسأل: ما صور الظلم في واقعنا؟ كيف يتحول المال إلى أداة استعباد؟ كيف تُصادر حرية الإنسان؟ كيف تُهدر الكرامة؟ كيف تُستعمل القوانين لخدمة الأقوياء؟ ومن هنا تجعل المقصد القرآني حيًا في مواجهة الواقع، لا شعارًا معلقًا.


ومثل ذلك في المرأة. لا يكفي أن نقرأ الآيات في ضوء أعراف قديمة، ولا أن نعيد تفسيرها كلها وفق خطاب حداثي منفصل عن القرآن. القراءة المقاصدية تسأل: ما المقصد القرآني في الأسرة؟ السكن، المودة، الرحمة، المعروف، العدل، حفظ الكرامة، المسؤولية المتبادلة. ثم تنظر في كل حكم أو عرف أو فتوى: هل يخدم هذه المقاصد أم يهدمها؟ فإذا كان عرف تاريخي يهين المرأة باسم الدين، فليس الدين هو المتهم، بل الفهم الذي خالف مقصده.


ومثل ذلك في العقوبات. فالقرآن لا يقرر العقوبة للانتقام، بل لحفظ الحياة، وردع العدوان، وإقامة العدل، ومنع الفساد. فإذا تحولت العقوبة إلى استعراض قسوة، أو طبقت بلا شروط العدالة، أو استعملها سلطان فاسد ضد الضعفاء، فقد خرجت عن مقصدها. وهنا لا يكون النقد تعطيلًا للنص، بل رفضًا لتطبيق يخون مقصده.


وكذلك في المال. فالقرآن لا يكتفي بتحريم السرقة أو الأمر بالزكاة، بل يبني تصورًا كاملًا لعلاقة الإنسان بالمال: المال فتنة وأمانة، والإنفاق تزكية، والبخل مرض، والربا ظلم، وأكل أموال الناس بالباطل فساد، وتكديس المال بين طبقة الأغنياء خلل في الميزان. فإذا حصرنا المقاصد المالية في حفظ الملكية فقط، فقد ضيقنا الرؤية القرآنية. فالقرآن يحفظ الملكية، لكنه يربطها بالحق، والإنفاق، والمسؤولية، ومنع الاستغلال.


وكذلك في العلاقة مع غير المسلمين. فالمقصد القرآني لا يُستخرج من آية قتال معزولة، ولا من آية برّ معزولة، بل من مجموع الآيات: لا إكراه في الدين، والعدل مع المخالف، والبر بمن لم يقاتل، والوفاء بالعهد، ودفع العدوان، ومجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، ورفض موالاة المعتدين، وترك الحكم النهائي لله. فإذا جُمعت هذه الآيات ظهر أن مقصد العلاقة ليس الحرب الدائمة ولا الذوبان الكامل، بل العدل، والحرية المسؤولة، والوفاء، والدعوة، ومنع العدوان.


وهذا يبيّن أن المقاصد القرآنية لا تُعرف بالشعار، بل بالاستقراء. من السهل أن نقول: مقصد القرآن الرحمة. لكن الرحمة القرآنية ليست ضعفًا أمام الظلم. ومن السهل أن نقول: مقصد القرآن الحرية. لكن الحرية القرآنية ليست عبادة للهوى. ومن السهل أن نقول: مقصد القرآن العدل. لكن العدل القرآني ليس دائمًا مساواة حسابية مجردة. ومن هنا يجب أن تبقى المقاصد مرتبطة بالقرآن كله، لا ببعض المعاني العامة التي نحبها.


لكن القراءة المقاصدية تحتاج إلى انضباط شديد حتى لا تتحول إلى خطاب عام جميل بلا منهج. ولذلك لا بد من قواعد.


أولًا: استخراج المقصد من القرآن كله، لا من آية واحدة ولا من رغبة معاصرة. فالمقصد لا يثبت لمجرد أنه معنى نبيل، بل يثبت حين يشهد له النص، ويتكرر في المحكمات، وينسجم مع بنية الهداية.


ثانيًا: عدم إلغاء النص الجزئي باسم مقصد كلي إلا بدليل قوي يثبت أن التطبيق الحرفي يصادم مقصدًا قطعيًا. فالأصل أن النص والمقصد متكاملان، لا متصارعان. وإذا ظهر التعارض، فالواجب مراجعة الفهم والتنزيل قبل إعلان إلغاء النص أو تعطيله.


ثالثًا: التمييز بين المقصد والمصلحة. فليست كل مصلحة يراها الناس مقصدًا شرعيًا، لأن المصالح قد تكون موهومة أو طبقية أو سلطانية أو مؤقتة. قد ترى السلطة مصلحتها في إسكات الناس، وقد يرى السوق مصلحته في الاستهلاك، وقد يرى الفرد مصلحته في الانفلات، وقد ترى الجماعة مصلحتها في إقصاء الآخر. وهذه ليست مقاصد قرآنية لمجرد أنها مصالح لأصحابها.


رابعًا: النظر في المآلات. فقد يكون الحكم صحيحًا في أصله، لكن تنزيله بلا نظر في نتائجه يؤدي إلى ضد مقصده. والقرآن نفسه يعلمنا التدرج، والحكمة، ومراعاة القدرة، وعدم تحميل النفس ما لا تطيق، والنظر في عواقب الفعل. فالقراءة المقاصدية لا تسأل فقط: ما الحكم؟ بل تسأل أيضًا: ماذا يحقق تنزيل هذا الحكم في هذا الواقع؟ هل يحقق العدل أم ينتج ظلمًا؟ هل يحفظ النفس أم يعرضها للهلاك؟ هل يقيم المعروف أم يفتح باب الفساد؟


خامسًا: رد المقاصد إلى المحكمات. فالمقاصد ليست بابًا مفتوحًا، بل محكومة بالتوحيد والعدل والرحمة والكرامة والتقوى. فإذا قيل إن المصلحة تقتضي الظلم، أو إن حفظ النظام يقتضي قمع الشورى، أو إن حفظ الدين يقتضي إلغاء حرية الإيمان، أو إن وحدة الجماعة تقتضي إهدار الكرامة، فهذه ليست مقاصد قرآنية، بل توظيف للمقاصد ضد القرآن.


سادسًا: التمييز بين الثابت والمتغير. فبعض المقاصد ثابتة لأنها متصلة بمحكمات القرآن، كالتوحيد والعدل والرحمة والكرامة. أما الوسائل التي تحققها فقد تتغير بحسب الزمان والمكان. الشورى ثابتة مقصدًا، لكن صورتها المؤسسية قد تتغير. حفظ الحقوق ثابت، لكن آليات التوثيق قد تتغير. تحقيق التكافل ثابت، لكن أدواته الاقتصادية قد تتغير. ومن لا يميز بين المقصد والوسيلة قد يجمّد الوسيلة أو يضيع المقصد.


بهذه القواعد يمكن للقراءة المقاصدية أن تكون من أهم أدوات التجديد، لأنها تحرر الفهم من الجمود، وتمنع النص من أن يُستعمل ضد روحه، وتفتح باب تنزيل القرآن في الواقع دون تحويله إلى وثيقة تاريخية.


ومن هنا يمكن أن نقول إن القراءة المقاصدية الصحيحة ليست خروجًا على التفسير، بل استكمال له. فالتفسير يبين معنى الآية، والتأويل يردها إلى حقيقتها ومآلها، والمقصد يكشف غايتها ووظيفتها في بناء الإنسان والحياة. فإذا اجتمعت هذه المستويات، صار الفهم أكثر قربًا من الهداية.


لكن ينبغي التنبيه إلى أن المقاصد ليست طريقًا سهلًا. فالقراءة المقاصدية تتطلب معرفة بالنص، واللغة، والسياق، والتراث، والواقع، والمآلات، وتحتاج قبل ذلك إلى أمانة علمية تمنع صاحبها من تحويل رغباته إلى مقاصد. فبعض الناس يدخل إلى المقاصد هربًا من النصوص التي لا تعجبه، وبعضهم يدخل إليها هربًا من الواقع الذي لا يفهمه، وبعضهم يدخل إليها ليمنح مشروعه الفكري أو السياسي شرعية قرآنية. وهذا كله خروج عن المقاصد باسم المقاصد.


ومن أخطر مظاهر هذا الخروج أن تُستعمل المقاصد لتأبيد السلطة. فقد تقول السلطة: مقصد الشريعة حفظ الأمن، ثم تجعل الأمن ذريعة لقمع الحرية والعدل والشورى. وقد تقول: مقصد الشريعة حفظ الجماعة، ثم تجعل الجماعة ذريعة لإسكات كل نقد. وقد تقول: مقصد الشريعة منع الفتنة، ثم تجعل منع الفتنة سببًا في بقاء الظلم الذي يولد الفتن. وهنا تصبح المقاصد أداة سلطانية لا قرآنية.


وفي المقابل، قد تُستعمل المقاصد لتفكيك الدين من الداخل. فيقال: مقصد الصلاة الاتصال الروحي، ثم تُلغى صورتها التعبدية. أو يقال: مقصد الصوم تهذيب الإرادة، ثم يُجعل الصوم اختيارًا رمزيًا. أو يقال: مقصد الزكاة التكافل، ثم تُلغى فريضة الإنفاق المحددة. أو يقال: مقصد الحجاب الحشمة، ثم يُلغى كل معنى للستر بضغوط الثقافة الحديثة. وهذا كله خلط بين المقصد والوسيلة التعبدية التي جاء بها القرآن.


فالعبادات خصوصًا تحتاج إلى احتراز؛ لأن مقاصدها لا تلغي صورتها. نعم، الصلاة مقصودها الذكر والخشوع والنهي عن الفحشاء والمنكر، لكنها لا تتحول إلى حركات بهلواني دون تأمل وخشوع وسجود. والصيام مقصوده التقوى، لكنه لا يصبح مجرد نية أخلاقية بلا امتناع. والحج مقصوده الذكر والوحدة والتجرد، لكنه لا يلغى كمناسك. فالعبادة في القرآن تجمع بين الصورة والمعنى، ومن ألغى أحدهما أفسد الميزان.


وهذا يبيّن أن المقاصد تعمل بطرق مختلفة بحسب المجال. في العبادات، المقصد يحيي الشعيرة ولا يلغي صورتها. وفي المعاملات، المقصد يساعد على فهم العلة والمآل وتغير الوسائل. وفي السياسة، المقصد يمنع تبرير الاستبداد. وفي الأسرة، المقصد يرد العلاقة إلى السكن والمودة والمعروف. وفي العقوبات، المقصد يضبط شروط العدل ويمنع القسوة والانتقام. ولذلك لا يجوز استعمال المقاصد بطريقة واحدة في كل المجالات دون تمييز.


ومن هنا فإن القراءة المقاصدية القرآنية تحتاج إلى أن تكون طبقية، أي تميز بين مستويات الخطاب: عقيدة، عبادة، أخلاق، معاملة، حكم، سياسة، أسرة، عقوبة، سنن، قصص. فلكل مستوى طريقته في استخراج المقصد وتنزيله. والخطأ أن نعامل النصوص التعبدية كما نعامل النصوص الإدارية، أو نعامل القصص كما نعامل الأحكام، أو نعامل المقاصد الأخلاقية كما نعامل الشعائر. فالقرآن كتاب جامع، والجامع يحتاج إلى تفريق منهجي داخل وحدته، لكن دون إغفال ضبط العلاقات بين مختلف المستويات التي يتناولها.


ومن ثمرات القراءة المقاصدية أنها تعيد الروح إلى الأحكام. فقد يطبق الإنسان حكمًا ظاهرًا وهو يهدم مقصده. قد يتصدق وهو يمنّ ويؤذي. وقد يصلي وهو غافل. وقد يصوم وهو ظالم. وقد يطبق قانونًا عادلًا في ظاهره بطريقة ظالمة في الواقع. والمقصد يذكّر بأن الله لا يريد صورًا بلا حقيقة، ولا أحكامًا بلا عدل، ولا شعائر بلا تقوى.


لكن في الوقت نفسه، المقصد لا يسمح للإنسان أن يدعي الحقيقة ويترك الصورة التي أمر بها القرآن. فليس لأحد أن يقول: قلبي طاهر فلا أحتاج إلى عمل. أو يقول: أنا أحقق روح الدين فلا ألتزم بنصوصه. فالقرآن لا يقبل التدين الداخلي الذي لا يظهر في العمل، كما لا يقبل العمل الخارجي الذي يخلو من التقوى. المقاصد تحفظ هذا التوازن.


ومن هنا تظهر الصلة بين المقاصد والتفسير الموضوعي. فالمقصد لا يظهر غالبًا من آية منفردة، بل من جمع الآيات حول الموضوع. فإذا أردنا أن نعرف مقصد المال في القرآن، جمعنا آيات الإنفاق، والزكاة، والربا، والكنز، والترف، واليتامى، والمساكين، والبيع، والدين، والحق، والباطل. وإذا أردنا أن نعرف مقصد الأسرة، جمعنا آيات الزواج، والطلاق، والرضاع، والميراث، والمعروف، والمودة، والرحمة، والميثاق. وبهذا يصبح التفسير الموضوعي طريقًا إلى المقاصد، والمقاصد نتيجة من نتائج القراءة الكلية.


وهذا يقود إلى أمر أساسي: المقاصد لا تُستخرج بالحدس فقط، بل بالاستقراء. ليس كل من قال “مقصد القرآن كذا” يكون مصيبًا. لا بد من دليل، وتكرار، وسياق، ومحكم، ونسق. وكلما كان المقصد أكبر، احتاج إلى شهادة أوسع من القرآن. فمقصد العدل مثلًا مقصد عظيم لأنه يتكرر في الحكم، والشهادة، والمال، والأسرة، والعلاقة مع المخالف، والقصص، والسنن. أما مقصد جزئي لا يشهد له إلا موضع واحد، فلا يصح تعميمه على القرآن كله.


ومن هنا يمكن القول إن القراءة المقاصدية تمثل مرحلة متقدمة من الفهم، لا مرحلة ابتدائية. فالذي لا يعرف اللسان ولا السياق ولا المحكم ولا شبكة الآيات لا يستطيع أن يستخرج المقاصد بدقة. ولهذا كانت المقاصد خطرة في يد القارئ العجول، لأنها تمنحه عبارات كبيرة يستطيع أن يبرر بها ما يشاء. أما في يد الباحث الراسخ، فهي وسيلة عظيمة لرد الجزئي إلى الكلي، والحكم إلى الغاية، والتنزيل إلى المآل.


وخلاصة هذا المقال أن القراءة المقاصدية جاءت استجابة لحاجة حقيقية هدفها: تجاوز الجمود الجزئي، وربط الأحكام بغايات القرآن الكبرى. لكنها لا تكون قرآنية إلا إذا استخرجت مقاصدها من القرآن نفسه، لا من أهواء العصر أو أيديولوجياته. فالمقاصد خادمة للوحي لا بديلة عنه، وهي ميزان للتنزيل لا ذريعة لإلغاء النص. ومن هنا تكون القاعدة: لا حرفية تلغي المقصد، ولا مقاصدية تلغي النص، بل بيان محكوم بميزان القرآن وكلياته.


يتبع...


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق