من سؤال «من دبّر الأزمة وكيف؟»
إلى السؤال الذي أغفله الخطاب: ماذا تفعل إسبانيا في سبتة؟
لم يكن طلب عبد الإله بنكيران فتح تحقيق في أحداث سبتة، في ذاته، أمرًا مستغربًا. فما وقع في 30 يوليو 2026 تجاوز في حجمه وتداعياته حدود حادث عابر للهجرة غير النظامية، وأثار أسئلة مشروعة حول كيفية وصول عشرات الآلاف إلى منطقة حدودية شديدة الحساسية، وحول أداء الأجهزة المعنية على جانبي الحدود. بل إن الجدل نفسه انتقل إلى داخل إسبانيا، وتعددت الروايات بشأن المسؤولية عن الأزمة والظروف التي جعلتها ممكنة. وما تزال التفسيرات الإسبانية نفسها تميز بين التخطيط المباشر للأحداث وبين السماح بمرورها أو التقصير في منعها، دون أن تقدم دليلًا حاسمًا على أن السلطات المغربية هي التي دبرتها ابتداءً.
ومن ثم، فالمشكلة ليست في حق بنكيران في السؤال، وإنما في بنية السؤال والجهة التي اختار توجيهه إليها.../...
فعندما يطلب رئيس حكومة سابق من الملك معرفة ما وقع في سبتة، و «من دبره وكيف»، فإن السؤال يتجاوز المطالبة بتحقيق إداري أو أمني عادي. ولو كان المقصود مساءلة التدبير الحكومي المغربي، لكان منطق المؤسسات يقود إلى مساءلة رئيس الحكومة أو الوزراء والأجهزة الأمنية المختصة. ولو كان المقصود معرفة كيف أمكن للأزمة أن تقع داخل مدينة محتلة تديرها إسبانيا وعلى حدود تتولى السلطات الإسبانية حمايتها من جانبها، فإن جزءًا أساسيًا من السؤال كان ينبغي أن يتجه إلى مدريد. أما توجيهه إلى الملك تحديدًا، ثم إعلان أن الجواب لم يصل وأن صاحبه ما يزال ينتظره، فينقل الخطاب إلى مستوى آخر.
فالسؤال هنا لا يقول صراحة إن القصر دبّر الأحداث، ولا يجوز أن ننسب إلى بنكيران ما لم يقله. لكنه يبني إيحاءً أكثر تعقيدًا: أن حقيقة ما وقع، وهوية من دبّره وكيفية تدبيره، معلومة قابلة للمعرفة داخل مركز القرار الملكي، وأن على هذا المركز أن يقدم جوابًا عنها.
وهنا تظهر المسافة الدقيقة بين التصريح والتلميح التي يشير إليها عنوان هذا المقال. فالتصريح يطالب بمعرفة الحقيقة، أما التلميح فينشأ من جهة توجيه السؤال ومن الإعلان اللاحق عن انتظار الجواب. وبهذا لا يعود الصمت مجرد غياب للجواب، بل يمكن أن يتحول داخل الخطاب نفسه إلى مادة سياسية تسمح بتوليد أسئلة أخرى لدى الجمهور: لماذا لم يُجب الملك؟ ماذا يعرف القصر؟ ولماذا اختار بنكيران أن يسأله أصلًا؟
ومن هذه الزاوية ينبغي قراءة السؤال داخل تاريخ أوسع من خطاب بنكيران السياسي، لا باعتباره جملة معزولة. فقد بنى الرجل جانبًا من حضوره السياسي، خلال مراحل مختلفة، على الجمع بين إعلان الولاء للمؤسسة الملكية ورفع سقف النقد تجاه مراكز النفوذ والقرار، أحيانًا بالإشارة إلى «العفاريت والتماسيح»، وأحيانًا بتسمية شخصيات قريبة من مركز السلطة، وأحيانًا باستخدام قضايا ذات تعبئة شعبية قوية. ولذلك يصبح مشروعًا التساؤل عما إذا كان خطاب سبتة يمثل استمرارًا لهذه الآلية السياسية، ولكن في صورة أكثر مباشرة هذه المرة.
غير أن ذلك لا يكفي لإثبات أن بنكيران يمارس «ابتزازًا سياسيًا» للحصول على مكاسب انتخابية أو مقاعد إضافية. فالانتقال من تحليل وظيفة الخطاب إلى إثبات نية صاحبه يحتاج إلى أدلة مستقلة. لكن السياق يسمح بسؤال أكثر انضباطًا: هل يؤدي خطاب سبتة، بصرف النظر عن النية الكامنة وراءه، وظيفة إعادة تموضع سياسي لبنكيران وحزبه في علاقتهما بالقصر، من خلال رفع كلفة تجاهل السؤال أمام الرأي العام؟
وهنا تحديدًا تبدأ مفارقة أكثر أهمية. فبينما اتجه بنكيران إلى الملك المغربي ليسأل من دبّر ما وقع في سبتة وكيف، كان الباحث والصحفي الأمريكي المرموق Howard W. French ينظر إلى الأزمة من الاتجاه المعاكس تقريبًا. لم يكن سؤاله الأساسي من فتح الحدود، ولا من سمح بمرور المهاجرين، وإنما أعاد فتح سؤال أقدم وأعمق: ماذا تفعل إسبانيا في سبتة أصلًا؟
من سؤال الفاعل إلى سؤال البنية
غير أن الوقوف عند الوظيفة السياسية لخطاب عبد الإله بنكيران لا يكفي لفهم ما كشفته أزمة سبتة. فحتى لو افترضنا أن السؤال الموجه إلى الملك كان مجرد مطالبة بريئة بكشف حقيقة ما جرى، فإن بنيته تظل محكومة بمنطق محدد: هناك حدث استثنائي وقع، وهناك فاعل دبّره، والمطلوب هو تحديد ذلك الفاعل ومعرفة كيفية تدبيره. وبهذا يصبح مركز التحليل هو الحدث ومن يقف وراءه.
وهذا سؤال مشروع في التحقيق السياسي والأمني. لكنه ليس السؤال الوحيد الممكن، وربما ليس السؤال الأعمق.
فهناك قبل أحداث 30 يوليو حقيقة أقدم بكثير لم يصنعها المغرب ولا المهاجرون الذين اندفعوا نحو الحدود: وجود مدينة على الساحل الإفريقي، محاطة بالأراضي المغربية، تخضع للسيادة الإسبانية، وتشكل في الوقت نفسه حدودًا خارجية للاتحاد الأوروبي. والأزمة لم تنشئ هذه البنية؛ بل وقعت داخلها.
ومن هنا تأتي أهمية مقال Howard W. French فيForeign Policy ، ففرنش، وهو كاتب أمريكي ينظر إلى القضية من خارج الاستقطاب المغربي الإسباني المباشر، لا يتوقف أساسًا عند السؤال عمن سمح للمهاجرين بالعبور أو من استفاد سياسيًا من الأزمة، وإنما يعيد التاريخ إلى قلب التحليل، ويضع استمرار الوضع القائم نفسه موضع التساؤل. وهذه النقلة هي التي تمنح مقاله قيمته بالنسبة إلى النقاش الذي أثاره بنكيران.
فبين السؤالين اختلاف في وحدة التحليل.
عندما نسأل: «من دبّر؟» نبحث عن فاعل.
وعندما نسأل: «لماذا توجد هذه الحدود بهذه الصورة أصلًا؟» نبحث في بنية.
وفي السؤال الأول تبدو سبتة مسرحًا وقع فوقه الحدث، بينما تصبح في الثاني جزءًا من تفسير الحدث نفسه.
وهذا الفارق ليس لغويًا. فإذا كانت المشكلة هي أن طرفًا ما دبّر موجة الهجرة، فإن الحل يبدأ بتحديد ذلك الطرف ومساءلته ومنع تكرار فعله. أما إذا كانت الأزمة تكشف أيضًا عن تناقض تاريخي وسياسي مستمر، فإن التحقيق في أحداث يوم واحد، مهما بلغت دقته، لن يجيب عن السؤال الذي سبق ذلك اليوم بقرون: كيف استمر هذا الوضع، وما الوظائف التي يؤديها اليوم، ولمن ينتج قيمة، وما الكلفة التي يرتبها على الأطراف المرتبطة به؟
السؤال الذي وجه إلى الطرف الخطأ
وهنا يمكن العودة إلى خطاب بنكيران من زاوية مختلفة. فالمفارقة ليست فقط أنه وجه سؤاله إلى الملك بدل الحكومة إذا كان يريد مساءلة التدبير المغربي؛ بل إن السؤال الأكبر الذي ولدته الأزمة كان يمكن توجيهه إلى إسبانيا نفسها.
فإذا كانت مدريد تعتبر سبتة جزءًا من أراضيها، فإن عليها ألا تكتفي بسؤال المغرب عن مراقبة حدوده ومنع المهاجرين من الوصول إليها، بل أن تجيب هي أيضًا عن الأساس التاريخي والسياسي الذي يجعل مدينة على الضفة الإفريقية من المتوسط جزءًا من الدولة الإسبانية، وعن الوظيفة التي يؤديها استمرار هذا الوضع في القرن الحادي والعشرين.
وهنا يصبح قلب السؤال ممكنًا:
بدل أن يكون السؤال الوحيد: ماذا فعل المغرب في سبتة؟
يصبح هناك سؤال سابق عليه: ماذا تفعل إسبانيا في سبتة؟
ولا يلغي الثاني الأول. فإذا ثبت تقصير مغربي أو تواطؤ أو تسهيل متعمد، فإن ذلك يظل موضوعًا مستقلًا للمساءلة. لكن إثباته، حتى لو حدث، لن يحسم سؤال السيادة، مثلما أن النزاع حول السيادة لا يبرر تعريض المدنيين أو المهاجرين للخطر. الفصل بين المستويين ضروري حتى لا يتحول التاريخ إلى تبرير للحدث، أو يتحول الحدث إلى وسيلة لإغلاق سؤال التاريخ.
وهنا تحديدًا تتضح أهمية زاوية فرنش. فهي لا تقدم للمغرب «براءة» من أحداث يوليو، ولا تمنحه حجة قانونية جاهزة بشأن السيادة، وإنما تفعل شيئًا أكثر إثارة للاهتمام معرفيًا: تعيد إظهار ما أخرجه خطاب الأزمة من مجال الرؤية.
لقد انشغل الجميع تقريبًا بالحشود والحدود والأجهزة الأمنية والمهاجرين والمهربين والحكومة المغربية والحكومة الإسبانية. أما فرنش فيعيد العنصر الذي أصبح، بسبب طول بقائه، يبدو وكأنه حقيقة طبيعية: سبتة نفسها.
وهذه مفارقة مألوفة في السياسة. فما يستمر زمنًا طويلًا قد يفقد في الوعي صفة «المشكلة» ويصبح إطارًا نفسر داخله المشكلات الأخرى. وعندئذ نسأل لماذا عبر الناس الحدود، ولا نسأل كيف تشكلت الحدود؛ ونسأل من فشل في حمايتها، ولا نسأل لماذا توجد في هذا الموضع؛ ونسأل من هدد السيادة، من دون إعادة فحص المسار التاريخي الذي أنتج تعريف السيادة نفسه.
حين يصبح التاريخ عنصرًا في الحاضر
ولا تعني العودة إلى التاريخ أن الحاضر يمكن اختزاله فيه. فكون وضع سياسي معين ذا أصل تاريخي قديم لا يخبرنا وحده بما ينبغي أن يكون عليه اليوم. لكن التاريخ يمنعنا، في المقابل، من التعامل مع الوضع القائم كما لو أنه بلا تاريخ.
وهذه نقطة مركزية في حالة سبتة. فمجرد استمرار السيادة الإسبانية زمنًا طويلًا لا يجعل السؤال عن أصلها بلا معنى، مثلما أن مجرد وجود مطالبة مغربية لا يحسم النزاع تلقائيًا لمصلحة المغرب. ما يفعله التحليل التاريخي هو كشف المسار الذي أنتج الوضع القائم، ثم يترك للتحليل السياسي والقانوني والاستراتيجي مهمة فهم أسباب استمراره وإمكانات تغيره.
ومن هنا يمكن أن نقرأ مقال Foreign Policy باعتباره دعوة إلى الانتقال من زمن الحدث إلى زمن البنية.
زمن الحدث يبدأ في 30 يوليو 2026.
أما زمن البنية فيمتد قرونًا.
والخلط بينهما يجعل الأزمة تبدو وكأنها بدأت عندما تحرك المهاجرون نحو السياج، بينما يكشف توسيع الإطار الزمني أن السياج نفسه نتيجة لمسار تاريخي طويل، وأن وظيفته المعاصرة لا يمكن فهمها خارج العلاقة بين المغرب وإسبانيا وأوروبا والبحر المتوسط وإفريقيا.
وهنا نقترب من النقطة التي تهمنا أكثر في هذا المقال: الأحداث لا تغير دائمًا البنى، لكنها قد تكشفها.
لقد فعلت أزمة سبتة ذلك بصورة لافتة. فقد كشفت أن المدينة ليست مجرد مساحة محتلة ساكنة على الساحل الإفريقي، بل عقدة استعمارية تتقاطع عندها علاقات السيادة والهجرة والأمن والاتحاد الأوروبي والعلاقة المغربية الإسبانية والذاكرة التاريخية والموقع الجغرافي. وعندما اهتزت إحدى هذه العلاقات، ظهرت بقية العلاقات التي كان الاستقرار يخفيها.
ومن ثم، قد يكون السؤال الذي ينبغي توجيهه إلى بنكيران نفسه ليس: لماذا سألت الملك؟
وإنما:
لماذا انتهى خطابك عند البحث عمن دبّر الأزمة، ولم ينتقل من الحدث إلى البنية التي أنتجت شروط الأزمة؟
فالتحقيق الذي طالب به يمكن أن يخبرنا، إذا أجري من قبل الجهة المعنية التي هي الحكومة أو البرلمان، بما وقع في يوم محدد. أما السؤال الذي يثيره فرنش فيتعلق بما جعل سبتة قادرة على إنتاج أزمات من هذا النوع أصلًا.
وهنا تبدأ المرحلة التالية من التحليل، والأكثر أهمية: إذا كانت الجغرافيا لم تتغير، وسبتة ما تزال في المكان نفسه، فما الذي تغير في العلاقات المحيطة بها حتى عاد سؤالها إلى الواجهة بهذه القوة؟
وهنا يبدأ مستوى آخر من التحليل، يستند إلى النظرية العلائقية التي نعمل على تطويرها ضمن مشروع كتاب سيصدر قريبًا بعنوان «النظرية العلائقية في تحليل السياسات الدولية». وتنطلق هذه المقاربة من أن قيمة العناصر السياسية والاستراتيجية لا تُفهم من خصائصها المنفردة فحسب، وإنما كذلك من موقعها داخل شبكة العلاقات التي تنتظم بينها. ومن ثم، فإن ثبات المكان لا يعني ثبات القيمة، كما أن ثبات الحدود قانونيًا لا يعني ثبات الوظيفة الاستراتيجية التي تؤديها داخل شبكة العلاقات المتغيرة.
وإذا طبقنا هذه القاعدة على سبتة، ظهرت أمامنا مفارقة تستحق التحليل. فالمدينة لم تغير موقعها الجغرافي، والمغرب وإسبانيا لم يغيرا موقعيهما على ضفتي مضيق جبل طارق، كما لم يطرأ تحول جوهري على الوضع القانوني الذي تمارس إسبانيا في ظله سيادتها الفعلية على المدينة. الذي تغير هو شبكة العلاقات المحيطة بهذا المكان.
سبتة في التحليل العلائقي...
حين يتغير معنى المكان دون أن يتغير المكان
إذا كان الموقع الجغرافي لسبتة قد ظل ثابتًا، فإن البيئة التي تمنحه معناه الاستراتيجي لم تبق كذلك. وهذه نقطة مركزية في نظرية التحليل العلائقي؛ لأن الجغرافيا لا تنتج قيمة واحدة مستقلة عن الزمن والعلاقات، بل تتيح إمكانات تتغير قيمتها بحسب النسق الذي تعمل داخله. فالموقع نفسه قد يؤدي وظيفة عسكرية في مرحلة، وتجارية في أخرى، وأمنية أو حدودية في ثالثة، وقد يجمع عدة وظائف في الوقت نفسه عندما تتكثف العلاقات المحيطة به.
ومن هذه الزاوية، لا تكمن أهمية سبتة المعاصرة في كونها تقع عند مدخل البحر المتوسط فحسب؛ فهذا معطى قديم لم يتغير. الجديد هو أن هذا الموقع أصبح يعمل داخل شبكة تختلف جذريًا عن الشبكة التي أحاطت به في مراحل تاريخية سابقة. فإسبانيا أصبحت عضوًا في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وتحولت حدود سبتة إلى إحدى نقاط التماس بين المجال الأوروبي والقارة الإفريقية، بينما تغير المغرب نفسه من حيث بنيته الاقتصادية وشبكة شراكاته الدولية وقدراته اللوجستية والأمنية.
وهذا يعني أن العنصر الجغرافي الثابت أصبح محاطًا بعلاقات متغيرة، وأن هذه العلاقات تعيد تعريف الوظائف الممكنة للمكان.
فسبتة ليست اليوم مجرد موقع عسكري إسباني على الساحل الإفريقي. إنها في الوقت نفسه حدود أوروبية، ونقطة عبور للهجرة، ومساحة للتعاون والتوتر المغربي الإسباني، وعقدة قريبة من أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ورمزًا لقضية سيادية في الوعي المغربي، وعنصرًا من عناصر الهوية الوطنية والسياسية في الوعي الإسباني. ولا توجد واحدة من هذه الوظائف في الجغرافيا نفسها؛ إنها تنتج من العلاقات التي دخل فيها المكان.
وهنا تظهر إحدى الفوائد المباشرة للنظرية العلائقية. فلو درسنا سبتة باعتبارها عنصرًا منفردًا، لأمكن وصف موقعها ومساحتها وسكانها وتاريخها ووضعها السياسي والعسكري. لكن هذا الوصف، مهما كان دقيقًا، لن يخبرنا وحده لماذا تعود المدينة فجأة إلى مركز الاهتمام الدولي في لحظة معينة ثم تتراجع في لحظة أخرى.
الجواب يبدأ بالظهور عندما نعيد وضع العنصر داخل الصورة الكلية.
المغرب نفسه تغير... فتغيرت العلاقة بالمكان
وتبرز هنا مسألة ربما تكون أكثر أهمية من تغير سبتة نفسها: المغرب الذي يحيط بسبتة اليوم ليس المغرب الذي أحاط بها قبل عقود.
ولا يتعلق الأمر بحكم قيمي حول كون المغرب أصبح «قويًا» أو «ضعيفًا»، وإنما بتحول موقعه داخل شبكة العلاقات الدولية والإقليمية. فالقيمة العلائقية لا ترتفع لمجرد زيادة موارد الفاعل، بل عندما تسمح العلاقات الجديدة بتحويل هذه الموارد إلى وظائف يحتاج إليها الآخرون.
لقد تغيرت خلال العقود الأخيرة بنية الاقتصاد المغربي، واتسعت البنية التحتية للموانئ والطرق والصناعة، ونمت العلاقات التجارية والاستثمارية مع أوروبا وإفريقيا وشركاء دوليين آخرين. كما أصبح التعاون المغربي في ملفات الهجرة ومكافحة الإرهاب والأمن البحري والجريمة المنظمة ذا أهمية مباشرة لإسبانيا وللاتحاد الأوروبي.
وفي المجال البحري تحديدًا، يمثل صعود طنجة المتوسط تحولًا بالغ الدلالة. فالمضيق لم يتغير، والساحلان المغربي والإسباني بقيا في مكانيهما، لكن ظهور عُقدة مينائية ولوجستية بهذا الحجم على الضفة المغربية غيّر العلاقة الاقتصادية بالمجال الجغرافي نفسه. ولم يعد الساحل الجنوبي للمضيق مجرد مقابل جغرافي للساحل الإسباني، بل أصبح جزءًا فاعلًا من شبكات التجارة والصناعة والنقل العالمية.
ومع الناظور غرب المتوسط وتطور المشاريع الأطلسية، ومنها الداخلة الأطلسي، يتجاوز الأمر استثمار نقطة جغرافية منفردة إلى محاولة بناء شبكة أوسع من الوظائف الاستراتيجية البحرية واللوجستية. وهنا تتغير الصورة الكلية التي ينبغي أن توضع سبتة داخلها.
ومن ثم، فإن السؤال لا يعود:
أين تقع سبتة؟
بل:
ما موقع سبتة الوظيفي داخل شبكة بحرية واقتصادية وأمنية تغيرت العُقد المحيطة بها؟
وهذا اختلاف جوهري.
من قيمة سبتة إلى قيمة العلاقة مع سبتة
ويتيح هذا الانتقال الوصول إلى مستوى أكثر دقة في التحليل. فالنظرية العلائقية لا تسأل فقط عن «قيمة سبتة»، لأن هذه العبارة قد توحي بأن القيمة خاصية كامنة في المدينة نفسها. الأدق أن نسأل عن القيمة التي تنتجها العلاقات المختلفة التي تدخل فيها سبتة.
فسبتة قد تنتج لإسبانيا قيمة أمنية أو عسكرية أو سياسية أو رمزية. وقد تنتج للاتحاد الأوروبي وظيفة حدودية. وتمثل للمغرب قضية سيادية وتاريخية، وفي الوقت نفسه نقطة في علاقة مركبة مع إسبانيا تشمل التجارة والهجرة والأمن والاستثمار والطاقة والنقل. أما بالنسبة إلى فاعلين دوليين آخرين، فقد تكون قيمتها مرتبطة أساسًا بموقعها ضمن البيئة الاستراتيجية لمضيق جبل طارق.
وبذلك لا توجد بالضرورة قيمة واحدة لسبتة.
بل توجد قيم تتولد من علاقات وظيفية مختلفة، وقد تتغير أوزانها مع الزمن.
وهذه النتيجة تسمح لنا أيضًا بتجاوز التصور الثنائي البسيط الذي يجعل المسألة مواجهة بين المغرب وإسبانيا فقط. فالعلاقة المغربية الإسبانية نفسها واقعة داخل شبكة أوسع تضم الاتحاد الأوروبي وفرنسا والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي والخليج العربي والصين وإسرائيل، إلى جانب علاقات اقتصادية وأمنية واستثمارية تربط الطرفين بفاعلين آخرين.
وهنا تظهر العلاقات بين العلاقات.
فتغير علاقة المغرب بفرنسا، مثلًا، قد يؤثر في هامش الحركة المتاح له داخل علاقته بإسبانيا، حتى إذا لم تكن باريس طرفًا مباشرًا في قضية سبتة. وتعميق علاقاته بالولايات المتحدة قد يغير بعض عناصر البيئة الاستراتيجية، دون أن يعني أن واشنطن ستتبنى الموقف المغربي من المدينة. والأمر نفسه ينطبق بدرجات ووظائف مختلفة على علاقاته بإسرائيل والصين ودول الخليج وإفريقيا.
وبالمقابل، لا تعمل إسبانيا منفردة. فقيمتها في مواجهة المغرب لا تستمد من قدراتها الوطنية فقط، بل أيضًا من عضويتها الأوروبية والأطلسية ومن شبكة علاقاتها الدولية.
ولهذا فإن مقارنة القوة المغربية بالقوة الإسبانية وحدها قد تكون مضللة. العلاقة لا تجمع دولتين مجردتين من شبكاتهما العلائقية؛ بل تجمع فاعلين يدخل كل منهما إليها محمّلًا بعلاقات أخرى تؤثر في قدرته على الفعل وفي كلفة خياراته.
أزمة الهجرة بوصفها اختبارًا للوظيفة
ومن هنا يمكن إعادة قراءة أحداث سبتة الأخيرة بصورة مختلفة.
فبعيدًا عن الجدل حول من دبّر موجة العبور ومن سمح بها ومن أخفق في منعها، كشفت الأزمة عن وظيفة مغربية كانت موجودة قبل الأزمة، لكن الحدث جعل قيمتها أكثر وضوحًا: ضبط جزء من الحدود الجنوبية لأوروبا لا يعتمد على القدرات الإسبانية والأوروبية وحدها، وإنما يرتبط أيضًا بدرجة التعاون المغربي.
وهذه ملاحظة تختلف جذريًا عن القول إن المغرب «يستخدم الهجرة سلاحًا». فالأولى تحليل لبنية الاعتماد؛ أما الثانية فهي اتهام بسلوك محدد يحتاج إلى إثبات.
والدليل التحليلي الأهم ليس ما حدث عندما عبر المهاجرون فقط، وإنما ما ظهر عندما تمكنت السلطات المغربية لاحقًا من منع محاولات واسعة أخرى. فالمقارنة بين الحالتين تكشف قيمة الوظيفة بصورة أوضح: قدرة الطرف الأوروبي على ضبط الحدود لا تتحدد فقط بما ينشره من قوات داخل سبتة، بل كذلك بما يحدث قبل وصول المهاجر إلى السياج.
ومن هنا تتولد علاقة اعتماد غير متكافئة ولكنها متبادلة.
يحتاج المغرب إلى السوق الأوروبية والاستثمار والتجارة والتعاون مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي، بينما تحتاج إسبانيا وأوروبا إلى المغرب في وظائف أمنية وهجرية وتجارية ولوجستية متعددة. ولا يعني عدم التكافؤ في حجم الاقتصاد أو القوة أن الطرف الأقل قدرة في المؤشرات التقليدية يفتقر إلى أدوات تأثير؛ لأن بعض الوظائف لا تقاس بحجم القوة الإجمالي، بل بمدى حاجة الطرف الآخر إليها وصعوبة استبدالها.
وهنا يصبح سؤال البديل حاسمًا:
إذا تراجع التعاون المغربي في وظيفة معينة، ما الكلفة التي تتحملها إسبانيا للحصول على الوظيفة نفسها من مصدر آخر أو إنتاجها بوسائلها الخاصة؟
كلما ارتفعت كلفة البديل، ارتفعت القيمة العلائقية للوظيفة.
وهذه القاعدة تساعد على تفسير مفارقة قد تبدو عصية على التحليل التقليدي: قد تكون إسبانيا أقوى من المغرب وفق عدد من المؤشرات الاقتصادية والعسكرية والمؤسسية، ومع ذلك يمتلك المغرب في علاقة محددة وظيفة يصعب على الطرف الأقوى استبدالها بسرعة أو بكلفة منخفضة.
حين تتحول السيادة من امتلاك المكان إلى إدارة شبكة العلاقات
وهنا نصل إلى نتيجة تتصل مباشرة بسؤال Howard W. French
قد يكون السؤال التاريخي:
لماذا تحتفظ إسبانيا بسبتة؟
لكن التحليل العلائقي طبقا للنظرية الجديدة التي نشتغل عليها يضيف إليه سؤالًا معاصرًا:
ما الذي تستطيع إسبانيا فعله بامتلاك سبتة إذا كانت بعض الوظائف الضرورية لاستقرارها تعتمد على علاقات تقع خارج حدود المدينة نفسها؟
فالسيادة القانونية تمنح الدولة سلطات واسعة على الإقليم، لكنها لا تمنحها تلقائيًا السيطرة على جميع العلاقات التي تحدد قيمة ذلك الإقليم وأمنه ووظيفته.
يمكن لإسبانيا أن تسيطر على الميناء والسياج والأجهزة والمؤسسات داخل سبتة، لكنها لا تستطيع بقرار سيادي إلغاء الجغرافيا المحيطة بها، ولا إدارة التدفقات البشرية والاقتصادية والأمنية خارج حدودها دون علاقات مع المغرب، كما لا يستطيع المغرب بدوره تجاهل شبكة العلاقات الأوروبية والأطلسية التي توجد إسبانيا داخلها.
وهنا تكمن المفارقة:
السيادة قد تكون قانونية وثابتة، بينما القدرة على إنتاج الوظيفة تظل علائقية ومتغيرة.
وهذا ربما هو ما تكشفه أزمة سبتة بصورة أعمق من سؤال "من دبّر ماذا وكيف؟"
فالحدث الذي بدا في البداية أزمة حدودية أعاد إظهار شبكة كاملة من الاعتماد والحاجة والوظائف والبدائل. وعندما ظهرت هذه الشبكة، تغير السؤال مرة أخرى.
لم يعد فقط:
من يملك سبتة؟
ولا:
من دبّر أزمة سبتة؟
بل أصبح:
من يحتاج إلى من لكي تستمر سبتة في أداء وظائفها، وما الذي يحدث لقيمة السيطرة على المكان عندما تتغير شبكة العلاقات التي تمنحه وظيفته؟
وهنا تحديدًا يبدأ التحليل في تجاوز أزمة يوليو نفسها؛ لأننا نكون قد انتقلنا من واقعة عابرة إلى قانون محتمل: قد تبقى الجغرافيا ثابتة، وتبقى السيادة القانونية ثابتة، بينما تتغير القيمة الاستراتيجية للمكان لأن العلاقات التي تنتج تلك القيمة قد تغيرت.
وهذا يقودنا إلى السؤال الأكثر حساسية في البحث: هل تغير ميزان القيمة حول سبتة إلى درجة أصبح معها الوضع القائم ينتج لإسبانيا كلفة مختلفة عن تلك التي كان ينتجها في الماضي؟
هل تغيرت كلفة الاحتفاظ بسبتة؟
يقتضي طرح هذا السؤال قدرًا من الحذر. فليس المقصود افتراض أن سبتة فقدت قيمتها بالنسبة إلى إسبانيا، ولا أن مدريد أصبحت مستعدة للتخلي عنها، كما لا يمكن اختزال علاقتها بالمدينة في حساب اقتصادي أو عسكري مجرد. فسبتة بالنسبة إلى الدولة الإسبانية جزء من إقليمها الوطني بحكم الواقع القائم، وترتبط كذلك بالهوية المسيحية والتاريخ الاستعماري والسياسة الداخلية، وهي اعتبارات تمنح الاحتفاظ بها قيمة تتجاوز الحساب المادي المباشر.
لكن النظرية العلائقية تسمح بطرح سؤال مختلف: هل بقيت العلاقة بين قيمة الاحتفاظ بالمكان وكلفة الاحتفاظ به ثابتة؟
وهنا ينبغي التمييز بين القيمة المطلقة والقيمة العلائقية. فقد تحتفظ سبتة بأهميتها العسكرية أو الأمنية أو الرمزية بالنسبة إلى إسبانيا، بينما تتغير في الوقت نفسه الكلفة اللازمة لإدامة الوظائف المرتبطة بها. وإذا أصبحت إدارة الحدود، وضبط الهجرة، والمحافظة على النشاط الاقتصادي، وتأمين المجال المحيط بالمدينة، أكثر اعتمادًا على التعاون مع المغرب، فإن السيادة القانونية الإسبانية تبقى ثابتة، لكن شروط ممارستها الفعالة تصبح أكثر علائقية.
وهذا تحول مهم.
فالقوة التقليدية تسمح للدولة بالسيطرة على الإقليم، لكنها لا تضمن لها السيطرة على البيئة التي تحيط به. وكلما ازدادت الوظائف التي تحتاج في إنتاجها إلى أطراف خارجية، أصبحت قيمة الإقليم مرتبطة بدرجة أكبر بنوعية العلاقات التي تسمح لهذه الوظائف بالاستمرار.
ومن هنا يمكن فهم إحدى مفارقات أزمة سبتة: قد تكون إسبانيا صاحبة السيادة الفعلية على المدينة، لكن المغرب يستطيع، من خلال التعاون لا من خلال السيادة، التأثير في بعض الشروط التي تجعل إدارة المدينة ممكنة بكلفة معينة.
وهذا لا ينقل السيادة إلى المغرب، لكنه يغير اقتصاد القوة المحيط بها.
القوة التي لا تظهر في ميزان القوى
تكشف هذه النتيجة كذلك عن محدودية النظر إلى الأزمة من خلال مقارنة القدرات المغربية والإسبانية وحدها.
فإذا قورنت الدولتان وفق الناتج الداخلي، أو مستوى الدخل، أو العضوية في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، أو بعض مؤشرات القوة العسكرية، ستظهر لإسبانيا مزايا واضحة. وهذه عناصر حقيقية لا يجوز للتحليل العلائقي إلغاؤها أو التقليل منها.
لكن السؤال يتغير عندما ننتقل من:
من الأقوى؟
إلى:
من يحتاج إلى ماذا من الآخر؟
فهنا لا تصبح القوة مجموع ما يمتلكه الفاعل فقط، وإنما تشمل أيضًا قدرته على إنتاج وظائف يحتاج إليها غيره، ومدى توافر البدائل لهذه الوظائف، والكلفة التي يتحملها الطرف الآخر إذا تعطلت.
وهذا يسمح بفهم كيف يستطيع فاعل أقل قوة إجمالية أن يمتلك قدرة تأثير مرتفعة داخل علاقة محددة.
والهجرة مثال واضح على ذلك. فالمغرب لا يحتاج إلى أن يكون أقوى من إسبانيا عسكريًا أو اقتصاديًا لكي تصبح مراقبته لمسارات الهجرة ذات قيمة لإسبانيا. يكفي أن يؤدي وظيفة يصعب على مدريد إنتاجها منفردة بالكفاءة والكلفة نفسيهما.
والأمر لا يقتصر على الهجرة. فالتعاون الأمني، ومكافحة الإرهاب، والجريمة المنظمة، والتجارة، والنقل، وسلاسل الإنتاج، والروابط بين أوروبا وإفريقيا، كلها تجعل العلاقة أكثر تركيبًا من معادلة قوة ثنائية.
وهنا تظهر قاعدة أخرى:
عدم التكافؤ في القوة لا يعني عدم وجود اعتماد متبادل، كما أن الاعتماد المتبادل لا يعني تساوي الطرفين في القوة.
وهذه نقطة ضرورية حتى لا يتحول التحليل العلائقي إلى خطاب مضاد للواقعية يستخف بالقوة المادية. فالقوة تبقى عنصرًا أساسيًا، لكن أثرها يتحدد أيضًا بالعلاقات التي تعمل داخلها.
لماذا يصعب تحويل القوة الإسبانية إلى إكراه كامل؟
ومن هذه الزاوية يمكن فهم حدود الخطابات التي تهدد بخنق الاقتصاد المغربي أو إغلاق طريقه إلى أوروبا.
فمن حيث المبدأ، تمتلك إسبانيا أدوات ضغط مهمة. وهي عضو في الاتحاد الأوروبي، وتمثل شريكًا اقتصاديًا وتجاريًا أساسيًا للمغرب، وتشكل جغرافيًا إحدى أهم بواباته البرية والبحرية نحو السوق الأوروبية. ولا ينبغي التقليل من الأضرار التي قد تنتج عن تدهور حاد ومستمر في العلاقة بين البلدين.
لكن امتلاك أداة الضغط شيء، والقدرة على استخدامها بأقصى طاقتها شيء آخر.
فإسبانيا لا تملك الاتحاد الأوروبي، بل تعمل داخله. والعلاقات التجارية للمغرب مع السوق الأوروبية تحكمها أطر ومؤسسات واتفاقات تتجاوز القرار الإسباني المنفرد. كما أن مصالح بقية الدول الأوروبية لا تتطابق بالضرورة مع المصالح الإسبانية في كل أزمة ثنائية.
والأهم أن العلاقة الاقتصادية نفسها ذات اتجاهين. فالشركات الإسبانية تصدر وتستثمر وتنتج وتتعامل مع السوق المغربية، والموانئ وشبكات النقل الإسبانية تستفيد من التدفقات المرتبطة بالمغرب، كما أن اضطراب العلاقة يمكن أن يرتب كلفة على قطاعات ومناطق إسبانية بعينها.
ومن ثم، لا يكفي أن نسأل:
ما الضرر الذي تستطيع إسبانيا إلحاقه بالمغرب؟
بل يجب أن نضيف:
ما الكلفة التي تتحملها إسبانيا لكي تلحق ذلك الضرر؟
ثم:
ما البدائل التي يستطيع المغرب تعبئتها لتقليل أثره؟
وهنا نصل إلى مفهوم مهم في التحليل العلائقي يمكن تسميته "صافي القدرة على الإكراه". فالقدرة الفعلية على الضغط لا تساوي حجم الضرر الممكن إلحاقه بالطرف الآخر، وإنما تتأثر أيضًا بكلفة استخدام الأداة على صاحبها، وقدرة الطرف المستهدف على الاستبدال، وتدخل العلاقات الأخرى التي قد تحد من استمرار الضغط.
وبصيغة مبسطة:
كلما ارتفعت كلفة الإكراه على مستخدمه، واتسعت بدائل الطرف المستهدف، انخفضت القدرة الصافية على تحويل التفوق إلى نتيجة سياسية.
وهذا لا يعني أن المغرب يستطيع الاستغناء بسهولة عن إسبانيا، كما لا يعني أن إسبانيا عاجزة عن إلحاق ضرر اقتصادي به. وإنما يعني أن الحديث عن «خنق» اقتصاد مترابط مع شبكات أوروبية وإفريقية وأطلسية أوسع يحتاج إلى تحليل أكثر تعقيدًا من مجرد الإشارة إلى حجم التجارة الثنائية.
العلاقات الأخرى تغير معنى العلاقة مع إسبانيا
وهنا تظهر إحدى أكثر فرضيات النظرية العلائقية أهمية: العلاقة لا تتحدد فقط بما يحدث داخلها، وإنما قد تتغير بفعل علاقات أخرى تقع خارجها.
فإذا توسعت خيارات المغرب الاستثمارية والتجارية واللوجستية مع فرنسا أو الولايات المتحدة أو الصين أو دول الخليج أو شركائه الأفارقة والأسيويين، فإن ذلك لا يجعل هذه الأطراف بدائل كاملة لإسبانيا. لكنه قد يخفض درجة الاعتماد على بعض الوظائف التي كانت العلاقة الإسبانية توفرها بدرجة أكبر في السابق.
وهذا فرق جوهري.
فالبديل في العلاقات الدولية نادرًا ما يكون نسخة مطابقة من العلاقة الأصلية. قد تحل فرنسا محل جزء من وظيفة استثمارية، وتوفر الصين جزءًا من وظيفة صناعية، وتؤدي الولايات المتحدة وظيفة أمنية أو سياسية مختلفة، بينما توفر العلاقات الخليجية والإفريقية والأسيوية مجالًا اقتصاديًا واستراتيجيًا آخر.
وعندما تجتمع هذه البدائل الجزئية، قد تنتج قدرة شبكية على الاستبدال أكبر من قدرة أي علاقة منفردة.
وفي المقابل، تعمل إسبانيا هي الأخرى داخل شبكة واسعة. فهي ليست فاعلًا معزولًا، بل عضو في الاتحاد الأوروبي والناتو وشريك للولايات المتحدة وفرنسا وقوى اقتصادية أخرى. ولذلك فإن قوتها تجاه المغرب تتعزز ببعض هذه العلاقات، بينما تقيدها علاقات أخرى عندما تتعارض مصالح شركائها مع التصعيد.
والأكثر أهمية أن الشبكتين ليستا منفصلتين.
فالولايات المتحدة حليف لإسبانيا وشريك استراتيجي للمغرب. وفرنسا شريك أوروبي وأطلسي لإسبانيا، وفي الوقت نفسه شريك استراتيجي للمغرب. والصين ترتبط بمصالح صناعية وتجارية مع البلدين، بينما للاتحاد الأوروبي نفسه مصلحة في استقرار التعاون مع المغرب في ملفات تتجاوز النزاع الثنائي.
وحتى إسرائيل، رغم خصوصية موقعها السياسي، تدخل في جانب من الشبكة الأمنية والعسكرية والتكنولوجية المغربية، بينما ترتبط في الوقت نفسه بعلاقات مع الولايات المتحدة والقوى الأوروبية. ولذلك لا يمكن افتراض أن هذه العقد ستصطف آليًا مع طرف ضد الآخر عند كل أزمة.
وهنا تظهر العقد المشتركة: فاعلون ترتبط بهم شبكتا الطرفين في الوقت نفسه.
ووجود هذه العقد يضع قيودًا على تحويل الشبكة كاملة إلى أداة مواجهة، لأن بعض الفاعلين الذين يمنحون أحد الطرفين قوة هم أنفسهم مرتبطون بمصالح مع الطرف الآخر.
سبتة من الثنائية إلى الشبكة
وعندما نعيد سبتة إلى هذه الصورة، تتغير طبيعة المسألة.
لم تعد لدينا فقط علاقة: المغرب — إسبانيا.
بل شبكة تشمل: المغرب — إسبانيا — الاتحاد الأوروبي — الولايات المتحدة — فرنسا — إفريقيا — آسيا — شبكات التجارة — الهجرة — الأمن — الموانئ — مضيق جبل طارق.
وكل تغير مهم في إحدى هذه العلاقات يمكن أن يعيد توزيع القيمة في العلاقات الأخرى.
وهذا يفسر لماذا يمكن لمدينة لم يتغير موقعها منذ قرون أن تستعيد فجأة أهمية سياسية واستراتيجية مختلفة. الذي تحرك ليس المكان، بل الشبكة المحيطة به.
ومن هنا يمكن إعادة قراءة أزمة يوليو باعتبارها حدثًا كاشفًا أكثر منها حدثًا منشئًا. فهي لم تخلق اعتماد إسبانيا على التعاون المغربي في الهجرة، ولم تنشئ الأهمية الاستراتيجية للمضيق، ولم تخلق النزاع التاريخي على سبتة، ولم تنشئ شبكات المغرب الدولية الجديدة. لكنها جعلت هذه العناصر والعلاقات تظهر في اللحظة نفسها.
وهنا تكمن قيمة الحدث بالنسبة إلى التحليل.
فالحدث العابر قد يؤدي أحيانًا وظيفة معرفية أكبر من أثره المباشر، لأنه يكشف بنية كانت موجودة ولكنها موزعة بين ملفات منفصلة. وما فعله 30 يوليو هو أنه جمع، في لحظة واحدة، الهجرة والسيادة والأمن والجغرافيا والعلاقات المغربية الإسبانية والاتحاد الأوروبي والتاريخ الاستعماري في صورة واحدة.
وهذه هي النقطة التي يعيد عندها التحليل العلائقي فهم العنصر من خلال الصورة الكلية.
سبتة قبل التحليل مدينة متنازعًا عليها بين دولتين.
أما بعد إعادة بناء الشبكة، فتظهر باعتبارها عقدة تتقاطع عندها وظائف وقيم وعلاقات متعددة، لا يمكن تفسير مستقبلها من خلال السيادة أو الجغرافيا أو القوة منفردة.
السؤال الذي ينبغي أن يعود إلى مدريد
وهنا يمكن أخيرًا العودة إلى بنكيران.
فإذا كان السؤال الذي وجهه إلى الملك هو:
من دبّر ما وقع في سبتة وكيف؟
فإن التحليل الذي بدأناه يقود إلى سؤال آخر ينبغي أن يوجه إلى مدريد:
ماذا تفعل إسبانيا في سبتة، وما الوظيفة التي يؤديها استمرار وجودها فيها اليوم؟
لكن السؤال نفسه يحتاج إلى تطوير.
فليس المطلوب فقط إعادة فتح ملف تاريخي، ولا مطالبة إسبانيا بتبرير واقعة تعود إلى قرون، وإنما مساءلة الحاضر: ما القيمة الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية والأمنية التي تنتجها السيطرة على سبتة لإسبانيا اليوم؟ وما كلفتها؟ وكيف تغيرت هذه المعادلة مع تغير المغرب والاتحاد الأوروبي والبحر المتوسط وشبكات التجارة والهجرة والأمن؟
وعندئذ يصبح Howard W. French مهمًا ليس لأنه قدم الجواب النهائي وفق النظرية الجديدة التي نشتغل عليها، بل لأنه صحح اتجاه النظر.
فبينما انشغل الخطاب السياسي المغربي بسؤال من سمح ومن دبّر ومن كان يعلم، أعاد كاتب أمريكي من خارج المنطقة سؤالًا كان الاعتياد السياسي قد دفع إلى الخلفية: لماذا أصبح استمرار وضع استثنائي تاريخيًا أمرًا لا يحتاج إلى تفسير، بينما يحتاج كل اضطراب ينتج حوله إلى تفسير؟
وهذه المفارقة هي التي تمنح سؤال بنكيران دلالة لم يكن يقصدها بالضرورة.
فقد أراد أن يعرف من يقف وراء الأزمة، لكن سؤاله قاد، من حيث لا يريد ربما، إلى سؤال أكبر:
هل المشكلة الحقيقية فيمن حرّك الناس نحو الحدود، أم أن الأزمة كشفت أيضًا مشكلة الحدود نفسها والبنية التاريخية والسياسية التي أنتجتها؟
ولا يلغي أحد السؤالين الآخر. التحقيق في الحدث من قبل الجهات الحكومية المغربية ضروري، ومساءلة البنية ضرورية كذلك. لكن الخطأ يبدأ عندما يسمح السؤال الأول بإخفاء الثاني ويوجه لرمز السيادة المتمثلة في ملك البلاد، الأمر الذي يعتبر طوالا على المقام وقلة أدب.
وهنا يمكن أن نختم الدائرة التي بدأناها:
بنكيران سأل الملك عن الفاعل.
وفرنش سأل عن التاريخ والبنية.
أما التحليل العلائقي الذي قمنا بجزء منه هنا، فيسأل عن الشبكة التي تعطي لهذه البنية قيمتها ووظيفتها في الحاضر.
ومن اجتماع المستويات الثلاثة قد نصل إلى فهم أعمق لأزمة سبتة مما تسمح به محاولة العثور على «مدبّر» واحد لها.
ويبقى السؤال الأخير، وربما الأهم سياسيًا:
إذا كانت العلاقات التي كانت تسمح باستمرار الوضع القائم قد بدأت تتغير، فهل يمكن أن يأتي وقت تصبح فيه إعادة التفاوض حول وضع سبتة أقل كلفة على إسبانيا من الاستمرار في إدارة تناقضاتها؟
هذا السؤال لا يعني أن ذلك الوقت قد حان، ولا أن انتقال السيادة أصبح وشيكًا. لكنه يحول القضية من شعار سيادي ثابت إلى فرضية سياسية قابلة للتحليل.
متى يصبح استمرار الوضع القائم أكثر كلفة من تغييره؟
يقودنا السؤال الأخير إلى أكثر مستويات التحليل حساسية؛ لأنه ينقل النقاش من تفسير أزمة سبتة إلى التفكير في الشروط التي تجعل أوضاعًا إقليمية استمرت قرونًا قابلة، في لحظة تاريخية معينة، لإعادة التفاوض. وليس المقصود التنبؤ بقرب انتقال السيادة على سبتة، ولا افتراض أن التاريخ يسير في اتجاه حتمي، وإنما البحث في اللحظة التي تتغير فيها حسابات القيمة والكلفة والبدائل بما يجعل ما كان غير قابل للتفاوض قابلًا له.
وهنا يمكن أن تكون هونغ كونغ وماكاو مفيدتين، ولكن بشرط ألا تتحولا إلى قياس تاريخي مباشر. فلكل حالة تاريخها ونظامها القانوني وعلاقات القوة التي أحاطت بها. بريطانيا لم تكن إسبانيا، والصين ليست المغرب، وهونغ كونغ وماكاو ليستا سبتة. لذلك لا نستدل بعودتهما إلى الصين على أن النتيجة نفسها ستقع حتمًا في سبتة.
لكن ما تسمح به المقارنة هو طرح سؤال مختلف: كيف يتحول وضع إقليمي استمر أجيالًا، وبدا خلال مراحل معينة جزءًا ثابتًا من النظام الدولي، إلى موضوع تفاوض سياسي؟
الإجابة لا توجد في التاريخ وحده.
فالحقوق والمطالبات التاريخية قد تبقى عقودًا أو قرونًا دون أن تغير الوضع القائم. والجغرافيا بدورها قد تبقى ثابتة. وما يتغير عادة هو النسق الذي تعمل داخله هذه العناصر: موازين القوة، وحاجات الأطراف، والبدائل، والشرعية السياسية، والقيمة الاقتصادية، والبيئة الدولية، والكلفة المتوقعة من استمرار الوضع مقارنة بكلفة تغييره.
وهذا هو تحديدًا المستوى الذي يهم النظرية العلائقية.
من السيادة بوصفها حقيقة إلى السيادة بوصفها علاقة
تميل الخرائط السياسية إلى إعطاء انطباع بالثبات. اللون الذي يغطي الإقليم يوحي بأن السيادة خاصية مستقرة يمتلكها طرف، وأن السؤال ينتهي بمجرد معرفة من يمارس السلطة القانونية والفعلية فوق الأرض.
لكن الواقع السياسي أكثر تركيبًا.
فالسيادة تحتاج، لكي تستمر، إلى شبكة من العلاقات تسمح بممارستها: قدرة أمنية، وشرعية داخلية، واعتراف خارجي، ووظائف اقتصادية، وعلاقات مع البيئة المحيطة، وكلفة يمكن للدولة تحملها. وكلما ظلت هذه الشبكة مستقرة، بدا الوضع القائم طبيعيًا ودائمًا. وعندما تتغير بعض علاقاتها الأساسية، قد تبقى السيادة القانونية نفسها بينما تتغير كلفة إنتاجها والمحافظة عليها.
ومن هنا يصبح السؤال عن سبتة مختلفًا.
إسبانيا لا تحتفظ بالمدينة لأنها تملك قوة عسكرية تسمح لها بذلك فقط، ولا لأن القانون الإسباني يعتبرها جزءًا من الدولة فقط، ولا لأن سكانها يحملون الجنسية الإسبانية فقط. استمرار الوضع نتاج تفاعل مجموعة من العناصر والعلاقات التي جعلت تغييره، حتى الآن، أعلى كلفة سياسيًا من استمراره.
ولذلك فإن السؤال المستقبلي ليس:
هل يستطيع المغرب استرجاع سبتة؟
فهذه صياغة تختزل المسألة في القدرة.
الأدق هو:
ما التحولات التي يمكن أن تجعل إعادة التفاوض حول سبتة أكثر منفعة، أو أقل كلفة، من استمرار الوضع القائم بالنسبة إلى الأطراف المعنية؟
وهذا سؤال مختلف جذريًا.
هونغ كونغ وماكاو: قيمة المقارنة وحدودها
تكتسب التجربتان الصينية والبريطانية-البرتغالية أهميتهما من هذه الزاوية تحديدًا. فعودة هونغ كونغ سنة 1997 وماكاو سنة 1999 لم تحدث لأن جغرافيتهما تغيرت، بل لأن العلاقات المحيطة بوضعهما تغيرت.
تغيرت الصين نفسها.
وتغير موقع بريطانيا والبرتغال.
وتغير النظام الدولي.
وتغيرت القيمة النسبية لاستمرار ترتيبات نشأت في مرحلة تاريخية مختلفة.
وفي حالة هونغ كونغ تحديدًا كانت هناك ترتيبات قانونية وتعاقدية خاصة لا تتطابق مع سبتة، ولذلك لا تصلح الحالة دليلًا قانونيًا على القضية المغربية. لكنها تصلح مختبرًا تحليليًا لفكرة أكثر عمومية: أن طول عمر الوضع السياسي لا يكفي وحده لضمان استمراره عندما تتغير العلاقات التي كانت تسمح بإعادة إنتاجه.
وهذه نتيجة أكثر أهمية من التشابه الشكلي بين الحالات.
فالنظرية العلائقية لا تبحث عن حالتين متطابقتين، وإنما عن القانون الذي يمكن أن يفسر تغير القيمة داخل أنساق مختلفة.
ماذا يجب أن يتغير حتى يصبح التفاوض ممكنًا؟
إذا نقلنا السؤال إلى سبتة، يمكن تصور عدة شروط، لا باعتبارها تنبؤات وإنما متغيرات ينبغي مراقبتها.
أولها تحول ميزان الحاجة. فإذا أصبحت إسبانيا والاتحاد الأوروبي أكثر اعتمادًا على وظائف يؤديها المغرب في الأمن والهجرة والتجارة والربط مع إفريقيا، بينما استطاع المغرب في المقابل توسيع بدائله وتقليل اعتماده على الوظائف التي توفرها إسبانيا، فإن بنية التفاوض تتغير حتى من دون تغير القدرات العسكرية للطرفين.
وثانيها تحول الوظيفة الاستراتيجية للمدينة نفسها. فإذا كانت بعض الوظائف التي منحت سبتة قيمتها التاريخية لإسبانيا يمكن إنتاجها بوسائل أخرى، بينما ترتفع كلفة إدارة المدينة بوصفها نقطة احتكاك دائمة مع المغرب، فإن العلاقة بين القيمة والكلفة تبدأ في التحول.
وثالثها تغير البيئة الأوروبية والأطلسية. فقضية سبتة لا تقع اليوم داخل علاقة إسبانية مغربية خالصة. فالاتحاد الأوروبي حاضر في الحدود والهجرة والتجارة والتمويل والعلاقات مع المغرب، كما أن الولايات المتحدة حاضرة في البيئة الأمنية والاستراتيجية لغرب المتوسط، من خلال علاقاتها الأطلسية مع إسبانيا وشراكتها الأمنية والعسكرية والاستراتيجية المتنامية مع المغرب. ويكتسب هذا الحضور أهمية إضافية بالنظر إلى الموقع الحساس لمضيق جبل طارق في الربط بين المتوسط والمحيط الأطلسي، وما يجعل استقرار الضفتين جزءًا من البيئة الأمنية الأوسع لهذا الممر الاستراتيجي. ومن ثم، فإن أي تغير مستقبلي في حسابات الفاعلين الأوروبيين أو الأطلسيين بشأن كلفة الوضع القائم لن يبقى محصورًا في العلاقة الثنائية بين الرباط ومدريد، وإنما قد يؤثر في هامش الحركة المتاح للطرفين وفي القيمة الاستراتيجية التي تنتجها سبتة داخل الشبكة الأوسع.
وتكشف هذه الحالة مرة أخرى أن العلاقة الثنائية لا تحدد قيمتها وحدها. فالولايات المتحدة، بوصفها عقدة مشتركة في الشبكتين المغربية والإسبانية، قد تؤثر في حدود الصراع بينهما من دون أن تكون طرفًا في النزاع على السيادة نفسه. وهنا تظهر «العلاقات بين العلاقات»: إذ تؤثر علاقة المغرب بالولايات المتحدة، وعلاقة إسبانيا بها، في البيئة التي تعمل داخلها العلاقة المغربية الإسبانية، ومن ثم في كلفة التصعيد والبدائل المتاحة لكل طرف.
ورابعها تغير البيئة الدولية الأوسع. فالولايات المتحدة وفرنسا والقوى الأطلسية والشركاء الاقتصاديون للمغرب وإسبانيا لا يحددون السيادة على سبتة، لكنهم يشاركون في تشكيل الشبكة التي تحدد كلفة الخيارات المتاحة للطرفين.
أما الشرط الخامس، وربما الأكثر أهمية، فهو وجود بديل تفاوضي قادر على إنتاج قيمة للطرفين.
فالدول نادرًا ما تتخلى عن وضع تعتبره جزءًا من سيادتها لمجرد أن الطرف الآخر يمتلك حجة تاريخية. يصبح التغيير أكثر قابلية للتصور عندما يظهر ترتيب جديد يسمح بإعادة توزيع الوظائف والقيم بحيث لا يُقرأ الانتقال كله باعتباره خسارة صفرية لطرف وربحًا كاملًا للآخر.
وهنا تصبح الدبلوماسية أهم من القوة.
من الاسترجاع إلى صناعة البديل
إذا كانت هذه القراءة صحيحة، فإن السياسة المغربية الأكثر فعالية تجاه سبتة لا تكون بالضرورة تلك التي ترفع مستوى المواجهة، وإنما التي تعمل تدريجيًا على تغيير البيئة العلائقية التي تحدد قيمة الوضع القائم.
أي أن السؤال الاستراتيجي لا يصبح:
كيف نجبر إسبانيا على التخلي عن سبتة؟
بل:
كيف نبني شبكة من المصالح والوظائف والبدائل تجعل التفاوض حول مستقبل سبتة ممكنًا يومًا ما، وربما أقل كلفة من رفضه؟
وهذه نقلة كبيرة في طريقة التفكير.
فالمطالبة التاريخية تصبح عندئذ عنصرًا من عناصر الاستراتيجية، وليست الاستراتيجية كلها. والجغرافيا تصبح موردًا يمكن بناء الوظائف حوله، وليست دليلًا كافيًا على النتيجة. والقوة تصبح وسيلة تؤثر في العلاقة، وليست وحدها منتجة للقيمة. أما الدبلوماسية والاقتصاد والموانئ والتكامل الإقليمي والعلاقات الأوروبية والإفريقية والدولية فتدخل جميعها في بناء البيئة التي تحدد مستقبل القضية.
وهنا يمكن فهم الأهمية الاستراتيجية لمشروعات قد تبدو بعيدة ظاهريًا عن ملف سبتة. فطنجة المتوسط، والناظور غرب المتوسط، والداخلة الأطلسي، والشبكات الصناعية، والربط الإفريقي، والشراكات الدولية لا تستعيد مدينة بمجرد وجودها. لكنها تغير موقع المغرب داخل الشبكة التي ستجري فيها أي مفاوضات مستقبلية.
وهذا فارق جوهري بين امتلاك المطالبة وبناء شروط تحقيقها.
والسؤال يعود أخيرًا إلى بنكيران
وعند هذه النقطة يمكن العودة إلى حيث بدأ المقال.
سأل عبد الإله بنكيران الملك:
من دبّر ما وقع في سبتة وكيف؟
وقد يكون من حق المغاربة معرفة حقيقة ما جرى، ومن حقهم المطالبة بتحقيق يكشف المسؤوليات إذا بقيت هناك وقائع مجهولة. لكن حتى أفضل تحقيق ممكن لن يجيب إلا عن أزمة محددة وقعت في زمن محدد.
أما السؤال الذي أعاد Howard W. French فتحه فيقع في مستوى آخر:
ماذا تفعل إسبانيا في سبتة؟
والتحليل العلائقي يضيف سؤالًا ثالثًا:
ما العلاقات التي تسمح باستمرار الوضع القائم، وكيف يمكن أن يؤدي تغيرها إلى تغير قيمة هذا الوضع وكلفته ووظيفته؟
وهنا تظهر المسافة بين الأسئلة الثلاثة.
الأول يبحث عن الفاعل.
والثاني يعيد مساءلة البنية.
والثالث يبحث عن العلاقات التي تجعل البنية تستمر أو تسمح لها بالتغير.
وربما كان هذا هو الدرس الأهم الذي خرجت به أزمة سبتة: أن الأزمات الكبرى لا تكشف دائمًا من فعل ماذا فقط؛ بل قد تكشف أن السؤال الذي كنا نطرحه لم يعد كافيًا لفهم ما يحدث.
خاتمة: حين يصبح تغيير السؤال بداية لتغيير الفهم
قد ينتهي التحقيق يومًا إلى معرفة أكثر دقة بمن دعا إلى العبور الجماعي، ومن سمح به، ومن أخفق في منعه، ومن استثمره سياسيًا. وهذه معرفة مهمة. لكنها لن تغير حقيقة أن سبتة ستبقى في صباح اليوم التالي في المكان نفسه، وأن السؤال التاريخي والسياسي المتعلق بها سيظل قائمًا.
وهنا تكمن المفارقة.
الجغرافيا ثابتة، لكن العلاقات ليست كذلك.
وإذا كانت العلاقات تتغير، فإن الوظائف التي يؤديها المكان تتغير معها، وتتغير تبعًا لذلك قيمته بالنسبة إلى الأطراف المختلفة. ومن هنا فإن استمرار الوضع القانوني نفسه لا يعني بالضرورة استمرار المعادلة الاستراتيجية التي حافظت عليه.
وهذا ما يجعل سؤال سبتة اليوم أكبر من أزمة هجرة، وأكبر من خطاب بنكيران، بل وأكبر من العلاقة الثنائية بين الرباط ومدريد.
فالمسألة تتعلق في النهاية بكيفية تحول المكان إلى قيمة، وكيف تعيد العلاقات إنتاج تلك القيمة، وكيف يمكن لتغير الشبكة أن يجعل ما بدا ثابتًا لعقود أو قرون قابلًا لأن يُقرأ بطريقة جديدة.
ولهذا ربما لم يكن السؤال الأهم الذي أثارته الأزمة:
من دبّر ما وقع في سبتة؟
بل:
ما الذي تغير حول سبتة حتى عادت المدينة نفسها، لا الأزمة وحدها، سؤالًا مفتوحًا؟
وعندما يصبح هذا هو السؤال، نكون قد انتقلنا من البحث عن المسؤول عن حدث إلى محاولة فهم النسق الذي أنتج الحدث ومعنى المكان داخله.
وهذه هي النقلة التي تسعى النظرية العلائقية إلى تحقيقها: ألا نكتفي بمعرفة العناصر منفردة، بل نكتشف العلاقات التي تنتظم بينها، ثم نعيد بناء الصورة الكلية، ونعود بعد ذلك إلى العنصر نفسه فنراه بصورة لم تكن ظاهرة قبل التحليل.
وفي حالة سبتة، قد تكون النتيجة الأكثر دلالة بسيطة في صياغتها وعميقة في آثارها:
المكان لم يتغير؛ الذي تغير هو العالم المحيط به. وعندما يتغير العالم المحيط بالمكان، قد تتغير قيمة الاحتفاظ به، ووظيفته، وربما يومًا ما شروط التفاوض حول مستقبله.
فالجغرافيا قد تثبت، والحدود قد تستمر، لكن العلاقات تتغير؛ وحين تتغير العلاقات، تتغير الوظائف، وتتغير معها القيمة الاستراتيجية للمكان. وعندها لا يتحرك التاريخ لأن الجغرافيا تغيرت، بل لأن شبكة العلاقات أعادت تعريف معنى الجغرافيا، وأعادت إنتاج قيمة الوظيفة الاستراتيجية داخل النسق الدولي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق