من مشاريع الدعم إلى سؤال الكرامة والعدالة الاجتماعية
تمهيد
إذا كان الجزء السابق قد بيّن أن الدولة المغربية في عهد الملك محمد السادس استطاعت أن تقود مشاريع تحديث كبرى في البنية التحتية، والسيادة، والإدارة، والمدن، والاستثمار، والصورة الخارجية، فإن هذا الباب ينتقل إلى السؤال الأكثر حساسية في تجربة التنمية كلها: ماذا عن الإنسان؟ ماذا عن الفقير، والعامل، والعاطل، والتلميذ، والمريض، وساكن القرية، وساكن الهامش، والطبقة الوسطى التي تحمل عبء الحياة اليومية؟
ذلك أن نجاح الدولة في بناء الطرق، والموانئ، والمطارات، والسدود، والملاعب، والمناطق الصناعية، لا يكتمل إلا إذا انعكس على حياة المواطن في شكل تعليم جيد، وصحة قريبة، وشغل كريم، وسكن لائق، وحماية اجتماعية فعلية، وإحساس عام بأن التنمية لا تمر فوق المجتمع، بل تصل إليه وتنتشله من الهشاشة.../...
من هنا برز، في العهد الجديد، سؤال الدولة الاجتماعية. فقد بدا واضحًا أن التحديث المادي، مهما كان مهمًا، لا يستطيع وحده أن يعالج الأعطاب الاجتماعية المتراكمة. فالفقر لا يزول بمجرد فتح طريق، والبطالة لا تنتهي بمجرد إنشاء منطقة صناعية، والهشاشة لا تُرفع بمجرد تحسين صورة المدينة، والكرامة لا تتحقق بمجرد إعلان برامج الدعم. لذلك كان لا بد أن تنتقل الدولة من منطق تجهيز المجال إلى منطق حماية الإنسان.
وقد عرفت هذه المرحلة إطلاق عدد من الأوراش الاجتماعية الكبرى، وفي مقدمتها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وبرامج محاربة الفقر والهشاشة، وتوسيع التغطية الصحية، وإصلاح منظومة الدعم، وإطلاق الدعم الاجتماعي المباشر، ومحاولات إصلاح التعليم والصحة والسكن. وهي أوراش لا يمكن إنكار أهميتها، لأنها كشفت وعي الدولة بأن التنمية ليست عمرانًا فقط، بل مسؤولية اجتماعية تجاه الفئات التي لا تستطيع وحدها مقاومة الفقر، والمرض، والبطالة، والعزلة.
غير أن السؤال التقويمي الذي يفرض نفسه هو: هل أنتجت هذه الأوراش دولة اجتماعية فعلية، أم أنها بقيت في حدود معالجة جزئية لآثار الهشاشة؟ هل انتقل المواطن من موقع المتلقي للدعم إلى موقع صاحب الحق؟ هل تحولت المساعدة إلى عدالة، والرعاية إلى كرامة، والبرامج الاجتماعية إلى سياسات عمومية قادرة على تغيير البنية التي تنتج الفقر أصلا؟
لا يسعى هذا االباب إلى إنكار ما تحقق في المجال الاجتماعي، ولا إلى التقليل من أهمية برامج الدعم والحماية، بل إلى مساءلة عمقها وفعاليتها. فالدولة الاجتماعية لا تُقاس فقط بعدد المستفيدين من برنامج، ولا بحجم الاعتمادات المالية المخصصة للدعم، بل تُقاس بقدرتها على إنتاج مواطن قادر، متعلم، معافى، عامل، محمي، ومشارك في التنمية لا مجرد موضوع لها.
وعليه، فإن الإشكالية المركزية هنا تمكن صياغتها في السؤال الآتي:
هل نجح المغرب في الانتقال من دولة المبادرات الاجتماعية إلى دولة اجتماعية قائمة على الحقوق والكرامة والعدالة؟
للإجابة عن هذا السؤال، سنبدأ أولًا ببيان أسباب بروز سؤال الدولة الاجتماعية في العهد الجديد، ثم نتوقف عند المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ومؤسسة محمد السادس، والزكاة والصدقات بوصفها موردًا اجتماعيًا غير منظم، قبل أن ننتقل إلى برامج الدعم والحماية الاجتماعية، ثم التعليم، والصحة، والسكن، والشغل، والطبقة الوسطى. وفي النهاية نطرح السؤال الحاسم:
هل نحن أمام دولة اجتماعية مكتملة، أم أمام دولة تحاول تخفيف الهشاشة دون أن تتمكن بعد من اقتلاع جذورها؟
أولًا: لماذا برز سؤال الدولة الاجتماعية في العهد الجديد؟
لم يظهر سؤال الدولة الاجتماعية في المغرب من فراغ، ولم يكن مجرد اختيار سياسي طارئ، بل كان نتيجة تراكم طويل من الأعطاب الاجتماعية التي ورثها العهد الجديد عن مراحل سابقة. فقد دخل المغرب القرن الحادي والعشرين وهو يحمل إرثًا ثقيلًا من الفقر، والهشاشة، والأمية، وضعف الخدمات العمومية، والفوارق المجالية، واتساع الهوة بين المدن الكبرى والعالم القروي، وبين الواجهة الحضرية الحديثة والعمق الاجتماعي المتعب.
كانت الدولة، في العقود السابقة، قد ركزت على حفظ الاستقرار السياسي وضبط المجال العام أكثر مما ركزت على بناء عدالة اجتماعية واسعة. ولذلك ظل جزء كبير من المجتمع يعيش خارج ثمار التنمية، أو على هامشها: قرى معزولة، مدارس ضعيفة، مستشفيات بعيدة، شباب بلا شغل، نساء في وضعية هشاشة، وأحياء شعبية تنمو بسرعة أكبر من قدرة الدولة على تأطيرها بالخدمات والبنيات الضرورية.
ومع بداية العهد الجديد، بدا واضحًا أن الشرعية لم تعد قادرة على الاكتفاء بالاستمرارية السياسية أو بالرمزية الدينية والتاريخية، بل احتاجت إلى مضمون اجتماعي ملموس. فالملك الجديد لم يكن مطالبًا فقط بإطلاق مشاريع كبرى وتحديث صورة الدولة، بل كان مطالبًا أيضًا بإعطاء إشارات قوية إلى أن العهد الجديد أكثر قربًا من الفقراء، وأكثر وعيًا بالهشاشة، وأكثر استعدادًا لفتح ملفات اجتماعية ظلت مؤجلة طويلًا.
ومن هنا تشكلت صورة “ملك الفقراء” في بدايات العهد الجديد. لم تكن هذه الصورة مجرد لقب إعلامي، بل كانت تعبيرًا عن حاجة سياسية واجتماعية إلى ترميم العلاقة بين الدولة والفئات الهشة. فقد رأى جزء من المغاربة في الزيارات الميدانية، والاهتمام بالأحياء الفقيرة، والمبادرات الاجتماعية، وتدشين المشاريع القريبة من الحياة اليومية، علامات على تغير في لغة الدولة: من دولة بعيدة ومخيفة إلى دولة تريد أن تظهر قريبة ومصغية وراعية.
غير أن هذه الصورة الرمزية، على أهميتها، لم تكن كافية وحدها لبناء دولة اجتماعية. فالفقر لا يُعالج بالرمز فقط، والهشاشة لا تزول بالزيارات، والطبقة الوسطى لا تصمد بالشعارات، والعدالة الاجتماعية لا تتحقق بمجرد إعلان النوايا. لذلك كان لا بد من الانتقال من الرمز إلى السياسة العمومية، ومن المبادرة إلى المؤسسة، ومن التدخلات الظرفية إلى بناء منظومة اجتماعية متماسكة.
لقد فرض الواقع هذا الانتقال. فالتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفها المغرب زادت من تعقيد المسألة الاجتماعية. فالعالم القروي ظل يعاني من ضعف البنيات والخدمات، والمدن الكبرى استقبلت موجات من الهجرة الداخلية التي شكلت حولها أحزمة العشوائية، والبطالة أصبحت تمس الشباب وحاملي الشهادات، والأسعار بدأت تضغط على القدرة الشرائية، والطبقة الوسطى وجدت نفسها بين طموح اجتماعي مرتفع ودخل محدود، بينما ظلت الفئات الهشة تنتظر دعمًا مباشرًا يحميها من السقوط.
كما أن التنمية الاقتصادية نفسها كشفت حدودها الاجتماعية. فبناء الموانئ والطرق والمناطق الصناعية لم يكن كافيًا للقضاء على الفقر، وجلب الاستثمار لم يكن كافيًا لتوفير شغل كريم للجميع، وتحديث المدن لم يكن كافيًا لإنصاف الأحياء الهامشية، وتوسيع السوق لم يكن كافيًا لحماية الضعفاء. لذلك أصبح السؤال الاجتماعي هو الوجه الآخر لسؤال التنمية: ما قيمة النمو إذا لم يتحول إلى كرامة؟ وما معنى التحديث إذا بقي الإنسان خارج أثره؟
ومن هنا يمكن القول إن سؤال الدولة الاجتماعية برز في العهد الجديد لسببين متكاملين. الأول أن الدولة أدركت أن الاستقرار السياسي لا يقوم فقط على الأمن والضبط، بل يحتاج أيضًا إلى حد أدنى من العدالة والحماية. والثاني أن المجتمع نفسه صار أكثر وعيًا بحقوقه، وأكثر قدرة على مساءلة السياسات العمومية، وأكثر حساسية تجاه الفوارق والاحتقار والهشاشة. فالمواطن لم يعد يطلب فقط الصدقة أو الإحسان، بل صار يطلب المدرسة، والمستشفى، والعمل، والسكن، والكرامة، والحق في الاستفادة العادلة من خيرات البلاد.
غير أن المعضلة الكبرى ظلت قائمة: هل تستطيع الدولة أن تتحول من دولة مبادرات اجتماعية إلى دولة اجتماعية فعلية؟ وهل يكفي أن تُطلق البرامج وتُخصص الاعتمادات، إذا لم تتغير البنية التي تنتج الفقر والهشاشة؟ وهل يمكن بناء عدالة اجتماعية من غير إصلاح عميق للتعليم والصحة والعدالة والشغل والجباية وتوزيع الثروة؟
بهذه الأسئلة يدخل هذا الباب إلى قلب التجربة الاجتماعية في عهد محمد السادس. فالعهد الجديد فتح الباب أمام خطاب اجتماعي أقوى من السابق، وأطلق مبادرات مهمة، لكنه ظل يواجه اختبارًا صعبًا: كيف يمكن الانتقال من تخفيف آثار الفقر إلى القضاء على أسبابه؟ ومن حماية الفئات الهشة إلى بناء مواطن قادر؟ ومن صورة “ملك الفقراء” إلى دولة اجتماعية لا يحتاج فيها الفقير إلى وساطة الرمز لكي يحصل على حقه؟
ثانيًا: المبادرة الوطنية للتنمية البشرية
من محاربة الفقر إلى سؤال الأثر
تُعد المبادرة الوطنية للتنمية البشرية من أبرز الأوراش الاجتماعية التي أُطلقت في عهد الملك محمد السادس، لأنها مثّلت أول محاولة كبرى ومنظمة لإعطاء البعد الاجتماعي مكانة مركزية داخل مشروع العهد الجديد. فقد جاءت في لحظة كان فيها المغرب قد بدأ يتحرك بقوة في مشاريع البنية التحتية والتحديث الاقتصادي، لكنه كان في الوقت نفسه يواجه سؤالًا اجتماعيًا حادًا: كيف يمكن أن تبني الدولة الطرق والموانئ والمناطق الصناعية، بينما تبقى فئات واسعة من المواطنين خارج أثر هذه التنمية؟
ولهذا لم تكن المبادرة مجرد برنامج اجتماعي عادي، بل كانت تحمل دلالة سياسية ورمزية قوية. فقد جاءت لتؤكد أن العهد الجديد لا يريد أن يُعرف فقط بمشاريع التحديث المادي، بل أيضًا بقربه من الفئات الفقيرة والهشة. ومن هنا ارتبطت المبادرة بصورة “ملك الفقراء”، وبالزيارات الميدانية، وبالاهتمام بالأحياء المهمشة، والجماعات القروية، والفئات التي كانت تشعر بأن الدولة لا تراها إلا عند الانتخابات أو عند الحاجة إلى الضبط الأمني والإداري.
كان السياق الاجتماعي الذي وُلدت فيه المبادرة ضاغطًا. فقد كان المغرب يعاني من فقر قروي واضح، وإقصاء اجتماعي في عدد من الأحياء الحضرية، وضعف في الخدمات الأساسية، وهشاشة في وضعية النساء، والشباب، والأطفال، وذوي الاحتياجات الخاصة، والمسنين، وفئات أخرى لا تكفيها التنمية العامة لكي تخرج من دائرة العوز. لذلك حاولت المبادرة أن تشتغل بمنطق القرب، والاستهداف، والشراكة، ودعم الأنشطة المدرة للدخل، وتحسين بعض شروط الحياة اليومية في المجالات الأكثر هشاشة.
وقد مثّل هذا الاختيار تطورًا مهمًا في لغة الدولة. فبدل الحديث العام عن التنمية، أصبح الخطاب يتحدث عن التنمية البشرية. وبدل الاكتفاء بالمؤشرات الاقتصادية الكبرى، أصبح الاهتمام يتجه إلى الإنسان في مجاله المحلي: هل يتوفر على مركز اجتماعي؟ هل تصل إليه التجهيزات الأساسية؟ هل تستطيع النساء إطلاق تعاونيات؟ هل يجد الشباب دعمًا لمشروع صغير؟ هل يمكن للجمعيات المحلية أن تكون وسيطًا بين الدولة والفئات الهشة؟
ومن هذه الزاوية، لا يمكن إنكار أن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أحدثت أثرًا ملموسًا في عدد من المناطق. فقد ساهمت في تمويل مشاريع صغيرة، وتجهيز مرافق اجتماعية، ودعم جمعيات محلية، وتحسين بعض شروط الولوج إلى خدمات القرب، ومساعدة فئات كانت تعيش على هامش السياسات العمومية التقليدية. كما أدخلت إلى التدبير العمومي لغة جديدة، مثل الاستهداف، والقرب، والشراكة، والتنمية البشرية، والمقاربة المحلية، وقياس حاجات الفئات الهشة.
لكن أهمية المبادرة لا تمنع طرح السؤال التقويمي الأساسي: هل عالجت الفقر أم خففت بعض أعراضه؟ هل نقلت الفئات المستهدفة من الهشاشة إلى الاستقلال الاقتصادي، أم قدمت دعمًا جزئيًا ساعدها على الصمود دون أن يغير البنية التي تنتج فقرها؟ وهل تحولت الأنشطة المدرة للدخل إلى مشاريع مستدامة، أم بقي جزء منها مرتبطًا بالدعم الأولي، ضعيف القدرة على المنافسة، محدود الاندماج في السوق؟
هذا السؤال ضروري لأن الفقر ليس نقصًا في مشروع صغير فقط. الفقر نتيجة شبكة معقدة من العوامل: تعليم ضعيف، صحة غير كافية، عزلة مجالية، غياب فرص العمل، ضعف التكوين، هشاشة الاقتصاد المحلي، ضعف التمويل، غياب المواكبة، وتفاوت في توزيع الموارد. ولذلك فإن تمويل مشروع صغير أو بناء مركز اجتماعي أو دعم جمعية محلية قد يكون مفيدًا، لكنه لا يستطيع وحده أن يقتلع الفقر من جذوره إذا لم يندمج في سياسة أوسع تشمل المدرسة، والصحة، والشغل، والسكن، والتمويل، والاقتصاد المحلي.
ومن هنا يظهر الفرق بين المبادرة الاجتماعية والسياسة العمومية. المبادرة تستطيع أن تفتح الطريق، وأن تكشف الحاجة، وأن تجرب حلولًا محلية، وأن تخفف بعض الآلام. أما السياسة العمومية فهي التي تملك القدرة على تحويل التجربة إلى حق، والدعم إلى منظومة، والمشروع المحلي إلى مسار مستدام. فإذا بقيت المبادرة منعزلة عن إصلاح التعليم والصحة وسوق الشغل والاقتصاد المحلي، فإنها تظل قادرة على التخفيف، لكنها لا تستطيع بناء دولة اجتماعية مكتملة.
وتتعمق حدود المبادرة حين نربط الفقر بالاختيارات الاقتصادية العامة. فقد ساهمت السياسات النيوليبرالية، القائمة على تقليص الدور الاجتماعي للدولة وترك السوق يتحكم في توزيع الفرص والثروة، في جعل الفئات الهشة أكثر عرضة للإقصاء. وحين يضاف إلى ذلك احتكار الشركات الكبرى لقطاعات واسعة من الاقتصاد، وضعف التنافسية في المجال الصناعي، وغياب حماية حقيقية للنسيج الإنتاجي المحلي، يصبح الفقر نتيجة لاختلال بنيوي لا مجرد نقص في التمويل أو المبادرة الفردية.
وتظهر هذه الحقيقة بوضوح في وضعية الاقتصاد المحلي والصناعة التقليدية. فالصناعة التقليدية، في المغرب، لم تكن مجرد نشاط حرفي محدود، بل كانت شبكة عيش محلية تحفظ المهارة، وتوفر الدخل، وتربط الإنسان بمجاله، وتمنح أسرًا كثيرة مصدرًا للاستقرار. غير أن التحولات الاقتصادية الحديثة، وهيمنة المنتجات الصناعية المستوردة، وضعف التأطير والتسويق والحماية، أدت إلى ضمور جزء من هذا القطاع، وإلى فقدان فئات واسعة من الحرفيين والمنتجين الصغار لمكانتهم الاقتصادية. ومن ثم فإن معالجة الفقر لا يمكن أن تنحصر في تمويل مشاريع صغيرة معزولة، بل ينبغي أن تمر أيضًا عبر إعادة بناء الاقتصاد المحلي، وحماية الصناعات التقليدية، وتشجيع التنافسية العادلة، وكسر منطق الاحتكار، وربط التنمية الاجتماعية بسياسة إنتاجية وطنية تستعيد للمجتمع قدرته على العمل والإبداع والاكتفاء.
وهذا يعني أن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، رغم أهميتها، لا تستطيع أن تنجح إلا إذا تحركت داخل رؤية اقتصادية واجتماعية مندمجة. فدعم تعاونية نسائية في قرية ما لن يحقق أثره الكامل إذا لم تجد تلك التعاونية سوقًا، ومواكبة تقنية، وتمويلًا مستمرًا، وربطًا بالنقل، وحماية من الوسطاء، وإدماجًا في سلاسل تسويق عادلة. ودعم مشروع صغير للشباب لن ينتج استقلالًا اقتصاديًا إذا كان صاحبه بلا تكوين كافٍ، ولا دراسة سوق، ولا مواكبة، ولا قدرة على المنافسة. وبناء مرفق اجتماعي لا يغير حياة الناس إذا لم يتوفر على موارد بشرية وخدمات حقيقية واستمرارية في التدبير.
كما أن اعتماد المبادرة على الجمعيات والفاعلين المحليين كان يحمل وجهين. فمن جهة، سمح ذلك بتقريب التدخل من المجتمع، وإشراك بعض الفاعلين المحليين في تحديد الحاجات، وفتح المجال أمام مبادرات ميدانية مرنة. ومن جهة أخرى، فتح المجال أحيانًا أمام تفاوت جودة المشاريع، وضعف الحكامة، وتحول بعض المبادرات إلى فضاء للمجاملة أو الوساطة أو الزبونية المحلية، خصوصًا حين تغيب الشفافية، والتتبع الصارم، والتقويم الحقيقي للأثر.
غير أن الإشكال الأعمق في المبادرة لا يتعلق فقط بجودة المشاريع أو بقدرتها على الاستمرار، بل بمنطق التخطيط نفسه. فالتنمية المحلية، في التجارب الحديثة، لا تُبنى من فوق، ولا تُختزل في برنامج مركزي يحدد الأهداف ثم يطلب من المجال المحلي تنفيذها. إنها تبدأ من تشخيص محلي للحاجات، وتحديد دقيق للإمكانات، وترتيب للأولويات، وبرمجة واقعية للمشاريع، ثم إعداد ميزانية مناسبة، ورفع تقارير دورية عن الأثر والنتائج.
فالمنتخبون المحليون، واللجان المحلية، والفاعلون القريبون من المجال، هم الأقدر على معرفة حاجات جماعاتهم، لا لأنهم أكثر كفاءة دائمًا من المركز، بل لأنهم يعيشون تفاصيل المجال اليومي. يعرفون أين توجد العزلة، وأين يغيب الماء، وأين تفشل المدرسة، وكيف تتراع الخدمات في المستشفى، وأين تحتاج النساء إلى تعاونيات، وأين يمكن لمشروع فلاحي صغير أن ينجح، وأين يكون بناء قاعة أو مركز اجتماعي أقل أولوية من فتح طريق، أو توفير نقل مدرسي، أو دعم نشاط مدر للدخل.
ومن هنا، فإن كل مبادرة اجتماعية تُصمَّم من فوق، مهما كانت نواياها حسنة ومواردها مهمة، تظل محدودة القدرة على إنتاج دولة اجتماعية حقيقية إذا لم تمنح المجال المحلي سلطة فعلية في تحديد الحاجات والأولويات ونوعية المشاريع وآليات المشاركة. فالمركز يستطيع أن يمول، وأن يراقب، وأن يضع المعايير العامة، وأن يضمن العدالة بين الجهات، لكنه لا يستطيع أن يعرف تفاصيل كل دوار، وكل حي، وكل جماعة، وكل منطقة جبلية أو قروية. ولذلك فإن التنمية المحلية لا تنجح حين يكون المحلي مجرد منفذ لبرنامج مركزي، بل حين يصبح شريكًا كاملًا في التشخيص، والبرمجة، والميزانية، والتقييم.
وهنا يظهر أحد حدود المبادرة الوطنية للتنمية البشرية. فقد حاولت أن تقترب من الفئات الهشة وأن تعتمد على آليات محلية وجمعوية، لكنها بقيت، في جزء مهم من فلسفتها وتدبيرها، مرتبطة بمنطق المبادرة المركزية ذات الغلاف المالي والتوجيه العام. وهذا ما جعل بعض المشاريع لا تنبع دائمًا من أولويات المجال، أو لا تُبنى على دراسة كافية للإمكانات المحلية، أو لا تجد بعد تمويلها الأولي شروط الاستمرار. فالمشروع الذي لا يولد من حاجة محلية واضحة، ولا يرتبط بسوق محلي أو بقدرة بشرية متوفرة، يتحول بسهولة إلى تجهيز معطل، أو نشاط مؤقت، أو مبادرة جميلة في التقرير وضعيفة في الواقع.
لذلك، فإن الانتقال من المبادرة الاجتماعية إلى الدولة الاجتماعية يقتضي إعادة الاعتبار للتخطيط المحلي. فالجماعات، والمنتخبون، واللجان المحلية، والتعاونيات، والجمعيات الجادة، والنساء، والشباب، والمهنيون المحليون، ينبغي أن يكونوا في صلب تحديد الأولويات قبل طلب الدعم المركزي. أما دور الدولة المركزية فينبغي أن يكون التمويل، والتأطير، والمراقبة، والتقويم، وضمان العدالة بين الجهات، وقياس الأثر، لا احتكار تشخيص الحاجة وتحديد نوعية الجواب.
ولا يعني هذا النقد إنكار أهمية المبادرة، بل التنبيه إلى أن التنمية البشرية لا تُصنع بالمال وحده، بل بالمعرفة الدقيقة بالمجال. فالميزانية التي لا تسبقها مشاركة محلية حقيقية قد تنتج مشاريع، لكنها لا تنتج بالضرورة تحولًا اجتماعيًا. أما حين يبدأ المشروع من سؤال الناس، ومن حاجات المجال، ومن ترتيب الأولويات محليًا، ثم يأتي التمويل المركزي دعمًا لا وصاية، فإن التنمية تصبح أكثر واقعية، وأكثر عدلًا، وأكثر قدرة على الاستمرار.
ومن هنا تتضح إحدى أعقد مشكلات التخطيط العمومي: ليست المعضلة دائمًا في غياب البرامج أو ندرة الاستراتيجيات، بل في ضعف الانسجام بينها، وغياب المحطة الاجتماعية النهائية التي ينبغي أن تتجه إليها جميع السياسات. فقد تمتلك الدولة استراتيجية للتعليم، وأخرى للصحة، وثالثة للشغل، ورابعة للسكن، وخامسة للتمويل المحلي، غير أن تعدد هذه السكك لا ينتج أثرًا اجتماعيًا حقيقيًا إذا تحركت كل واحدة منها بمنطق مستقل، وبمؤشرات منفصلة، وبتقارير قطاعية لا تلتقي في حياة المواطن.
فالاستراتيجيات، في هذا المعنى، تشبه سكك الحديد: قد لا تلتقي في المسار، لكنها ينبغي أن تنتهي إلى المحطة نفسها متى كان الاتجاه محددًا، والأدوار مرسومة بدقة، والغاية النهائية واضحة. أما إذا تحركت كل استراتيجية في اتجاهها الخاص، فإنها قد تنتج أرقامًا قطاعية جميلة، لكنها لا تنتج بالضرورة تحولًا اجتماعيًا ملموسًا.
فالسؤال الحاسم ليس: كم مشروعًا أُنجز؟ ولا كم غلافًا ماليًا صُرف؟ بل: هل تغيرت شروط عيش الإنسان في مجاله؟ هل تحسنت مدرسة القرية؟ هل صار المركز الصحي أقرب وأكثر نجاعة؟ هل وُجدت فرصة شغل حقيقية؟ هل أصبح التمويل المحلي مدخلًا للإنتاج لا مجرد إعانة عابرة؟ وهل صار المواطن شريكًا في تحديد حاجاته، أم ظل موضوعًا لتقارير تُكتب عنه من بعيد؟
وبهذا المعنى، كانت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية خطوة مهمة في تطور سؤال الدولة الاجتماعية، لكنها لم تكن كافية لبناء هذه الدولة. لقد فتحت الطريق نحو الاعتراف بالفقر والهشاشة بوصفهما قضية وطنية، وساهمت في تخفيف بعض آثار الإقصاء، وأدخلت لغة القرب والتنمية البشرية إلى العمل العمومي. لكنها لم تستطع وحدها أن تمنع إعادة إنتاج الفقر، لأنها بقيت مرتبطة، في جزء كبير منها، بمشاريع الدعم والتخفيف أكثر من ارتباطها بتحويل بنية التعليم والصحة والشغل والاقتصاد المحلي.
لذلك تبقى الخلاصة التقويمية لهذا المحور واضحة: المبادرة الوطنية للتنمية البشرية كانت ضرورية، لكنها ليست كافية. كانت مختبرًا اجتماعيًا مهمًا، لكنها ليست بديلًا عن السياسات العمومية. خففت بعض مظاهر الهشاشة، لكنها لم تقتلع جذورها. ومن هنا يبقى السؤال قائمًا:
كيف ننتقل من مبادرة لمحاربة الفقر إلى سياسة وطنية لإنتاج الكرامة؟
ثالثًا: مؤسسة محمد السادس
دعم الطبقة الوسطى وبناء صورة الدولة الاجتماعية
إلى جانب المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وبرامج الدعم الاجتماعي، برزت مؤسسات اجتماعية ذات طابع خاص ساهمت في تقوية صورة العهد الجديد بوصفه عهدًا أكثر قربًا من الفئات الاجتماعية، وأكثر اهتمامًا بالخدمات اليومية للمواطنين. ومن بين هذه المؤسسات تبرز مؤسسة محمد السادس، التي ارتبط اسمها بعدد من الخدمات الاجتماعية، خاصة في مجالات التعليم، والدعم المدرسي، والسكن، والصحة، وبعض المشاريع الاجتماعية التي استفادت منها فئات واسعة من الطبقة المتوسطة، ولا سيما المرتبطة بقطاع التربية والتكوين وبعض الفئات المهنية.
ولا يمكن فهم هذا التوجه خارج سياق اقتصادي أوسع. فقد كان العاهل المغربي واعيًا بخطورة النموذج النيوليبرالي الذي فُرض على المغرب عبر توصيات المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وما حمله هذا النموذج من مخاطر على التوازنات الاجتماعية الداخلية. ذلك أن تقليص الدور الاجتماعي للدولة، وترك السوق يتحكم في شروط العيش، وتزايد كلفة التعليم والصحة والسكن، كلها عوامل كان يمكن أن تؤدي إلى إنهاك الطبقة الوسطى، بل إلى تفكيكها التدريجي.
ومن هنا جاءت أهمية هذه المبادرات الاجتماعية الموجهة نحو الطبقة الوسطى، لا بوصفها مجرد دعم ظرفي، بل بوصفها محاولة للحفاظ على رافعة أساسية من روافع الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في المغرب. فالطبقة الوسطى ليست فئة استهلاكية فقط، بل هي قاعدة إنتاج، وتعليم، وإدارة، وخبرة، واستهلاك منظم، وهي أيضًا من أهم المساهمين في خزينة الدولة عبر الضرائب المباشرة وغير المباشرة. ولذلك فإن إضعافها لا يعني فقط تراجع مستوى عيش فئة اجتماعية بعينها، بل يعني إضعاف قدرة الدولة نفسها على تمويل سياساتها العمومية، وتوسيع هشاشة المجتمع، وفتح المجال أمام مزيد من الاستقطاب بين أقلية ميسورة وأغلبية هشة.
بهذا المعنى، يمكن النظر إلى مؤسسة محمد السادس وغيرها من الآليات الاجتماعية الموازية بوصفها جزءًا من محاولة لبناء صورة الدولة الاجتماعية في العهد الجديد، لكنها أيضًا تعبير عن وعي مبكر بأن التنمية لا يمكن أن تقوم على الفئات الفقيرة وحدها، ولا على النخب الاقتصادية وحدها، بل تحتاج إلى طبقة وسطى قوية قادرة على حمل المدرسة، والإدارة، والاستهلاك، والضرائب، والاستقرار الاجتماعي.
وقد ساهمت هذه المؤسسة في ترسيخ صورة جديدة للدولة الاجتماعية، لأنها لم تتوجه فقط إلى الفئات الأشد فقرًا، بل لامست أيضًا حاجات الطبقة المتوسطة التي ظلت، في كثير من الأحيان، تتحمل كلفة التعليم، والصحة، والسكن، والتنقل، ومصاريف الأبناء، دون أن تستفيد دائمًا من برامج الفقر الموجهة إلى الفئات الهشة. ومن هنا اكتسبت المؤسسة أهميتها الرمزية والاجتماعية؛ إذ قدمت نموذجًا لدعم اجتماعي موجه إلى فئة ليست فقيرة بالمعنى المباشر، لكنها معرضة للضغط والتآكل، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف الحياة، وضعف الأجور، وتراجع القدرة الشرائية.
كما ساهمت هذه التجربة، إلى جانب مبادرات اجتماعية أخرى، في تقوية صورة “ملك الفقراء” وصورة الدولة التي لا تكتفي بالبناء والتجهيز، بل تحاول أن تلامس حاجات الناس في التعليم، والسكن، والصحة، والخدمات الاجتماعية. وقد كان لهذا البعد الرمزي أثر واضح في تشكيل جزء من الثقة التي رافقت بدايات العهد الجديد، حيث بدا أن الدولة تريد أن تنفتح على المجتمع، وأن تعالج بعض اختلالاته من خلال أدوات اجتماعية مرنة ومباشرة.
لذلك، فإن النظر إلى هذه المبادرات والمؤسسات الاجتماعية يقتضي قدرًا من الدقة المنهجية. فلا يصح اعتبار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بديلًا عن السياسات العمومية، ولا حتى مجرد ملحق مكمل لها بالمعنى المباشر، بل يمكن فهمها بوصفها مختبرًا اجتماعيًا لتجريب مبادرات ميدانية محدودة، واختبار قدرتها على الاستجابة لحاجات الفئات الهشة والطبقة الوسطى في مجالات بعينها. فإذا نجحت بعض هذه المبادرات، أمكن تحويلها لاحقًا إلى سياسات عمومية أوسع داخل قطاعاتها الطبيعية؛ وإذا فشلت، أمكن تقويمها أو تعديلها أو التخلي عنها دون أن تتحمل الدولة كلفة سياسية ومالية بحجم فشل سياسة عمومية كبرى.
ومن هنا تتضح أهمية التمييز بين المبادرة والسياسة. فالمبادرة تفتح مجال التجريب، وتسمح بالاقتراب من الحاجات المحلية، وتكشف مكامن الخلل في التشخيص والتنفيذ؛ أما السياسة العمومية فهي انتقال من التجريب إلى البناء المؤسسي المستقر، حيث تصبح المدرسة، والصحة، والسكن، والشغل، والتمويل المحلي جزءًا من التزام دائم للدولة، لا مجرد تدخل ظرفي أو مشروع محدود الأثر.
غير أن أهمية هذه المؤسسة لا ينبغي أن تحجب حدود أثرها البنيوي. فهي، رغم ما قدمته من خدمات ومساهمات اجتماعية، لم تكن قادرة وحدها على تقليص الفوارق الاجتماعية، أو القضاء على الفقر، أو معالجة الهشاشة المجالية العميقة. فالمؤسسات الاجتماعية، مهما كانت فائدتها، لا تستطيع أن تعوض سياسة عمومية شاملة في قطاعات اجتماعية أساسية. كما أن دعم فئات من الطبقة المتوسطة لا يكفي إذا كانت البنية العامة تنتج باستمرار فوارق جديدة، وتدفع فئات واسعة نحو الهشاشة أو نحو الخوف من فقدان موقعها الاجتماعي.
ومن هنا، فإن تجربة مؤسسة محمد السادس تكشف مرة أخرى طبيعة الدولة الاجتماعية في العهد الجديد: هناك تدخلات مهمة، وخدمات مفيدة، ومبادرات ذات أثر مباشر على بعض الفئات، لكنها تظل غير كافية إذا لم تتحول إلى سياسة اجتماعية شاملة قائمة على الحقوق، لا على الامتيازات القطاعية أو المبادرات الجزئية. فالدولة الاجتماعية لا تكتمل حين يستفيد جزء من الطبقة المتوسطة من خدمات معينة، بل حين يشعر المواطن، أيًا كان موقعه ومجاله، بأن التعليم الجيد، والصحة اللائقة، والسكن الكريم، والحماية الاجتماعية، ليست مساعدات ظرفية، بل حقوق مضمونة للجميع.
ومن ثم فإن دعم الطبقة الوسطى، رغم أهميته، يظل محدود الأثر إذا لم يتحول إلى جزء من تصور اجتماعي شامل يعيد بناء العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس الحق لا الامتياز، والاستقرار لا التدخل الظرفي. فالطبقة الوسطى لا تحتاج فقط إلى خدمات اجتماعية مخففة لأعباء التعليم أو السكن أو الصحة، بل تحتاج إلى اقتصاد منتج يحمي قدرتها الشرائية، ومدرسة عمومية قوية تعفيها من اللجوء القسري إلى التعليم الخصوصي، ومنظومة صحية تحفظ كرامتها ولا تجعلها فريسة لتجار الصحة، وسوق شغل يضمن الاستقرار المهني، ونظام ضريبي عادل لا يجعلها تتحمل العبء الأكبر بينما تفلت قطاعات واسعة من المساهمة الحقيقية.
وهنا يظهر التناقض العميق في التجربة الاجتماعية المغربية: فقد سعت الدولة إلى حماية الطبقة الوسطى عبر مؤسسات ومبادرات اجتماعية، لكنها في الوقت نفسه ظلت محكومة باختيارات اقتصادية ومالية تضغط على هذه الطبقة من جهات متعددة. فغلاء المعيشة، وتكاليف السكن، وضعف الخدمات العمومية، وتوسع التعليم والصحة الخصوصيين، وثقل الضرائب المباشرة وغير المباشرة، كلها عوامل جعلت الطبقة الوسطى تعيش بين موقع اجتماعي ظاهر يبدو مستقرًا، وقلق داخلي دائم من الانحدار نحو الهشاشة.
لذلك لا يكفي أن تُدعم الطبقة الوسطى من الخارج بمبادرات اجتماعية محدودة، بل ينبغي أن تُحمى من الداخل بإصلاح بنيوي يعيد الاعتبار للخدمات العمومية، ويقوي الإنتاج الوطني، ويحد من الاحتكار، ويربط الجباية بالعدالة، ويجعل الاستقرار الاجتماعي نتيجة طبيعية لسياسات عمومية منسجمة، لا ثمرة مؤقتة لتدخلات متفرقة. فالدولة الاجتماعية لا تُقاس فقط بعدد المؤسسات التي تحمل اسم التضامن، بل بقدرتها على منع سقوط المواطن في الهشاشة قبل أن تحتاج إلى إنقاذه منها.
وبذلك يظل دعم الطبقة الوسطى مجالًا مختلفًا عن مجال الزكاة والصدقات والتبرعات؛ فهو لا يقوم على منطق الإحسان إلى الفقراء، بل على منطق حماية طبقة منتجة ومساهمة في تمويل الدولة، وتمثل إحدى دعامات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. أما الزكاة والصدقات، فتدخل في مجال آخر يتعلق بالتكافل الاجتماعي المباشر، وبآليات تخفيف الفقر والهشاشة لدى الفئات الأكثر ضعفًا.
رابعًا: الزكاة والصدقات والتبرعات
المورد الاجتماعي غير المنظم وحدود الأثر البنيوي
من الأسئلة التي يطرحها كثير من المغاربة في سياق الحديث عن الدولة الاجتماعية سؤال بالغ الحساسية: إذا كان الملك، في البنية الدستورية والرمزية للمغرب، هو أمير المؤمنين، فلماذا لم تُفعَّل آلية الزكاة والصدقات داخل إطار مؤسساتي منظم وشفاف، يجعل هذا المورد الديني والاجتماعي رافعة للمساهمة في محاربة الفقر والهشاشة، بدل تركه مشتتًا بين المبادرات الفردية والجمعوية والظرفية؟
ففي بلد ما تزال فيه الفوارق الاجتماعية والمجالية واسعة، وما تزال فيه مناطق قروية وجبلية تعاني من الفقر، والعطش، وضعف فرص العمل، وهشاشة النساء، وصعوبة الولوج إلى الخدمات الأساسية، كان يمكن للزكاة والصدقات أن تتحول إلى صندوق وطني خاص، خاضع للشفافية والمراقبة، يساهم في تمويل مشاريع صغيرة مدرة للدخل، ودعم التعاونيات النسائية في البوادي، وحفر الآبار، وتمويل تجهيزات فلاحية بسيطة، ومساعدة الأسر الهشة على الانتقال من موقع الحاجة إلى موقع الإنتاج.
ولا يتعلق الأمر هنا بتحويل الزكاة إلى أداة دعوية أو حزبية، بل بالعكس تمامًا: يتعلق الأمر بتحريرها من العشوائية والاستغلال السياسي والإيديولوجي، وإدماجها في تصور وطني للتضامن الاجتماعي. فحين يبقى مجال الصدقات والزكوات غير منظم، يصبح مفتوحًا أحيانًا أمام وسطاء غير مؤسسيين، أو جمعيات ذات خلفيات إيديولوجية، أو شبكات توظف الحاجة الاجتماعية لبناء الولاء الديني أو السياسي، خصوصًا في المهجر، حيث تستغل بعض التيارات الإسلاموية عاطفة المغاربة الدينية وحبهم لفعل الخير في توجيه الأموال خارج رقابة الدولة ومقاصد التنمية الوطنية.
من هنا، كان يمكن لمؤسسة إمارة المؤمنين أن تقدم جوابًا أصيلًا وحديثًا في الوقت نفسه: أصيلًا لأنه يستند إلى مبدأ شرعي واجتماعي راسخ في وجدان المغاربة، وحديثًا لأنه ينظمه عبر آليات الشفافية، والمحاسبة، والاستهداف، ودراسة المشاريع، وتتبع الأثر. فالزكاة، بهذا المعنى، لا تكون مجرد مساعدة موسمية للفقراء، بل يمكن أن تتحول إلى رأسمال اجتماعي صغير، يمول مشاريع قروية، ويدعم النساء في التعاونيات، ويساعد الشباب على إطلاق أنشطة محلية، ويقوي اقتصاد القرب، ويمنح الفئات الهشة فرصة للخروج التدريجي من الاعتماد على المساعدة.
غير أن غياب هذا التنظيم جعل أحد أهم الموارد الرمزية والاجتماعية خارج السياسة العمومية الفعلية. فقد بنت الدولة برامج للدعم، وأطلقت مبادرات اجتماعية، ووسعت الحماية الاجتماعية، لكنها لم تستثمر بما يكفي في تحويل الزكاة والصدقات إلى آلية وطنية منظمة لمحاربة الفقر. وهذا يطرح مفارقة واضحة: الدولة التي تضبط الحقل الديني، وتؤطر المساجد، وتستند إلى شرعية إمارة المؤمنين، تركت واحدًا من أقوى أدوات التضامن الديني والاجتماعي في حالة شبه عفوية، بدل أن تجعله جزءًا من مشروع الدولة الاجتماعية.
ولا يعني ذلك أن الزكاة والصدقات قادرة وحدها على القضاء على الفقر أو تعويض السياسات العمومية في التعليم والصحة والشغل والسكن، لكنها كان يمكن أن تكون مكملًا قويًا لهذه السياسات، خصوصًا في الوسط القروي والمناطق الهشة. فالدولة الاجتماعية لا تحتاج فقط إلى ميزانية عمومية، بل تحتاج أيضًا إلى تعبئة أخلاقية ومجتمعية تجعل التضامن منظمًا، شفافًا، وموجهًا نحو الإنتاج لا نحو الإعالة الدائمة.
وبهذا المعنى، فإن عدم تفعيل الزكاة والصدقات داخل إطار مؤسساتي شفاف يمثل إحدى الفرص الضائعة في بناء الدولة الاجتماعية المغربية. فقد كان بالإمكان تحويل مورد ديني واجتماعي عميق إلى قوة تنموية ناعمة، تربط بين إمارة المؤمنين، ومحاربة الفقر، وتمكين النساء، وتنمية العالم القروي، وحماية المجال الديني من التوظيف الإسلاموي. لكن هذا الورش ظل مؤجلًا، وبقي السؤال مطروحًا: لماذا تُنظَّم الموارد السياسية والإدارية والأمنية بدقة، بينما يترك مورد اجتماعي وروحي بهذا الحجم خارج التنظيم التنموي الشامل؟
خامسا: نحو نموذج مغربي للتصريح التضامني
وإذا كان تفعيل الزكاة والصدقات داخل إطار مؤسساتي شفاف يطرح إشكالات فقهية وإدارية وسياسية، فإن التجارب المقارنة تقدم نماذج عملية يمكن الاستفادة منها دون نقلها حرفيًا. ومن بين هذه النماذج التجربة الإسبانية في التصريح الضريبي، حيث يُمنح المكلف إمكانية تخصيص نسبة محددة من دخله قبل الاقتطاع الضيبي لفائدة الكنيسة الكاثوليكية أو لفائدة أنشطة ذات مصلحة اجتماعية عامة، من غير أن يؤدي ذلك إلى زيادة الضريبة المفروضة عليه أو إنقاص ما قد يسترجعه من الإدارة الضريبية.
وتكمن أهمية هذا النموذج في أنه لا يترك التبرع في حالة فوضى كاملة، ولا يجعل الدولة تحتكر وحدها توجيه التضامن، بل يخلق آلية وسطى بين حرية المواطن والرقابة العمومية. فالمواطن يصرح بإرادته داخل الإقرار الضريبي، والدولة تعرف مصدر المال، وتحدد الجهات المرخصة والمؤهلة للاستفادة، وتراقب مسارات التمويل، وتمنع أن تتحول الصدقات والتبرعات إلى أموال مجهولة المصدر أو إلى أدوات لتغذية شبكات دينية أو سياسية غير خاضعة للمحاسبة.
ومن هنا يمكن التفكير في نموذج مغربي مشابه، لا ينسخ التجربة الإسبانية حرفيًا، بل يكيّفها مع الخصوصية الدينية والدستورية للمغرب. فبدل أن تبقى الزكاة والصدقات مشتتة بين المبادرات الفردية والجمعيات غير المؤطرة، يمكن إحداث خانة اختيار داخل التصريح الضريبي السنوي أو داخل منصة رقمية وطنية، تسمح للمواطن أو المقاولة بتوجيه مساهمة تضامنية طوعية إلى صندوق وطني للزكاة والصدقات، أو إلى جمعيات خيرية وتنموية معتمدة وشفافة، تعمل في مجالات محاربة الفقر، وتمويل المشاريع القروية الصغيرة، ودعم التعاونيات النسائية، وحفر الآبار، ومساعدة الشباب على إطلاق مشاريع مدرة للدخل.
الميزة الكبرى لهذا النموذج أنه يحول التضامن من فعل عاطفي موسمي إلى سياسة اجتماعية منظمة ومستدامة. فالدولة لا تصادر نية المتبرع، لكنها تمنحها قناة قانونية واضحة. ولا تمنع الجمعيات من العمل، لكنها تلزمها بالشفافية والتصريح والمحاسبة. ولا تترك المجال مفتوحًا أمام الأموال المجهولة أو الاستغلال الإسلاموي لعاطفة الإحسان، خصوصًا في المهجر، بل تجعل التبرع جزءًا من منظومة وطنية معلنة، يمكن تتبع أثرها وقياس نتائجها.
كما أن هذا النموذج يمكن أن يحل إشكالًا مزدوجًا: من جهة، يعبّئ موردًا اجتماعيًا مهمًا خارج الميزانية العامة للدولة؛ ومن جهة أخرى، ينظم المجال الخيري الذي ظل في كثير من الأحيان خاضعًا للمبادرة العشوائية أو الوساطة غير الشفافة. فالزكاة والصدقات، حين تُترك بلا تنظيم، قد تخفف ألم الفقر لحظة، لكنها لا تبني مشروعًا اجتماعيًا مستدامًا. أما حين تُربط بالتخطيط، والتوجيه، والمراقبة، ودراسة الحاجات المحلية، فإنها يمكن أن تتحول إلى أداة حقيقية لمحاربة الهشاشة، خصوصًا في العالم القروي والمناطق النائية.
ولا يعني ذلك أن هذا الصندوق أو هذا التصريح التضامني يمكن أن يعوض واجبات الدولة في التعليم والصحة والسكن والشغل، ولا أن الزكاة تصلح بديلًا عن العدالة الجبائية. فالدولة الاجتماعية لا تقوم على الإحسان وحده. لكن إدماج هذا المورد في منظومة شفافة يمكن أن يجعل التضامن الديني الذي يقوم به الأفراد، والمدني الذي قد تقوم به الشركات سندًا للسياسات العمومية، لا بديلًا عنها، وأن ينقل الصدقة والتبرع من منطق المعونة العابرة إلى منطق الاستثمار الاجتماعي.
وبهذا المعنى، فإن الاستفادة من التجربة الإسبانية أو غيرها تفتح أمام المغرب إمكانًا مهمًا: تنظيم المجال الخيري دون خنقه، وتعبئة الزكاة والصدقات والهبات والتبرعات دون تسييسها، وحماية المال التضامني من الغموض والاستغلال، وربط إمارة المؤمنين بمشروع اجتماعي عملي يترجم البعد الديني إلى أثر تنموي ملموس. وعندئذ لا يعود السؤال المطروح هو: لماذا لم تُفعَّل الزكاة؟ بل يصبح السؤال الأعمق: كيف يمكن تحويل الزكاة، إلى جانب الصدقات والهبات والتبرعات، إلى آلية حديثة، شفافة، عادلة، ومندمجة في مشروع الدولة الاجتماعية؟
سادسًا: الدولة الاجتماعية بين الدعم المباشر وإصلاح البنية المنتجة
بعد الحديث عن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ومؤسسة محمد السادس، والزكاة والصدقات والتبرعات، ثم إمكان تنظيم التصريح التضامني، يبرز السؤال الأعمق في بناء الدولة الاجتماعية:
هل يكفي أن توسع الدولة شبكات الدعم والمساعدة، أم أن المطلوب هو إصلاح البنية الاقتصادية التي تنتج الفقر والهشاشة وتآكل الطبقة الوسطى؟
إن الدعم المباشر، مهما كانت أهميته، يظل علاجًا لنتائج الأزمة أكثر مما هو علاج لجذورها. فهو قد يخفف معاناة الأسر، ويساعد على مواجهة بعض تكاليف العيش، ويمنح الفئات الهشة قدرًا من الحماية المؤقتة، لكنه لا يخلق بالضرورة عملًا مستقرًا، ولا يبني صناعة محلية، ولا يعيد الحياة إلى الاقتصاد القروي، ولا يحمي الحرفيين والمنتجين الصغار من المنافسة غير المتكافئة، ولا يكسر منطق الاحتكار الذي يجعل السوق أحيانًا مجالًا لتراكم الربح لدى قلة، بدل أن يكون فضاءً عادلًا لتوزيع الفرص.
ومن هنا يظهر الفرق بين دولة اجتماعية تُدير الفقر، ودولة اجتماعية تُقلص أسبابه. فالأولى توسع برامج الدعم لأنها تجد نفسها أمام فئات متزايدة من المحتاجين، لكنها قد تبقى عاجزة عن وقف إنتاج الهشاشة. أما الثانية فتجعل الدعم جزءًا من سياسة انتقالية، لا غاية نهائية؛ فتربطه بالتعليم الجيد، والتكوين المهني، والصحة، والسكن اللائق، والتمويل المنتج، وحماية الاقتصاد المحلي، وتشجيع المقاولات الصغيرة، وإحياء الصناعة التقليدية، وربط الاستثمار بخلق فرص الشغل لا بمجرد تحقيق الأرباح.
إن بناء الدولة الاجتماعية لا يتحقق بمجرد توزيع الإعانات، بل بإعادة بناء القدرة الإنتاجية للمجتمع. فالأسرة التي تحصل على دعم مالي محدود قد تصمد شهرًا أو سنة، لكنها لا تخرج من دائرة الهشاشة إلا إذا وجدت مدرسة قوية لأبنائها، ومركزًا صحيًا يحميها من الانهيار عند المرض، وفرصة شغل تحفظ كرامتها، ومجالًا اقتصاديًا محليًا يسمح لها بالإنتاج لا بالاستهلاك فقط. لذلك فإن الدولة الاجتماعية الحقيقية لا تسأل فقط: كم أسرة استفادت من الدعم؟ بل تسأل: كم أسرة خرجت فعلًا من الحاجة إلى الاستقلال؟ وكم منطقة انتقلت من الهشاشة إلى الإنتاج؟ وكم شابًا تحول من طالب مساعدة إلى فاعل اقتصادي؟
وبهذا المعنى، فإن الدعم المباشر ينبغي أن يُفهم بوصفه شبكة أمان لا بديلًا عن التنمية. فهو ضروري حين يكون الفقر قائمًا والقدرة الشرائية منهكة، لكنه يصبح خطرًا إذا تحول إلى سياسة دائمة تعوّض غياب الإصلاح البنيوي. ذلك أن المجتمع لا يستقر بكثرة المستفيدين من الدعم، بل بقلة المحتاجين إليه. وكلما احتاجت الدولة إلى توسيع قاعدة الدعم دون أن توسع قاعدة الإنتاج، كان ذلك دليلًا على أن النموذج الاجتماعي يعالج الأعراض أكثر مما يعالج المرض.
لذلك، فإن التحدي الأكبر أمام الدولة الاجتماعية في المغرب ليس فقط أن تصل المساعدة إلى مستحقيها، بل أن يتحول الدعم إلى جسر نحو الإدماج الاقتصادي والاجتماعي. وهذا لا يتحقق إلا بسياسة عمومية تجعل من التعليم والتكوين والصحة والسكن والتمويل والإنتاج المحلي مسارات متكاملة تنتهي إلى محطة واحدة: مواطن قادر على العيش بكرامة من عمله، لا مواطن ينتظر تدخل الدولة كلما اشتدت عليه كلفة الحياة.
خلاصة : من المبادرات الاجتماعية إلى سؤال السياسات العمومية
تكشف المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ومؤسسة محمد السادس، والزكاة والصدقات والتبرعات، وإمكان تنظيم التصريح التضامني، أن العهد الجديد حاول بناء صورة اجتماعية أكثر قربًا من الفئات الهشة والطبقة الوسطى، وأن سؤال الفقر لم يعد خارج اهتمام الدولة أو المجتمع. فقد ظهرت مبادرات مهمة، ومؤسسات ذات أثر اجتماعي، وموارد تضامنية كان يمكن تنظيمها بصورة أفضل، وكلها تؤكد أن الدولة الاجتماعية لم تعد مطلبًا نظريًا، بل أصبحت حاجة سياسية واجتماعية ملحة.
غير أن هذه المبادرات، مهما بلغت أهميتها، تظل واقعة في مجال الدعم، والتخفيف، والتجريب، والتضامن، ولا تستطيع وحدها أن تؤسس دولة اجتماعية مكتملة. فالمبادرة قد تكشف الحاجة، والمؤسسة الاجتماعية قد تخفف الضغط عن فئة معينة، والزكاة والصدقات قد تسعف الفقير أو تساعد مشروعًا صغيرًا، لكن بناء الكرامة الاجتماعية لا يتحقق إلا حين تنتقل الدولة من منطق المبادرات إلى منطق السياسات العمومية المستقرة.
ومن هنا يبرز الفرق الحاسم بين المساعدة والحق. فالمساعدة قد تصل وقد لا تصل، وقد تكون موسمية أو قطاعية أو مرتبطة ببرنامج محدود، أما الحق فيفترض مؤسسة دائمة، وتمويلًا واضحًا، ومعايير عادلة، وآلية للمحاسبة، وقدرة على الاستمرار. لذلك لا يكفي أن تكون للدولة مبادرات اجتماعية ناجحة، بل ينبغي أن تكون لها مدرسة عمومية قوية، ومنظومة صحية فعالة، وسوق شغل قادر على الإدماج، وسياسة سكن تحفظ الكرامة، ونظام حماية اجتماعية يمنع سقوط المواطن في الهشاشة قبل أن يحتاج إلى إنقاذه منها.
وبهذا المعنى، فإن هذا الباب لا ينتهي إلى حكم سلبي على المبادرات الاجتماعية، بل إلى خلاصتها الطبيعية: لقد كانت هذه المبادرات ضرورية لتخفيف بعض آثار الفقر والهشاشة، لكنها لا تكفي لبناء الدولة الاجتماعية. فالاختبار الحقيقي يبدأ في القطاعات الكبرى التي تمس حياة المواطن اليومية: التعليم، والصحة، والشغل، والسكن، والحماية الاجتماعية. وهناك فقط يتضح هل انتقل المغرب فعلًا من دولة الدعم والمبادرات إلى دولة الحقوق والكرامة والعدالة الاجتماعية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق