قراءة في إعادة تشكيل النظام الأمني في الشرق الأوسط
تمهيد: لم يكن توقيع اتفاق مكة بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان حدثًا عسكريًا عابرًا يمكن إدراجه ضمن سلسلة الاتفاقيات الدفاعية التي اعتاد الشرق الأوسط أن يشهدها منذ عقود، بل جاء في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الحرب الإيرانية الإسرائيلية، وتصاعد هجمات الحوثيين على الملاحة الدولية، وتعثر المفاوضات النووية، وازدياد الحديث عن إعادة تموضع الولايات المتحدة في المنطقة، مع تحولات عميقة في موازين القوى الدولية بعد الحرب الأوكرانية واحتدام المنافسة الأمريكية مع الصين وروسيا.
ولذلك لم يكن مستغربًا أن يحظى الاتفاق باهتمام واسع في مراكز الدراسات ووسائل الإعلام العالمية؛ إذ لم يُقرأ باعتباره مجرد معاهدة دفاع بين ثلاث دول، بل باعتباره مؤشرًا على احتمال دخول الشرق الأوسط مرحلة جديدة من إعادة بناء منظومته الأمنية، بعد عقود ظل فيها الأمن الإقليمي قائمًا أساسًا على المظلة الأمريكية والتحالفات الثنائية، بينما بقيت مشاريع الأمن العربي والإسلامي المشترك عاجزة عن التحول إلى مؤسسات فعالة.../...
وقد زاد من أهمية الاتفاق اختيار مكة المكرمة مكانًا للتوقيع عليه، وهو اختيار تجاوز البعد البروتوكولي ليحمل دلالات سياسية ودينية رمزية عميقة. فمكة ليست مجرد مدينة سعودية، بل تمثل بالنسبة إلى أكثر من مليار ونصف مليار مسلم المركز الديني الأقدس في العالم الإسلامي. ومن ثم فإن توقيع اتفاق دفاعي فيها يمنح الحدث بعدًا يتجاوز الجغرافيا السياسية التقليدية، ويفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت المملكة العربية السعودية تسعى إلى إضفاء شرعية إسلامية سنية على مشروع أمني جديد يستبعد معظم الدول الإسلامية ويقام بعيدا عن مبدا الشورى، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون اختيارًا رمزيًا لا أكثر.
كما أثار الاتفاق منذ ساعاته الأولى أسئلة أخرى لا تقل أهمية.
فهل يتعلق الأمر فعلًا بمعاهدة دفاع مشترك، أم أننا أمام النواة الأولى لتحالف عسكري قد يتطور مستقبلًا إلى ما يشبه حلف شمال الأطلسي على المستوى الإسلامي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا اقتصر على ثلاث دول فقط، بينما غابت عنه دول إسلامية كبرى مثل مصر وإندونيسيا وماليزيا والمغرب، كما غابت عنه دول خليجية ترتبط بالسعودية بمنظومات دفاعية مشتركة منذ عقود؟
ثم إن اختيار تركيا وباكستان تحديدًا يطرح بدوره أسئلة تتجاوز البعد العسكري المباشر. فتركيا ليست مجرد قوة إقليمية صاعدة، بل هي أيضًا عضو رئيس في حلف شمال الأطلسي، وتملك في الوقت نفسه مشروعًا سياسيًا يسعى إلى توسيع نفوذها في المجالين الإسلامي والمتوسطي. أما باكستان فهي الدولة الإسلامية الوحيدة المالكة للسلاح النووي، وصاحبة أحد أكبر الجيوش في العالم الإسلامي، وترتبط بعلاقات استراتيجية ممتدة مع المملكة العربية السعودية منذ عقود. فهل جاء اختيارهما استجابة لحاجات دفاعية خالصة، أم أن لكل منهما وظيفة جيوسياسية مختلفة داخل هذا البناء الجديد؟
ومن جهة أخرى، لم يحدد الاتفاق بصورة قاطعة طبيعة التهديد الذي يسعى إلى مواجهته. فرغم تأكيد أطرافه أنه لا يستهدف دولة بعينها، فقد جاء توقيته في خضم مواجهة إقليمية يتصدرها التصعيد مع إيران، واستمرار هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، وتصاعد نفوذ المليشيات المسلحة في العراق ولبنان، الأمر الذي جعل كثيرًا من المراقبين يتساءلون عما إذا كانت طهران وأدرعها الضاربة في المنطقة تمثل الخصم الحقيقي الذي صُمم الاتفاق لاحتوائه، أم أن الغاية الأساسية هي سد الفراغ الذي قد ينشأ عن تغير طبيعة الانخراط العسكري الأمريكي في المنطقة.
وتزداد هذه الأسئلة تعقيدًا عندما نضع الاتفاق في سياق التحولات الأوسع التي يعرفها النظام الدولي. فالولايات المتحدة لا تبدو في طور الانسحاب الكامل من الشرق الأوسط بقدر ما تبدو في طور إعادة توزيع أعبائه الأمنية بين شركائها الإقليميين، في وقت يتزايد فيه اهتمامها بغرب المتوسط والساحل الإفريقي والمحيطين الهندي والهادئ ضمن استراتيجيتها العالمية لمواجهة الصين وروسيا. ومن ثم، يصبح اتفاق مكة جزءًا من لوحة جيوسياسية أكبر، لا يمكن فهمه بمعزل عن إعادة ترتيب الأدوار بين القوى الإقليمية، ولا عن التحولات التي تشهدها العلاقة بين واشنطن وحلفائها التقليديين.
وانطلاقًا من هذا كله، لا ينطلق هذا البحث من سؤال بسيط من قبيل: ما هو اتفاق مكة؟ بل من سؤال أكثر عمقًا واتساعًا:
هل يمثل هذا الاتفاق بداية ولادة منظومة أمنية إسلامية جديدة، أم أنه يعكس فقط إعادة توزيع الوظائف الأمنية داخل نظام إقليمي ما يزال يتحرك، في جوهره، ضمن التوازنات الاستراتيجية التي ترسمها القوى الكبرى؟
وللإجابة عن هذا السؤال، يعتمد البحث على منهج يميز بوضوح بين الوقائع المعلنة والموثقة، وبين التحليل الجيوسياسي المستند إليها، وبين الفرضيات والسيناريوهات المستقبلية التي لا تُقدَّم باعتبارها حقائق نهائية، وإنما باعتبارها أدوات لفهم الاتجاهات المحتملة في منطقة تشهد واحدة من أعمق عمليات إعادة التشكل منذ نهاية الحرب الباردة.
مدخل منهجي
تنتمي هذه الدراسة إلى سلسلة من الأبحاث الجيوسياسية التي لا تكتفي بمتابعة الأحداث، بل تسعى إلى قراءة التحولات العميقة التي تكشفها تلك الأحداث. فالأخبار تصف ما وقع، أما البحث الجيوسياسي فيسعى إلى فهم لماذا وقع؟ وكيف وقع؟ وإلى أين يمكن أن يقود؟
ومن هنا، لا تنظر هذه الدراسة إلى اتفاق مكة بوصفه خبرًا سياسيًا أو اتفاقًا عسكريًا فحسب، وإنما تتعامل معه باعتباره مدخلًا لقراءة التحولات التي يشهدها النظام الأمني في الشرق الأوسط، وإعادة توزيع الأدوار بين القوى الإقليمية والدولية.
ولهذا اعتمدت الدراسة منهجًا يقوم على التمييز بين أربعة مستويات متكاملة:
أولًا: الخبر أو الواقعة.
وهو ما ثبت وقوعه، واستند إلى وثائق رسمية، أو تصريحات معلنة، أو معطيات يمكن التحقق منها من مصادر موثوقة.
ثانيًا: التحليل.
وهو محاولة تفسير تلك الوقائع من خلال ربطها بسياقها التاريخي والسياسي والاستراتيجي، دون تجاوز ما تسمح به المعطيات المتاحة.
ثالثًا: الفرضية.
وهي قراءة تفسيرية تستند إلى تقاطع مجموعة من المؤشرات، لكنها لا تُقدَّم بوصفها حقيقة ثابتة، بل احتمالًا معقولًا يساعد على فهم الاتجاهات التي قد تكون الأحداث بصدد كشفها.
رابعًا: السيناريو.
وهو استشراف للمسارات المستقبلية المحتملة في ضوء الوقائع والاتجاهات الراهنة، مع التسليم بأن تطور الأحداث قد يؤكد بعض هذه السيناريوهات أو ينفيها.
وانطلاقًا من هذا المنهج، لن يجد القارئ في الصفحات الأولى نتائج جاهزة أو أحكامًا نهائية، لأن هذه الدراسة لا تبدأ بالخلاصات، بل تبنيها تدريجيًا من خلال مسار متصل من الأسئلة والتحليل والاستنتاج.
ولهذا ينتهي كل محور بسؤال يمهد للمحور الذي يليه، بحيث تتشكل الصورة الكاملة بصورة تراكمية، فلا تأتي الخاتمة باعتبارها رأيًا يفرضه الكاتب على القارئ، وإنما باعتبارها النتيجة الطبيعية لمسار تحليلي تكون حلقاته قد اكتملت تباعًا.
إن الغاية من هذا المنهج ليست إقناع القارئ برأي محدد، بل إشراكه في عملية بناء الفهم، انطلاقًا من الوقائع أولًا، ثم من تحليلها، ثم من استشراف ما قد تؤول إليه.
ففي الدراسات الجيوسياسية لا تكمن قيمة البحث في سرعة الوصول إلى الجواب، بل في سلامة المنهج الذي يقود إليه.
الأحداث تصنع الأخبار، أما الأسئلة الصحيحة فهي التي تصنع الفهم.
لذلك لم يبدأ هذا البحث بجمع المعلومات، بل باكتشاف الأسئلة التي تستحق أن تُطرح. فالمعلومات متاحة للجميع، أما السؤال الصحيح فهو الذي يكشف ما تعجز الوقائع المتفرقة عن إظهاره.
المحور الأول: من معاهدة دفاع إلى مشروع تحالف
تحرير المفاهيم قبل قراءة الحدث
من أكثر الأخطاء شيوعًا في تناول الاتفاقيات العسكرية الخلط بين مفاهيم تبدو متقاربة في ظاهرها، لكنها تختلف جذريًا من حيث طبيعتها القانونية والسياسية والعسكرية. فكثيرًا ما تُستعمل في الخطاب الإعلامي تعبيرات مثل “اتفاقية دفاع مشترك”، و ”تحالف عسكري”، و ”حلف دفاعي”، و ”الأمن الجماعي” وكأنها مترادفات تؤدي المعنى نفسه، بينما لكل واحد منها مضمون مختلف، وتترتب عليه آثار قانونية وسياسية مختلفة.
ولذلك فإن فهم اتفاق مكة يقتضي أولًا تحرير هذه المفاهيم قبل الانتقال إلى تحليل أهدافه أو استشراف نتائجه.
أولًا: اتفاقية الدفاع المشترك
يقوم هذا النوع من الاتفاقيات على تعهد دولتين أو أكثر بالتعاون في مواجهة الاعتداءات الخارجية، مع تحديد أشكال المساندة التي يمكن تقديمها في حالة تعرض أحد الأطراف لتهديد عسكري.
غير أن هذا الالتزام لا يعني بالضرورة أن كل دولة تصبح ملزمة بخوض الحرب تلقائيًا إلى جانب الطرف المعتدى عليه، إذ قد تقتصر المساندة على تبادل المعلومات الاستخباراتية، أو الدعم اللوجستي، أو التسليح، أو الدفاع الجوي، أو الإسناد السياسي والدبلوماسي، تبعًا لما تنص عليه الاتفاقية، وبحسب تقدير كل دولة للظروف المحيطة بالأزمة.
ولهذا السبب تختلف اتفاقيات الدفاع المشترك اختلافًا كبيرًا في درجة إلزامها، كما تختلف في طبيعة الالتزامات التي تفرضها على أعضائها.
ثانيًا: التحالف العسكري
أما التحالف العسكري فيمثل درجة أعلى من التكامل.
فهو لا يقوم فقط على التعهد بالمساعدة، بل يسعى إلى بناء منظومة دفاعية مشتركة، تشمل عادةً تنسيق العقائد العسكرية، والتخطيط العملياتي، وإجراء المناورات المشتركة، وتطوير أنظمة القيادة والسيطرة، وتبادل المعلومات بصورة دائمة، وربما إنشاء هياكل قيادية مشتركة تكون قادرة على إدارة العمليات العسكرية عند الضرورة.
ومن ثم فإن التحالف لا يقاس فقط بما تنص عليه وثيقته التأسيسية، وإنما أيضًا بمدى تطور مؤسساته وآليات اتخاذ القرار داخله.
ثالثًا: الأحلاف الدفاعية
تمثل الأحلاف الدفاعية المستوى الأكثر تطورًا.
فهي لا تكتفي بالتعاون أو التنسيق، بل تؤسس لالتزام جماعي يعتبر الاعتداء على أحد الأعضاء اعتداءً على الجميع، مع وجود آليات مؤسساتية لاتخاذ القرار وتنفيذ العمليات.
ويعد حلف شمال الأطلسي المثال الأبرز لهذا النموذج، ليس بسبب المادة الخامسة وحدها، وإنما لأنه يمتلك قيادة عسكرية موحدة، وهيكلًا دائمًا للقيادة والسيطرة، ومنظومة متكاملة للتخطيط، وقواعد اشتباك، وآليات للتشاور السياسي والعسكري، وقوات عالية الجاهزية، الأمر الذي يجعله أكثر من مجرد معاهدة دفاع.
رابعًا: الأمن الجماعي
ويختلف الأمن الجماعي عن جميع ما سبق.
فهو لا يقوم على تحالف بين مجموعة محددة من الدول، وإنما على مبدأ أوسع مؤداه أن أمن كل دولة جزء من أمن المجتمع الدولي بأسره، كما هو الحال في منظومة الأمم المتحدة، حيث يملك مجلس الأمن – نظريًا – صلاحية اتخاذ تدابير جماعية ضد أي تهديد للسلم والأمن الدوليين.
إلا أن هذا النموذج ظل، في التطبيق العملي، رهينًا لتوازنات القوى الكبرى وحق النقض، الأمر الذي حد من فعاليته في كثير من الأزمات الدولية.
أين يقع اتفاق مكة؟
في ضوء هذه التمييزات، يصعب اعتبار اتفاق مكة حلفًا عسكريًا متكاملًا بالمعنى الذي ينطبق على حلف شمال الأطلسي، كما يصعب اختزاله في مجرد اتفاقية دفاع تقليدية.
فمن جهة، يتضمن الاتفاق مبدأ الدفاع الجماعي، وهو عنصر جوهري يقترب من فلسفة الأحلاف العسكرية. ومن جهة أخرى، لا توجد حتى الآن مؤشرات معلنة على إنشاء قيادة عسكرية موحدة، أو هيكل دائم للقيادة والسيطرة، أو مؤسسات مشتركة لإدارة العمليات، وهي العناصر التي تميز الأحلاف المكتملة.
وبناءً على ذلك، يبدو أن اتفاق مكة يحتل موقعًا وسطًا بين معاهدة الدفاع المشترك والحلف العسكري؛ فهو يضع الأساس القانوني والسياسي لتعاون دفاعي متقدم، لكنه لم يبلغ بعد مرحلة المؤسسة العسكرية الجماعية.
غير أن أهمية الاتفاق لا تكمن في صورته الحالية فقط، وإنما في قابليته للتطور. فالتاريخ العسكري يبين أن كثيرًا من الأحلاف الكبرى لم تولد مكتملة، بل بدأت باتفاقيات دفاع محدودة، ثم تطورت تدريجيًا مع تغير البيئة الاستراتيجية وتزايد المصالح المشتركة.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما إذا كان اتفاق مكة حلفًا عسكريًا اليوم، بل بما إذا كان يمثل النواة الأولى لتحالف قابل للنمو والتوسع إذا استمرت الظروف الإقليمية التي أفرزته.
وهذا يقود إلى سؤال آخر لا يقل أهمية:
إذا كان الاتفاق يسير في اتجاه بناء منظومة أمنية جديدة، فلماذا اختيرت مكة بالذات لتكون مسرحًا لتوقيعه؟ وهل كان اختيار المكان مجرد إجراء بروتوكولي، أم أنه يحمل رسالة سياسية ودينية تتجاوز حدود المملكة العربية السعودية لتخاطب العالم الإسلامي بأسره؟
المحور الثاني: مكة… حين يتحول المكان إلى رسالة جيوسياسية
لم يكن اختيار مكة المكرمة لتوقيع الاتفاق الثلاثي بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان قرارًا بروتوكوليًا يمكن عزله عن طبيعة الحدث نفسه، بل جاء محمّلًا برسائل سياسية ودينية تتجاوز حدود الدولة السعودية إلى المجال الإسلامي بأسره. فالأحداث الكبرى في العلاقات الدولية لا تُقرأ فقط من خلال نصوص الاتفاقيات، وإنما أيضًا من خلال رمزية الزمان والمكان اللذين تُعلن فيهما، لأن المكان قد يتحول أحيانًا إلى جزء من الرسالة السياسية نفسها.
ومن هذه الزاوية، يصعب النظر إلى مكة باعتبارها مجرد مدينة استضافت مراسم التوقيع، لأنها تحتل في الوعي الإسلامي مكانة لا تضاهيها أي مدينة أخرى. فهي قبلة المسلمين، ومهبط الوحي، ومركز الحج الذي يجتمع فيه المسلمون من مختلف القارات واللغات والمذاهب. ولذلك فإن أي إعلان سياسي يصدر منها يكتسب تلقائيًا بعدًا رمزياً يتجاوز الإطار الوطني للدولة التي تستضيفه.
ومن هنا يبرز السؤال الأول:
لماذا مكة، وليس الرياض؟
فالرياض هي العاصمة السياسية والإدارية للمملكة، وهي المقر الطبيعي لإعلان الاتفاقيات الدولية، كما أنها تستضيف بصورة منتظمة القمم الخليجية والعربية والإسلامية، وتمتلك البنية الدبلوماسية والمؤسساتية اللازمة لهذا النوع من اللقاءات.
أما نقل التوقيع إلى مكة، فيوحي بأن الرسالة المراد إيصالها لا تقتصر على الحكومات، وإنما تتوجه أيضًا إلى المجال الرمزي للعالم الإسلامي.
وهذا لا يعني بالضرورة أن المملكة أرادت إنشاء “حلف ديني”، لكنه يدل على أنها سعت إلى إضفاء شرعية حضارية وإسلامية على مشروع أمني يتجاوز المصالح الثنائية التقليدية.
ولعل هذا ما يفسر أيضًا اختيار مصطلح “اتفاق مكة” في التداول الإعلامي والسياسي، بدل الاكتفاء باسم “الاتفاق السعودي التركي الباكستاني”. فالأول يحيل مباشرة إلى رمز جامع يتجاوز الحدود الوطنية، بينما يبقى الثاني مجرد وصف جغرافي لأطراف الاتفاق.
غير أن هذه الرمزية تطرح بدورها إشكالًا لا يقل أهمية.
فإذا كانت مكة تمثل رمزًا جامعًا للعالم الإسلامي، فكيف يمكن لاتفاق يحمل اسمها أن يقتصر على ثلاث دول فقط؟
ولماذا غابت عنه دول إسلامية ذات ثقل سكاني أو عسكري أو ديني، مثل مصر وإندونيسيا وماليزيا والمغرب وغيرها؟
وهل يكفي وجود مكة لإضفاء صفة “الإسلامي” على تحالف لا يضم إلا جزءًا محدودًا من العالم الإسلامي؟
إن هذه الأسئلة تكشف أن وصف الاتفاق بـ ”الحلف الإسلامي” يحتاج إلى قدر كبير من التحفظ.
ففي العلوم السياسية لا تُقاس هوية التحالفات بالشعارات أو الرموز، وإنما بطبيعة العضوية وبنيتها المؤسسية. وإذا كان العالم الإسلامي يضم أكثر من خمسين دولة، فإن اقتصار الاتفاق على ثلاث منها يجعل من الصعب اعتباره ممثلًا للعالم الإسلامي كله، حتى وإن وُقع في أقدس مدنه.
ومن ثم، فإن كلمة “إسلامي” هنا تبدو أقرب إلى الشرعية الرمزية منها إلى التمثيل المؤسسي.
وهذه الملاحظة تكتسب أهمية أكبر إذا استحضرنا تاريخ المنافسة على قيادة العالم السني خلال القرن الأخير.
فبعد سقوط الدولة العثمانية سنة 1924، لم تعد هناك سلطة سياسية جامعة للمسلمين السنة، بل ظهرت عدة مراكز للنفوذ الديني والسياسي، لكل منها مصادر مختلفة للشرعية.
فالمملكة العربية السعودية تدير ولا تملك الحرمين الشريفين، وهو ما منحها مكانة دينية استثنائية داخل العالم الإسلامي، ورسخ صورتها، لعقود طويلة، باعتبارها الراعي الأول للمقدسات الإسلامية.
أما مصر، فقد استندت إلى مكانة مؤسسة الأزهر، وإلى ثقلها السكاني والعسكري والثقافي، بوصفها أحد أهم مراكز إنتاج المرجعية الدينية السنية.
في حين بنت تركيا، خصوصًا خلال العقود الأخيرة، مشروعها الإقليمي على استعادة نفوذها التاريخي داخل المجالات التي كانت خاضعة للدولة العثمانية، مع توظيف متزايد لأدوات القوة الناعمة، من التعليم والإعلام والعمل الإنساني والمؤسسات الدينية، إلى جانب الحضور العسكري والصناعي.
ومن هذه الزاوية، لا يمكن فصل اتفاق مكة عن هذا السياق التاريخي.
فالتوقيع في مكة يمنح السعودية مركز الثقل الرمزي داخل الاتفاق، حتى وإن كانت تركيا تمثل ثقله العسكري والصناعي، وباكستان تمثل ثقله البشري والنووي.
وبعبارة أخرى، يبدو أن توزيع الأدوار داخل الاتفاق لا يقوم فقط على توازن القدرات العسكرية، وإنما أيضًا على توزيع مصادر الشرعية.
فالسعودية تمنح الاتفاق شرعيته الإسلامية والرمزية.
وتركيا تمنحه ثقله العسكري والتقني.
وباكستان تمنحه عمقه الاستراتيجي وقدرته الردعية.
وهذا التوازن قد يكون أحد الأسباب التي دفعت إلى اختيار مكة دون غيرها، لأنه يضمن أن يبقى المركز الرمزي للمشروع داخل المملكة العربية السعودية، مهما تعاظم الدور العسكري لتركيا أو الثقل الاستراتيجي لباكستان.
غير أن هذه القراءة تفتح سؤالًا آخر أكثر حساسية.
فإذا كان المكان قد منح الاتفاق شرعية إسلامية، فهل يعني ذلك أن المملكة العربية السعودية تسعى إلى إعادة بناء موقعها بوصفها القائد السياسي للعالم السني بعد سنوات شهدت صعود أدوار إقليمية منافسة؟
أم أن الأمر يتعلق فقط بمحاولة منح اتفاق دفاعي محدود بعدًا رمزيًا يساعد على توسيعه مستقبلًا؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تستند إلى رمزية المكان وحدها، وإنما تقتضي الانتقال إلى تحليل البنية الداخلية للتحالف نفسه، والبحث في دلالة اختيار أعضائه، ودلالة غياب أطراف إسلامية أخرى لا تقل أهمية عن الدول الثلاث المؤسسة.
ومن هنا يصبح السؤال التالي طبيعيًا:
لماذا اختيرت السعودية وتركيا وباكستان بالذات؟ ولماذا بقيت دول أخرى، عربية وإسلامية، خارج هذا البناء الجديد؟
المحور الثالث: هندسة التحالف… لماذا هؤلاء الثلاثة؟
لا تكشف التحالفات الدولية عن طبيعتها من خلال نصوصها القانونية وحدها، بل تكشفها أيضًا هوية الدول التي تؤسسها. فاختيار الأعضاء الأوائل ليس قرارًا بروتوكوليًا، وإنما يعكس في الغالب تصورًا لطبيعة التهديد، ولموازين القوة، وللوظيفة التي ينتظر من كل عضو أن يؤديها داخل البناء الجديد.
ولهذا، فإن فهم اتفاق مكة لا يبدأ بقراءة بنوده، وإنما يبدأ بالإجابة عن سؤال أكثر عمقًا:
لماذا اجتمعت المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان تحديدًا؟
فلو كان الهدف مجرد إنشاء اتفاقية دفاع، لكان بالإمكان اختيار دول أخرى تربطها بالسعودية علاقات عسكرية وسياسية وثيقة منذ عقود. ولو كان الهدف بناء تحالف إسلامي واسع، لكانت قائمة الأعضاء مختلفة تمامًا. أما إذا كان الأمر يتعلق ببناء منظومة أمنية ذات وظائف محددة، فإن اختيار هذه الدول الثلاث يصبح أكثر قابلية للفهم.
وهنا لا ينبغي النظر إلى أعضاء الاتفاق باعتبارهم ثلاث دول متساوية تؤدي الدور نفسه، بل باعتبارهم ثلاثة أركان، يحمل كل واحد منها وظيفة مختلفة داخل البناء العام.
السعودية… لماذا احتاجت إلى هذا التحالف؟
قد يبدو الجواب للوهلة الأولى بسيطًا: لأن السعودية تواجه تهديدات أمنية متزايدة.
غير أن هذا التفسير، على صحته، لا يفسر سبب ظهور الاتفاق في هذا التوقيت بالذات، ولا سبب اختيار شركائه.
فالمملكة العربية السعودية ليست دولة تفتقر إلى اتفاقيات الدفاع أو إلى الشراكات العسكرية. فمنذ عقود وهي ترتبط بعلاقات استراتيجية وثيقة مع الولايات المتحدة، كما تستضيف قواعد وتعاونًا عسكريًا واسعًا مع عدد من القوى الغربية، وتملك واحدًا من أكبر برامج التسليح في العالم.
ولو كان الهدف مجرد الحصول على حماية عسكرية إضافية، لما كان هناك ما يبرر إنشاء إطار جديد.
ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي ليس:
لماذا تحتاج السعودية إلى حلف دفاع جديد؟
بل:
لماذا تحتاج إلى إعادة تنظيم منظومة الدفاع التي تعتمد عليها؟
وهنا تبدأ الصورة في الاتضاح.
فخلال العقد الأخير تغيرت البيئة الأمنية المحيطة بالمملكة بصورة عميقة.
فالهجمات التي تعرضت لها منشآت النفط، وتصاعد قدرات الحوثيين الصاروخية، واتساع نفوذ الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران في أكثر من ساحة، كلها كشفت أن التهديدات الجديدة لم تعد تشبه الحروب التقليدية بين الجيوش النظامية، بل أصبحت تقوم على مزيج من الصواريخ والطائرات المسيّرة، والوكلاء المحليين، والحرب السيبرانية، واستهداف البنية الاقتصادية.
وفي الوقت نفسه، بدأت الولايات المتحدة تعيد تعريف دورها في الشرق الأوسط. فلم تعد الأولوية تقوم على خوض الحروب المباشرة نيابة عن الحلفاء، بقدر ما أصبحت تقوم على تعزيز قدراتهم الذاتية، وتقاسم الأعباء الأمنية معهم.
وبذلك وجدت الرياض نفسها أمام معادلة جديدة:
فهي لا تريد الاستغناء عن شراكتها الاستراتيجية مع واشنطن، لكنها في الوقت نفسه لم تعد ترغب في أن يبقى أمنها معتمدًا على تلك الشراكة وحدها.
ومن هنا يبدو أن اتفاق مكة لا يمثل قطيعة مع التحالف الأمريكي، بقدر ما يمثل محاولة لبناء طبقة إقليمية إضافية من الردع، تستطيع المملكة من خلالها توسيع خياراتها الأمنية دون أن تدخل في مواجهة مع حلفائها التقليديين.
غير أن هذا يفتح سؤالًا آخر.
إذا كانت السعودية تبحث عن شركاء إقليميين، فلماذا وقع اختيارها على تركيا تحديدًا، رغم ما عرفته العلاقات بين البلدين خلال العقد الماضي من توترات سياسية، وتنافس على النفوذ داخل العالم السني، وتباين في المواقف من قضايا إقليمية كبرى؟
إن مجرد طرح هذا السؤال يكشف أن اختيار أنقرة لم يكن قرارًا بديهيًا، بل كان نتيجة تحولات أعمق في البيئة الإقليمية، وهي التحولات التي ينبغي فهمها قبل الانتقال إلى الحديث عن باكستان.
تركيا… لماذا أصبحت شريكًا لا يمكن تجاوزه؟
إذا كان اختيار المملكة العربية السعودية مفهومًا باعتبارها صاحبة المبادرة وصاحبة المصلحة المباشرة في بناء منظومة ردع إقليمية جديدة، فإن اختيار تركيا يبدو أكثر تعقيدًا.
فالبلدان لم يدخلا هذا المشروع من صفحة بيضاء.
فعلى امتداد العقود الماضية، مرت العلاقات السعودية التركية بمحطات من التوتر الحاد، ارتبطت بالخلاف حول ثورات الربيع العربي، والموقف من جماعة الإخوان المسلمين، والتنافس على النفوذ في عدد من الساحات الإقليمية، ثم جاءت قضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي لتدفع العلاقات بين البلدين إلى واحدة من أكثر مراحلها حساسية.
ولذلك فإن السؤال لا يتعلق فقط بسبب اختيار تركيا، بل بسبب توقيت هذا الاختيار.
ما الذي تغير حتى انتقل الطرفان من التنافس إلى الشراكة؟
إن الجواب لا يكمن، على الأرجح، في تغير مواقف البلدين تجاه الماضي، وإنما في تغير البيئة الاستراتيجية المحيطة بهما.
فالدول لا تبني تحالفاتها على أساس الذاكرة وحدها، بل على أساس توازن المصالح والتهديدات.
وحين تتغير مصادر الخطر، يعاد ترتيب الأولويات.
ومن هذه الزاوية، تمثل تركيا بالنسبة إلى السعودية أكثر من مجرد دولة إسلامية ذات جيش كبير.
إنها تجمع خصائص قلما تجتمع في دولة واحدة.
فهي تمتلك ثاني أكبر جيش داخل حلف شمال الأطلسي، وقاعدة صناعية عسكرية متطورة، وخبرة عملياتية تراكمت في أكثر من ساحة، من سوريا والعراق إلى ليبيا والقوقاز، فضلًا عن قدرتها المتزايدة على إنتاج الطائرات المسيّرة، وأنظمة الدفاع، والسفن الحربية، والذخائر الموجهة، وهو ما جعلها خلال السنوات الأخيرة تتحول من مستورد كبير للسلاح إلى أحد أبرز مصدريه.
لكن هذه القدرات العسكرية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لتفسير موقع تركيا داخل الاتفاق.
فهناك عنصر آخر أكثر تعقيدًا.
تركيا هي الدولة الوحيدة داخل هذا التحالف التي تنتمي في الوقت نفسه إلى منظومة أمنية غربية راسخة (حلف الناتو)، وإلى الفضاء الإسلامي الذي يسعى الاتفاق إلى تنظيم جزء من أمنه.
وبذلك تصبح أنقرة جسرًا بين منظومتين، لا عضوًا في تحالف واحد فقط.
وهنا تبرز إحدى أهم مفارقات اتفاق مكة.
فمن جهة، يمنح وجود تركيا الاتفاق خبرة عسكرية وصناعية لا تتوافر لمعظم الدول الإسلامية.
ومن جهة أخرى، يجعل هذا الوجود الاتفاق نفسه مرتبطًا – ولو بصورة غير مباشرة – بحسابات لا تقتصر على الشرق الأوسط، بل تمتد أيضًا إلى التزامات تركيا داخل حلف شمال الأطلسي.
وهذا لا يعني أن الناتو يصبح طرفًا في الاتفاق، كما لا يعني أن تركيا تتحرك بالنيابة عنه، لكنه يعني أن أي تطور عسكري كبير يشارك فيه هذا التحالف سيظل خاضعًا أيضًا للحسابات الاستراتيجية التي تفرضها عضوية أنقرة في المنظومة الأطلسية.
ومن هنا، يبدو أن دخول تركيا إلى اتفاق مكة لم يضف إليه القوة العسكرية فقط، بل أضاف إليه أيضًا عنصرًا جديدًا من عناصر الردع.
فأي خصم يفكر في مواجهة هذا التحالف لن يضع في حساباته القدرات التركية وحدها، بل سيضع أيضًا في اعتباره أن أي تصعيد واسع قد يلامس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، المصالح الأمنية لدولة عضو في حلف شمال الأطلسي.
غير أن اختزال الدور التركي في بعده العسكري أو الأطلسي سيبقى قراءة ناقصة.
فتركيا تحمل معها أيضًا رصيدًا سياسيًا وتاريخيًا لا يقل أهمية عن رصيدها العسكري.
فمنذ نهاية الحرب الباردة، سعت أنقرة إلى توسيع حضورها داخل المجال الذي كان يشكل، تاريخيًا، جزءًا من الفضاء العثماني، مستثمرة أدوات متعددة، من الاقتصاد والاستثمار، إلى التعليم والعمل الإنساني والإعلام، وصولًا إلى التعاون العسكري والصناعات الدفاعية.
وقد منحها ذلك شبكة واسعة من العلاقات يصعب اختزالها في العلاقات الرسمية بين الحكومات.
وهنا تبرز حساسية لا تخفى.
فكلما توسع النفوذ الإقليمي لتركيا، عاد إلى الواجهة السؤال القديم حول حدود هذا الدور: هل يتعلق الأمر بمجرد سياسة خارجية لدولة صاعدة، أم أنه يعكس تصورًا أوسع لقيادة المجال السني وإعادة بناء نفوذ تركي في فضاءات كانت تدور، يومًا ما، في الفلك العثماني؟
ليس هذا البحث معنيًا بحسم هذا الجدل، لأن الإجابة عنه تتجاوز موضوع اتفاق مكة نفسه، غير أن مجرد حضوره في النقاشات الإقليمية يفسر جانبًا من التحفظ الذي أبدته بعض العواصم العربية تجاه أي مشروع أمني تتولى أنقرة دورًا محوريًا فيه.
كما يفسر، في المقابل، حرص المملكة العربية السعودية على أن يبقى المركز الرمزي والسياسي للتحالف داخل مكة، حتى وإن كانت تركيا تمثل أحد أعمدته العسكرية الرئيسية.
غير أن هذا يقود بدوره إلى سؤال جديد.
فإذا كانت تركيا تمنح الاتفاق القوة العسكرية والخبرة الصناعية، فمن الذي يمنحه عنصر التوازن؟
ولماذا لم تكتف المملكة العربية السعودية بالشراكة مع أنقرة وحدها، واختارت أن تضيف إلى هذا البناء دولة ثالثة هي باكستان؟
باكستان… الحلقة التي تكشف هندسة التوازن
بعد استعراض موقعي المملكة العربية السعودية وتركيا داخل هذا البناء الجديد، قد يبدو للوهلة الأولى أن وجود باكستان يمثل مجرد إضافة عسكرية أخرى إلى التحالف.
غير أن هذا الانطباع سرعان ما يتراجع عندما نتأمل طبيعة العلاقات التي تربط إسلام آباد بكل من الرياض وأنقرة، والوظيفة التي يمكن أن تؤديها داخل هذا الترتيب.
فباكستان ليست دولة طارئة على المعادلة الأمنية الخليجية.
فعلى امتداد عقود، ارتبط البلدان بعلاقات دفاعية وثيقة، شارك خلالها ضباط وخبراء عسكريون باكستانيون في برامج التدريب والتأهيل داخل المملكة، كما ظل التعاون العسكري بين الطرفين أحد أكثر مجالات العلاقة استقرارًا، حتى في الفترات التي شهدت تغيرات في البيئة الإقليمية.
ومن ثم، فإن انضمام باكستان إلى هذا الاتفاق لا يمثل انتقالًا من القطيعة إلى الشراكة، كما هو الحال مع تركيا، وإنما يمثل امتدادًا لعلاقة استراتيجية طويلة سبق أن أثبتت قدرتها على الاستمرار.
لكن أهمية باكستان لا تكمن في تاريخ العلاقة وحده.
فهذه الدولة تحتل موقعًا فريدًا داخل العالم الإسلامي.
فهي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك قدرة نووية عسكرية معلنة، كما أنها تضم أحد أكبر الجيوش من حيث العدد والخبرة، وتملك قاعدة صناعية عسكرية متنامية، وتجربة طويلة في إدارة بيئة أمنية معقدة، تمتد من حدودها مع الهند وأفغانستان إلى جوارها المباشر مع إيران.
وهذه الخصائص تجعلها تضيف إلى الاتفاق عنصرًا لا تستطيع أي دولة إسلامية أخرى توفيره بالدرجة نفسها.
ومع ذلك، فإن قراءة الدور الباكستاني من زاوية الردع العسكري وحدها تظل قراءة غير مكتملة.
فلو كان المطلوب مجرد زيادة القوة العسكرية، لكان بالإمكان البحث عن صيغ تعاون أخرى، دون الحاجة إلى بناء إطار ثلاثي جديد.
ومن هنا يبرز سؤال أكثر أهمية:
ما الوظيفة التي تؤديها باكستان ولا تستطيع تركيا أن تؤديها؟
للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي الانتقال من حسابات القوة إلى حسابات التوازن.
فالتحالفات الكبرى لا تُبنى فقط على جمع عناصر القوة، وإنما تُبنى أيضًا على منع اختلالها داخل المنظومة نفسها.
ولو افترضنا أن الاتفاق اقتصر على المملكة العربية السعودية وتركيا وحدهما، لأصبحت أنقرة، بحكم حجم جيشها، وقاعدتها الصناعية، وخبرتها العملياتية، الطرف العسكري الأكثر تأثيرًا داخل البناء الجديد.
ولم يكن من المستبعد، مع مرور الزمن، أن يتحول مركز الثقل العسكري تدريجيًا نحوها.
أما دخول باكستان فيغيّر هذه المعادلة.
فهي لا تنافس المملكة العربية السعودية على شرعيتها السياسية والدينية، كما لا ترتبط بالمجال المتوسطي أو العثماني الذي تتحرك فيه تركيا، لكنها تمتلك في المقابل وزنًا عسكريًا واستراتيجيًا يجعلها قادرة على موازنة أي اختلال محتمل في توزيع القوة داخل الاتفاق.
ومن هذه الزاوية، تبدو باكستان أقرب إلى عنصر توازن منها إلى مجرد عضو ثالث.
فهي تمنح السعودية شريكًا عسكريًا كبيرًا تربطه بها علاقات تاريخية مستقلة، وفي الوقت نفسه تمنع أن يتحول الاتفاق، بمرور الزمن، إلى فضاء تهيمن عليه دولة واحدة مهما بلغت قدراتها.
ويزداد هذا التحليل أهمية إذا استحضرنا أن لكل من تركيا وباكستان أولويات استراتيجية مختلفة.
فأنقرة تنظر أساسًا إلى شرق المتوسط، والبحر الأسود، والقوقاز، وسوريا والعراق.
أما إسلام آباد، فتظل أولوياتها مرتبطة بجنوب آسيا، والهند، وأفغانستان، واستقرار حدودها الغربية.
وهذا الاختلاف في البيئات الاستراتيجية يقلل من احتمال تشكل محور ثنائي مغلق داخل الاتفاق، ويمنح المملكة العربية السعودية مساحة أوسع للحفاظ على موقعها بوصفها مركز الثقل السياسي للمشروع.
ولا يعني ذلك أن الرياض سعت إلى إدخال باكستان بدافع موازنة تركيا وحدها، فالدوافع الأمنية المباشرة تظل عنصرًا أساسيًا في تفسير الاتفاق، لكن من الصعب أيضًا تجاهل ما تضيفه باكستان من توازن داخلي إلى بنية التحالف.
فالتحالفات المستقرة ليست هي التي تجمع أكبر قدر من القوة فقط، وإنما هي التي تنجح أيضًا في توزيع تلك القوة بطريقة تمنع احتكارها من طرف واحد.
وهكذا، لا يبدو أن اختيار الدول الثلاث جاء نتيجة تشابهها، بل نتيجة تكامل وظائفها.
فالمملكة العربية السعودية توفر مركز الثقل السياسي والرمزي.
وتركيا توفر الخبرة العسكرية والصناعية.
وباكستان توفر الردع الاستراتيجي، وتساهم في حفظ التوازن داخل البناء الجديد.
وهنا تبدأ الصورة في الاكتمال.
غير أن اكتمالها يكشف في الوقت نفسه سؤالًا جديدًا.
فإذا كانت هوية الأعضاء تعكس توزيعًا دقيقًا للوظائف، فإن السؤال الذي يفرض نفسه لم يعد يتعلق بمن انضم إلى الاتفاق، بل بمن بقي خارجه.
فهل كان غياب عدد من الدول العربية والإسلامية نتيجة اعتبارات جغرافية وعسكرية فحسب، أم أن هذا الغياب يكشف هو الآخر عن طبيعة المشروع وحدود أهدافه؟
تكشف القراءة الأولية أن بنية الاتفاق تبدو أقرب إلى توزيع الوظائف الاستراتيجية بين أعضائه منها إلى مجرد جمع القدرات العسكرية في إطار دفاعي واحد.
الغائبون عن الاتفاق…
حين يصبح الاستبعاد جزءًا من المعنى
إذا كان اختيار السعودية وتركيا وباكستان يكشف عن توزيع محسوب للوظائف داخل الاتفاق، فإن النظر إلى الدول التي بقيت خارجه يفتح بابًا آخر لفهم طبيعته.
فالتحالفات لا تُقرأ فقط من خلال أعضائها، بل كذلك من خلال حدود عضويتها.
ومن هذه الزاوية، يثير اتفاق مكة مفارقة واضحة: فهو اتفاق حمل منذ اللحظة الأولى إيحاءً إسلاميًا قويًا بفعل مكان توقيعه ورمزيته، لكنه لم يضم سوى ثلاث دول من بين عشرات الدول الإسلامية، كما لم يشمل عددًا من القوى العربية والإقليمية التي تملك موقعًا عسكريًا أو جغرافيًا أو اقتصاديًا لا يمكن تجاهله.
وهنا يصبح السؤال:
هل يتعلق الأمر فعلًا بنواة لتحالف إسلامي قابل للتوسع، أم أننا أمام ترتيب انتقائي صُمم لخدمة وظائف محددة، ثم أحيط لاحقًا برمزية إسلامية أوسع من تركيبته الفعلية؟
ولعل الحالة المصرية هي الأكثر إثارة في هذا السياق.
فمصر لم تكن بعيدة تمامًا عن المسار الذي سبق التوقيع، بل شاركت في مشاوراته الأولية، ثم غابت عن الاتفاق النهائي. وهذا التفصيل وحده يجعل غيابها مختلفًا عن غياب دول لم تكن أصلًا جزءًا من النقاش.
ولا توجد حتى الآن معطيات رسمية كافية تسمح بالجزم بسبب عدم انضمام القاهرة، لكن مجرد مشاركتها في المشاورات ثم عدم توقيعها يفتح الباب أمام أكثر من تفسير.
فمصر تمتلك أحد أكبر الجيوش العربية، وتتحكم في قناة السويس، وهي إحدى أهم عقد الملاحة الدولية، كما تحتفظ بموقع تاريخي داخل النظام العربي وبثقل ديني تمثله مؤسسة الأزهر.
ولو كان الهدف بناء منظومة أمن إسلامية شاملة أو منظومة لحماية الممرات البحرية الكبرى، لكان انضمام القاهرة يبدو منطقيًا إلى حد بعيد.
ومن ثم، فإن غيابها لا يمكن تفسيره بالقدرة العسكرية أو الجغرافيا.
قد يكون السبب مرتبطًا بطبيعة الالتزامات الدفاعية التي يفرضها الاتفاق، أو بتوازن القيادة داخله، أو بتحفظات مصرية على أي دور تركي يتجاوز التعاون العسكري إلى التأثير السياسي داخل المجال السني.
وهنا تظهر حساسية أخرى لا يمكن تجاهلها.
فالنظام المصري منذ سنة 2013 جعل مواجهة جماعة الإخوان المسلمين أحد مرتكزات سياسته الداخلية والإقليمية، بينما ارتبطت تركيا، خلال مرحلة طويلة، بعلاقات وثيقة مع قوى إسلامية سياسية محسوبة على هذا التيار بمعية قطر.
وقد شهدت السنوات الأخيرة تقاربًا مصريًا تركيًا مهمًا، لكنه جاء بعد تراجع أنقرة عن دعم بعض الأنشطة الإعلامية والسياسية الإسلاموية المعارضة للقاهرة.
ومن ثم، فإن دخول مصر في تحالف أمني تكون تركيا أحد أعمدته الرئيسية قد يثير في القاهرة سؤالًا يتجاوز الدفاع العسكري:
هل يبقى الدور التركي داخل حدود الجيوش والصناعات الدفاعية، أم يمتد لاحقًا إلى إعادة توظيف شبكات سياسية ودينية سنية في مواجهة النفوذ الإيراني؟
لا يوجد دليل علني يسمح باعتبار هذا السؤال سببًا مباشرًا لغياب مصر، لكنه يبقى فرضية تفسيرية لا يمكن إسقاطها من الحساب، خصوصًا في ظل العلاقة المعقدة تاريخيًا بين المؤسسة العسكرية المصرية والإسلام السياسي.
وإذا كانت مصر تمثل علامة الاستفهام الأكبر، فإن غياب قطر يطرح سؤالًا مختلفًا.
فقطر هي أقرب حلفاء تركيا في الخليج، وتستضيف قاعدة عسكرية تركية، وترتبط بأنقرة بشراكة سياسية واقتصادية وأمنية عميقة.
ولو كان الاتفاق مشروعًا تركيًا لقيادة المجال الإسلامي، لكان من الطبيعي أن تكون الدوحة بين أعضائه الأوائل.
لكن غيابها قد يكشف شيئًا مختلفًا.
فالاتفاق، في تركيبته الراهنة، يبدو أكثر ميلًا إلى جمع القوة الصلبة منه إلى جمع جميع الحلفاء السياسيين.
قطر تمتلك نفوذًا ماليًا وإعلاميًا ودبلوماسيًا واسعًا، لكنها لا تقدم الوزن العسكري نفسه الذي تقدمه تركيا أو باكستان.
ومن هنا يمكن أن يكون غيابها دليلًا إضافيًا على أن العضوية الأولى لم تُبن على القرب السياسي وحده، بل على الوظيفة العسكرية المباشرة التي يستطيع كل طرف إضافتها.
أما الإمارات، فغيابها يحمل دلالة أخرى.
فأبوظبي ترتبط بالسعودية بعلاقات استراتيجية عميقة، لكنها في الوقت نفسه بنت خلال السنوات الأخيرة سياسة إقليمية أكثر استقلالًا، خصوصًا في ملفات الاقتصاد، والموانئ، والاستثمار في إفريقيا، والعلاقة مع إيران، وموقفها من الإسلام السياسي.
كما أن الإمارات كانت من أكثر القوى العربية تشددًا في مواجهة جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما يجعل أي احتمال لعودة بعض شبكات الإسلام السياسي إلى المعادلة الإقليمية تحت مظلة تركية مسألة شديدة الحساسية بالنسبة إليها.
ومن ثم، فإن غيابها قد يعكس اختلافًا في تصور طبيعة النظام الأمني الجديد أكثر مما يعكس ضعفًا في العلاقة مع الرياض.
وتزداد المفارقة وضوحًا مع بقية دول مجلس التعاون الخليجي.
فالسعودية ترتبط أصلًا بهذه الدول باتفاقيات دفاع وتنسيق عسكري ضمن مجلس التعاون، ومع ذلك لم يتحول الاتفاق الجديد إلى امتداد مباشر لتلك المنظومة.
ولو كان الهدف الأساسي هو تأسيس “ناتو خليجي”، لكان من الطبيعي أن يبدأ من داخل مجلس التعاون نفسه.
لكن اختيار تركيا وباكستان بدلًا من توسيع الإطار الخليجي يبعث برسالة مختلفة:
المملكة لم تعد تبحث عن الأمن داخل الإطار العربي الخليجي وحده، بل عن مصادر قوة خارج هذا الإطار.
وهنا يصبح اتفاق مكة، بصورة غير مباشرة، شهادة على محدودية المشاريع الأمنية العربية والخليجية السابقة.
فالدفاع العربي المشترك ظل طوال عقود أقرب إلى الإطار القانوني منه إلى التحالف العملياتي، كما لم تتمكن المنظومة الخليجية من إنتاج ردع موحد قادر على التعامل بصورة مستقلة مع التهديدات الإقليمية الكبرى.
ومن ثم، فإن الاتجاه نحو أنقرة وإسلام آباد لا يعكس فقط البحث عن شركاء جدد، بل يعكس أيضًا تراجع الثقة في قدرة الأطر القديمة على إنتاج الأمن المطلوب.
أما غياب المغرب، فيحتاج إلى قراءة مختلفة.
فالمغرب يرتبط بعلاقات تاريخية وثيقة مع المملكة العربية السعودية، وسبق له أن شارك في التحالف العسكري الذي قادته الرياض في اليمن، كما اتخذ مواقف واضحة في إدانة الاعتداءات الإيرانية التي تعرضت لها السعودية.
ومن ثم، فإن غيابه لا يمكن تفسيره بضعف العلاقة السياسية أو بعدم وجود سوابق تعاون عسكري.
وقد يبدو التفسير الجغرافي هو الأقرب: فالمغرب بعيد عن مسرح المواجهة المباشرة في الخليج واليمن والعراق.
غير أن هذا التفسير يفقد جزءًا من قوته إذا قُدّم الاتفاق بوصفه إطارًا لحماية الممرات البحرية كما ينص على في وثيقته التأسيسية.
فالمغرب يطل على مضيق جبل طارق، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ويقع عند نقطة اتصال المتوسط بالأطلسي، كما أن ميناء طنجة المتوسط أصبح أحد أكبر المراكز اللوجستية في المنطقة، بينما يؤدي المغرب دورًا متزايدًا في غرب إفريقيا والساحل.
وبذلك، فإن المغرب قد يكون بعيدًا عن مسرح الاشتباك الخليجي، لكنه ليس بعيدًا عن منظومة الملاحة والأمن البحري التي تتأثر مباشرة بما يحدث في البحر الأحمر والخليج.
وهنا تظهر فرضية أخرى.
فقد لا يكون غياب المغرب علامة على استبعاده من النظام الأمني الجديد، بقدر ما يكون مؤشرًا على أن الرباط تتحرك داخل مجال استراتيجي مختلف، يتجه أكثر نحو غرب المتوسط والأطلسي وإفريقيا، ضمن شبكة علاقات عسكرية واستثمارية متنامية مع الولايات المتحدة وفرنسا والإمارات وإسرائيل وشركاء أفارقة.
وفي هذه الحالة، لا نكون أمام حلف واحد يتوسع ليشمل الجميع، بل أمام توزيع للمجالات الأمنية، بحيث تتشكل منظومات مختلفة بحسب الجغرافيا والوظيفة.
وهذا الاحتمال يصبح أكثر أهمية عندما ننظر إلى إيران نفسها.
فإذا كان اتفاق مكة “إسلاميًا”، فإن غياب إيران يطرح تناقضًا واضحًا.
فإيران واحدة من أكبر الدول الإسلامية سكانًا وقوة عسكرية، وتحتل موقعًا مركزيًا في أمن الخليج، كما تتحكم جغرافيًا في أحد ضفتي مضيق هرمز.
ومن ثم، فإن استبعادها من أي منظومة أمن إسلامية شاملة يجعل وصف الاتفاق بالإسلامي وصفًا يحتاج إلى كثير من الاحتياط.
ويصبح السؤال الحقيقي:
هل نحن أمام تحالف إسلامي؟
أم أمام تحالف داخل العالم الإسلامي لموازنة قوة إسلامية أخرى؟
وهنا تبرز المسألة المذهبية.
فالدول الثلاث المؤسسة ذات أغلبية سنية، بينما تمثل إيران وحلفاءها مركز القوة الشيعية الأكبر في المنطقة.
لكن اختزال الاتفاق في كونه تحالفًا سنيًا ضد الشيعة سيكون تبسيطًا بدوره، لأن تركيا وباكستان تحافظان على علاقات مع طهران، ولكل منهما أسباب استراتيجية تمنعها من الدخول بسهولة في مواجهة شاملة معها.
ومن ثم، يبدو أن البنية الجديدة لا تقوم على انقسام مذهبي صافٍ، بل على مزيج أكثر تعقيدًا من المصالح والتهديدات والتوازنات.
وهنا يكتسب غياب الدول غير الأعضاء أهمية مضاعفة.
فهو يكشف أن اتفاق مكة، على الأقل في مرحلته الأولى، ليس منظمة إسلامية جامعة، ولا امتدادًا لاتفاقية الدفاع العربي المشترك، ولا حلفًا خليجيًا موسعًا.
إنه بناء انتقائي يضم ثلاث دول تمتلك قدرات متكاملة، بينما تبقى أبوابه، نظريًا، مفتوحة أمام توسع لاحق قد تحدده التجربة أكثر مما تحدده الشعارات.
لكن هذا الاستنتاج يعيدنا إلى السؤال الذي بدأ يتشكل منذ أول صفحات البحث.
فإذا كان الأعضاء لم يُختاروا على أساس الهوية الإسلامية وحدها، وإذا كانت الدول الغائبة تكشف حدود المشروع بقدر ما تكشفها الدول الحاضرة، فإن فهم الاتفاق لا يكتمل إلا بمعرفة التهديد الذي جمع هذه القوى الثلاث أصلًا.
فمن هو العدو الذي صُممت هذه الهندسة لمواجهته؟
خلاصة مرحلية
تكشف القراءة الأولية أن بنية الاتفاق تبدو أقرب إلى توزيع الوظائف الاستراتيجية بين أعضائه منها إلى مجرد جمع القدرات العسكرية في إطار دفاعي واحد، كما أن غياب عدد من القوى العربية والإسلامية الكبرى يوحي بأن المشروع، في مرحلته الحالية، أقرب إلى تحالف انتقائي ذي وظائف محددة منه إلى منظومة أمن إسلامية جامعة.
المحور الرابع: من هو العدو الحقيقي؟
قد يبدو السؤال بسيطًا، لكن الإجابة عنه ليست كذلك.
ففي اللحظة التي يُعلن فيها عن اتفاق دفاعي بين ثلاث قوى إسلامية كبرى، وفي قلب أزمة إقليمية مفتوحة، يتجه التفكير تلقائيًا إلى البحث عن الخصم الذي يستهدفه هذا الاتفاق.
ويبدو الجواب الأقرب، للوهلة الأولى، هو إيران.
فهي القوة الإقليمية التي تواجه السعودية منذ عقود في ساحات متعددة، وهي الدولة التي بنت شبكة واسعة من الحلفاء والجماعات المسلحة في العراق ولبنان واليمن وسوريا، كما أنها الطرف الذي يرتبط اسمه مباشرة بملف الصواريخ الباليستية والبرنامج النووي وتهديد مضيق هرمز وأمن الخليج.
لكن الإجابة السريعة قد تكون مضللة.
فإيران ليست ظاهرة جديدة في الإقليم.
والحوثيون ليسوا ظاهرة جديدة.
والجماعات العراقية المرتبطة بطهران ليست جديدة.
والبرنامج النووي الإيراني نفسه ليس ملفًا ولد سنة 2026.
فلماذا ظهر اتفاق مكة الآن؟
إذا كانت إيران وحدها هي التي تفسر الاتفاق، كان من الممكن أن يظهر مثل هذا التحالف قبل سنوات طويلة، حين كانت القوة الإيرانية أكثر تمددًا في سوريا والعراق ولبنان واليمن، وحين كانت شبكة الحلفاء التي بنتها طهران في المنطقة في ذروة قوتها.
ومن ثم، يبدو أن ما تغير ليس وجود إيران بحد ذاته، بل البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها إيران وتتحرك فيها بقية القوى الإقليمية.
وهنا يبدأ الانتقال من سؤال الخصم إلى سؤال النظام.
إيران… التهديد المباشر أم عنوان أزمة أوسع؟
لا شك أن إيران تحتل موقعًا مركزيًا في الحسابات الأمنية السعودية.
فالمملكة تقع في مواجهة مباشرة معها عبر الخليج، كما أن جزءًا مهمًا من بنيتها النفطية والاقتصادية يوجد في مناطق قريبة من هذا المجال الجغرافي، بينما يمتد النفوذ الإيراني عبر العراق إلى شمال الخليج، ومن خلال الحوثيين إلى جنوب الجزيرة العربية والبحر الأحمر.
وهذا يمنح الرياض إحساسًا بأنها ليست أمام خصم واحد على جبهة واحدة، بل أمام شبكة ضغط يمكن أن تتحرك من أكثر من اتجاه في الوقت نفسه.
فالهجوم على المملكة لا يحتاج بالضرورة إلى أن يبدأ من الأراضي الإيرانية.
قد يأتي من اليمن.
أو من العراق.
أو من خلال الصواريخ والطائرات المسيّرة.
أو عبر عمليات استهداف للملاحة والمنشآت الاقتصادية.
وبذلك انتقلت المواجهة من نموذج الحرب التقليدية بين دولتين إلى نموذج أكثر تعقيدًا، تختلط فيه الدولة بوكلائها، والجبهة البرية بالممر البحري، والسلاح العسكري بالضغط الاقتصادي.
وهنا يمكن فهم جزء من الحاجة السعودية إلى بناء تحالف جديد.
فمنظومات الدفاع التقليدية صُممت أساسًا لمواجهة الجيوش والدول، بينما أصبحت التهديدات الجديدة هجينة، موزعة بين جغرافيا متعددة وأدوات متنوعة.
لكن حتى هذا التفسير لا يكفي.
لأن السؤال يبقى قائمًا:
لماذا أصبح هذا الخطر أكثر إلحاحًا الآن؟
والجواب يبدو مرتبطًا بما جرى حول إيران أكثر مما هو مرتبط بإيران نفسها.
الحرب الإيرانية الإسرائيلية… انهيار قواعد الردع القديمة
أدخلت المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل المنطقة في مرحلة مختلفة جذريًا عن العقود السابقة.
فلفترة طويلة ظل الصراع بين الطرفين يجري من خلال الحرب السرية، والعمليات الاستخباراتية، والاغتيالات، والهجمات السيبرانية، والوكلاء الإقليميين.
أما انتقال الصراع إلى مستوى المواجهة العسكرية المباشرة، فقد كسر واحدًا من أهم المحظورات التي حكمت الإقليم لعقود.
ولم تعد المشكلة في احتمال وقوع الحرب، بل في معرفة حدودها.
هل تبقى بين إيران وإسرائيل؟
هل تمتد إلى الخليج؟
هل تدخل فيها الولايات المتحدة؟
هل تصبح منشآت النفط والموانئ والمضائق أهدافًا مباشرة؟
وهل تستطيع الدول الخليجية البقاء خارج المواجهة إذا توسعت؟
إن غياب الإجابات الواضحة عن هذه الأسئلة هو في حد ذاته عنصر تهديد.
فالدول لا تتحرك فقط عندما تعرف من سيهاجمها، بل تتحرك أحيانًا لأن قواعد اللعبة نفسها أصبحت غير مستقرة.
ومن هنا، يمكن قراءة اتفاق مكة باعتباره استجابة لحالة من عدم اليقين أكثر منه استجابة لخطر واحد محدد.
من الردع الأمريكي إلى الشك في استمراره
لعدة عقود، كانت إحدى أهم قواعد الأمن الخليجي تقوم على افتراض غير مكتوب مؤداه أن الولايات المتحدة، في اللحظة التي يصبح فيها التهديد وجوديًا أو يمس بصورة خطيرة تدفق الطاقة والممرات البحرية، ستتدخل لمنع انهيار التوازن.
وقد شكّل هذا الافتراض جزءًا من بنية الردع نفسها.
فالقوة الأمريكية لم تكن مطالبة بالتدخل في كل مرة، لأن احتمال تدخلها كان كافيًا في كثير من الأحيان لمنع الأطراف الأخرى من الذهاب إلى النهاية.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح هذا الاحتمال موضع شك.
فالتجربة الأمريكية في العراق وأفغانستان تركت داخل الولايات المتحدة نفسها إرثًا من الحذر تجاه الحروب الطويلة، كما أصبحت واشنطن أكثر ميلاً إلى مطالبة حلفائها بتحمل جزء أكبر من تكلفة أمنهم.
وإذا أضيف إلى ذلك تصاعد الحديث عن إمكان إنهاء الحرب مع إيران حتى من دون الوصول إلى تسوية شاملة للملف النووي، فإن الدول الإقليمية تجد نفسها أمام سؤال غير مريح:
ماذا يحدث إذا قررت الولايات المتحدة أن مصالحها لم تعد تقتضي الاستمرار في الحرب، بينما ترى السعودية أو إسرائيل أو دول أخرى أن التهديد لم ينته بعد؟
هنا تظهر للمرة الأولى إمكانية الانفصال بين تعريف واشنطن لنهاية الأزمة وتعريف حلفائها لها.
وهذا التحول أخطر من مجرد تقليص الوجود العسكري.
فالانسحاب يمكن قياسه بعدد الجنود والقواعد.
أما تراجع اليقين في الضمانة الأمريكية فهو مسألة نفسية واستراتيجية يصعب قياسها، لكنها تؤثر مباشرة في قرارات الدول.
ومن هذه الزاوية، قد يكون اتفاق مكة محاولة لتقليل مخاطر ذلك الشك.
فالسعودية لا تستبدل الولايات المتحدة بتركيا وباكستان، لكنها تسعى إلى ألا يكون أمنها مرهونًا بقرار أمريكي واحد.
إسرائيل… خصم أم عامل اضطراب؟
إذا كانت إيران حاضرة في قلب الحسابات الأمنية، فإن موقع إسرائيل أكثر تعقيدًا.
فهي ليست خصمًا معلنًا للدول الثلاث بالمستوى نفسه.
تركيا تحتفظ بعلاقات سياسية واقتصادية وأمنية متشابكة معها رغم الأزمات المتكررة.
وباكستان لا تقيم علاقات دبلوماسية معها، لكنها تحرص في الوقت نفسه على إدارة علاقتها الوثيقة بالولايات المتحدة وتجنب الدخول في مواجهات غير محسوبة.
أما السعودية، فرغم عدم وجود علاقات طبيعية كاملة، فقد ظلت خلال السنوات الماضية تتعامل مع الملف الإسرائيلي ضمن معادلة أوسع تشمل واشنطن وإيران والتطبيع والأمن الإقليمي.
ولهذا يصعب اعتبار إسرائيل العدو المباشر الذي صُمم الاتفاق من أجله.
لكن ذلك لا يعني أنها خارج المعادلة.
فإذا أصبحت إسرائيل مستعدة لمواصلة الحرب حتى عندما تريد الولايات المتحدة إيقافها، فإنها تتحول من مجرد شريك غربي في نظام الردع إلى عامل مستقل قادر على توسيع الحرب خارج الإطار الذي تريد واشنطن ضبطه.
وهذا تطور بالغ الأهمية.
فالمشكلة بالنسبة إلى السعودية لا تكون حينها في إسرائيل باعتبارها خصمًا مباشرًا، وإنما في أن قرار الحرب والسلم في المنطقة قد يصبح موزعًا بين أطراف متعددة، لا يملك أي منها وحده القدرة على التحكم في مسار التصعيد.
وفي هذه الحالة، لا يعود المطلوب حلفًا ضد إيران أو إسرائيل بقدر ما يصبح المطلوب امتلاك هامش أوسع من الاستقلال داخل بيئة فقدت مركزًا واحدًا للتحكم.
الحوثيون والمليشيات العراقية واللبنانية… من الوكلاء إلى الفاعلين المستقلين
تطرح الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران مشكلة مختلفة.
فالافتراض التقليدي كان يقوم على أن هذه الجماعات أدوات ضمن استراتيجية إيرانية أوسع، وأن ضبط طهران يمكن أن يؤدي بصورة أو بأخرى إلى ضبط حلفائها.
لكن تطور هذه الجماعات خلال السنوات الماضية منح بعضها قدرًا أكبر من الاستقلال العملياتي والسياسي.
فالقدرة على إنتاج أو تشغيل الصواريخ والطائرات المسيّرة، والسيطرة على أراضٍ، وامتلاك موارد مالية وبنية مؤسساتية، تجعل بعض هذه التنظيمات أكثر من مجرد أذرع تتحرك بضغطة زر من الخارج.
وهذا يعني أن الاتفاق مع إيران، إن حصل، لا يضمن بالضرورة اختفاء جميع مصادر التهديد.
قد تتراجع الحرب بين الدول بينما تستمر المواجهة مع الجماعات.
وقد تنتهي أزمة نووية بينما يستمر تهديد الملاحة.
وقد ترغب طهران في التهدئة بينما ترفض إحدى القوى المرتبطة بها ذلك.
ومن هنا يصبح بناء الردع ضد شبكة التهديدات أهم من بناء الردع ضد دولة واحدة.
الإرهاب… عنوان موجود لكنه لا يفسر التوقيت
كثيرًا ما تُدرج مكافحة الإرهاب ضمن أهداف الاتفاقات العسكرية الجديدة.
وهو هدف يمكن فهمه في منطقة عانت من داعش والقاعدة وتنظيمات مسلحة عديدة.
لكن الإرهاب التقليدي لا يكفي بدوره لتفسير اتفاق مكة.
فخطر هذه التنظيمات بلغ مستويات أعلى بكثير في سنوات سابقة، ومع ذلك لم يؤد إلى إنشاء هذه الصيغة الثلاثية.
وهذا يدل على أن مكافحة الإرهاب، حتى إن كانت إحدى وظائف الاتفاق، ليست العامل الذي يفسر ولادته.
بل قد يصبح المصطلح نفسه أكثر اتساعًا مستقبلًا، ليشمل تنظيمات أو مليشيات تعتبرها بعض أطراف الاتفاق جزءًا من التهديد الأمني، حتى وإن كانت أطراف أخرى تراها حركات سياسية أو عسكرية مرتبطة بصراعات محلية.
وهنا تكمن إحدى الصعوبات المستقبلية للحلف:
من يملك تعريف الإرهاب؟
فالاتفاق العسكري يصبح أكثر تعقيدًا كلما اختلف أعضاؤه في تعريف العدو الذي يفترض أن يقاتلوه.
الممرات البحرية… حماية التجارة أم حماية النظام؟
تحتل الملاحة البحرية موقعًا بارزًا في البيئة الأمنية التي ولد فيها الاتفاق.
فمضيق هرمز يمثل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، بينما يتحكم باب المندب في مدخل البحر الأحمر، ثم تأتي قناة السويس لتربط هذا الممر بالمتوسط، وصولًا إلى مضيق جبل طارق الذي يصل المتوسط بالأطلسي.
لكن إذا كانت حماية الممرات البحرية هدفًا مركزيًا للحلف، فإن تركيبته تطرح بدورها أسئلة صعبة.
فمصر، صاحبة قناة السويس، ليست عضوًا فيه.
والمغرب، المطل على مضيق جبل طارق، ليس عضوًا فيه.
وعدد من الدول الخليجية الواقعة مباشرة على ضفاف هرمز ليست جزءًا من الاتفاق.
وهذا يدل على أن حماية الملاحة قد تكون إحدى وظائف الحلف، لا تعريفه الكامل.
فالغاية الأعمق ربما لا تكون حماية كل الممرات، وإنما حماية قدرة الدول الثلاث على الاستمرار في العمل إذا تعرض النظام البحري الإقليمي للاهتزاز.
وهذا فرق مهم.
من مواجهة دولة إلى إدارة بيئة استراتيجية مضطربة
عند هذه النقطة، يصبح البحث عن “العدو الحقيقي” بصيغة المفرد أقل فائدة.
فالاتفاق يبدو وكأنه وُلد في مواجهة مجموعة متداخلة من المخاطر:
إيران باعتبارها قوة إقليمية منافسة.
الحوثيون والمليشيات الشيعية باعتبارهم أدوات ضغط إيرانية عابرة للحدود.
إسرائيل باعتبارها قوة قادرة على توسيع الحرب خارج الحسابات الأمريكية.
الإرهاب باعتباره خطرًا مستمرًا.
والممرات البحرية باعتبارها نقاط ضعف اقتصادية واستراتيجية.
لكن العامل الذي يجمع هذه المخاطر كلها هو شيء آخر:
تآكل قواعد الردع التي كانت تضبط المنطقة.
فالشرق الأوسط الذي تشكل بعد حرب الخليج كان يقوم، بصورة أو بأخرى، على تفوق أمريكي واضح، وقدرة واشنطن على تحديد الخطوط الحمراء، وعلى وجود افتراض بأن الحروب الكبرى يمكن احتواؤها قبل أن تصل إلى مستوى يهدد النظام كله.
أما البيئة الجديدة، فتبدو أكثر تعددًا في مراكز القرار.
إيران تملك قرارها.
إسرائيل تملك هامشًا متزايدًا من القرار المستقل.
تركيا تبني مشروعها الخاص.
السعودية تبحث عن استقلال أكبر.
روسيا والصين حاضرتان بدرجات مختلفة.
والولايات المتحدة نفسها تريد الاحتفاظ بالنفوذ مع تقليل الكلفة.
وهذا كله ينتج نظامًا أقل قابلية للتوقع.
ومن هنا، قد تكون أهم وظيفة لاتفاق مكة ليست هزيمة عدو محدد، بل تقليل مخاطر أن تجد الدول المؤسسة نفسها منفردة داخل نظام إقليمي يتراجع فيه اليقين القديم من دون أن يتشكل بعد يقين جديد.
وبهذا المعنى، لا يكون العدو الحقيقي دولة بعينها.
بل الفراغ الاستراتيجي نفسه.
فالدول تتحالف أحيانًا ضد خصم.
لكنها تتحالف أحيانًا أخرى لأن النظام الذي كان يوفر لها الحماية لم يعد يعمل بالطريقة التي اعتادتها.
وهنا تتجاوز أهمية اتفاق مكة إيران والحوثيين وإسرائيل.
إنه يصبح مؤشرًا على انتقال المنطقة من مرحلة كان فيها الأمن يُستورد من قوة كبرى إلى مرحلة تحاول فيها القوى الإقليمية بناء طبقات حماية إضافية بنفسها، دون أن تقطع علاقتها بالمظلة الدولية القائمة.
غير أن هذا الاستنتاج يفتح سؤالًا أكبر بكثير من الاتفاق نفسه.
فإذا كانت المشكلة لم تعد عدوًا واحدًا، بل تآكل النظام الأمني القديم، فإن التحولات التي يكشفها اتفاق مكة لا تتعلق بالسعودية وتركيا وباكستان وحدها، وإنما بمستقبل الشرق الأوسط كله.
فأي نظام إقليمي يولد عندما تتراجع الضمانات القديمة، وتبدأ القوى المحلية في بناء تحالفاتها الخاصة؟
خلاصة مرحلية
يكشف التحليل أن اتفاق مكة لا يبدو مصممًا لمواجهة عدو واحد بقدر ما يبدو استجابة لبيئة أمنية فقدت جزءًا من قواعدها القديمة؛ فإيران ووكلاؤها يمثلون التهديد المباشر الأكثر وضوحًا، لكن العامل الأعمق هو تراجع اليقين في نظام الردع الإقليمي، واتساع هامش المبادرة أمام القوى المحلية، بما يحول الاتفاق من مجرد أداة دفاع إلى مؤشر على إعادة تشكيل أوسع للنظام الأمني في الشرق الأوسط.
المحور الخامس: التحولات الكبرى التي يكشفها اتفاق مكة
لا تقتصر أهمية التحالفات الكبرى على ما تنص عليه اتفاقياتها، بل تتجاوز ذلك إلى ما تكشفه عن طبيعة المرحلة التي وُلدت فيها.
فقد تتغير الحكومات، وتتبدل التحالفات، وتُعدّل المعاهدات، لكن اللحظات التي تعيد فيها الدول رسم تصوراتها للأمن تمثل، في الغالب، مؤشرات على تحولات أعمق من الحدث نفسه.
ومن هذه الزاوية، لا يبدو اتفاق مكة مجرد إطار جديد للتعاون العسكري بين ثلاث دول، بل يبدو انعكاسًا لمرحلة انتقالية يعيشها الشرق الأوسط، تتراجع فيها قواعد قديمة، بينما لم تستقر بعد قواعد جديدة تحل محلها.
ومن ثم، فإن السؤال لم يعد يتعلق بما يضيفه الاتفاق إلى موازين القوى العسكرية، بل بما يكشفه عن التحولات التي تعيد تشكيل النظام الإقليمي، وربما تسهم أيضًا في إعادة تشكيل النظام الدولي الذي ما تزال ملامحه في طور التشكل.
التحول الأول: نهاية احتكار إدارة الأمن الإقليمي
لا تعني التحولات الكبرى في العلاقات الدولية دائمًا انهيار القوى العظمى أو انسحابها من مناطق نفوذها، بل قد تبدأ بتحول أكثر هدوءًا يتمثل في إعادة تعريف أدوارها، وإعادة توزيع المسؤوليات بين الحلفاء، وتغيير الطريقة التي تُدار بها الأزمات.
ومن هذه الزاوية، قد يكون الخطأ الأكبر في قراءة اتفاق مكة هو اعتباره دليلًا على انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط.
فالمعطيات المتوافرة حتى الآن لا تؤيد هذا الاستنتاج.
فالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة ما يزال قائمًا، والعلاقات الدفاعية مع دول الخليج لم تتوقف، كما أن واشنطن ما تزال تعتبر أمن الممرات البحرية، ومنع الانتشار النووي، واستقرار أسواق الطاقة، والدولار كعملة مرجعية، عناصر أساسية في منظومة مصالحها العالمية.
لكن ما يبدو أنه يتغير ليس الوجود الأمريكي، وإنما طبيعة الدور الذي ترغب الولايات المتحدة في أدائه.
فبعد عقود من الاضطلاع المباشر بمهمة الضامن الأول للأمن الإقليمي، بدأت واشنطن تميل تدريجيًا إلى نموذج مختلف، يقوم على الاحتفاظ بالمظلة الاستراتيجية العليا، مع نقل جزء متزايد من أعباء الأمن إلى الحلفاء الإقليميين.
ولم يأت هذا التحول من فراغ.
فالحروب الطويلة في العراق وأفغانستان، وتصاعد المنافسة مع الصين، وعودة التوتر مع روسيا، واتساع ساحات الاهتمام الأمريكي من شرق أوروبا إلى المحيطين الهندي والهادئ، بالإضافة إلى إفريقيا، كلها دفعت صانع القرار الأمريكي إلى إعادة ترتيب أولوياته العالمية.
ولم يعد السؤال المطروح في واشنطن: كيف ندير أمن الشرق الأوسط؟، بل أصبح: كيف نحافظ على مصالحنا فيه بأقل كلفة ممكنة، مع تمكين الحلفاء من إدارة جزء أكبر من أمنهم بأنفسهم؟
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى اتفاق مكة بوصفه أحد تجليات هذا التحول.
فهو لا يسعى إلى استبدال المظلة الأمريكية، ولا إلى بناء نظام أمني مناوئ لها، وإنما يمثل محاولة لبناء قدرة إقليمية تسمح للدول المؤسسة بإدارة جانب أكبر من التهديدات، مع استمرار ارتباطها بالشراكات الدولية القائمة.
وبذلك، لا يبدو الاتفاق خروجًا من النظام الأمني الذي قادته الولايات المتحدة، بل يمثل تحولًا تدريجيًا في داخله.
غير أن إعادة توزيع الأدوار تطرح سؤالًا جديدًا.
إذا كانت القوة الدولية الضامنة لم تعد تحتكر إدارة الأمن كما في السابق، فما الشكل الجديد الذي ستتخذه العلاقات الأمنية داخل المنطقة؟
وهنا يبدأ التحول الثاني.
التحول الثاني: من التحالفات الثنائية إلى الشبكات الأمنية
ظل النظام الأمني في الشرق الأوسط، لعقود طويلة، يقوم على معادلة بسيطة.
ترتبط كل دولة رئيسية بعلاقة استراتيجية مباشرة مع الولايات المتحدة، بينما تبقى العلاقات البينية بين القوى الإقليمية أقل تأثيرًا في إنتاج الأمن.
فكانت واشنطن تمثل المركز الذي تدور حوله معظم الترتيبات الدفاعية.
أما اليوم، فتبدو الصورة أكثر تعقيدًا.
فالسعودية تطور شراكتها مع تركيا وباكستان.
وتركيا توسع صناعاتها الدفاعية وشبكات تعاونها الإقليمية.
ودول الخليج تنسج علاقات عسكرية واقتصادية مع شركاء آسيويين وأوروبيين.
كما أن التعاون الأمني لم يعد يقتصر على الاتفاقيات الدفاعية التقليدية، بل أصبح يشمل التكنولوجيا العسكرية، والأمن السيبراني، والصناعات الدفاعية، والاستخبارات، وسلاسل الإمداد، وأمن الممرات البحرية.
وبذلك، انتقلت المنطقة تدريجيًا من نموذج يقوم على تحالفات ثنائية إلى نموذج أقرب إلى الشبكات الأمنية متعددة المستويات.
وهذا التحول يتجاوز اتفاق مكة نفسه.
فالتحالف الجديد ليس سوى عقدة جديدة داخل شبكة أوسع من العلاقات المتقاطعة التي تعيد رسم خريطة الأمن الإقليمي.
ومن خصائص هذه الشبكات أنها أكثر مرونة من الأحلاف التقليدية، لأنها تسمح للدول ببناء شراكات مختلفة بحسب طبيعة كل ملف، لكنها في المقابل تجعل النظام الأمني أكثر تعقيدًا، وأقل قابلية للتنبؤ عند اندلاع الأزمات الكبرى.
فلم يعد السؤال: من هو الحليف؟
بل أصبح:
في أي ملف يكون حليفًا؟ وإلى أي حد تمتد التزاماته؟
وهذا يمثل تحولًا جوهريًا في مفهوم التحالف نفسه.
فإذا كانت الحرب الباردة قد عرفت أحلافًا مغلقة ذات التزامات واضحة، فإن المرحلة الجديدة تتجه أكثر فأكثر نحو شبكات مرنة، تتغير فيها التحالفات بحسب نوع التهديد، وطبيعته، والمجال الذي يتحرك فيه.
غير أن هذا التحول يقود بدوره إلى سؤال أكثر عمقًا.
فإذا كانت الشبكات الأمنية الجديدة تمنح الدول مساحة أوسع للحركة، فمن الذي أصبح يقود هذه المبادرات؟
هل ما تزال القوى الكبرى هي التي تصوغ ترتيبات الأمن، أم أن القوى الإقليمية بدأت تتحول من مجرد متلقية للحماية إلى منتجة لها؟
وهذا هو التحول الثالث الذي يكشفه اتفاق مكة.
التحول الثالث: عودة الدولة الإقليمية من موقع التابع إلى موقع المبادر
إذا كان التحول الأول قد كشف أن القوة الدولية الضامنة لم تعد تحتكر إدارة الأمن الإقليمي، وإذا كان التحول الثاني قد أظهر أن التحالفات الثنائية أخذت تتحول تدريجيًا إلى شبكات أمنية أكثر تعقيدًا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو:
من الذي أصبح يصنع هذه الشبكات؟
وللإجابة عن هذا السؤال، ينبغي ملاحظة تحول آخر لا يقل أهمية عن التحولين السابقين.
فعلى امتداد عقود طويلة، كانت معظم المبادرات الأمنية الكبرى في الشرق الأوسط تنطلق من خارج الإقليم، أو على الأقل تتم برعاية مباشرة من القوى الكبرى، بينما كانت الدول الإقليمية تتحرك في الغالب داخل الهوامش التي تتيحها تلك القوى.
أما اليوم، فتبدو الصورة مختلفة.
فالمملكة العربية السعودية لم تنتظر إنشاء إطار دولي جديد، بل بادرت بنفسها إلى البحث عن صيغة أمنية جديدة تتناسب مع البيئة الاستراتيجية التي تواجهها.
وتركيا لم تعد تكتفي بعضويتها في حلف شمال الأطلسي، بل عملت خلال العقدين الماضيين على بناء قاعدة صناعية عسكرية متقدمة، وتوسيع مجالها الاستراتيجي، وتعزيز حضورها في عدد من الساحات الإقليمية.
أما باكستان، فقد خرجت تدريجيًا من دائرة التركيز الحصري على جنوب آسيا، لتصبح شريكًا في ترتيبات أمنية تمتد آثارها إلى الخليج والبحر العربي وما وراءهما.
ومن ثم، فإن الدول الثلاث لم تجتمع لأنها تلقت توجيهًا من قوة كبرى، وإنما لأنها توصلت، كل من زاويته، إلى أن البيئة الإقليمية الجديدة تفرض عليها بناء أدوات إضافية لحماية مصالحها.
وهنا تتجلى إحدى أهم سمات المرحلة الجديدة.
فالقوى الإقليمية لم تعد تكتفي برد الفعل على التحولات الدولية، بل أصبحت، بصورة متزايدة، طرفًا في إنتاجها.
وهذا لا يعني أنها أصبحت مستقلة عن موازين القوى العالمية، ولا أنها خرجت من شبكة التحالفات الدولية، وإنما يعني أنها أصبحت أكثر قدرة على المبادرة، وأكثر استعدادًا لصياغة ترتيباتها الخاصة داخل الهوامش التي يتيحها النظام الدولي.
ومن هذه الزاوية، لا يمثل اتفاق مكة مجرد اتفاق دفاعي جديد، بل يعبر عن عودة الدولة الإقليمية إلى ممارسة دور افتقدته لفترة طويلة.
غير أن هذه العودة تختلف عن التجارب السابقة.
ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ارتبطت المبادرات الإقليمية غالبًا بمشروعات أيديولوجية كبرى، كالقومية العربية، أو الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي، أو محاولات بناء منظومات عربية موحدة.
أما المبادرات الراهنة فتقوم، في الغالب، على منطق أكثر براغماتية.
فالدول لا تتحالف لأنها تتبنى الرؤية الفكرية نفسها، ولا لأنها تنتمي إلى الفضاء الحضاري ذاته، وإنما لأنها تواجه تحديات متقاربة، وتملك موارد متكاملة، وترى في التعاون وسيلة لتعزيز أمنها ومصالحها.
وهذا يفسر جانبًا مهمًا من طبيعة اتفاق مكة.
فهو لا يقوم على مشروع وحدوي، ولا على أيديولوجيا مشتركة، بل على تقاطع مصالح استراتيجية بين ثلاث دول تختلف في تاريخها السياسي، وفي أولوياتها الجيوسياسية، لكنها وجدت أن البيئة الجديدة تفرض عليها مستوى أعلى من التنسيق.
غير أن عودة الدولة الإقليمية إلى موقع المبادرة تطرح سؤالًا آخر لا يقل أهمية.
فإذا كانت القوى الإقليمية بدأت تنتج ترتيباتها الأمنية بنفسها، فما مصير الأطر التي كانت، لعقود، تمثل الإطار الرسمي للعمل العربي المشترك؟
وهل نحن أمام تطوير لها، أم أمام تجاوز تدريجي لوظيفتها التاريخية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقود مباشرة إلى التحول الرابع.
خلاصة مرحلية
تكشف القراءة المتدرجة أن اتفاق مكة لا يعبر فقط عن تغير في طبيعة التحالفات، بل يكشف أيضًا عن انتقال بعض القوى الإقليمية من موقع التكيف مع الترتيبات الدولية إلى موقع المشاركة في إنتاجها. وهذا التحول لا يعني نهاية تأثير القوى الكبرى، لكنه يؤشر إلى اتساع هامش المبادرة أمام الدول الإقليمية في رسم جزء من مستقبلها الأمني.
التحول الرابع: من النظام العربي التقليدي إلى الترتيبات الوظيفية
إذا كان التحول الثالث قد كشف أن القوى الإقليمية استعادت جزءًا من قدرتها على المبادرة، فإن ذلك يثير سؤالًا لا يمكن تجنبه:
أين يقع النظام العربي التقليدي داخل هذه التحولات؟
فمنذ منتصف القرن العشرين، قامت فكرة الأمن العربي على منظومة مؤسسات واتفاقيات كان يُفترض أن تشكل الإطار الجامع للدفاع عن المصالح العربية المشتركة.
فجامعة الدول العربية مثلت الإطار السياسي العام.
واتفاقية الدفاع العربي المشترك وفرت، من الناحية النظرية، الأساس القانوني للتعاون العسكري.
ثم ظهرت لاحقًا صيغ إقليمية أكثر تخصصًا، مثل مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والتحالفات العسكرية المؤقتة التي نشأت استجابة لأزمات بعينها، وصولًا إلى التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب.
غير أن التجربة العملية أظهرت أن هذه الأطر، على أهميتها السياسية، لم تنجح دائمًا في التحول إلى منظومات أمنية قادرة على الاستجابة السريعة للمتغيرات الاستراتيجية.
ففي كثير من الأزمات الكبرى، جاءت الاستجابات من خلال تحالفات محدودة أو ترتيبات خاصة، أكثر مما جاءت عبر المؤسسات الجماعية القائمة.
ولا يعني ذلك فشل تلك المؤسسات في أداء جميع وظائفها، لكنها وجدت نفسها أمام بيئة أمنية تختلف جذريًا عن البيئة التي أنشئت فيها.
فالاتفاقيات التي صيغت في زمن كانت فيه الجيوش النظامية هي الفاعل الرئيسي، تواجه اليوم واقعًا تتحرك فيه الصواريخ الدقيقة، والطائرات المسيّرة، والهجمات السيبرانية، والجماعات المسلحة العابرة للحدود، وسلاسل الإمداد العالمية، والتهديدات البحرية المعقدة.
وهذا النوع من التهديدات يحتاج إلى أدوات أكثر مرونة، وإلى سرعة في اتخاذ القرار، وإلى مستويات عالية من التكامل التقني والاستخباراتي، وهي أمور يصعب تحقيقها داخل أطر واسعة تضم عددًا كبيرًا من الدول ذات الأولويات المختلفة.
ومن هذه الزاوية، لا يبدو اتفاق مكة منافسًا مباشرًا للمؤسسات العربية التقليدية، بقدر ما يبدو استجابة لنوع مختلف من التحديات.
فهو لا يحاول أن يحل محل جامعة الدول العربية، ولا أن يلغي اتفاقية الدفاع العربي المشترك، وإنما يعكس اتجاهًا متزايدًا نحو بناء ترتيبات أمنية أصغر حجمًا وأكثر تخصصًا.
وهنا تبرز سمة أساسية للمرحلة الجديدة.
فالتحالفات لم تعد تُبنى على أساس الانتماء الجغرافي أو القومي وحده، بل على أساس القدرة العملية على الإسهام في معالجة تهديد محدد.
ولهذا لم يكن السؤال الذي حَكم تشكيل الاتفاق: من هي الدولة العربية؟ أو من هي الدولة الإسلامية؟
بل أصبح السؤال الأقرب إلى الواقع:
ما الذي تستطيع كل دولة أن تضيفه إلى المنظومة الأمنية الجديدة؟
ومن هنا، يمكن فهم سبب اقتصار الاتفاق، في مرحلته الأولى، على ثلاث دول فقط، رغم اتساع العالمين العربي والإسلامي.
فالمعيار لم يكن عدد الدول، ولا اتساع التمثيل، وإنما تكامل الوظائف والقدرات.
وهذا يمثل تحولًا عميقًا في فلسفة بناء التحالفات بشكل مختلف عما عرفه حتى الآن الفكر السياسي.
فبدل السعي إلى إنشاء إطار واسع يضم أكبر عدد ممكن من الدول، أصبح الاتجاه يميل إلى إنشاء نواة صغيرة تمتلك قدرة فعلية على العمل المشترك، مع ترك الباب مفتوحًا أمام توسع تدريجي إذا أثبتت التجربة نجاحها.
ولا يقتصر هذا التحول على الشرق الأوسط.
فحتى على المستوى الدولي، أخذت الترتيبات الأمنية خلال السنوات الأخيرة تتجه نحو صيغ أكثر مرونة، تقوم على الشراكات الموضوعية، والتحالفات المتغيرة بحسب طبيعة الملف، بدل الالتزام بأطر جامدة واحدة في جميع القضايا.
ومن ثم، قد لا يكون اتفاق مكة خروجًا على منطق النظام العربي، بقدر ما يكون تعبيرًا عن انتقاله من مرحلة المؤسسات الشاملة إلى مرحلة الترتيبات الوظيفية المتخصصة.
غير أن هذا التحول يقود إلى سؤال أكثر عمقًا.
إذا كانت التحالفات الجديدة تُبنى على الوظيفة لا على الهوية، فهل يعني ذلك أن الاعتبارات الأيديولوجية والدينية والقومية بدأت تفقد مكانتها في تشكيل التحالفات؟
أم أنها ما تزال حاضرة، ولكن بصورة مختلفة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقود مباشرة إلى التحول الخامس، وربما تمثل أحد أهم المفاتيح لفهم طبيعة النظام الإقليمي الجديد.
خلاصة مرحلية
تكشف القراءة المتدرجة أن اتفاق مكة لا يعكس فقط ظهور تحالف جديد، بل يكشف أيضًا عن انتقال تدريجي من منطق المؤسسات الأمنية الواسعة إلى منطق الترتيبات الوظيفية الأصغر والأكثر تخصصًا، حيث تصبح الكفاءة الاستراتيجية والقدرة العملياتية معيارًا للتعاون، دون أن يعني ذلك بالضرورة انتهاء دور المؤسسات العربية التقليدية.
التحول الخامس: من تحالفات الهوية إلى تحالفات الوظيفة
إذا كانت التحولات السابقة قد كشفت أن البيئة الأمنية في الشرق الأوسط أصبحت أكثر تعقيدًا، وأن القوى الإقليمية استعادت جزءًا من قدرتها على المبادرة، وأن الأطر التقليدية لم تعد وحدها قادرة على الاستجابة لمتطلبات المرحلة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو:
ما المنطق الجديد الذي أصبح يحكم بناء التحالفات؟
لعدة عقود، كان الانتماء المشترك يمثل أحد أهم الأسس التي تُبنى عليها التحالفات.
فالهوية العربية كانت أساسًا لمشروعات العمل العربي المشترك.
والهوية الإسلامية شكلت منطلقًا لعدد من المؤسسات والمنظمات التي سعت إلى توسيع التعاون بين الدول الإسلامية.
كما لعبت الاعتبارات الأيديولوجية، خلال الحرب الباردة، دورًا حاسمًا في رسم خطوط الاصطفاف بين المعسكرات المختلفة.
غير أن البيئة الاستراتيجية الراهنة تبدو أكثر تعقيدًا من أن تفسر بهذه المعايير وحدها.
فلو كانت الهوية الإسلامية وحدها هي المعيار، لضم اتفاق مكة عددًا أكبر من الدول الإسلامية المؤثرة.
ولو كانت الهوية العربية هي الأساس، لكان البناء مختلفًا تمامًا.
ولو كانت الاعتبارات المذهبية وحدها هي الحاكمة، لما احتفظت بعض الدول المؤسسة بعلاقات سياسية واقتصادية وأمنية مع أطراف تختلف معها في الانتماء المذهبي.
وهذا يدل على أن معيارًا آخر بدأ يفرض نفسه في الفكر السياسي بصورة متزايدة.
إنه معيار الوظيفة الاستراتيجية.
فالدولة لا تصبح عضوًا في التحالف لأنها تشترك مع غيرها في الهوية فقط، وإنما لأنها تقدم قدرة وظيفية يصعب تعويضها داخل المنظومة.
ومن هذه الزاوية، تبدو الدول الثلاث المؤسسة وكأنها تؤدي وظائف متكاملة أكثر من كونها تمثل هويات متشابهة.
فالمملكة العربية السعودية تمثل مركز الثقل السياسي والاقتصادي، وتملك الموقع الجغرافي الذي يجعل أمن الخليج جزءًا من أمن الطاقة العالمي.
وتركيا تضيف إلى المنظومة قاعدة صناعية عسكرية متقدمة، وخبرة عملياتية واسعة، وقدرة على الربط بين البيئات الأمنية المختلفة، إضافة إلى عضويتها في حلف شمال الأطلسي وما تفرضه من اعتبارات استراتيجية.
أما باكستان، فتضيف عنصرًا مختلفًا يتمثل في وزنها العسكري، وخبرتها العملياتية، وقدراتها الاستراتيجية، وعلاقاتها التاريخية مع الخليج.
ومن ثم، فإن القيمة التي يضيفها كل طرف لا تقاس بدرجة التشابه مع الطرف الآخر، وإنما بدرجة التكامل معه.
وهنا تتجلى إحدى أهم سمات التحالفات الحديثة.
فلم يعد الهدف هو جمع أكبر عدد من الدول، وإنما جمع أكثر الوظائف الاستراتيجية تكاملًا.
وهذا التحول لا يقتصر على اتفاق مكة.
فالعديد من الشراكات الأمنية التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة، سواء في آسيا أو أوروبا أو المحيطين الهندي والهادئ، لم تُبن على أساس الهوية الحضارية أو الجغرافية وحدها، بل على أساس توزيع الأدوار والقدرات.
ومن ثم، يبدو أن الشرق الأوسط بدأ هو الآخر يدخل هذه المرحلة.
غير أن هذا التحول لا يعني اختفاء الهوية من العلاقات الدولية.
فالهوية ما تزال تمنح التحالفات شرعية سياسية ورمزية، وتساعد في بناء الثقة بين الأطراف، وتؤثر في الرأي العام.
لكنها لم تعد، وحدها، كافية لتفسير كيفية بناء التحالفات أو اختيار أعضائها.
لقد تغير ترتيب الأولويات.
فبعد أن كانت الهوية تحدد الوظيفة، أصبحت الوظيفة، في كثير من الأحيان، هي التي تحدد حدود التحالف.
وهذا يفسر جانبًا من المفارقات التي أثارها اتفاق مكة منذ الإعلان عنه.
فهو يحمل رمزية إسلامية واضحة من حيث الاسم والمكان، لكنه لا يضم معظم الدول الإسلامية.
ويجمع بين دول تختلف في أولوياتها الجيوسياسية، لكنها تتكامل في القدرات التي تستطيع تقديمها.
ومن هنا، لا يبدو التناقض بين الاسم وتركيبة العضوية تناقضًا بالمعنى الحقيقي، بقدر ما يعكس انتقالًا من منطق التحالفات الجامعة إلى منطق التحالفات الوظيفية.
وقد يكون هذا أحد أهم التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط في المرحلة الراهنة.
غير أن هذا التحول يفتح بابًا لسؤال أكبر.
ومن هذه الزاوية، يصبح من الصعب وصف اتفاق مكة بأنه تحالف إسلامي بالمعنى المؤسسي أو الديني الدقيق، حتى وإن استند إلى رمزية إسلامية واضحة في الاسم والمكان.
فالهوية الدينية لا تبدو معيار العضوية، كما أنها لا تحدد وحدها طبيعة المصالح أو الخصوم أو الالتزامات. ولو كانت كذلك، لكان من الصعب تفسير غياب عدد كبير من الدول الإسلامية ذات الثقل السياسي والعسكري، كما يصعب تفسير اختلاف علاقات الدول المؤسسة مع القوى الإقليمية والدولية الأخرى.
ومن ثم، يبدو أن الإسلام يؤدي داخل هذا البناء وظيفة رمزية تمنحه شرعية حضارية وسياسية، بينما تقوم بنيته الفعلية على تكامل القدرات والمصالح والأدوار.
وبهذا المعنى، يمكن القول إن اتفاق مكة تحالف وظيفي ذو غلاف رمزي إسلامي، لا تحالفًا دينيًا بالمعنى التقليدي.
ولعل هذه الصيغة أكثر انسجامًا أيضًا مع طبيعة العصر نفسه؛ فالدول والمجتمعات أصبحت أكثر انفتاحًا وتشابكًا، ولم تعد الحدود الدينية أو الحضارية وحدها قادرة على تفسير التحالفات الحديثة، حيث تتقاطع التجارة والتكنولوجيا والأمن والطاقة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد في شبكات تتجاوز التقسيمات الهوياتية القديمة.
ومن هنا، فإن القيمة التحليلية لاتفاق مكة قد لا تكمن في كونه محاولة لإحياء تحالف ديني، بل في كونه نموذجًا مبكرًا لتحالفات جديدة تستخدم الهوية لمنح الشرعية، بينما تُبنى فعليًا على الوظيفة الاستراتيجية.
لإنه إذا كانت الوظيفة أصبحت هي معيار بناء التحالفات، وإذا كانت القوى الإقليمية تعيد توزيع أدوارها بهذه الصورة، فهل تقتصر آثار ذلك على الشرق الأوسط وحده؟
أم أن المنطقة أصبحت جزءًا من عملية أوسع يعاد في إطارها توزيع مراكز القوة داخل النظام الدولي نفسه؟
إن هذا السؤال يقود مباشرة إلى التحول السادس، وهو آخر التحولات وأوسعها أفقًا.
خلاصة مرحلية
تكشف القراءة المتدرجة أن اتفاق مكة يعكس انتقالًا من منطق يقوم أساسًا على الانتماء المشترك إلى منطق يتزايد فيه وزن الوظيفة الاستراتيجية في تشكيل التحالفات. ولم تعد الهوية غائبة عن المعادلة، لكنها لم تعد وحدها المحدد الرئيس لبنية التحالف أو لعضويته، بل أصبحت إحدى طبقات الشرعية التي تساند بناءً تحكمه، بدرجة متزايدة، اعتبارات الكفاءة والتكامل الاستراتيجي.
التحول السادس: من إعادة تشكيل الإقليم إلى إعادة تشكيل النظام الدولي
إذا كانت التحولات السابقة قد كشفت أن القوى الإقليمية بدأت تنتج جزءًا أكبر من أمنها بنفسها، وأن التحالفات أصبحت أكثر مرونة ووظيفية، فإن السؤال الأخير الذي يفرض نفسه هو:
هل تبقى هذه التحولات محصورة داخل الشرق الأوسط، أم أنها جزء من عملية أوسع يعاد من خلالها توزيع القوة داخل النظام الدولي نفسه؟
للوهلة الأولى، قد يبدو الربط بين اتفاق دفاعي ثلاثي وبين مستقبل النظام الدولي مبالغًا فيه.
غير أن التحولات الكبرى لا تظهر عادة في صورة إعلان واحد يحدد بداية مرحلة ونهاية أخرى، بل تتشكل تدريجيًا من خلال سلسلة من التحولات الجزئية التي تتراكم حتى تغير طريقة توزيع القوة واتخاذ القرار بين الدول.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى اتفاق مكة بوصفه مؤشرًا صغيرًا داخل حركة أكبر بكثير.
فالنظام الدولي الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة قام، بدرجة كبيرة، على تفوق أمريكي واسع مكّن واشنطن من إدارة عدد كبير من الأزمات الدولية، ومن بناء شبكات تحالفات أصبحت الولايات المتحدة مركزها الرئيسي.
أما اليوم، فهذه البنية تواجه ضغوطًا متزايدة.
فالصين تحولت من قوة اقتصادية صاعدة إلى منافس استراتيجي عالمي.
وروسيا استعادت استخدام القوة العسكرية بوصفها أداة لإعادة رسم حدود النفوذ في محيطها.
والهند توسع حضورها الاقتصادي والعسكري.
كما أصبحت قوى متوسطة وإقليمية، مثل تركيا والسعودية والبرازيل وإندونيسيا والمغرب وغيرها، أكثر استعدادًا للدفاع عن هامش مستقل في سياستها الخارجية.
ولا يعني ذلك أن العالم أصبح بالفعل متعدد الأقطاب بالمعنى الكامل، ولا أن الولايات المتحدة فقدت موقعها باعتبارها القوة العسكرية والتكنولوجية الأكثر تأثيرًا، لكنه يعني أن القدرة على احتكار إدارة النظام الدولي أصبحت أصعب مما كانت عليه في العقود الأولى التي أعقبت الحرب الباردة.
ومن هنا، فإن ما يجري في الشرق الأوسط لا يمكن فصله عن هذا السياق.
فحين تطالب واشنطن حلفاءها بتحمل مسؤوليات أمنية أكبر، وحين تبدأ القوى الإقليمية في بناء تحالفاتها وشبكاتها الدفاعية الخاصة، فإن ذلك لا يمثل فقط تعديلًا في أمن الخليج، بل يعكس أيضًا تحولًا في طريقة عمل النظام الدولي.
فالقوة الكبرى لم تعد مطالبة بإدارة كل التفاصيل، بينما تحصل القوى الإقليمية على مساحة أكبر لتدبير بيئاتها الاستراتيجية.
وهكذا يبدأ النظام العالمي في التحول من نموذج شديد المركزية إلى نموذج تتعدد فيه مستويات القوة والقرار.
من مركز واحد إلى دوائر متعددة للقوة
يمكن تصور النظام الذي يتشكل تدريجيًا على أنه مجموعة من الدوائر المتداخلة.
في المستوى الأعلى، تبقى القوى الكبرى صاحبة القدرات العالمية: الولايات المتحدة والصين، ومعهما روسيا بدرجة مختلفة.
لكن تحت هذا المستوى تظهر قوى إقليمية تملك قدرة متزايدة على تنظيم بيئاتها المباشرة.
تركيا في شرق المتوسط والبحر الأسود والقوقاز.
السعودية في الخليج والجزيرة العربية والبحر الأحمر.
المغرب في شمال وغرب إفريقيا والمتوسط.
الهند في جنوب آسيا والمحيط الهندي.
وإلى جانبها دول أخرى تسعى إلى بناء مجال استراتيجي خاص بها بحسب موقعها ومواردها وقدراتها.
ومن ثم، قد يصبح النظام الدولي الجديد أقل شبهًا بهرم تقوده قوة واحدة، وأكثر شبهًا بشبكة واسعة من مراكز القوة المتفاوتة.
وهذه الشبكة لا تلغي القوة الأمريكية، لكنها تقلل قدرتها على أن تكون المركز الوحيد لكل الملفات.
الحروب باعتبارها مسرّعًا للتحول
لم يولد هذا التحول في ظروف مستقرة.
فالحروب والأزمات الكبرى لعبت دورًا حاسمًا في تسريعه.
الحرب في أوكرانيا أعادت عسكرة أوروبا.
والصراع حول تايوان والمحيط الهادئ عزز سباق التسلح في آسيا.
والحرب الإيرانية الإسرائيلية وما رافقها من تهديد للممرات البحرية دفعت دول الشرق الأوسط إلى إعادة التفكير في مفهوم الردع.
كما كشفت اضطرابات البحر الأحمر ومضيق هرمز أن الصراعات الإقليمية يمكن أن تتحول في ساعات إلى أزمات اقتصادية عالمية تؤثر في التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد.
وبذلك أصبحت الجغرافيا مرة أخرى عنصرًا مركزيًا في القوة:
المضائق. الموانئ. الممرات البحرية. الطرق التجارية. المعادن. وسلاسل التوريد.
وهي عناصر تعيد للأقاليم التي تتحكم فيها قيمة استراتيجية مضاعفة.
من شرق المتوسط إلى غربه
وهنا يصبح من الصعب النظر إلى الشرق الأوسط بوصفه فضاءً منفصلًا عن غرب المتوسط وإفريقيا.
فإذا كانت الترتيبات الجديدة في الخليج والبحر الأحمر تسعى إلى حماية شرق الشبكة التجارية، فإن غرب هذه الشبكة يزداد بدوره أهمية.
فمضيق جبل طارق يمثل نقطة الاتصال بين المتوسط والأطلسي.
وغرب إفريقيا يمثل مجالًا متناميًا للطاقة والمعادن والأسواق.
والساحل أصبح ساحة تنافس بين قوى غربية وروسيا والصين وشبكات إقليمية مختلفة.
ومن هنا يمكن فهم تزايد الأهمية الاستراتيجية لدول تقع عند ملتقى هذه المساحات.
فالمغرب، مثلًا، لا يوجد داخل اتفاق مكة، لكنه يتحرك في بيئة استراتيجية أخرى تزداد أهميتها كلما ازداد الاهتمام بالأطلسي وغرب المتوسط وإفريقيا.
وهذا لا يعني وجود تقسيم رسمي للمجالات الأمنية بين الشرق والغرب، لكنه يفتح الباب أمام فرضية أوسع:
قد تكون إعادة تشكيل الأمن الإقليمي قائمة على توزيع جغرافي للوظائف، بحيث تظهر منظومات مختلفة بحسب طبيعة المجال والتهديد والممرات الاستراتيجية التي يراد تأمينها.
وفي هذه الحالة، لا يصبح السؤال: من هو عضو الحلف الأكبر؟
بل:
من يؤدي الوظيفة المطلوبة داخل كل مجال؟
وهنا تعود مرة أخرى فرضية الوظيفة الاستراتيجية التي ظهرت في التحول السابق.
الولايات المتحدة… من الحضور المباشر إلى إدارة الشبكات
إذا كان هذا التحليل صحيحًا، فإن الدور الأمريكي المستقبلي قد لا يقوم على الانسحاب، بل على التحول من إدارة جميع الملفات مباشرة إلى إدارة شبكة واسعة من الحلفاء والشركاء الإقليميين.
فبدل أن تكون واشنطن مطالبة بالتدخل العسكري في كل أزمة، يمكنها الاحتفاظ بأدوات القوة العليا:
التكنولوجيا المتقدمة. الاستخبارات. الفضاء. القيادة والسيطرة. الدفاع الصاروخي. والردع الاستراتيجي.
بينما تتولى القوى الإقليمية إدارة مستويات أكبر من الأمن المحلي.
وهكذا تتغير وظيفة القوة المهيمنة نفسها.
فبدل أن تكون حاضرة في كل مكان بالقوة نفسها، تصبح مركزًا لشبكة من القوى التي تتقاسم معها الأدوار.
وهذا النموذج، إذا استقر، سيكون أقل كلفة من الهيمنة المباشرة، لكنه سيكون أيضًا أكثر تعقيدًا، لأن الحلفاء الإقليميين يمتلكون مصالحهم الخاصة وقد لا تتطابق دائمًا مع مصالح القوة التي ترتبط بهم.
إسرائيل… من الركيزة الثابتة إلى الحليف صاحب القرار المستقل
وتبرز إسرائيل داخل هذه الصورة باعتبارها حالة خاصة.
فهي ظلت لعقود أحد أهم مرتكزات الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، بما تمتلكه من تفوق تكنولوجي وعسكري واستخباراتي.
لكن ازدياد هامش استقلال القرار الإسرائيلي يطرح سؤالًا جديدًا.
فإذا أصبحت إسرائيل مستعدة لمواصلة حرب ترى واشنطن أن الوقت قد حان لإنهائها، فإنها لا تعود مجرد أداة داخل النظام الأمريكي، بل تصبح قوة إقليمية ذات حسابات مستقلة قد تضطر الولايات المتحدة نفسها إلى احتوائها أحيانًا.
ولا يعني ذلك نهاية التحالف الأمريكي الإسرائيلي، لكنه يضيف عنصرًا جديدًا إلى النظام الإقليمي:
الحليف لم يعد بالضرورة تابعًا لإيقاع القوة الكبرى.
وهذا الاتجاه لا يقتصر على إسرائيل.
فتركيا تفعل الشيء نفسه بدرجة مختلفة.
والسعودية تسعى إلى هامش أوسع من الاستقلال.
والهند تتعامل مع واشنطن وموسكو وبكين وفق حساباتها الخاصة.
وهكذا يصبح العالم أكثر امتلاءً بالقوى التي ترتبط بتحالفات، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهامش واسع من الاستقلال.
نظام يولد من الفوضى
من هنا، قد يكون ما نشهده اليوم أقل شبهًا بانتقال من نظام عالمي مكتمل إلى نظام آخر مكتمل، وأكثر شبهًا بمرحلة طويلة من السيولة الاستراتيجية.
تتراجع خلالها بعض قواعد النظام السابق.
لكن القواعد الجديدة لم تستقر بعد.
وتنشأ التحالفات قبل أن تتضح حدودها.
وتتحرك الدول قبل أن تعرف الشكل النهائي للنظام الذي ستجد نفسها داخله.
وفي مثل هذه المراحل، تلعب الحروب والأزمات دورًا مزدوجًا.
فهي تدمر جزءًا من النظام القديم، لكنها في الوقت نفسه تدفع الدول إلى بناء الأدوات التي قد تشكل النظام الجديد.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن النظام الدولي الجديد لا يولد في مؤتمرات كبرى فقط، بل يتشكل كذلك في ساحات الحروب، وفي المضائق المهددة، وفي الاتفاقيات الدفاعية، وفي شبكات الاستثمار والتكنولوجيا والموانئ التي تعيد توزيع عناصر القوة بين الدول.
واتفاق مكة، مهما كان مصيره النهائي، يمكن أن يُقرأ ضمن هذا السياق.
فقد ينجح. وقد يتعثر. وقد يتوسع. وقد يبقى محدودًا.
لكن أهميته التحليلية لا تتوقف على مستقبله المؤسسي وحده، بل على كونه يكشف أن القوى الإقليمية لم تعد تنتظر اكتمال النظام الدولي الجديد لكي تحدد مكانها فيه، بل بدأت منذ الآن في بناء المواقع التي تريد احتلالها داخله.
وهنا تصبح المسألة أكبر من تحالف ثلاثي.
إنها مسألة موقع في عالم لم يستقر بعد.
ولهذا فإن السؤال الذي بدأت به الدراسة يتغير مرة أخرى.
لم يعد:
هل اتفاق مكة ناتو إسلامي؟
بل أصبح:
هل يمثل هذا الاتفاق إحدى العلامات المبكرة على انتقال الشرق الأوسط من هامش النظام الدولي إلى أحد الميادين التي يُعاد فيها تشكيله؟
لحظة التحول
عندما تتغير التحالفات، قد يكون الأمر مجرد تبدل في العلاقات بين الدول. أما عندما تتغير معها مصادر الأمن، ومعايير العضوية، ووظائف القوى الإقليمية، فإننا نكون أمام تحول يتجاوز الاتفاقات نفسها.
ومن هذه الزاوية، لا تكتسب اتفاقية مكة أهميتها من عدد أعضائها، بل من كونها تعكس انتقالًا تدريجيًا للشرق الأوسط من موقع المتلقي لترتيبات الأمن إلى موقع المشارك في إنتاجها، في لحظة دولية تتراجع فيها قواعد النظام السابق دون أن تكون قواعد النظام الجديد قد استقرت بعد.
خلاصة مرحلية
تكشف التحولات السابقة أن اتفاق مكة لا يمكن فهمه بوصفه مجرد اتفاقية دفاع بين ثلاث دول، بل باعتباره أحد المؤشرات على انتقال أوسع يعيد تعريف الأمن والتحالف وتوزيع القوة في الشرق الأوسط. وإذا كانت هذه التحولات لم تستقر بعد في صورة نظام إقليمي أو دولي مكتمل، فإنها تشير بوضوح إلى أن قواعد المرحلة السابقة لم تعد وحدها كافية لتفسير ما يجري، وأن المنطقة دخلت طورًا جديدًا من إعادة التشكل الاستراتيجي، تتزايد فيه قيمة الوظيفة، والجغرافيا، والشبكات، والقدرة على المبادرة.
المحور السادس: إلى أين يتجه اتفاق مكة؟
مدخل منهجي
لا تهدف الدراسات الجيوسياسية إلى التنبؤ بالمستقبل بقدر ما تهدف إلى استكشاف المسارات الأكثر احتمالًا، في ضوء المعطيات المتوافرة واتجاهات القوة والتحولات البنيوية.
ومن هنا، فإن السيناريوهات التي يعرضها هذا البحث لا تقدم توقعات حتمية، وإنما تمثل فرضيات تحليلية، يظل تحقق كل واحدة منها مرتبطًا بمجموعة من المتغيرات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي قد تتغير مع مرور الزمن.
ولهذا، فإن السؤال لا يتمثل في معرفة أي السيناريوهات سيقع، بقدر ما يتمثل في معرفة الشروط التي قد تدفع كل سيناريو إلى أن يصبح أكثر ترجيحًا من غيره.
السيناريو الأول: هل يتحول اتفاق مكة إلى نواة لتحالف إقليمي دائم؟
يفترض هذا السيناريو أن البيئة الاستراتيجية التي أفرزت الاتفاق ستستمر خلال السنوات المقبلة، بل قد تصبح أكثر تعقيدًا.
فإذا استمرت التوترات مع إيران، وبقيت تهديدات الملاحة قائمة، واستمرت الولايات المتحدة في تشجيع حلفائها على تحمل جزء أكبر من مسؤولياتهم الأمنية، فإن الدول المؤسسة ستجد مصلحة متزايدة في تحويل الاتفاق من إطار للتنسيق السياسي والعسكري إلى منظومة أكثر مؤسسية.
وقد يتخذ هذا التطور صورًا متعددة.
كتوحيد بعض العقائد العسكرية.
وزيادة التدريبات المشتركة.
وتطوير أنظمة قيادة وسيطرة أكثر تكاملًا.
وتوسيع التعاون في الصناعات الدفاعية، والاستخبارات، والدفاع الجوي، والأمن السيبراني.
ومع مرور الوقت، قد يتحول الاتفاق إلى أحد أهم مراكز الثقل الأمني في الخليج والبحر الأحمر، دون أن يعني ذلك بالضرورة تحوله إلى نسخة إسلامية من حلف شمال الأطلسي.
بل قد يحتفظ بطبيعته الخاصة، بوصفه تحالفًا مرنًا يقوم على التعاون الوظيفي أكثر مما يقوم على الالتزامات الجماعية الصارمة.
غير أن تحقق هذا السيناريو يظل مشروطًا باستمرار التقارب السياسي بين الدول المؤسسة، وبقدرتها على إدارة اختلاف أولوياتها الإقليمية، وعلى تجنب تحول أي أزمة جانبية إلى عامل يقوض الثقة المتبادلة.
السيناريو الثاني: ماذا لو بقي إطارًا للتنسيق الدفاعي؟
قد يكون هذا السيناريو هو الأكثر واقعية على المدى القريب.
فليس من الضروري أن يتحول كل اتفاق دفاعي إلى حلف عسكري مكتمل الأركان.
فقد تكتفي الدول المؤسسة ببناء آلية مرنة للتشاور، وتبادل المعلومات، وإجراء التدريبات، وتنسيق المواقف عند الأزمات، دون الانتقال إلى التزامات دفاع جماعي شبيهة بالمادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي.
ويمتلك هذا السيناريو مزايا واضحة.
فهو يمنح كل دولة هامشًا أوسع في إدارة علاقاتها مع بقية القوى الإقليمية والدولية.
كما يقلل من احتمالات التورط التلقائي في نزاعات لا تتطابق فيها مصالح جميع الأعضاء.
وفي المقابل، يسمح بتطوير التعاون العسكري تدريجيًا، وفق الحاجة، دون أن يفرض على الدول المؤسسة سقفًا مرتفعًا من الالتزامات يصعب الوفاء به.
وقد يكون هذا النموذج أكثر انسجامًا مع طبيعة التحالفات الوظيفية التي تناولها هذا البحث، حيث تظل المرونة إحدى أهم مصادر قوتها.
السيناريو الثالث: هل يتوسع الاتفاق؟
إذا أثبت الاتفاق قدرته على تحقيق أهدافه، فقد يطرح مستقبلًا سؤال توسيع العضوية.
غير أن هذا التوسع، إن حدث، لن يكون مرجحًا أن يقوم على معيار الهوية وحدها.
فالتحليل الذي انتهى إليه هذا البحث يشير إلى أن الوظيفة الاستراتيجية قد تصبح المعيار الأكثر تأثيرًا في اختيار الأعضاء الجدد بدل الهوية.
وبذلك، فإن السؤال لن يكون:
من هي الدولة الإسلامية التالية؟
بل:
ما الوظيفة التي تستطيع هذه الدولة إضافتها إلى المنظومة؟
وهذا قد يفتح الباب أمام صيغ متعددة من الشراكة أو العضوية المتدرجة، تختلف باختلاف القدرات والمجالات، دون أن يتحول الاتفاق بالضرورة إلى منظمة واسعة العضوية.
غير أن أي توسع سيظل مرهونًا أيضًا بقدرته على الحفاظ على التوازن بين الكفاءة والتمثيل.
فكلما ازداد عدد الأعضاء، ازدادت الشرعية السياسية، لكن قد تتراجع سرعة اتخاذ القرار والفاعلية العملياتية.
السيناريو الرابع: ماذا لو تغيرت البيئة الاستراتيجية؟
تفترض السيناريوهات السابقة استمرار الظروف العامة التي أدت إلى ولادة الاتفاق.
لكن التاريخ يعلمنا أن التحالفات تتغير غالبًا عندما تتغير البيئة التي أنتجتها.
فإذا حدث تقارب أمريكي–إيراني واسع، أو تراجعت التهديدات البحرية، أو شهدت إحدى الدول المؤسسة تحولات داخلية كبرى، أو أعادت تركيا أو السعودية أو باكستان تعريف أولوياتها الاستراتيجية، فإن دوافع الاتفاق قد تخضع بدورها للمراجعة.
ولا يعني ذلك بالضرورة نهاية الاتفاق.
بل قد يؤدي إلى إعادة تعريف وظائفه، أو إلى تركيزه على مجالات جديدة، أو إلى تقليص بعض التزاماته.
وهذا يؤكد مرة أخرى أن مستقبل الاتفاق لا تحدده النصوص وحدها، وإنما تحدده البيئة الجيوسياسية التي يتحرك داخلها.
السيناريو الخامس: هل يمثل اتفاق مكة بداية مرحلة جديدة؟
قد يكون أهم ما يكشفه هذا الاتفاق أنه لا يمثل نهاية مسار، بل بداية مسار.
فحتى لو تغيرت صيغته، أو توسعت عضويته، أو تقلصت وظائفه، فإن الفكرة التي قام عليها قد تستمر في إنتاج صيغ أخرى داخل الشرق الأوسط.
أي بناء ترتيبات أمنية أكثر مرونة.
وأكثر تخصصًا.
وأكثر اعتمادًا على تكامل الوظائف الاستراتيجية.
ومن هذه الزاوية، قد لا تكون أهمية اتفاق مكة في بقائه بصورته الحالية، وإنما في كونه يعكس انتقالًا تدريجيًا نحو نمط جديد من التفكير الأمني، تصبح فيه المبادرة الإقليمية، والوظيفة الاستراتيجية، والشبكات الأمنية، عناصر أكثر حضورًا من الشعارات الأيديولوجية أو الأطر المؤسسية التقليدية.
أي السيناريوهات أقرب؟
استنادًا إلى المعطيات التي تناولها هذا البحث، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحًا، في الأمد المنظور، ليس تحول اتفاق مكة سريعًا إلى “ناتو إسلامي”، ولا تراجعه بوصفه مبادرة عابرة، وإنما تطوره التدريجي بوصفه إطارًا مرنًا للتنسيق الاستراتيجي والدفاعي.
وسيظل مستقبله مرتبطًا بجملة من المتغيرات، من أهمها:
• مسار العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران.
• مستقبل البرنامج النووي الإيراني.
• استقرار الدول المؤسسة داخليًا.
• تطور الحرب في الشرق الأوسط.
• أمن الممرات البحرية.
• اتجاهات المنافسة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا.
وبذلك، يبدو الاتفاق، في مرحلته الراهنة، أقرب إلى منصة استراتيجية قابلة للتطور منها إلى حلف عسكري مكتمل البنية.
خاتمة مفتوحة: من اتفاق مكة إلى فرضية الوظيفة الاستراتيجية
بدأ هذا البحث بسؤال بدا، للوهلة الأولى، سؤالًا مباشرًا:
هل يمثل اتفاق مكة نواةً لـ«ناتو إسلامي»، أم أنه مجرد اتفاقية دفاع مشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان؟
وكان من الممكن الاكتفاء بالإجابة القانونية أو العسكرية عن هذا السؤال، من خلال مقارنة الاتفاق بأحلاف الدفاع الجماعي المعروفة، أو بحصر بنوده وأعضائه وأهدافه المعلنة.
غير أن التحليل المتدرج الذي سلكه هذا البحث كشف أن هذا السؤال، على أهميته، لم يكن كافيًا لفهم الحدث.
فمع كل محور، كانت تتكشف طبقة جديدة من المعنى.
فاتضح أن رمزية مكة لا تكفي وحدها لتفسير طبيعة الاتفاق.
وأن هوية الدول المؤسسة لا تكفي وحدها لتفسير أسباب اجتماعها.
وأن البحث عن عدو واحد لا يكفي وحده لفهم البيئة التي أفرزت هذا التحالف.
كما تبين أن التحولات الجارية في الشرق الأوسط لا يمكن اختزالها في صراع بين دول متنافسة، بل تعكس إعادة أعمق في تعريف الأمن، والتحالف، والردع، وتوزيع الأدوار داخل الإقليم.
ومن هنا، قاد البحث إلى نتيجة لم تكن مطروحة في بدايته.
فالقضية لا تتعلق، في جوهرها، بما إذا كان الاتفاق إسلاميًا أو غير إسلامي، ولا بما إذا كان موجهًا ضد إيران أو ضد غيرها، بقدر ما تتعلق بتحول أوسع في المنطق الذي أصبحت تُبنى على أساسه التحالفات في القرن الحادي والعشرين.
لقد أظهرت القراءة المتدرجة أن الهوية، على أهميتها السياسية والحضارية والرمزية، لم تعد وحدها المعيار الحاسم في تشكيل التحالفات الأمنية.
كما أن الانتماء العربي أو الإسلامي أو المذهبي لم يعد، وحده، قادرًا على تفسير اختيار الشركاء أو توزيع الأدوار أو تحديد مجالات التعاون.
وفي المقابل، برزت الوظيفة الاستراتيجية بوصفها عنصرًا يزداد تأثيرًا في بناء التحالفات.
فكل دولة تدخل المنظومة بما تضيفه إليها من قدرات، وخبرات، وموقع جغرافي، وموارد، وشبكات علاقات، أكثر مما تدخل بمجرد انتمائها إلى هوية مشتركة.
ومن هنا، لا يبدو اتفاق مكة مجرد حالة خاصة، بل يمكن النظر إليه باعتباره نموذجًا يساعد على فهم عدد متزايد من التحالفات التي تشهدها العلاقات الدولية المعاصرة.
ولا يدعي هذا البحث أن الوظيفة الاستراتيجية أصبحت القانون الوحيد الذي يحكم التحالفات، ولا أن الهوية فقدت تأثيرها.
فالهوية ما تزال تمنح الشرعية، وتصنع الثقة، وتؤثر في الرأي العام، وتحدد جزءًا من المجال الحضاري الذي تتحرك داخله الدول.
لكن ما تكشفه التحولات الراهنة هو أن الوظيفة أصبحت، في كثير من الحالات، العامل الذي يحدد من يجلس إلى طاولة التحالف، وما الدور الذي يؤديه، وكيف تتوزع المسؤوليات داخله.
ومن هذه الزاوية، يقترح هذا البحث ما يمكن تسميته بفرضية الوظيفة الاستراتيجية، بوصفها إطارًا تحليليًا جديدا يقوم على نظرية مغايرة لنظم التحليل السياسي القديمة، بحيث يمكن اختبارها في دراسة تحالفات أخرى داخل الشرق الأوسط وخارجه للتأكد من وجاهتها.
فهذه الفرضية لا تقتصر على تفسير اتفاق مكة، بل قد تساعد على فهم عدد من التحولات التي تبدو متناقضة إذا قرئت بمنطق الهوية وحده، بينما تصبح أكثر قابلية للفهم إذا قُرئت بمنطق تكامل الوظائف داخل المنظومات الاستراتيجية.
ومن ثم، فإن قيمة هذا البحث لا تقاس بصحة توقعاته حول مستقبل اتفاق مكة وحده، بل بقدرته على فتح باب جديد للنقاش حول الطريقة التي يعاد بها بناء التحالفات في عالم تتراجع فيه الأحادية، وتتسع فيه أدوار القوى الإقليمية، وتزداد فيه أهمية التكنولوجيا، والممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، والجغرافيا الوظيفية.
وقد ينجح اتفاق مكة في تحقيق أهدافه.
وقد يتعثر.
وقد يتوسع.
وقد يبقى إطارًا محدودًا.
لكن هذه الاحتمالات جميعًا لا تغير حقيقة أعمق كشفها هذا البحث.
وهي أن الشرق الأوسط كما غيره من المناطق، قد دخلت بالفعل مرحلة جديدة، لم تعد فيها الدول تنتظر اكتمال النظام الدولي الجديد لكي تحدد مواقعها داخله، بل بدأت تبني مواقعها وتحالفاتها وأدوارها الوظيفية بالتوازي مع عملية إعادة تشكيل ذلك النظام.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحًا بعد انتهاء هذه الدراسة ليس:
هل نجح اتفاق مكة؟
بل:
هل أصبحنا أمام عصر جديد، تُبنى فيه التحالفات على تكامل الوظائف الاستراتيجية أكثر مما تُبنى على تشابه الهويات؟
سيبقى الزمن وحده كفيلًا بالإجابة عن هذا السؤال.
أما مهمة البحث العلمي، فليست إصدار الأحكام النهائية، وإنما تقديم أدوات أفضل لفهم العالم وهو يتغير.
ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي قادت إليه هذه الرحلة البحثية: فالأحداث الكبرى لا تكشف فقط ما يجري أمامنا، بل تكشف أيضًا أن أدواتنا في قراءة العالم تحتاج هي الأخرى إلى أن تتطور.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق