موريتانيا وتسوية الصحراء: المخاوف المشروعة وفرص الشراكة مع المغرب

 


أعاد تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن الصحراء، المؤرخ في فاتح أكتوبر 2026، فتح سؤال يتجاوز الجدل حول الكويرة: كيف يمكن أن تتحول تسوية النزاع إلى مصدر استقرار وتكامل بين المغرب وموريتانيا، بدل أن تنقل المخاوف من الوضع القائم إلى ترتيبات المستقبل؟ فقد نقلت التغطيات المنشورة عن التقرير أن نواكشوط طلبت، خلال مفاوضات مدريد، تشكيل لجنة لتوضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم بصورة توافقية، ضمن نقاش شمل ضمانات التنفيذ والترتيبات الأمنية والمؤسساتية لأي تسوية مقبلة.


ينبغي أن يبدأ تحليل هذا الموقف من الاعتراف بمشروعية اهتمام موريتانيا بأمن حدودها ومصالحها الاقتصادية. فهي دولة مجاورة ستتأثر بنتائج التسوية، ومن حقها أن تبحث عن وضوح يمنع استمرار الغموض أو نشوء توترات جديدة. لكن مشروعية طلب الضمانات لا تعني أن نواكشوط تقدمت بمطالبة ترابية بالكويرة؛ فبحسب المعطيات المنشورة، لم يذكر المقترح الموريتاني المدينة بالاسم، بينما جاء الربط بينها وبين طلب اللجنة في النقاش الإعلامي والسياسي. وهذا فرق أساسي بين موقف الدولة والتأويلات المحيطة به.../...


وتنبع حساسية الكويرة من جوارها لنواذيبو، وما يجعل أي تحول في محيطها حاضرًا في الحسابات الأمنية والاقتصادية الموريتانية. فمن الطبيعي أن تسأل نواكشوط عن آثار التنمية المستقبلية، وعن العلاقة بين المرافق الجديدة ومصالح المدينة القائمة. غير أن الانتقال من هذا القلق إلى القول إن تعمير الكويرة سيؤدي حتمًا إلى خنق نواذيبو يحتاج إلى إثبات. فالمنافسة بين مرافق متجاورة احتمال، والتكامل بينها احتمال آخر، ويتوقف الترجيح على طبيعة المشروعات وقواعد التعاون التي تنظمها.


كما أن معرفة الحدود على الخرائط لا تلغي الحاجة إلى الاتفاق على كيفية احترامها وتدبير جوارها. لكن طلب توضيحها يستدعي بدوره سؤالًا دقيقًا: ما الذي يحتاج إلى توضيح تحديدًا؟ هل يتعلق الأمر بضبط إجراءات ميدانية وضمانات أمنية، أم بمناطق يختلف تفسير وضعها؟ إن تحديد موضوع اللجنة وصلاحياتها هو الذي يسمح بالحكم على المطلب، ويمنع تحويل عبارة عامة إلى مطالبة ترابية لم تُعلن.


وهنا ينبغي وضع المخاوف في مقابل التحولات الاقتصادية الجارية بين البلدين. فقد أُعلن خلال معرض الصناعات العسكرية بالدار البيضاء في سبتمبر 2026 عن تعاون بشأن منطقة صناعية تبلغ مساحتها 800 هكتار، مع تصريحات موريتانية تؤكد أولوية المقاولات المغربية ومعاملتها معاملة الشركات المحلية، والعمل على بناء روابط إنتاج وتصدير تستفيد من المغرب منفذًا نحو الأسواق الأوروبية. وهذه مؤشرات على تصور يقوم على توسيع المصالح المشتركة.


وتقع المنطقة الصناعية جنوب نواكشوط، وفق البيان الحكومي الموريتاني الذي حدد موقعها عند الكيلومتر الثاني والعشرين. وتكتسب هذه المعلومة أهمية سياسية واقتصادية؛ فالتعاون يستهدف إقامة نشاط إنتاجي داخل موريتانيا، وتحويل موادها الخام وخلق فرص عمل وتعزيز صادراتها. ومن ثم يصبح من الصعب قراءة العلاقة الاقتصادية كلها باعتبارها منافسة على حساب الطرف الموريتاني.


وتفتح المبادرة الأطلسية المغربية مجالًا أوسع لهذه المصالح؛ فهي تقوم على إتاحة البنيات الطرقية والمينائية أمام دول الساحل الحبيسة، بما يربط الوصول إلى البحر بالتنمية والتعاون الإقليمي. وفي هذا التصور، يمكن لموريتانيا أن تجمع بين موقع العبور ودور الإنتاج والخدمات. لكن تحويل الإمكان إلى منفعة فعلية يحتاج إلى اتفاقات واضحة بشأن الاستثمار والنقل والإجراءات الحدودية وتوزيع فرص النشاط، حتى ترى نواكشوط في الربط الإقليمي تعزيزًا لدورها.


وفي هذا السياق جاء اللقاء العسكري بمراكش بين المفتش العام للقوات المسلحة الملكية ورئيس أركان القوات المسلحة الموريتانية، والذي تناول تطوير التعاون الدفاعي وأكد متانة العلاقة بين البلدين. أما التذكار الحامل لخريطة المغرب بصحرائه، فيمكن قراءته بوصفه اجتماعًا رمزيًا للشراكة والموقف الترابي المغربي. غير أن دلالته السياسية لا تتيح الجزم بأنه رد مباشر على المطلب الحدودي، كما أن قبوله لا يشكل بمفرده اعترافًا موريتانيًا رسميًا بموقف الرباط.


وتبقى فرضية استثمار الجزائر لهذه الحساسية واردة في التحليل الاستراتيجي، لكنها تحتاج إلى أدلة على التحركات والمواقف والتنسيق. فوجود طرف قد يستفيد من تعثر التقارب لا يثبت أنه صنع كل المخاوف التي تحيط به. والأدق أن نبحث كيف يمكن توظيف قلق موريتاني قائم أصلًا، بدل اختزال قرار نواكشوط في تأثير خارجي وإغفال مصالحها الذاتية.


ومن مصلحة المغرب أن يتعامل مع هذه المخاوف بوضوح، عبر ضمانات تحترم سيادة موريتانيا، وتصور اقتصادي يجعل تنمية الجوار مصدر فرص مشتركة. ومن مصلحة موريتانيا أن تحدد مطالبها بدقة، حتى لا تترك الفراغ لتأويلات تحول طلب الضمانات إلى نزاع سيادي. فالتعاون الصناعي والطرقي والعسكري يوفر قاعدة يمكن البناء عليها، لكنه يحتاج إلى لغة سياسية تزيل الالتباس وتمنح الشراكة أفقًا مستقرًا.


إن السؤال الذي تطرحه الكويرة اليوم هو كيف يمكن تدبير جوار حساس داخل تسوية أوسع. والإجابة تتوقف على قدرة البلدين على الجمع بين وضوح الحدود، واحترام المصالح، وتوسيع المنافع المتبادلة. عندئذ يمكن أن يصبح طلب الضمانات خطوة نحو تثبيت الشراكة، وتتحول نهاية النزاع إلى بداية مجال أطلسي أكثر اتصالًا واستقرارًا.



الضمانات المتبادلة: كيف تتحول المخاوف إلى تعاون؟


لا تكتمل طمأنة موريتانيا بمجرد التأكيد على حسن العلاقات، كما لا يكفي أن تعلن نواكشوط تمسكها بالحياد. فالمخاوف المتعلقة بالحدود والموانئ تحتاج إلى معالجة تحدد موضوع القلق، وتفصل بين الحقوق السيادية والترتيبات الأمنية والمنافسة الاقتصادية. وعندئذ يصبح ممكنًا بناء ضمانات متبادلة، يعرف كل طرف ما يحفظ مصالحه وما يطلبه منه الطرف الآخر.

ومن جهة المغرب، يمكن أن تقوم الطمأنة على تأكيد احترام الحدود والسيادة الموريتانية، وإتاحة التشاور بشأن المشروعات التي قد تؤثر في الجوار المباشر. ومن جهة موريتانيا، تقتضي الثقة توضيح أن طلب الضمانات لا يتحول إلى مطالبة بأراضٍ خارج حدودها، وأن المصالح الأمنية لا تُستعمل لتعليق تنمية الجوار إلى أجل غير محدد. فلكل دولة حق حماية مصالحها، لكن ممارسة هذا الحق ينبغي أن تراعي مصالح الدولة المجاورة أيضًا.


وتبرز هنا أهمية التمييز بين ضمان الحدود وتجميد التنمية. فإذا كانت نواكشوط تخشى أثر مشروعات مستقبلية في الكويرة على نواذيبو، فإن المعالجة يمكن أن تتجه إلى التشاور والتكامل وتنسيق الخدمات، بدل افتراض أن أمن الميناء الموريتاني يتطلب بقاء المنطقة المجاورة بلا نشاط. وفي المقابل، لا يكون مجرد إنشاء مشروع جديد دليلًا على منفعة مشتركة؛ إذ تحتاج هذه المنفعة إلى تصميم اقتصادي يبين فرص الطرفين وآليات استفادتهما.



الكويرة ونواذيبو: منطق المنافسة وإمكان التكامل


يمكن أن تتنافس المرافق المتجاورة على نشاط واحد، كما يمكن أن تتخصص في أنشطة متكاملة. ولذلك لا يُحسم مستقبل العلاقة بين الكويرة ونواذيبو بقرب المسافة وحده، بل بطبيعة الاستثمار، وحجم الطلب، وشبكات النقل، وقواعد الوصول إلى الأسواق.


ومن هذا المنظور، ينبغي أن يبدأ النقاش الاقتصادي بالسؤال عما تحتاج إليه المنطقة، وما الذي يستطيع كل طرف تقديمه. فقد تتيح الشراكة توزيعًا للخدمات الصناعية والبحرية واللوجستية، وربطًا بين الإنتاج والتخزين والتحويل والتصدير. وهذه إمكانات مقترحة للدراسة، وليست مشروعات متفقًا عليها حتى الآن. لكنها تبين أن تصور العلاقة بوصفها خسارة حتمية لطرف عند تقدم الآخر ليس الاحتمال الوحيد.


وتمنح المنطقة الصناعية المشتركة قاعدةً للتفكير في هذا التكامل. فحين تصبح المقاولات والاستثمارات وسلاسل الإنتاج متصلة بين البلدين، تتغير طبيعة المصلحة: يستطيع النشاط المقام في موريتانيا الاستفادة من منفذ مغربي، كما يستطيع النشاط المغربي الاستفادة من إنتاج وخدمات وأسواق موريتانية. ويكون التحدي هو توسيع هذه المصالح وتوزيع منافعها بصورة تجعل استمرار التعاون أكثر جدوى من تعطيله.



موريتانيا: دولة شريكة لها قرارها


يحتاج التحليل المغربي إلى تجنب النظر إلى موريتانيا باعتبارها مجرد ممر نحو الساحل. فهي دولة لها أولوياتها وقرارها، وتريد أن يتحول موقعها الجغرافي إلى قيمة اقتصادية وسياسية. ومن ثم فإن نجاح الربط الإقليمي يتوقف أيضًا على مقدار ما يمنحه لها من فرص إنتاج وعمل وإيرادات وبنية تحتية.


كما أن إقامة نواكشوط علاقات مع الجزائر لا تثبت أن كل موقف تتخذه يصدر عن توجيه جزائري. ويمكن للدولة أن تتعاون مع أطراف متنافسة، وأن تحاول المحافظة على هامش مناورة بينها. ولهذا يكون الرد المغربي الأكثر فاعلية هو تقديم شراكة ملموسة تحترم هذا الاستقلال، وتقلل كلفة التقارب ومخاوفه.


أما حين تظهر مؤشرات فعلية على استثمار طرف خارجي للقلق الموريتاني، فينبغي تحليلها بأسمائها وأدلتها. ويكون السؤال عن أثرها في المواقف والمشروعات والإجراءات، بدل الاكتفاء بإسناد النيات. فهذا يتيح تمييز المنافسة الإقليمية القائمة عن تفسير يرد كل خلاف إليها ويغفل ما يمكن حله مباشرة بين الرباط ونواكشوط.



التسوية السياسية تحتاج إلى استقرار الجوار


قد تحدد التسوية الوضع السياسي والمؤسساتي للإقليم، لكنها لن تعالج تلقائيًا جميع علاقات الجوار. فالحدود والمعابر والتجارة والمجال البحري والتعاون الأمني تحتاج إلى ترتيبات واضحة، وإلى قنوات قادرة على معالجة الخلاف قبل اتساعه.


ومن هنا ينبغي أن تُدرس وظيفة اللجنة المقترحة بدقة. فإذا كان موضوعها توضيحًا تقنيًا وتوافقيًا وضمان احترام الحدود، أمكن أن تؤدي دورًا في تقليل الغموض. أما إذا اتسعت مهمتها إلى إعادة فتح مطالب ترابية، فإن ذلك سيغير طبيعة النقاش. ولهذا لا يصح قبولها أو رفضها من عنوانها وحده؛ فالحكم يتوقف على مرجعيتها وصلاحياتها والنتائج التي يُراد الوصول إليها.


ويمكن أن يتكامل المسار الأممي مع الحوار الثنائي، دون أن يحل أحدهما محل الآخر. فالأول يتصل بتسوية النزاع، والثاني يتيح تدبير مصالح الجوار بصورة مستمرة. وكلما اتضحت الحدود بين المسارين، تقلص احتمال تحميل التفاوض الأممي خلافات يمكن معالجتها مباشرة، أو افتراض أن اتفاقًا سياسيًا سيغني عن بناء الثقة اليومية.



المصلحة المشتركة أساس الطمأنة


يملك المغرب وموريتانيا فرصة لجعل التحولات المقبلة مدخلًا إلى علاقة أكثر وضوحًا. ويبدأ ذلك بتحديد المخاوف الفعلية، والتحقق من المطالب الرسمية، ثم بناء ترتيبات تحترم السيادة وتوسع فرص التنمية.


فالمغرب يحتاج إلى جوار مستقر يتيح اتصالًا منتظمًا بعمقه الإفريقي، وموريتانيا تحتاج إلى أن يمنحها هذا الاتصال دورًا إنتاجيًا وخدميًا يعزز اقتصادها واستقلال قرارها. وحين تتحول هذه الحاجات إلى مصالح متبادلة ومضمونة، يصبح التعاون أقدر على مقاومة التوتر والتأويلات الخارجية.


وعندئذ يمكن أن تخرج الكويرة من موقع الرمز الذي تتكثف حوله المخاوف، لتدخل في نقاش عملي بشأن تنمية الجوار. ويكون معيار النجاح واضحًا: أن ترى موريتانيا في التسوية مصدرًا لأمنها وفرصها، وأن يرى المغرب في شراكته معها سندًا للاستقرار والتكامل، مع بقاء مواقف السيادة معلنة ونطاق الالتزامات محددًا.



من طمأنة الحكومات إلى طمأنة المجتمعات


لا تتوقف الثقة بين المغرب وموريتانيا عند الاتفاقات الرسمية؛ إذ تؤثر الصورة المتداولة عن كل بلد في استعداد المجتمع الآخر لقبول التعاون معه. وقد تتقدم العلاقات الاقتصادية والعسكرية، بينما تستمر في المجال الإعلامي سرديات تستحضر نزاعات قديمة أو تقدم كل مشروع جديد بوصفه تهديدًا. وعندئذ تحتاج الشراكة إلى شرح علني يبين غاياتها ومنافعها وحدودها.


ومن مصلحة الطرفين ألا يتركَا الحديث عن الكويرة والحدود محصورًا في التأويلات. فإعلان موضوع المباحثات، حين تسمح مقتضيات التفاوض بذلك، يساعد على التمييز بين طلب ضمانات ومطالبة ترابية، وبين مشروع اقتصادي معلن وسيناريو متخيل. كما يتيح للمواطنين معرفة ما قد يعود عليهم من فرص، وما تلتزم حكوماتهم بحمايته.


وتقتضي هذه المسؤولية أيضًا الحذر من تحويل تصريحات فردية أو مقالات رأي إلى سياسة دولة. فقد يعبر صاحبها عن مخاوف حقيقية أو عن تصور خاص، لكن نسبتها إلى الحكومة دون سند توسع الخلاف وتدفع الطرف الآخر إلى الرد على موقف لم يُعلن رسميًا. ومن هنا يصبح التثبت من صفة المتكلم ودقة العبارة وتاريخها جزءًا من حماية العلاقة، لا مجرد إجراء صحافي.



الذاكرة التاريخية: الاعتراف بأثرها دون البقاء تحت سلطانها


لا تُمحى المخاوف التاريخية بمجرد قيام تعاون جديد، لكنها لا ينبغي أن تحدد المستقبل وحدها. فقد تبقى تصريحات سابقة حاضرة في تقدير النخب والجمهور، وتستدعيها لحظة الغموض حتى إن تغيرت السياسات والمصالح. ولذلك تحتاج الطمأنة إلى مواقف واضحة ومستقرة، وإلى ممارسة تؤكد احترام استقلال الدولة المجاورة.


وفي المقابل، ينبغي تقييم السياسة الحالية من قراراتها واتفاقاتها وأفعالها، مع دراسة الخطاب التاريخي في سياقه. فاستدعاء قول قديم دون بيان صاحبه وصفته وموقعه من القرار الرسمي قد يحول الذاكرة إلى مصدر متجدد للريبة. أما التحقيق الدقيق فيسمح بمعرفة ما انتهى، وما بقي مؤثرًا، وما يحتاج إلى معالجة صريحة.


وتكون الشراكة المنتجة إحدى وسائل تجاوز هذا الإرث، حين يلمس الناس أثرها في العمل والنقل والاستثمار. لكنها لا تعوض الوضوح السياسي؛ فالثقة تزداد عندما تتفق المصالح مع خطاب يحترم السيادة، وتدعمها إجراءات يمكن التحقق منها.



المنافسة الإقليمية وحدود التأثير الخارجي


تفتح التحولات في الصحراء والفضاء الأطلسي مجالًا لتنافس إقليمي على طرق التجارة والاستثمار والنفوذ. ويمكن لأي طرف أن يسعى إلى تعزيز موقعه أو الحد من تقدم منافسيه. لكن تحليل هذه المنافسة يحتاج إلى التمييز بين المصلحة المحتملة والفعل المثبت.


وبناءً عليه، لا يكفي أن تستفيد الجزائر من تعثر التقارب المغربي الموريتاني حتى ننسب إليها كل توتر بين البلدين. وإنما نبحث عن مؤشرات محددة: مواقف متزامنة، أو مطالب متطابقة، أو ترتيبات تؤثر في المعابر والمشروعات، أو خطاب رسمي يكشف اتجاهًا واضحًا. وحين تتوفر هذه القرائن، يمكن تقدير وزن التأثير الخارجي دون إلغاء استقلال القرار الموريتاني.


أما الاستجابة المغربية، فالأجدى أن تجمع بين اليقظة وبناء البدائل. فالشراكة التي تنتج منافع ملموسة وتمنح موريتانيا دورًا معتبرًا تكون أقدر على الاستمرار، حتى في بيئة تتنافس فيها القوى. وتصبح جاذبية التعاون نابعة من قيمته لأصحابه، لا من مطالبتهم بالابتعاد عن طرف آخر.



منطق العلاقة المقبلة


يمكن أن يقوم الإطار المقبل على ثلاثة التزامات متكاملة: وضوح سيادي يمنع الالتباس، وتعاون اقتصادي يوزع المنافع، وتشاور أمني يعالج مخاطر الجوار. ويحتاج كل التزام إلى أدوات عملية، حتى لا تبقى الطمأنة وعدًا عامًا يصعب قياسه.


فالوضوح السيادي يتطلب تحديد ما هو محل نقاش وما ليس كذلك. والتعاون الاقتصادي يحتاج إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، وشروط معلنة للاستثمار والعبور والاستفادة المحلية. أما التشاور الأمني فيحتاج إلى اتصال منتظم يتيح معالجة الحوادث والتخوفات قبل أن تتحول إلى أزمة سياسية.


وبذلك تصبح تسوية الصحراء فرصة لاختبار قدرة البلدين على الانتقال من تدبير الحساسية إلى تنظيم المصالح. فالمخاوف الموريتانية تستحق الإصغاء والتحديد، والشراكة المغربية الموريتانية تستحق أن تُقاس بما تستطيع تحقيقه للبلدين. وبين الأمرين مجال واسع للعمل: حدود واضحة، وجوار آمن، وتنمية لا يفترض فيها تقدم طرف تراجعَ الآخر.


وعلى هذا الأساس، لا تكون الكويرة امتحانًا للمواقف الترابية وحدها، بل امتحانًا لقدرة السياسة على بناء علاقة تستوعب اختلاف الحسابات. فإذا أمكن تحويل القلق إلى ضمانات، والموقع الجغرافي إلى منفعة مشتركة، غدت التسوية مدخلًا إلى استقرار يمتد أثره من الجوار المباشر إلى دول الساحل والفضاء الأطلسي.



ما الذي سيكشف حقيقة الموقف الموريتاني؟


بعد عرض المخاوف وفرص التعاون، يصبح الحكم على الموقف الموريتاني مرتبطًا بما ستطلبه نواكشوط عمليًا. فعبارة «توضيح الحدود» تظل واسعة ما لم تتحدد مرجعيتها والمناطق المعنية بها والنتائج المنتظرة منها. ومن هنا ينبغي الانتقال من تأويل النيات إلى متابعة المطالب والإجراءات.


إذا انصب الطلب على تثبيت الحدود، ومنع امتداد المخاطر الأمنية، وضمان سلامة الوصول إلى المرافق الاقتصادية، فإنه يدخل في تدبير مصالح الجوار. أما إذا اقترن بمطالبة ترابية جديدة، أو باشتراط بقاء مناطق مجاورة دون تنمية، فسنكون أمام موقف مختلف يحتاج إلى نقاش مستقل. ولا يجوز الخلط بين الحالتين قبل ظهور ما يميز إحداهما من الأخرى.


كما سيكشف استمرار المشروعات المشتركة مقدار ما تمنحه موريتانيا للعلاقة من أولوية. فالتقدم في التعاون الصناعي والطاقي، وتيسير العبور، وتنسيق الإجراءات، كلها مؤشرات يمكن مقارنتها بالخطاب السياسي. وقد تظهر مخاوف في التصريحات بينما يستمر العمل المشترك، فتكون المسألة تفاوضًا على شروط الشراكة. وقد يحدث العكس، فيبقى خطاب التعاون حاضرًا بينما تتعثر إجراءاته، وعندئذ يحتاج التعثر إلى تفسير.



مسؤولية المغرب: تحويل المبادرة إلى التزامات قابلة للتنفيذ


من جهة المغرب، لا تكفي جاذبية التصور الأطلسي لضمان انخراط الشركاء. فالدول تقيس المبادرات بما تستطيع تحقيقه داخل اقتصاداتها، وبالكلفة التي تتحملها، وبقدرتها على التأثير في القرارات المتعلقة بها. ولذلك يحتاج العرض المغربي إلى مسارات تنفيذ واضحة، تمنح موريتانيا معرفةً بما يمكنها الاستفادة منه وما يُنتظر منها، وكذلك بالمنافع التي قد تفوتها إذا تعطلت الشراكة أو اتجهت الاستثمارات والتدفقات التجارية إلى مسارات أخرى.


وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في مشروعات الربط. فوجود طريق لا يحسم وحده انتظام النقل؛ إذ تدخل في الكلفة إجراءات الحدود، والتأمين، ومدة الانتظار، وجودة الخدمات، وتوافر البنيات على امتداد المسار. ومن ثم ينبغي معالجة سلسلة العبور كاملة، ومقارنتها بالبدائل، ومنها نقل البضائع بحرًا إلى موانئ أخرى في غرب إفريقيا، ثم إيصالها برًا إلى وجهاتها الداخلية. وتُقاس جدوى كل مسار بكلفته الإجمالية ومدته وموثوقيته، لا بكلفة مرحلة منفردة منه. وبهذا يصبح المرور عبر موريتانيا خيارًا تعززه جودة الربط والمنافع المتبادلة؛ فإذا ارتفعت كلفته أو تراجع انتظامه لأسباب أمنية أو سياسية، فقد تتجه بعض التدفقات إلى بدائل تقلل نصيبها من فرص النقل والخدمات والاستثمار.


كما يحتاج التعاون الصناعي إلى بيان صلة المشروعات بالإنتاج المحلي والتشغيل والتكوين ونقل الخبرة. فكلما ظهرت استفادة موريتانية ملموسة، أصبح الدفاع عن الشراكة داخل نواكشوط أكثر إقناعًا. وتكون الطمأنة الاقتصادية أقوى حين يشارك الطرف الموريتاني في تصميم المشروع ومتابعته، ويملك أدوات تقدير نتائجه.



مسؤولية موريتانيا: تحديد الضمانات وحماية فرص التعاون


في المقابل، تحتاج موريتانيا إلى صياغة مطالبها بصورة تمنع التباسها بمواقف لم تقررها. فإذا كان القلق متعلقًا بأمن نواذيبو ومصالحها البحرية، فإن تحديد عناصره يتيح البحث عن حلول. أما إبقاء الطلب عامًا، مع ترك النقاش الإعلامي يوسعه، فقد يؤدي إلى بناء توقعات يصعب التراجع عنها أو تلبيتها.


وتحتاج نواكشوط أيضًا إلى الموازنة بين الاحتياط السيادي وكلفة تعطيل الفرص. فالضمانات تُطلب لحماية الاستقرار الذي يسمح بالتنمية، ولا ينبغي أن تتحول إلى شروط تؤجل التعاون بلا نهاية. ومن هنا يكون نجاح سياستها في جمع الأمرين: وضوح يحمي حدودها، ومشروعات توسع قدرتها الاقتصادية.


ولا يتطلب ذلك التخلي عن استقلال قرارها أو حصر علاقاتها الخارجية في شريك واحد. بل يتطلب أن تكون الخيارات قابلة للتفسير بمصالحها، وأن تُدار العلاقات المتعددة دون تحويل أراضيها ومعابرها إلى مجال تتعطل فيه مصالحها بسبب تنافس الآخرين.



نحو جدول عمل مشترك


يمكن ترجمة هذه المبادئ إلى جدول عمل يبدأ بتحديد المخاوف والمطالب الرسمية، ثم فصل الملفات التي تحتاج إلى معالجة أممية عن الملفات التي يمكن تدبيرها ثنائيًا. وتتيح هذه الخطوة معرفة الجهة المسؤولة عن كل موضوع، وتمنع تراكم مسائل مختلفة تحت عنوان واحد.


ويأتي بعد ذلك تقييم اقتصادي مشترك لفرص الجوار، يدرس الطلب المتوقع والخدمات المتاحة والمشروعات الممكنة، بدل الاكتفاء بتصورات عامة عن المنافسة بين الكويرة ونواذيبو. وتكون نتائج التقييم أساسًا لتحديد مجالات التكامل، وما يحتاج إلى تنسيق أو ضمانات.

أما في النقل والصناعة، فينبغي أن تتحدد مراحل التنفيذ ومؤشرات التقدم، مع آليات لمعالجة التأخر والخلاف. فالمصلحة المشتركة تزداد رسوخًا حين ترتبط بعمل يمكن متابعته، ويستطيع الطرفان مراجعة شروطه على ضوء النتائج.



خاتمة: تسوية تحمي السيادة وتوسع المصالح


يكشف المطلب الموريتاني، كما نُقل عن التقرير الأممي، أن الجوار سيكون حاضرًا في حسابات التسوية المقبلة. وهذا الحضور يستحق قراءة تبدأ من مصالح موريتانيا ومخاوفها، ثم تختبر مضمون مطالبها، دون تحويلها مسبقًا إلى مطالبة بالكويرة أو إلى امتداد لسياسة طرف آخر.


وفي الوقت نفسه، يبين التعاون الصناعي والعسكري ومشروعات الربط أن العلاقة مع المغرب تملك قاعدة تتجاوز الجدل الراهن. والتحدي هو أن تتحول هذه القاعدة إلى ضمانات ومنافع تستطيع مقاومة الغموض والتوتر.


من هنا، يكون السؤال الأهم: هل يستطيع البلدان بناء ترتيبات تجعل وضوح الحدود سندًا للتعاون، وتجعل التنمية المشتركة سندًا للاستقرار؟ فإذا تحقق ذلك، أمكن أن تصبح تسوية الصحراء فرصة لتعزيز مكانة موريتانيا الاقتصادية، وترسيخ اتصال المغرب بعمقه الإفريقي، وفتح منافذ أوسع أمام دول الساحل.


فالسيادة تحتاج إلى وضوح، والأمن يحتاج إلى ثقة، والتنمية تحتاج إلى مصالح قابلة للتحقق. وجمع هذه الشروط هو ما يمنح الشراكة المغربية الموريتانية قيمتها في المرحلة المقبلة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق