القوة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والمجالية
وإعادة تأسيس الشراكة مع إسبانيا
تمهيد: رسالة الخطاب الدينية والأخلاقية
تكتسب الآية التي افتُتحت بها جلسة البرلمان أهمية خاصة في فهم مضمون الخطاب الملكي والأولوية التي يضعها أمام الولاية التشريعية الجديدة. يقول تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177].
تعرض الآية 177 من سورة البقرة، البر في شبكة تجمع الإيمان والإنفاق ورعاية المحتاجين والوفاء بالعهد والصبر في الشدائد. وفي افتتاح ولاية تشريعية جديدة، تمنح هذه المعاني المسؤولية السياسية تأطيرًا دينيًا وأخلاقيًا: رعاية من يحتاجون إلى الحماية، والوفاء بما قُدم للمواطنين من تعهدات، وتحمل أعباء العمل العام.../...
ومن هنا نقرأ اختيار الآية ضمن البناء الدلالي للمناسبة؛ فهي تمهد للأولوية المركزية التي يعلنها الخطاب: تحقيق التوازن بين الطموح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية. فالإنفاق والرعاية يتصلان بوجهة الانتفاع بالثروة، والوفاء بالعهد يتصل بمسؤولية المؤسسات والمنتخبين عن تحويل الالتزامات إلى نتائج.
وبهذا الترابط بين آية الافتتاح وتوجيهات الخطاب، يتحدد سؤال المرحلة المقبلة: كيف تتحول قوة المغرب الاقتصادية ومنجزاته إلى فرص وخدمات وإنصاف يلمسها المواطن في حياته؟ وهو السؤال الذي يمنح الانتقال «من دولة بسرعتين إلى دولة بجناحين» مضمونه العملي.
القوة الاقتصادية: الإمكانات التي تحتاج إليها العدالة الاجتماعية
ينتقل الخطاب من تحديد غاية المرحلة إلى بيان الإمكانات التي ينبغي بناؤها لتحقيقها. فالدعوة إلى استراتيجيات جديدة في الأمن المائي والطاقي والغذائي، والصناعة والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، تضع أمام الحكومة المقبلة مجالات متصلة بقدرة البلاد على الإنتاج وتأمين حاجاتها ومواكبة التحولات الدولية. ويضاف إليها تعزيز المخزونات الاستراتيجية وضمان التزود بالمواد الأساسية.
وتكتسب هذه الأولويات بعدها الاجتماعي من أثرها في الحياة اليومية. فاستقرار التزويد بالماء والطاقة والغذاء يدخل في كلفة العيش، وفي قدرة المقاولات على مواصلة نشاطها، وفي استقرار العمل والدخل. ولذلك تتصل حماية شروط الإنتاج بحماية الأسر من آثار الاضطراب، ويصبح الاستعداد للصدمات جزءًا من مسؤولية الدولة تجاه المجتمع.
أما الصناعة والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، فتفتح سؤال نوعية الموقع الذي يسعى المغرب إلى بنائه داخل الاقتصاد الدولي. فكلما ارتفعت قدرته على إنتاج المعرفة والتقنيات والخدمات والسلع ذات القيمة المضافة، اتسعت إمكاناته في التشغيل والتمويل والاستثمار. لكن الأثر الاجتماعي لهذه القطاعات يتوقف على صلتها بالتكوين، وبالمقاولات المحلية، وبالجهات التي تستقبل أنشطتها.
ومن هنا ينبغي أن تتكامل الاستراتيجيات الاقتصادية مع سياسات التعليم والتأهيل. فإقامة قطاع متقدم تستدعي إعداد من يستطيع العمل فيه، وتطوير المهارات يحتاج إلى فرص تستوعب أصحابها. وعندما تتباعد هاتان الحركتان، قد يتقدم الاستثمار بينما يظل جزء من الشباب خارج مساره، أو يرتفع مستوى التأهيل دون أن يجد المتخرجون مجالًا لاستعماله.
ويستدعي الدور المنتظر من القطاع الخاص هذه العلاقة نفسها. فالخطاب يدعوه إلى تعزيز الاستثمار والابتكار والتصدير وخلق فرص العمل؛ وهي وظائف يمكن تقييمها من خلال ما تضيفه إلى القدرة الإنتاجية وإلى فرص المواطنين. ويقتضي ذلك أن تُقرأ الحوافز الاقتصادية بجوار نتائجها: طبيعة الوظائف التي تنشأ، واستمرارها، وصلتها بالتكوين، وما تفتحه للمقاولات الصغرى والمتوسطة من مشاركة في سلاسل الإنتاج.
وهنا يظهر أحد شروط الانتقال إلى دولة بجناحين: أن يصبح البعد الاجتماعي حاضرًا في تصميم السياسة الاقتصادية منذ بدايتها. فاختيار موقع الاستثمار، وطبيعة المهارات المطلوبة، وعلاقته بالمحيط المحلي، كلها قرارات تؤثر في توزيع المنافع قبل أن تبدأ عملية إعادة توزيع الدخل.
وبذلك تصبح القوة الاقتصادية قاعدةً لإمكان الإنصاف، وتصبح العدالة الاجتماعية والمجالية معيارًا لتوجيه هذه القوة وتقييم أثرها. وهذه العلاقة تقود إلى موقع الشباب في الخطاب؛ لأن الرهان على مستقبل الإنتاج يتصل بالقدرة على إدماج الجيل الذي سيحمله، وبما يجده هذا الجيل من أسباب للثقة في فرصه وفي مؤسسات بلاده، الأمر الذي يجعله يتشبث بانتمائه ويفتخر بوطنيته.
الشباب: من التأهيل إلى الثقة في المستقبل
يضع الخطاب قضايا الشباب في مقدمة السياسات العمومية، ويصل التعليم والتأهيل بالإدماج الاقتصادي وتكافؤ الفرص، ثم يربط ذلك بالترقي الاجتماعي والثقة في المؤسسات. وتكشف هذه العلاقة أن الرهان يتجاوز إعداد الشباب للعمل إلى بناء مسار يستطيعون من خلاله تصور مستقبلهم داخل بلدهم.
فالشاب الذي يبذل جهدًا في الدراسة والتكوين يحتاج إلى أن يرى الصلة بين هذا الجهد وما يُتاح له من فرص. وعندما تنقطع هذه الصلة، تتأثر ثقته في قيمة التأهيل، وفي عدالة الولوج إلى العمل، وفي قدرة المؤسسات على إنصافه. ولذلك تصبح الثقة نتيجةً لتجربة يعيشها، تتشكل في المدرسة والإدارة وسوق العمل، وتتقوى كلما وجد أن الكفاءة والجهد يفتحان أمامه طريقًا واضحًا.
ومن هنا تكتسب المساواة في الفرص معناها العملي. فهي تبدأ من شروط التعلم، وما يتوافر للطفل من مدرسة وتجهيز وتأطير، ثم تمتد إلى التوجيه والتكوين والولوج إلى العمل. وقد يتساوى الشباب في الحق المعلن، بينما تختلف قدرتهم على استعماله بحسب دخل أسرهم ومكان إقامتهم وتوافر النقل والسكن والخدمات. ومعالجة هذه الفوارق هي التي تجعل الحق فرصة فعلية.
وهذا يضع التعليم والتكوين داخل العلاقة بين الدولة الاجتماعية والدولة المنتجة. فالتعليم الجيد يوسع قدرة الفرد على الاختيار، والتأهيل يتيح له المشاركة في الاقتصاد، والعمل يمنحه دخلًا واستقلالًا وإمكانًا لتطوير مهاراته. وكل حلقة تحتاج إلى التي تليها حتى يكتمل أثرها؛ إذ يظل الاستثمار في التكوين محدود النتيجة حين لا يجد المتخرج مجالًا يستوعب قدراته.
وتبرز هنا مسؤولية التنسيق بين السياسات. فاختيارات الصناعة والرقمنة والاستثمار ينبغي أن تدخل في تخطيط التكوين، كما ينبغي لحاجات الجهات أن تؤثر في توزيع مؤسساته وتخصصاته. وبهذا يمكن أن يصبح إعداد الشباب جزءًا من بناء القدرة الاقتصادية للمجال الذي يعيشون فيه، مع إبقاء حرية التنقل والعمل والاختيار مفتوحة أمامهم.
وتسمح هذه القراءة بفهم الصلة بين الشباب والهجرة، دون اختزال أسبابها في عامل واحد. فالهجرة قد تكون اختيارًا للتعلم أو العمل أو توسيع التجربة، لكنها قد تعبر أيضًا عن فقدان الثقة في إمكان بناء مستقبل محلي. ولذلك فإن توسيع الفرص داخل المغرب يجعل البقاء خيارًا ذا قيمة، ويمنح من يختار التنقل قدرة أكبر على القيام به ضمن مسارات آمنة ومنظمة.
ومن هذا المنظور، تصبح مكانة الشباب اختبارًا لمدى تكامل جناحي الدولة: هل يخلق التحول الاقتصادي فرصًا يستطيعون الوصول إليها؟ وهل تمنحهم السياسات الاجتماعية القدرات اللازمة للاستفادة منها؟ والإجابة تتطلب النظر إلى النتائج في مختلف المجالات والجهات، لأن مستقبل الشاب يتشكل داخل محيط تتفاوت فيه المدارس والخدمات والاستثمارات.
وهنا نصل إلى الحلقة التنفيذية الأبرز في الخطاب: كيف تُنقل الأولويات الوطنية إلى المجال، وكيف تصبح المؤسسات القريبة من المواطن قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع وتحمل مسؤولية أثرها؟
العدالة المجالية: نقل القدرة على الفعل إلى الجهات
يضع الخطاب العمل الترابي في صلب المرحلة المقبلة، ويربط تحسين الخدمات والتنمية المندمجة والاستثمار المنتج بتفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري. كما يطالب بتجاوز التأخر في نقل الاختصاصات والموارد البشرية والمالية، وتوضيح صلاحيات الجهات وتنظيم علاقتها بالدولة من خلال التنسيق والتعاقد.
وتكتسب هذه التوجيهات أهميتها لأنها تتناول الآلية التي ينبغي أن تحول الأولويات الوطنية إلى نتائج محلية. فالمواطن يختبر السياسة العمومية في المدرسة التي يتعلم فيها أبناؤه، والمرفق الصحي الذي يقصده، والطريق الذي يستعمله، والإدارة التي تعالج طلبه. ولذلك يحتاج مشروع الدولة الاجتماعية إلى مؤسسات تستطيع معرفة حاجات المجال واتخاذ القرارات المتعلقة بها وتنفيذها.
وهنا ينبغي التمييز بين مسارين متكاملين. فالجهوية تتعلق بقدرة المؤسسات الترابية المنتخبة على تدبير اختصاصاتها، بينما يتعلق اللاتمركز بتمكين المصالح الترابية التابعة للدولة من الصلاحيات والوسائل اللازمة للعمل. وتظهر فعالية المسارين حين تتضح مسؤولية كل طرف، وتنتظم علاقته بالآخر، ويصبح القرار قريبًا من المعطيات التي ينبغي أن يستند إليها.
فالاختصاص يحتاج إلى موارد تتيح ممارسته، والموارد تحتاج إلى كفاءات تدبرها، والمشروع يحتاج إلى سلطة قرار تستطيع معالجة ما يعترض تنفيذه. وعندما تنفصل هذه العناصر، تتوزع المسؤولية بين مؤسسات متعددة، ويصعب تحديد الجهة التي ينبغي مساءلتها عن التأخر أو التعثر.
ومن هنا يبرز معنى التعاقد بين الدولة والجهات. ففي القراءة التي نقترحها، ينبغي أن يحدد هذا التعاقد الأهداف والتمويل وآجال الإنجاز ومسؤولية الأطراف ومؤشرات التقييم. وبذلك يصبح من الممكن تتبع المشروع منذ إقراره إلى دخوله الخدمة، ومعرفة ما أُنجز وما تأخر وأسباب ذلك. كما يكتسب البرلمان والمؤسسات الرقابية والمواطنون أساسًا أوضح للمساءلة.
وتتطلب العدالة المجالية معرفة دقيقة بتفاوت الحاجات. فجهة تعاني ضعف الربط والنقل تختلف أولوياتها عن جهة تحتاج إلى معالجة ضغط التوسع الحضري، ومجال يواجه ندرة الماء يحتاج إلى تدخل يراعي أثرها في السكن والفلاحة والعمل. ولهذا ينبغي أن يجمع التخطيط بين ضمان مستوى مناسب من الخدمات الأساسية للجميع، والاستجابة لخصوصية كل مجال وفق راسات دقيقة معدة سلفا يبنى عليها التخطيط.
كما أن قرب القرار من المواطن يحتاج إلى شفافية ومحاسبة حتى يحقق أثره. فالتمكين المحلي يوسع القدرة على المبادرة، وتضبطه قواعد تتيح معرفة كيفية اختيار المشاريع وتوزيع الموارد وتقييم النتائج. ومن هذه العلاقة تتشكل مسؤولية يمكن تحديد أصحابها ومناقشتهم في أدائها.
وبهذا المعنى، تمثل العدالة المجالية امتدادًا تنفيذيًا للدولة الاجتماعية. فالحقوق تحتاج إلى مرافق متاحة وذات جودة، والفرص تحتاج إلى بيئة تستطيع احتضانها. وكلما تحسنت قدرة الجهات والمصالح الترابية على الفعل، اتسعت إمكانات وصول المنجز الوطني إلى المواطنين.
ومن هنا يكتسب الانتقال إلى دولة بجناحين بُعدًا مؤسسيًا: تتحدد الوجهة الوطنية، وتتوفر للمجالات أدوات إنجازها، ثم تُقاس النتائج بأثرها في حياة الناس. وبعد بيان هذه المسؤولية الداخلية، ينتقل الخطاب إلى الشراكة الخارجية، وفي مقدمتها التعاون في مجال الهجرة والعلاقة مع إسبانيا.
الهجرة وإسبانيا: إعادة التفاوض على شروط الشراكة
ينتقل الخطاب من مسؤوليات التنمية الداخلية إلى شروط التعاون الخارجي، ويضع الهجرة في مقدمة المجالات التي تحتاج إلى مراجعة. فهو يقر بما حققته المقاربة المغربية والشراكة مع إسبانيا، ثم يعتبر الأزمات المتكررة دليلًا على تجاوز النموذج الحالي، ويعلن تقديم رؤية استراتيجية جديدة للشركاء.
وتكمن أهمية هذا الانتقال في أنه يفتح نقاشًا يتجاوز معالجة كل أزمة عند وقوعها. فحين تتكرر الأزمات، يصبح من الضروري بحث القواعد التي تنظم التعاون، وتوزيع المسؤوليات، والوسائل المتاحة للتنفيذ، ومدى قدرة الترتيبات القائمة على الاستجابة لتحولات الظاهرة.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة الرسالة المغربية بوصفها دعوة إلى إعادة التفاوض على شروط الشراكة. فالتعاون يستند إلى مصالح مشتركة، ويتطلب التزامات يستطيع كل طرف تنفيذها، كما يحتاج إلى تقدير ما يتحمله الشريك من أعباء. واستمراره يتقوى حين تكون هذه المسؤوليات واضحة، وتوجد آليات لمعالجة الخلافات قبل تحولها إلى أزمات سياسية وإعلامية.
ويخص الخطاب إسبانيا بانتقاد عراقيل قانونية وقضائية مرتبطة بترحيل القاصرين وبعض الأشخاص الذين وصفهم بمنتحلي صفة اللجوء. وهذا توصيف سياسي للعراقيل كما يعرضها الخطاب؛ أما تقييم الحالات والإجراءات فيحتاج إلى النظر في وقائعها وضماناتها القانونية. وتصبح المهمة العملية هي بناء ترتيبات تتيح مكافحة الشبكات الإجرامية ومعالجة أوضاع الأشخاص، مع احترام الحقوق وتحديد المسؤوليات بين الدول والمؤسسات المختصة.
وتبرز خصوصية قضية القاصرين في حاجتها إلى تعاون يتصل بالتحقق من الهوية والوضع الأسري، والحماية والاستقبال والمتابعة. فكل قرار بشأنهم يحتاج إلى معرفة ما سيترتب عليه، وإلى جهة تتحمل مسؤولية تنفيذه. ومن ثم فإن تجاوز التعثر يقتضي إجراءات متفقًا عليها وقابلة للعمل، تدعمها إمكانات بشرية ومؤسساتية مناسبة.
أما رفض الضغط والتهديد والابتزاز، فيحدد الإطار السياسي الذي يريد المغرب أن تجري داخله هذه المراجعة. فالخطاب يؤكد أن الشراكة اختيار سيادي والتزام إرادي. وفي قراءتنا، تحمل هذه العبارة مطالبةً بالتعامل مع المغرب شريكًا يشارك في صياغة التوجهات، ويتحمل التزاماته ضمن علاقة متبادلة تحفظ له حق تقدير مصالحه.
وهنا تتضح الصلة بما ناقشناه سابقًا حول انتقال المغرب من موقع الدفاع عن نفسه أمام الاتهامات إلى موقع تقديم تصور للتعاون. فإعلان وثيقة استراتيجية يمنح الرباط فرصة تحديد المشكلات التي ترى ضرورة معالجتها، واقتراح الآليات التي تربط تدبير الهجرة بالتنمية المشتركة والتنافسية والاستقرار الإقليمي. وتبقى تفاصيل هذا التصور رهينة بما ستتضمنه الوثيقة عند تقديمها.
ومن هذه الزاوية، يمكن أن يصبح النقاش أكثر اتساعًا: ما فرص التنقل النظامي والعمل والتكوين؟ وكيف توزع كلفة التدبير؟ وما دور التنمية في بلدان المنشأ والعبور؟ وكيف تُنسق الإجراءات بين الإدارات والأجهزة الأمنية والقضاء؟ هذه أسئلة يفتحها التوجه المعلن، ويتيح طرحها الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء تعاون يستبق أسبابها ويعالج آثارها.
كما ينبغي التمييز بين الخلاف مع بعض الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية وبين مجمل العلاقة الثنائية. فالخطاب يقر بتقدم الشراكة، ويعرض في الوقت نفسه أسباب حاجتها إلى التجديد. ويمكن فهم الجمع بين الأمرين بوصفه تمسكًا باستمرار التعاون، مع المطالبة بتصحيح ما يضعف توازنه وفعاليته.
وبذلك تتصل الرسالة الخارجية بالوجهة الداخلية للخطاب: فالمغرب الذي يطالب مؤسساته بتحويل الإمكانات إلى فرص ونتائج، يطالب شركاءه أيضًا بعلاقة أوضح في التزاماتها وأكثر قدرة على إنتاج منفعة مشتركة. ويظل الاختبار في الحالتين هو الانتقال من إعلان التوجه إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ والمحاسبة.
الولاية الجديدة: من تحديد الأولويات إلى اختبار الوفاء
بعد تحديد مجالات التحول وأدواته وشروط الشراكة الخارجية، يعود الخطاب إلى البرلمانيين، ويصف الانتداب بأنه التزام سياسي وتعاقد أخلاقي مع المواطنين. وتمنح هذه العودة بنية الخطاب معناها العملي: فالتوجيهات تحتاج إلى مؤسسات تحملها، وإلى مسؤولين يحولونها إلى قرارات ويتابعون نتائجها.
ومن هنا تتحدد مسؤولية الحكومة المقبلة في بناء برنامج يوضح العلاقة بين الأولويات والموارد والآجال. فالأمن المائي والطاقي والغذائي، والتحول الصناعي والرقمي، وإدماج الشباب، وتحسين الخدمات، ومعالجة الفروقات الاجتماعية، وتنزيل العدالة المجالية، تحتاج إلى تنسيق يبين ما سيُنجز أولًا، وكيف ستموَّل التدخلات، ومن سيتولى تنفيذها. وكلما اتضحت هذه العناصر، أصبح تقييم الأداء أكثر دقة.
أما البرلمان، فتظهر مسؤوليته في التشريع الذي يتيح التنفيذ، وفي مراقبة استعمال الموارد، وفي مساءلة الحكومة عن أثر برامجها. فالميزانية تكشف الوجهة العملية للسياسة العامة: ما الذي يحظى بالأولوية؟ وأين تتجه الاستثمارات؟ وما نصيب الخدمات الأساسية والتكوين والتشغيل ومعالجة الفوارق الاجتماعية والمجالية؟ ومن خلالها يمكن اختبار مدى انسجام الاختيارات المالية مع الغايات المعلنة.
ويتطلب ذلك أن تمتد الرقابة إلى النتائج التي يعيشها المواطن. فإحداث مرفق صحي يحتاج إلى تأطير وتجهيز يتيحان له تقديم الخدمة، وبناء مؤسسة تعليمية يحتاج إلى شروط للتعلم، والاستثمار يحتاج إلى وظائف وإلى صلة بالمحيط الذي يستقبله. ولهذا ينبغي أن تُقرأ أرقام الإنجاز بجوار جودة الخدمة واستمرارها ومدى إتاحتها.
كما أن تفعيل الجهوية واللاتمركز سيضع أمام البرلمان والحكومة، بل والأحزاب أيضا، سؤال وضوح المسؤولية. فإذا أُعلن نقل الاختصاصات، ينبغي أن يُعرف ما نُقل فعلًا، وما صاحبه من موارد، وما تغير في القدرة على اتخاذ القرار. فالمواطن يحتاج إلى معرفة الجهة التي يتوجه إليها، والمؤسسات تحتاج إلى حدود واضحة لتعاونها ومحاسبتها.
وبهذه القراءة، يصبح الوفاء بالعهد رابطًا بين آية افتتاح الجلسة وخاتمة الخطاب. فالآية تمنح الالتزام قيمته الأخلاقية، والخطاب يضعه داخل مسؤولية الانتداب، والعمل المؤسسي يكشف مقدار تحققه. ولا يقتصر هذا الوفاء على إنجاز الوعود؛ بل يشمل أيضًا توضيح ما تعذر إنجازه وأسبابه، وتصحيح الاختيارات حين تظهر محدوديتها.
من دولة بسرعتين إلى دولة بجناحين
يعزز خطاب افتتاح البرلمان فرضيتنا بشأن أولوية المرحلة الاجتماعية والمجالية، ويحدد شروطها الاقتصادية والمؤسساتية. فإنتاج الثروة، وتأمين الحاجات الأساسية، وتوسيع فرص الشباب، وتمكين الجهات من الفعل، حلقات تتكامل في بناء دولة تستطيع أن تجعل تقدمها محسوسًا في حياة المجتمع.
وتتصل بهذه الوجهة مراجعة الشراكة الخارجية في مجال الهجرة. فالتنمية الداخلية تحتاج إلى علاقات مستقرة وواضحة الالتزامات، كما تحتاج الشراكة إلى قدرة الأطراف على اقتراح الحلول والمشاركة في صياغتها. ومن هنا يجتمع في الخطاب طلب الفعالية من المؤسسات الوطنية وطلب المعاملة المتبادلة من الشركاء.
وعلى هذا الأساس، فإن الانتقال إلى دولة بجناحين يظل مسارًا يُختبر في العمل: جناح اقتصادي يوسع الإمكانات، وجناح اجتماعي ومجالي يجعل الوصول إليها أعدل وأيسر. ويقاس تكاملهما بما يجده المواطن من تعليم وعلاج وعمل وخدمات، وبما يشعر به من قدرة على بناء مستقبله داخل بلده.
لقد حدد الخطاب وجهة الولاية الجديدة. وستكشف الحكومة والبرلمان والجهات، من خلال قراراتها ونتائجها، كيف تتحول هذه الوجهة إلى تجربة يعيشها الناس. وهنا يعود معيار البداية: الإيمان بالمسؤولية، ورعاية المحتاجين، والوفاء بالعهد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق