هل يمكن العودة إلى الخيار الإسلاموي؟
تمهيد
تدخل الانتخابات التشريعية المغربية لسنة 2026 في سياق يختلف في كثير من عناصره عن السياقات التي أفرزت الحكومات السابقة. فالسؤال المطروح هذه المرة لا يتعلق فقط بالحزب الذي سيتصدر الانتخابات أو بالتحالف الذي سيتمكن من تشكيل الأغلبية، وإنما يمتد إلى سؤال أعمق: أي نوع من رؤساء الحكومات يحتاجه المغرب في المرحلة المقبلة؟
خلال خمسة عشر عامًا تقريبًا، عرف المغرب تجربتين سياسيتين مختلفتين في الصورة التي قدمتا بها نفسيهما للرأي العام. جاءت الأولى مع صعود حزب العدالة والتنمية، حاملة خطابًا ذا مرجعية إسلامية ووعدًا بإصلاح السياسة ومحاربة الفساد وإعادة الاعتبار للعمل الحزبي. ثم جاءت تجربة عزيز أخنوش سنة 2021 في سياق مختلف، مقدمة نموذج رجل الأعمال الذي يفترض أن ينقل إلى تدبير الحكومة منطق الكفاءة والنجاعة والاستثمار والقدرة على الإنجاز.../...
وبغض النظر عن الأحكام المتباينة بشأن التجربتين، فقد أصبحتا تمثلان في جانب من الوعي السياسي المغربي نموذجين متمايزين: نموذج السياسي ذي المرجعية الإسلامية، ونموذج رجل الأعمال الذي يجمع بين النفوذ الاقتصادي والسلطة التنفيذية. ومع اقتراب استحقاق 2026 برز احتمال نموذج ثالث يقوم على الكفاءة التقنية والخبرة التنفيذية والمالية، أي التكنوقراط الذي انتقل من إدارة الملفات إلى ممارسة السياسة. ومن هنا يأتي السؤال الجامع لهذه السلسلة:
هل سيكون رئي الحكومة المقبل إسلاموي، أوليغارشي، أم تكنوقراط؟
غير أن المفاضلة بين هذه النماذج لا يمكن أن تبدأ من الأشخاص أو الأحزاب، وإنما من طبيعة المرحلة نفسها. فالمغرب مقبل على سنوات حاسمة في استكمال أوراش الدولة الاجتماعية، ومعالجة الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتحسين أثر النمو في حياة المواطنين، وفي الوقت نفسه يدخل السنوات الأكثر كثافة في التحضير لكأس العالم 2030 بما يرتبط بذلك من بنى تحتية واستثمارات ضخمة والتزامات تنظيمية. وكل ذلك يجري تحت قيد لا يمكن تجاهله: قدرة المالية العمومية على تمويل هذه الأوراش من دون الإخلال بالتوازنات الكبرى.
وفي الأفق يظل ملف الصحراء حاضرًا بوصفه ورشًا استراتيجيًا قد يكتسب بعدًا تنفيذيًا جديدًا إذا نضجت الشروط الدولية للانتقال من تثبيت الحكم الذاتي بوصفه حلًا سياسيًا إلى تدبير مقتضيات تنزيله. غير أن توقيت هذا الانتقال لا تحدده الحكومة المغربية وحدها، ولذلك يصعب جعله منذ الآن المحدد التنفيذي الأول للحكومة المقبلة.
ومن هذه الزاوية، قد تكون المعضلة الأساسية للحكومة المقبلة هي فجوة التنفيذ أكثر مما هي فجوة الرؤية. فالمغرب لا يفتقر إلى المشاريع الكبرى أو الأهداف الاستراتيجية المعلنة؛ التحدي هو قدرة الجهاز الحكومي على تنسيقها وتمويلها وترتيب أولوياتها وتسريع إنجازها وتحويل آثارها إلى نتائج يشعر بها المواطن. وفي بنية النظام السياسي المغربي، حيث تضطلع المؤسسة الملكية بدور مركزي في تحديد التوجهات الاستراتيجية الكبرى للدولة وإطلاق عدد من أوراشها بعيدة المدى، تقع على الحكومة مسؤولية أساسية في تحويل هذه التوجهات إلى سياسات عمومية وبرامج وميزانيات وآليات تنفيذ.
وهكذا تبدأ مواصفات رئيس الحكومة المطلوب في الظهور. فالمرحلة تحتاج إلى قيادة تستطيع العمل داخل الرؤية الاستراتيجية للدولة من دون أن تتحول الحكومة إلى مجرد جهاز بيروقراطي؛ وتفهم المالية العمومية من دون اختزال السياسة في المحاسبة؛ وتدير المشاريع الكبرى من دون التضحية بالاجتماعي؛ وتنسق بين الوزارات والمؤسسات من دون أن تضيع المسؤولية بينها؛ وتمتلك من القوة السياسية ما يسمح لها بقيادة أغلبية برلمانية، ومن الكفاءة التنفيذية ما يسمح لها بمطالبة الجهاز الحكومي بالنجاعة والنتائج الجيدة.
على ضوء هذه المتطلبات يمكن اختبار النماذج، لا العكس. ونبدأ بالنموذج الذي حكم المغرب عشر سنوات قبل انتخابات 2021، والذي يعود اليوم إلى المنافسة بعد خمس سنوات في المعارضة:
هل يمكن للخيار الإسلاموي أن يقدم للحكومة المقبلة ما تحتاجه مرحلة 2026–2030؟
أولًا: من وعد 2011 إلى حصيلة عشر سنوات
يصعب فهم احتمال عودة حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2026 من دون العودة إلى اللحظة التي أوصلته إلى رئاسة الحكومة سنة 2011. فقد دخل الحزب تلك الانتخابات في سياق سياسي واجتماعي استثنائي، ارتبط بتداعيات الربيع العربي وحركة 20 فبراير والإصلاح الدستوري، وكان يحمل في الوقت نفسه ميزة سياسية يصعب تكرارها: أنه لم يكن قد اختُبر بعد في قيادة الحكومة.
كانت قوة الحزب آنذاك لا تقوم فقط على مرجعيته الإسلامية أو تنظيمه الداخلي، وإنما كذلك على المسافة التي تفصله عن حصيلة الحكومات السابقة. فقد استطاع أن يقدم نفسه باعتباره قوة إصلاحية لم تتورط بعد في تدبير السلطة التنفيذية، وأن يجعل من محاربة الفساد والريع وإعادة الاعتبار للأخلاق في السياسة جزءًا مركزيًا من عرضه الانتخابي.
وهذه الوضعية منحته ما يمكن تسميته بميزة الوعد غير المختبر. فالأحزاب التي لم تحكم تستطيع أن تنسب إخفاقات الواقع إلى غيرها وأن تقدم برامجها باعتبارها إمكانًا مفتوحًا. لكن هذه الميزة تزول بمجرد الوصول إلى السلطة؛ لأن الخطاب يصبح قابلًا للمقارنة بالقرار، والوعد بالحصيلة، والموقف المعارض بقيود إدارة الدولة.
وهذا بالضبط ما حدث للعدالة والتنمية خلال عشر سنوات من رئاسة الحكومة. فقد انتقل الحزب من موقع يسمح له بانتقاد بنية السياسات العمومية إلى موقع يفرض عليه العمل داخلها، ومن خطاب أخلاقي واسع إلى قرارات اقتصادية واجتماعية ومالية لها رابحون وخاسرون وكلفة سياسية مباشرة.
وكان أول الاختبارات متعلقًا بالمرجعية نفسها. فقد قدم الحزب نفسه طويلًا بوصفه حاملًا لمرجعية إسلامية تمنحه تمايزًا عن بقية الأحزاب، لكن ممارسة الحكم أظهرت أن هذه المرجعية لا تتحول بالضرورة إلى سياسة خارجية أو اقتصادية أو اجتماعية مختلفة جذريًا عن اختيارات الدولة. وظهر ذلك بوضوح في نهاية ولايته، عندما وقّع رئيس الحكومة سعد الدين العثماني إعلان استئناف العلاقات بين المغرب وإسرائيل في ديسمبر 2020.
ولا يتعلق الأمر هنا بالحكم على قرار التطبيع في ذاته، وإنما بما كشفه عن العلاقة بين المرجعية الأيديولوجية للحزب ومنطق الدولة. فالحزب الذي بنى جزءًا من هويته السياسية على مواقف معروفة من القضية الفلسطينية وجد نفسه، عندما أصبح على رأس الحكومة، جزءًا من تنفيذ اختيار استراتيجي للدولة يتجاوز مرجعيته الحزبية.
وهذه الواقعة مهمة لأنها تكشف حدود الرهان على المرجعية بوصفها معيارًا كافيًا لاختيار رئيس الحكومة. فحين ينتقل الحزب من المعارضة إلى قيادة الجهاز التنفيذي، لا يعود يتحرك فقط داخل منظومته الفكرية، وإنما داخل مصالح الدولة والتزاماتها وتوازناتها ومؤسساتها. ومن ثم تصبح القدرة على فهم هذه البنية والتصرف داخلها أكثر أهمية من الانسجام النظري بين الخطاب والهوية الأيديولوجية.
والاختبار الثاني تعلق بمحاربة الفساد والريع، وهي من أكثر الوعود التي ارتبطت بصعود العدالة والتنمية. فقد رفع الحزب سقف التوقعات في هذا المجال، وجعل من النزاهة والتخليق جزءًا من شرعيته السياسية، لكنه لم يستطع خلال عقد من رئاسة الحكومة إحداث القطيعة التي كان جزء من ناخبيه ينتظرها.
ولا يعني ذلك أن الحزب تحول بالضرورة إلى نقيض خطابه، أو أن مسؤولية الفساد في الدولة يمكن اختزالها في حزب يقود الحكومة. فبنية المصالح والريع والفساد أكثر تعقيدًا من أن تعالجها إرادة حزب واحد. لكن هذه الحقيقة نفسها تكشف حدود الوعد الأصلي: إذا كانت الظاهرة أعمق من قدرة الحزب على تغييرها، فإن تقديم المرجعية الأخلاقية باعتبارها مدخلًا كافيًا للإصلاح كان يبالغ في تقدير ما تستطيع الإرادة السياسية وحدها إنجازه.
أما الاختبار الثالث فيتعلق بسؤال أكثر اتصالًا بالهوية التي ميز بها الحزب نفسه: أين ظهرت البصمة الإسلامية في السياسات العمومية خلال عشر سنوات من رئاسة الحكومة؟
ولا يتعلق السؤال هنا بمطالبة حزب سياسي، يعمل داخل دولة ومجتمع تعدديين ويقود حكومات ائتلافية، بتحويل مرجعيته الدينية إلى برنامج لإكراه المجتمع على اختيارات أخلاقية مخصوصة. كما لا يتعلق بقياس إسلامية الحكومة بعدد ما تمنعه أو تجيزه. وإنما يتعلق بالسؤال عما إذا كانت المرجعية التي شكلت أحد أهم عناصر التمايز السياسي للحزب قد أنتجت، عندما أتيحت له مسؤولية الحكم، سياسات عامة يمكن تمييزها فعلًا بوصفها ترجمة حديثة لبعض القيم والمبادئ التي يستند إليها.
وتظهر المسألة أولًا في الملفات التي ترتبط تقليديًا بالخطاب الإسلامي، مثل الخمر والميسر. فقد حكم العدالة والتنمية عشر سنوات من دون أن يحدث تحول جوهري يجعل هذين المجالين شاهدين على أثر مرجعيته في السياسة العامة. ويمكن بالطبع تفسير ذلك بقيود الائتلاف الحكومي، وبنية الدولة، والمصالح الاقتصادية، والتحولات الاجتماعية، وبأن رئاسة الحكومة لا تمنح الحزب سلطة منفردة على التشريع والمجتمع. لكن هذه القيود، مهما كانت وجاهتها، تعيدنا إلى السؤال نفسه: إذا كانت المرجعية لا تستطيع أن تتحول إلى سياسة عندما تنتقل من المعارضة إلى الدولة، فما الوظيفة السياسية التي بقيت تؤديها غير بناء الهوية والتعبئة الانتخابية؟
غير أن الاختبار الأكثر دلالة ربما لا يوجد فيما كان يمكن للحزب أن يمنعه، وإنما فيما كان يستطيع أن يقترحه ويبنيه. وتقدم الزكاة مثالًا لافتًا في هذا الصدد. فالزكاة ليست في المرجعية الإسلامية مجرد خطاب أخلاقي عن التضامن، وإنما فريضة ذات وظيفة اجتماعية واقتصادية واضحة في توجيه جزء من الثروة نحو مستحقيها. وكان وجود حزب ذي مرجعية إسلامية على رأس الحكومة لعقد كامل يتيح، على الأقل، فتح نقاش مؤسساتي جدي حول كيفية تنظيمها في دولة معاصرة ذات مرجعية إسلامية ممثلة في إمارة المؤمنين.
وكان من الممكن أن يأخذ ذلك أشكالًا متعددة قابلة للنقاش التشريعي والاقتصادي: تنظيم جمع الزكاة وتدبيرها ضمن إطار قانوني شفاف، وتحديد علاقتها بالضرائب وبمنظومة الحماية الاجتماعية، ووضع آليات للرقابة على مواردها ومصارفها، ودراسة إمكان توجيه جزء منها، في الحدود التي تسمح بها أحكامها واختيارات المشرع، إلى أدوات تساعد الفئات المستحقة على الانتقال من تلقي المساعدة إلى اكتساب القدرة على الإنتاج، بما في ذلك دعم مشاريع مدرة للدخل لفائدة الشباب والنساء المنتمين إلى الفئات الهشة.
وهنا تكتسب الزكاة أهمية خاصة في تقويم التجربة؛ لأنها كانت تتيح للحزب فرصة الانتقال من الإسلام بوصفه هوية سياسية إلى الإسلام بوصفه مصدرًا لابتكار مؤسسة اجتماعية معاصرة. وليس المطلوب افتراض أن تنظيم الزكاة كان سيحل مشكلة الفقر أو يغني عن الضرائب والسياسات الاجتماعية للدولة، فهذا ادعاء يحتاج إلى أرقام ودراسة مستقلة. وإنما تكمن الدلالة في أن الحزب كان يستطيع أن يضع الفكرة على الأقل داخل دائرة السياسة العامة، ويختبر إمكان تحويلها من ممارسة فردية متفرقة إلى آلية مؤسساتية شفافة للتضامن.
ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال عن «البصمة الإسلامية» أوسع من الموقف من الخمر أو الميسر. فالمرجعية لا تُختبر فقط بما تريد منعه، وإنما كذلك بما تستطيع إضافته إلى المجتمع والدولة. وبعد عشر سنوات من رئاسة الحكومة، يصعب العثور على مؤسسة اجتماعية أو اقتصادية كبرى يمكن القول إن العدالة والتنمية استخرجها من مرجعيته الإسلامية وحولها إلى إضافة مميزة في بنية السياسات العمومية.
أما الاختبار الرابع، وربما الأكثر تأثيرًا في العلاقة بين الحزب وقاعدته الاجتماعية، فظهر عندما انتقل العدالة والتنمية من خطاب الدفاع عن الفئات الاجتماعية إلى تحمل مسؤولية قرارات ذات كلفة مباشرة عليها. فقد وجدت الحكومتان اللتان قادهما الحزب نفسيهما أمام ملفات إصلاحية مرتبطة بالمقاصة والتقاعد والتوظيف والتوازنات المالية، وهي ملفات لا تسمح دائمًا للحزب الحاكم باختيار القرار الأكثر شعبية.
وهنا اصطدمت شرعية الخطاب بقيود الدولة. فالقرار الذي يمكن رفضه بسهولة من المعارضة قد يصبح، من موقع الحكومة، جزءًا من محاولة المحافظة على التوازنات المالية أو معالجة اختلالات متراكمة. وبذلك بدأ الحزب يدفع كلفة التحول من حركة سياسية تعد بالتغيير إلى حزب يتحمل مسؤولية إدارة ما هو قائم وإصلاحه ضمن هوامش وإكراهات محددة.
ولا ينبغي قراءة هذه التحولات كلها باعتبارها دليلًا بسيطًا على الفشل. فهي تكشف كذلك حقيقة أوسع تتجاوز العدالة والتنمية: الحكم يغير الأحزاب بقدر ما تحاول الأحزاب تغيير الحكم. فالمؤسسات والميزانية والالتزامات الدولية والتوازنات الاجتماعية والاقتصادية تفرض على الحزب الحاكم قيودًا لا يواجهها وهو في المعارضة.
لكن المشكلة بالنسبة إلى العدالة والتنمية أن جزءًا كبيرًا من رأسماله السياسي كان قائمًا تحديدًا على وعد القدرة على تجاوز هذا المنطق. وعندما أصبحت الفجوة بين الخطاب والممارسة أكثر وضوحًا، بدأ الحزب يفقد عنصرًا أساسيًا من تميزه.
وجاءت انتخابات 2021 لتكشف حجم هذا التحول بصورة يصعب تجاهلها. ففي انتخابات 2016 كان حزب العدالة والتنمية قد تصدر النتائج بحصوله على 125 مقعدًا في مجلس النواب، قبل أن يتراجع في انتخابات 2021 إلى 13 مقعدًا فقط. أي إنه فقد أكثر من مائة مقعد وانتقل، خلال ولاية واحدة، من قيادة الأغلبية الحكومية إلى موقع هامشي داخل مجلس النواب. ومهما تعددت التفسيرات التي يمكن تقديمها لهذه الهزيمة، فإن حجمها جعل من الصعب التعامل مع الحزب بعد ذلك باعتباره النموذج نفسه الذي صعد سنة 2011.
ثانيًا: ماذا تعني عودة الحزب في 2026؟
خمس سنوات في المعارضة تغير موقع الحزب من جديد. فبعد أن كان مطالبًا بالدفاع عن حصيلته الحكومية، أصبح قادرًا على مساءلة حكومة أخنوش عن الأسعار والتشغيل والقدرة الشرائية والسياسات الاجتماعية، واستعاد بذلك جزءًا من الوظيفة التي كان يجيدها قبل 2011: نقد السلطة التنفيذية والتواصل مع الغضب الاجتماعي والمتاجرة بورقة فلسطين وانتقاد التطبيع الذي كان هو من أعاده للمشهد السياسي المغربي.
ومن الطبيعي أن يساعد هذا الموقع على استعادة جزء من الجاذبية الانتخابية. فالحزب الذي خسر بسبب كلفة الحكم يستطيع في المعارضة أن يستفيد من كلفة حكم منافسيه، كما أن الناخب لا يحتفظ بالضرورة بالتقييم نفسه عندما تتغير الظروف والبدائل السياسية.
لذلك لا يمكن استبعاد تعافٍ انتخابي للعدالة والتنمية في 2026، ولا يصح التعامل مع هزيمة 2021 باعتبارها نهاية حتمية للحزب. فالقدرة التنظيمية، والحضور السياسي، واستعادة المبادرة في المعارضة، والخطاب الشعبوي، وتراجع شعبية الحكومة الحالية، كلها عوامل يمكن أن تعيد الحزب إلى موقع أكثر قوة داخل المشهد البرلماني.
لكن التعافي الانتخابي شيء، والعودة إلى رئاسة الحكومة بوصفها النموذج الأنسب للمرحلة شيء آخر. فتحسن موقع العدالة والتنمية في انتخابات 2026، إن حدث، يمكن أن يعكس عوامل متعددة: استعادة جزء من ناخبيه السابقين، أو التصويت العقابي ضد الحكومة، أو ضعف المنافسين، أو عودة قدرته التنظيمية والتعبوية. ولا يثبت أي من ذلك، بمفرده، أن الحزب طور نموذجًا حكوميًا جديدًا يعالج المشكلات التي كشفتها تجربته السابقة.
وهنا يصبح الفارق بين 2011 و2026 حاسمًا. ففي 2011 كان السؤال: ماذا يمكن أن يفعل العدالة والتنمية إذا حكم؟ أما اليوم فقد أصبح السؤال: ماذا تعلم العدالة والتنمية من عشر سنوات حكمًا وخمس سنوات معارضة؟
هذا التحول يرفع معيار التقييم. فلم يعد كافيًا أن يعيد الحزب إنتاج خطاب محاربة الفساد أو الدفاع عن الفئات المتضررة أو نقد اختيارات الحكومة الحالية؛ لأن هذه المواقف اختُبرت جزئيًا عندما كان هو المسؤول عن الجهاز التنفيذي. المطلوب، إذا أراد تقديم نفسه من جديد بوصفه خيارًا لرئاسة الحكومة، هو أن يبين ما الذي تغير في فهمه للدولة، وفي أدواته التنفيذية، وفي تصوره للعلاقة بين المرجعية والقرار، وبين الوعود الاجتماعية والقيود المالية.
كما أن الحكومة المقبلة ستواجه نوعًا من التحديات يختلف جزئيًا عما واجهته حكومة 2011. فجزء كبير من الأوراش الاستراتيجية والاجتماعية أصبح قائمًا بالفعل، ولن يكون المطلوب ابتكار عناوين جديدة بقدر ما سيكون المطلوب تنسيق الموجود وتسريع تنفيذه وقياس نتائجه وتصحيح اختلالاته. وهذا يعيدنا إلى معيار فجوة التنفيذ الذي بدأنا منه.
فهل قدم العدالة والتنمية، منذ خروجه من الحكومة، ما يدل على أنه أصبح أكثر قدرة على إدارة هذه الفجوة؟ وهل أنتج تصورًا جديدًا لكيفية قيادة جهاز حكومي متعدد القطاعات والمؤسسات، وضبط آجال المشاريع، وربط الإنفاق بالنتائج، وإدارة العلاقة بين متطلبات الدولة الاجتماعية وقيود المالية العمومية؟ أم أن الجزء الأكبر من عودته يقوم حتى الآن على استعادة الوظيفة الاحتجاجية والخطاب المعارض؟
هذه الأسئلة لا تنفي أهمية الشرعية السياسية أو المرجعية القيمية. فالحكومة ليست جهازًا تقنيًا محضًا، ورئيسها يحتاج إلى قاعدة سياسية وقدرة على التواصل وإقناع المجتمع وتحمل كلفة القرارات. لكن تجربة العدالة والتنمية نفسها تبين أن هذه العناصر، على أهميتها، لا تكفي عندما لا تصاحبها قدرة تنفيذية تتناسب مع تعقيد الدولة والمرحلة.
خاتمة: العودة الانتخابية لا تعني عودة النموذج
لا يمكن استبعاد حزب العدالة والتنمية من انتخابات 2026، كما لا يصح اعتبار انهياره سنة 2021 نهاية سياسية له. فقد أظهرت السنوات التي قضاها في المعارضة أنه ما يزال قادرًا على استعادة المبادرة السياسية والتعبئة والاستفادة من تآكل الثقة في الحكومة الحالية. وقد يترجم ذلك إلى تعافٍ انتخابي معتبر، وربما إلى عودة الحزب لاعبًا أساسيًا في تشكيل التوازن البرلماني المقبل من موقع المعارضة.
لكن هذا ليس السؤال الذي حاول هذا المقال الإجابة عنه. فإمكان العودة إلى البرلمان بقوة شيء، وامتلاك النموذج الحكومي الأكثر ملاءمة للمرحلة المقبلة شيء آخر. لقد دخل العدالة والتنمية انتخابات 2011 حاملًا ميزة لم تعد متاحة له اليوم: كان قوة غير مجربة في قيادة الحكومة، وكان يستطيع أن يقدم وعوده باعتبارها إمكانًا مفتوحًا. أما في 2026 فقد أصبح وراءه عقد كامل من ممارسة السلطة، ومن ثم صار من الممكن قياس خطابه بحصيلته واختبار وعوده بما استطاع فعله عندما امتلك رئاسة الحكومة.
وقد كشفت التجربة أن المرجعية الإسلامية منحت الحزب قدرة مهمة على التعبئة وبناء هوية سياسية متميزة، لكنها لم تتحول إلى سياسة عامة مختلفة بالقدر الذي كان يوحي به الخطاب السابق للحكم. كما أن وعد محاربة الفساد والريع لم ينتج القطيعة التي انتظرها جزء من ناخبيه، بينما دفعته مسؤولية الدولة إلى تبني اختيارات اقتصادية واجتماعية ذات كلفة سياسية، حتى عندما اصطدمت بتوقعات قاعدته الانتخابية. وهذه ليست كلها أدلة على فشل الحزب؛ فبعضها يكشف أيضًا ما تفعله ممارسة الدولة بالأحزاب عندما تنتقل من حرية المعارضة إلى قيود المسؤولية.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية في عودة العدالة والتنمية. فقد يكون الحزب قد استعاد في المعارضة جزءًا من الخطاب الذي منحه قوته، لكن المعارضة تستطيع استعادة الخطاب، ولا تستطيع محو تجربة الحكم. ولذلك لا يكفي أن ينتقد الحزب أخطاء حكومة أخنوش لكي يثبت أنه أصبح أكثر قدرة على إدارة الدولة مما كان عليه عندما قادها عشر سنوات.
ثم إن طبيعة المرحلة نفسها تغيرت. فحكومة 2026 لن تعمل في شروط 2011. إنها ستتسلم دولة دخلت بالفعل في أوراش اجتماعية واستثمارية وبنيوية ضخمة، وستكون مطالبة بإدارة سنوات حاسمة قبل مونديال 2030، والمحافظة في الوقت نفسه على التوازنات المالية وتحسين أثر النمو في التشغيل والخدمات والقدرة الشرائية. ولذلك تصبح القدرة على التنفيذ والتنسيق وإدارة الموارد والآجال معيارًا لا تقل أهميته عن الشرعية السياسية والقدرة على التعبئة.
ومن ثم فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه الحكم على الخيار الإسلاموي ليس: هل يستطيع العدالة والتنمية العودة؟ فهذا سؤال ستجيب عنه صناديق الاقتراع. وإنما: ما الذي تغير في نموذجه الحكومي منذ 2021 بما يجعله أكثر ملاءمة لمتطلبات 2026–2030؟
وحتى الآن، لا تبدو استعادة قوة الخطاب المعارض، في ذاتها، جوابًا كافيًا عن هذا السؤال.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق