قراءة من داخل شبكة الاستعمال القرآني
تمهيد
ارتبط وصف محمد عليه السلام بـ«النبي الأمي» في الوعي الإسلامي ارتباطًا وثيقًا بفكرة أنه لم يكن يقرأ ولا يكتب، حتى أصبح معنى «الأمي» في هذا السياق يبدو بديهيًا لا يحتاج إلى بحث. ومن ثم انتقل النقاش غالبًا إلى سؤال تاريخي: هل كان محمد يعرف القراءة والكتابة؟ واستُحضرت للإجابة عنه أخبار السيرة وبعض الآيات التي تتحدث عن علاقته بالكتاب قبل نزول القرآن.
غير أن هذا السؤال، على أهميته، يفترض مسبقًا أن معنى «الأمي» قد حُسم، وأن الكلمة تدل أصلًا على عدم معرفة القراءة والكتابة. بينما يقتضي البحث من داخل القرآن أن يسبق ذلك سؤال أبسط وأكثر تأسيسًا: ماذا يعني القرآن نفسه حين يستعمل لفظ «الأمي»؟ .../...
فالقرآن لا يستعمل هذا الوصف لمحمد وحده، بل يتحدث عن «الأميين» بوصفهم جماعة، ويضعهم في بعض المواضع في مقابل «الذين أوتوا الكتاب»، ثم يتحدث في موضع آخر عن «أميين» داخل جماعة لها كتاب، ويصفهم بأنهم ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾. كما يخبر بأنه بعث ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾، غير أن وصف «الأمي» حين يتعلق بمحمد لا يرد في القرآن وصفًا مستقلًا لـ«الرسول»، وإنما يرتبط في الموضعين بوصف «النبي»: ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ و ﴿وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾. وهذا الاختيار في تركيب الألفاظ يضيف إلى إشكالية البحث سؤالًا آخر: هل لارتباط «الأمي» بـ«النبي» تحديدًا دلالة تتصل بعلاقة النبوة بالكتاب؟
هذه الاستعمالات تفرض إعادة ترتيب السؤال. فبدل أن نبدأ من محمد ثم نحاول تفسير الصفة التي أطلقت عليه، يمكن أن نبدأ من شبكة استعمال اللفظ في القرآن كله: من هم «الأميون»؟ ما الذي يقابلهم؟ وما علاقتهم بالكتاب؟ وكيف يمكن أن يكون هناك «أميون» داخل جماعة أُوتيت الكتاب؟ ثم ما دلالة أن يكون الرسول المبعوث في الأميين ﴿مِنْهُمْ﴾، وأن يوصف، من حيث النبوة، بأنه «النبي الأمي»؟
لا ينطلق هذا البحث، لذلك، من إثبات أن محمدًا عليه السلام كان يقرأ ويكتب أو نفيه؛ فهذه مسألة أخرى لا ينبغي أن نحمّل لفظ «الأمي» جوابها قبل أن نعرف معناه. وإنما ينطلق من مبدأ منهجي أبسط: أن معنى المفهوم القرآني يُستخرج أولًا من مجموع استعمالاته والعلاقات التي يقيمها النص بينه وبين المفاهيم المحيطة به. فإذا أمكن تحديد معنى «الأمي» من هذه الشبكة، أمكن بعد ذلك العودة إلى وصف ﴿النبي الأمي﴾ وقراءته في ضوء المعنى الذي أنتجه القرآن نفسه.
وعليه، فإن السؤال الذي يقود هذا البحث ليس ابتداءً: هل كان محمد يقرأ ويكتب؟ وإنما السؤال الأسبق منه: ما معنى «الأمي» في القرآن؟
أولًا: «الأميون» في مقابل «الذين أوتوا الكتاب»
إذا أردنا تحديد معنى «الأمي» من داخل القرآن، فإن البداية الأنسب ليست من وصف محمد عليه السلام بـ ﴿النبي الأمي﴾؛ لأن البدء بهذا الموضع قد يدفعنا إلى استحضار ما نعرفه من التراث أو نظنه من السيرة عن حياته قبل أن نعرف دلالة اللفظ نفسه. والأولى أن نبدأ بالمواضع التي استعمل فيها القرآن «الأميين» بوصفهم جماعة، لأن الاستعمال الجماعي يسمح بتحديد المجال الذي يعمل فيه اللفظ قبل تطبيقه على فرد بعينه.
ومن أوضح هذه المواضع قوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (آل عمران: 20).
تضع الآية أمامنا فئتين في تركيب واحد: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ و ﴿الْأُمِّيِّينَ﴾. والفئة الأولى لم تُعرَّف بقدرتها على القراءة أو الكتابة، وإنما بعلاقة محددة بالكتاب: ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. ثم وضع القرآن إلى جانبها فئة أخرى سماها ﴿الْأُمِّيِّينَ﴾. ولذلك يصبح من المشروع أن نسأل: إذا كان أحد طرفي التقابل قد تحدد بعلاقته بالكتاب، أفلا ينبغي أن نبحث عن معنى الطرف الآخر داخل العلاقة نفسها قبل نقله إلى مجال القدرة على القراءة والكتابة؟
ويزداد هذا الاحتمال قوة في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: 75).
المتكلمون هنا من أهل الكتاب أنفسهم، وهم الذين يستعملون وصف ﴿الأميين﴾ لتمييز جماعة أخرى عنهم. والقضية التي يعالجها السياق ليست تعليمية، وإنما أخلاقية ودينية: أداء الأمانة، والالتزام تجاه الآخر، والقول على الله. فبعض أهل الكتاب يبرر عدم أداء الأمانة إلى «الأميين» باعتقاد أن الالتزام الذي يخضعون له لا يسري عليهم في علاقتهم بهذه الجماعة، وهو ما يرده القرآن بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
ومن هنا يصعب حمل قولهم ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ على معنى: ليس علينا حرج تجاه الذين لا يعرفون القراءة والكتابة؛ إذ لا تقدم المهارة الكتابية أساسًا مفهومًا لهذا التمييز الأخلاقي والديني. أما إذا كان «الأميون» يشير إلى جماعة تقع خارج دائرة الجماعات التي أوتيت كتابًا، فإن العلاقة تصبح أكثر اتساقًا مع بنية الآية: أهل الكتاب يتحدثون عن جماعة يميزونها عن دائرتهم الكتابية.
وهكذا تتعاضد آيتا آل عمران في بناء تقابل واحد. ففي الأولى يأتي التقسيم: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾، وفي الثانية يظهر التمييز نفسه في خطاب بعض أهل الكتاب: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾.
ومن ثم تظهر أول نتيجة مؤقتة في البحث: «الأميون» في هذين الموضعين لا يبدون فئة تعليمية تحددها معرفة القراءة والكتابة، وإنما فئة تتحدد في علاقتها بالكتاب، في مقابل الذين أوتوه.
ويمكن اختبار هذا الاستنتاج منطقيًا. فإذا كان «الأمي» يعني الذي لا يعرف القراءة والكتابة، فإن جعل ﴿الْأُمِّيِّينَ﴾ الطرف المقابل لـ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ سيؤدي إلى افتراض أن التقابل بين الجماعتين هو في الحقيقة تقابل بين من يعرفون القراءة والكتابة ومن لا يعرفونهما. لكن الآية لم تجعل الحد الفاصل بين الطرفين القدرة على الكتابة، وإنما عرّفت الطرف الأول بـإيتاء الكتاب.
ويظهر الإشكال بصورة أوضح إذا طبقنا التعريف التعليمي على الجماعة كلها. فهل يلزم منه أن جميع العرب الذين لم يكونوا من أهل الكتاب زمن الرسالة كانوا عاجزين عن القراءة والكتابة؟ وإذا وجد بينهم من يعرف القراءة والكتابة، فهل يخرج بذلك من «الأميين» الذين خاطبهم القرآن بهذا الوصف؟ وبالمقابل، إذا وجد داخل جماعات أهل الكتاب من لا يعرف القراءة أو الكتابة، فهل يخرجه ذلك من أهل الكتاب ويجعله من «الأميين»؟
لا يقدم التقسيم القرآني ما يقتضي شيئًا من ذلك. فمن الممكن منطقيًا أن يوجد بين الذين أوتوا الكتاب من لا يعرف القراءة والكتابة، كما يمكن أن يوجد بين الأميين من يعرفهما، دون أن تتغير هوية أي من الجماعتين في التقسيم الذي تقدمه الآية. وهذا يعني أن المطابقة بين «الذين أوتوا الكتاب/الأميين» وبين «القارئين/غير القارئين» ليست ناتجة عن النص نفسه.
وعلى هذا المستوى من البحث يبدو أن المعيار المصنِّف هو العلاقة بالكتاب المنزل: جماعة أوتيت كتابًا، وأخرى لم تقع في الجانب نفسه من هذا التقسيم. غير أن هذه النتيجة، على قوتها، لا تسمح لنا بعد بتعريف «الأمي» تعريفًا نهائيًا بأنه ببساطة «من لا كتاب له»؛ لأن القرآن نفسه يقدم حالة تبدو لأول وهلة معارضة لهذا التعريف: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (البقرة: 78).
فهؤلاء «أميون»، ومع ذلك يرد ذكرهم داخل سياق جماعة مرتبطة بالكتاب. فكيف يمكن أن يوصف الإنسان بالأمية إذا كان ينتمي إلى جماعة أُوتيت الكتاب؟
هذا الاعتراض لا ينبغي تجاوزه أو التعامل معه بوصفه استثناءً، بل ينبغي جعله اختبارًا للتعريف الذي بدأ يتشكل. فقد يكشف أن العلاقة بين الأمية والكتاب أعمق من مجرد وجود كتاب لدى الجماعة أو عدم وجوده.
ثانيًا: ﴿ومنهم أميون﴾ — حين توجد الأمية داخل جماعة الكتاب
تأتي هذه الآية ضمن سياق يتحدث عن بني إسرائيل وعلاقتهم بكلام الله والكتاب. ومن المفيد ألا نعزلها عما يسبقها، لأن السياق نفسه يقدم أكثر من نمط للعلاقة بالمعرفة. يقول تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 75).
اللافت في وصف هذا الفريق أن القرآن لا ينسب مشكلته إلى غياب المعرفة، بل يؤكد العكس: فهم ﴿عَقَلُوهُ﴾، وهم ﴿يَعْلَمُونَ﴾، ثم وقع التحريف بعد العقل والعلم. فالمشكلة هنا ليست أنهم لا يعرفون كلام الله، وإنما في الموقف الذي اتخذوه منه بعد معرفته.
وبعد ذلك بقليل يقول: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (البقرة: 78).
وهنا تتغير العلاقة. فالفريق الأول عقل كلام الله وعلمه ثم حرفه، أما هؤلاء فيقول عنهم القرآن صراحة: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾، ثم يبين ما يقوم مقام العلم عندهم: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾، ويختم بوصف حالتهم المعرفية: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾.
وهذا التقابل داخل السياق نفسه بالغ الدلالة. فنحن لسنا أمام فريق يعرف القراءة وفريق لا يعرفها، وإنما أمام علاقتين مختلفتين بالكتاب والمعرفة: فريق عقل وعلم ثم حرّف، وفريق لا يعلم الكتاب وإنما تقوم علاقته به على الأماني والظنون.
وتكشف الآية بذلك شيئًا لم يكن ظاهرًا في آيتي آل عمران: إيتاء الجماعة كتابًا لا يعني بالضرورة أن كل فرد فيها يعلم ذلك الكتاب. فالكتاب قد يكون موجودًا في الجماعة، وتكون الجماعة من حيث تاريخها وانتمائها من أهل الكتاب، ومع ذلك يوجد ﴿مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾.
وهنا ينبغي التمييز بين مستويين للعلاقة بالكتاب. فعلى المستوى الجماعي يمكن أن تكون جماعة قد أُوتيت كتابًا، بينما على المستوى الفردي يمكن أن يوجد داخلها من لا يعلم ذلك الكتاب. وبذلك نفهم لماذا لم يقل القرآن عن هؤلاء إنهم «لا يقرؤون الكتاب»، وإنما قال تحديدًا: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾.
ثم لم يقابل عدم العلم بالقراءة، وإنما قابله بالأماني والظن: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾. وهذا فارق ينبغي ألا نتجاوزه؛ لأن حمل «الأمية» مباشرة على عدم معرفة القراءة والكتابة يضيف إلى الآية عنصرًا لم تصرح به، بينما الآية نفسها تحدد المشكلة في العلم بالكتاب، ثم تصف البديل المعرفي عن هذا العلم بأنه الأماني والظن.
وعند هذه النقطة يبدأ التعريف الأول الذي استخرجناه من آل عمران في التطور. فالأمية لا يمكن أن تعني ببساطة «الانتماء إلى جماعة ليس لها كتاب»، وإلا تعذر تفسير قوله ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ داخل جماعة أُوتيت الكتاب. ويبدو بدلًا من ذلك أن المفهوم يتحرك في مستوى أعم: العلاقة بالكتاب المنزل.
فعلى المستوى الجماعي يظهر «الأميون» في مقابل الذين أوتوا الكتاب، وعلى المستوى الفردي يمكن أن يكون الإنسان داخل جماعة أُوتيت الكتاب ومع ذلك يوصف بالأمية إذا لم تقم لديه معرفة بالكتاب، وإنما بقيت علاقته به في دائرة الأماني والظنون.
لكن هذه النتيجة تفتح بدورها سؤالًا ينبغي اختباره قبل اعتماد التعريف النهائي: هل يكفي وجود الكتاب والعلم به للخروج من هذه الحالة، أم أن القرآن يميز أيضًا بين معرفة الكتاب وبين حمله والقيام بمقتضاه؟
وهنا تصبح المقارنة مع قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (الجمعة: 5) مهمة؛ لا لأنها تصف هؤلاء بـ«الأميين» — فالآية لا تفعل ذلك — وإنما لأنها قد تساعدنا على التمييز بين وجود الكتاب، والعلم بالكتاب، وحمل الكتاب، ومن ثم منع مفهوم «الأمية» من الاتساع إلى ما لا يدل عليه النص.
ثالثًا: بين العلم بالكتاب وحمل الكتاب
انتهينا في آية البقرة إلى أن وصف ﴿أُمِّيُّونَ﴾ ارتبط صراحة بقوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾، وأن الآية لم تجعل المشكلة في مجرد وجود الكتاب داخل الجماعة، بل في طبيعة العلاقة المعرفية التي يقيمها الفرد معه. غير أن القرآن يقدم حالة أخرى تبدو قريبة من هذه الحالة، لكنها ليست مطابقة لها، في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (الجمعة: 5).
تكتسب هذه الآية أهمية خاصة لأن السورة نفسها تقول قبلها بآيات قليلة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة: 2).
فنحن أمام «الأميين» في مطلع السورة، ثم أمام ﴿الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾ بعد آيات قليلة. غير أن التسرع في الجمع بين الحالتين قد يؤدي إلى توسيع معنى «الأمية» أكثر مما يسمح به النص. فالقرآن لم يسم الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها «أميين»، كما أنه لم يقل عن الأميين في الآية الثانية إنهم «حملوا الكتاب ثم لم يحملوه». ولذلك ينبغي أولًا تحديد الفرق بين العلاقتين.
في آية البقرة كان الوصف: ﴿أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾.
أما في آية الجمعة فالوصف: ﴿الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾.
والفارق بين التركيبين مهم. ففي الحالة الأولى نحن أمام غياب العلم بالكتاب، ولذلك تحضر الأماني والظنون بدلًا منه. أما الحالة الثانية فتفترض علاقة سابقة بالكتاب عبر فعل ﴿حُمِّلُوا﴾، ثم تقرر فشلًا آخر عبّر عنه القرآن بقوله ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾.
والمثل الذي يلي ذلك يساعد على ضبط طبيعة المشكلة: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾.
فالحمار يحمل الأسفار من حيث وجودها عليه، لكن هذا الحمل لا ينشئ العلاقة التي تجعل لما تحمله الكتب أثرًا في الحامل. ولذلك يبدو أن الآية تميز بين حمل الكتاب بوصفه شيئًا موجودًا لدى الجماعة، وحمله بالمعنى الذي يحقق الغاية من تحميله والمتمثلة في فهمه والعمل بما جاء فيه.
ولا نحتاج في هذه المرحلة إلى تحديد جميع ما يدخل في معنى «الحمل» من فهم أو التزام أو عمل؛ لأن ذلك يتطلب دراسة شبكة «حمل» نفسها. ما يهمنا في بحث «الأمي» أضيق من ذلك: القرآن لم يسم هذه الحالة «أمية». ومن ثم لا يجوز أن نوسع تعريف «الأمي» فنقول إنه كل من لديه كتاب ولا يعمل به، لأننا سنكون قد أدخلنا في المفهوم حالة عبّر عنها القرآن بتعبير آخر.
وهذا يسمح لنا بإجراء تمييز مهم. فقوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ ليس مساويًا بالضرورة لقوله: ﴿حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾. الأول يتعلق، بحسب منطوق الآية، بالعلم بالكتاب؛ والثاني يتعلق بما يترتب على تحميل الكتاب. وقد يجتمع النقصان في بعض الأشخاص، لكن اجتماعهما الممكن لا يجعلهما مفهومًا واحدًا.
وهنا نستطيع تضييق النتيجة التي وصلنا إليها بدل توسيعها. فليس لدينا حتى الآن ما يبرر تعريف «الأمية» بأنها عدم العمل بالكتاب أو عدم تطبيقه. الذي لدينا نصًا هو أن القرآن وصف قومًا بأنهم ﴿أُمِّيُّونَ﴾ ثم قال عنهم مباشرة ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾، ووضع علمهم المفقود في مقابل ﴿أَمَانِيَّ﴾ و ﴿يَظُنُّونَ﴾. ولذلك تظل العلاقة المعرفية بالكتاب أقرب إلى مركز المفهوم من مسألة تطبيق الكتاب أو عدم تطبيقه.
وهذه النتيجة ستصبح أكثر أهمية إذا عدنا الآن إلى أول السورة نفسها: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة: 2). هنا تظهر علاقة يصعب تجاهلها بعد ما رأيناه في البقرة. ففي البقرة: ﴿أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾. وفي الجمعة: ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ... وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾.
وبذلك نكون أمام موضعين يجتمع فيهما لفظ «الأميين» مع العلم بالكتاب نفسه: في الأول يُنفى العلم، وفي الثاني تأتي بعثة الرسول لتنشئ التعليم. وهذه العلاقة تنقلنا من مجرد استبعاد معنى «عدم القراءة والكتابة» إلى البحث إيجابيًا في البنية التي ينتج منها القرآن معنى «الأمية».
وهذه العلاقة تستحق أن تكون محور القسم التالي؛ لأنها قد تنقلنا من مجرد استبعاد معنى «عدم القراءة والكتابة» إلى الاقتراب إيجابيًا من البنية التي ينتج منها القرآن معنى «الأمية».
رابعًا: ﴿بعث في الأميين رسولًا منهم﴾ — من عدم العلم بالكتاب إلى تعليمه
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ يضيف إلى ما سبق عنصرين جديدين لا ينبغي الفصل بينهما: ما الذي جاء الرسول ليحدثه في الأميين، وما دلالة أن يكون هذا الرسول ﴿مِنْهُمْ﴾؟
أما الأول، فالآية لا تقول فقط إن رسولًا بعث في الأميين، وإنما تحدد الوظائف التي يؤديها فيهم: يتلو عليهم آيات الله، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة. وإذا قرأنا هذه الوظيفة في ضوء قوله السابق ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾، ظهرت علاقة شديدة الاتساق: الأمية في الموضعين تتقاطع مع موقع الإنسان من العلم بالكتاب.
ولا يعني ذلك بعدُ أن عبارة ﴿يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ وحدها تكفي لتعريف «الأمية»، فالرسول يعلم غير الأميين أيضًا، والتعليم وظيفة أوسع من إزالة الأمية. لكن اجتماع العناصر أصبح لافتًا: في آل عمران يظهر الأميون في مقابل الذين أوتوا الكتاب، وفي البقرة يظهر أميون لا يعلمون الكتاب، وفي الجمعة يبعث في الأميين رسول يعلمهم الكتاب. ولذلك لم تعد علاقة «الأمية» بالكتاب قائمة على شاهد منفرد، وإنما بدأت تتكرر في أكثر من تركيب ومن أكثر من زاوية.
أما العنصر الثاني، فقد يكون أكثر أهمية عند انتقالنا لاحقًا إلى وصف محمد عليه السلام نفسه. فالرسول لم يبعث في الأميين بوصفه شخصًا قادمًا من خارجهم، وإنما يقول القرآن: ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾. أي إن الرسول نفسه ينتمي إلى الجماعة التي سماها القرآن «الأميين».
وهذه النقطة ينبغي تثبيتها جيدًا قبل الانتقال إلى الأعراف؛ لأن القرآن سيصف هذا الرسول نفسه هناك بأنه: ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾. وهنا تبدأ أجزاء الشبكة التي درسناها منفصلة في الالتقاء: الأميون، والكتاب، والتعليم، والرسول منهم، والنبي الأمي.
لكن ينبغي ألا نصل بينها قبل اختبار التركيب الأخير نفسه: لماذا كان الرسول من الأميين، ثم وصفه القرآن تحديدًا بأنه ﴿النبي الأمي﴾؟ وهل يحمل الوصف في الفرد معنى مختلفًا عن معناه في الجماعة، أم أن شبكة الاستعمال تفرض علينا البحث عن معنى واحد يستطيع تفسير الحالتين معًا؟
دلالة ﴿مِنْهُمْ﴾: الرسول داخل الجماعة لا خارجها
لا تبدو كلمة ﴿مِنْهُمْ﴾ تفصيلًا عابرًا في الآية، لأنها تحدد علاقة الرسول بالجماعة التي بعث فيها. فالقرآن لم يقل فقط إن الله بعث «في الأميين رسولًا»، بل أضاف أنه رسول منهم. وبذلك يصبح لدينا أمران متلازمان: الجماعة موصوفة بأنها من ﴿الأميين﴾، والرسول المبعوث فيها واحد منها.
وهذا يضع أمامنا اختبارًا مهمًا لمعنى الكلمة. فإذا كان «الأميون» وصفًا جماعيًا لعلاقة هذه الجماعة بالكتاب، فإن انتماء الرسول إليهم يضعه، قبل بعثته، داخل الوضع الكتابي نفسه الذي كانت عليه جماعته. أما إذا فسرنا «الأميين» بأنهم الذين لا يعرفون القراءة والكتابة، فإن ﴿مِنْهُمْ﴾ ستعني أن الرسول خرج من جماعة موصوفة بهذا العجز التعليمي، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن كل فرد منها، ومن بينهم الرسول، كان عاجزًا عن القراءة والكتابة؛ لأن الانتماء إلى جماعة لا يستلزم اشتراك جميع أفرادها في مهارة فردية أو فقدانها.
وهنا يظهر الفرق بين الوصف الجماعي العلائقي والوصف الفردي المهاري. فالانتماء إلى جماعة لم تؤت كتابًا يمكن أن يصدق على جميع أفرادها من حيث موقع الجماعة في تاريخ الكتاب والوحي، بصرف النظر عن كون بعض أفرادها يقرأون ويكتبون وبعضهم لا يفعل. أما الأمية بمعنى عدم معرفة القراءة والكتابة فلا تنتقل منطقيًا من الجماعة إلى كل فرد فيها بمجرد قوله ﴿مِنْهُمْ﴾.
لكن القرآن لا يترك محمدًا عند مجرد الانتماء إلى «الأميين». ففي موضع آخر ينقل الوصف من الجماعة إلى شخصه، فيقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ (الأعراف: 157). ويقول بعدها: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ (الأعراف: 158).
وهنا يصبح السؤال أدق. لم يعد الأمر يتعلق فقط برسول «من الأميين»، وإنما بشخص يوصف هو نفسه بأنه «النبي الأمي». فهل تغير معنى «الأمي» عندما انتقل من الجماعة إلى الفرد، أم أن المعنى الذي استخرجناه من الاستعمالات السابقة قادر على تفسير الوصفين معًا؟
هذا هو الاختبار الحاسم التالي.
خامسًا: ﴿النبي الأمي﴾ — هل يتغير معنى «الأمي» عندما يوصف به محمد عليه السلام؟
بعد أن بدأنا البحث من استعمال «الأميين» بعيدًا عن محمد عليه السلام، يمكن الآن العودة إلى الآيتين اللتين انطلق منهما الإشكال تاريخيًا. يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ...﴾ (الأعراف: 157).
ثم يقول: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: 158).
أول ما ينبغي ملاحظته أن القرآن لم يقدم هنا تعريفًا جديدًا لكلمة «الأمي». فلا الآية الأولى تقول إن النبي الأمي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، ولا الثانية تشرح الوصف بهذا المعنى. ولذلك فإن حمل «الأمي» هنا على معنى مختلف عن المجال الدلالي الذي ظهر في بقية المواضع يحتاج إلى دليل مستقل.
وهذه قاعدة منهجية مهمة في هذا البحث. فقد وجدنا في آل عمران أن ﴿الأميين﴾ يقابلون ﴿الذين أوتوا الكتاب﴾، وفي البقرة أن هناك ﴿أميون﴾ ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾، وفي الجمعة أن الله بعث ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ ليعلمهم الكتاب. فإذا وصلنا بعد ذلك إلى ﴿النبي الأمي﴾، فلا يوجد سبب نصي أولي يجعلنا نترك هذه الشبكة فجأة وننقل الكلمة إلى معنى تقني يتعلق بالقدرة على فك الحروف وكتابتها.
بل إن الانتقال نفسه يطرح سؤالًا عكسيًا: إذا كان «الأميون» في ﴿بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ جماعة تتحدد بعلاقتها بالكتاب، وكان الرسول منهم، فما الذي يبرر أن تصبح «الأمية» عندما يوصف بها هذا الفرد تحديدًا شيئًا آخر تمامًا؟
هذا لا يثبت بعد أن محمدًا عليه السلام كان يعرف القراءة والكتابة؛ فذلك سؤال مستقل سنختبر نصوصه لاحقًا. لكنه يثبت أمرًا منهجيًا أسبق: لا يجوز الاستدلال بلفظ ﴿الأمي﴾ وحده على أنه لم يكن يقرأ أو يكتب، ما لم نستطع أولًا إثبات أن القرآن يستخدم اللفظ بهذا المعنى.
وهنا تظهر ملاحظة أخرى ربما تكون أعمق من السابقة. ففي الموضعين اللذين يصف فيهما القرآن محمدًا بالأمية، لا يقول «الرسول الأمي»، وإنما يقول: ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾، ثم: ﴿وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾.
أي إن «الأمي» يرتبط في التركيب بـالنبي لا بالرسول. وهذه الملاحظة لا تكفي وحدها لإثبات سبب هذا الاختيار، لكنها تصبح ذات دلالة محتملة في ضوء ما كشفته شبكة الاستعمال السابقة؛ لأن «الأمية» ظهرت باستمرار في علاقة مع الكتاب، والنبوة نفسها تحتاج في بحث مستقل إلى تحديد علاقتها بالوحي والكتاب والحكمة.
ولهذا ينبغي الحذر من القفز مباشرة إلى القول إن «الأمي» يعني «النبي الذي لم يؤت كتابًا قبله» أو «النبي الذي لم يكن من أهل كتاب سابق». قد تكون الشبكة متجهة إلى شيء من هذا القبيل، لكننا لم نختبر بعد النصوص التي تتحدث صراحة عن علاقة محمد عليه السلام بالكتاب قبل نزول القرآن.
وهنا بالضبط تأتي الآية التي لا يمكن لهذا البحث أن يتجاوزها: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (العنكبوت: 48).
فهذه الآية، بخلاف لفظ «الأمي» نفسه، تتحدث مباشرة عن علاقة محمد عليه السلام قبل القرآن بـكتاب والتلاوة والخط باليمين. ولذلك ينبغي أن يكون السؤال التالي دقيقًا جدًا: هل تقول الآية إنه لم يكن قادرًا على القراءة والكتابة، أم تقول شيئًا آخر يتعلق بعلاقته بكتاب سابق قبل نزول القرآن؟
سادسًا: ﴿ولا تخطه بيمينك﴾ و ﴿اكتتبها﴾ — هل تتحدث الآيتان عن القدرة أم عن المصدر؟
بعد أن تبين أن لفظ «الأمي» نفسه لا يقدم تعريفًا صريحًا بعدم معرفة القراءة والكتابة، يبقى الاعتراض الأقوى: ألا يصرح القرآن في موضع آخر بأن محمدًا عليه السلام لم يكن يقرأ ولا يكتب؟ ويستند هذا الاعتراض خصوصًا إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (العنكبوت: 48).
غير أن دلالة الآية ينبغي أن تستخرج من عبارتها نفسها. فهي لا تقول: «وما كنت تستطيع أن تتلو»، ولا تقول: «وما كنت تستطيع أن تخط بيمينك»، وإنما تنفي وقوع فعلين قبل القرآن: ﴿مَا كُنْتَ تَتْلُو﴾ و ﴿وَلَا تَخُطُّهُ﴾. والفرق بين نفي الفعل ونفي القدرة على الفعل جوهري؛ فمن لم يفعل شيئًا لا يلزم من ذلك أنه عاجز عن فعله.
ثم إن متعلق الفعل الأول ليس القراءة بإطلاق، وإنما: ﴿مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾. وهذا يجعل السياق متصلًا مرة أخرى بـالكتاب. فالآية تنفي أن يكون محمد قبل القرآن يتلو كتابًا أو يخطه بيمينه، ثم تذكر العلة: ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾.
وهنا ينبغي أن نسأل: ما الذي كان سيجعل المبطلين يرتابون؟ مجرد معرفته بالقراءة والكتابة، أم أن يكون قد عرف قبل القرآن كتابًا يتلوه ويخطه، بما يسمح بادعاء أن القرآن مأخوذ من مصدر سابق؟
هذا السؤال يصبح أكثر أهمية إذا قرأنا آية العنكبوت إلى جانب الاتهام الذي سجله القرآن نفسه على لسان المكذبين: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (الفرقان: 5). فالخصوم لم يكتفوا بالقول إن القرآن مختلق، بل بنوا فرضية لمصدره: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، ثم ربطوها بفعل ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ وبالإملاء عليه. وهذا يجعل محور الاتهام أقرب إلى سؤال مصدر القرآن وطريقة تلقي مادته منه إلى سؤال مجرد عن امتلاك محمد مهارة القراءة والكتابة.
وتظهر هنا مفارقة تستحق الوقوف عندها. فإذا كان محمد معروفًا عند مخاطبيه بأنه عاجز أصلًا عن القراءة والكتابة، وكان هذا هو معنى «الأمي» المتداول بينهم، فلماذا يتهمه خصومه بأنه ﴿اكْتَتَبَهَا﴾؟ لا تكفي هذه الملاحظة وحدها لإثبات أنه كان يكتب بيده، لأن معنى ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ وعلاقته بقوله ﴿تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ يحتاجان إلى تدقيق مستقل، لكنها تجعل الاستدلال بعجزه عن الكتابة بوصفه حقيقة مفروغًا منها أقل بداهة مما يبدو.
وبذلك ينبغي أن نفصل بين سؤالين مختلفين: هل كتب محمد القرآن أو نقله من كتاب سابق؟ وهل كان محمد قادرًا من حيث المهارة على القراءة والكتابة؟
آية العنكبوت تجيب بوضوح عن الأول بنفي أن يكون قبل القرآن يتلو كتابًا أو يخطه بيمينه على نحو يتيح للمبطلين الارتياب في مصدر الوحي؛ أما تحويل هذا النفي إلى حكم على القدرة نفسها فيحتاج إلى خطوة دلالية إضافية لا تصرح بها الآية.
وهنا تصبح أمامنا آية أخرى شديدة الأهمية، لأنها تنقل المسألة من الأفعال الخارجية إلى المعرفة نفسها: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ...﴾ (الشورى: 52).
وهذه الآية قد تكون الحلقة التي تربط ما توصلنا إليه في معنى الأمية بعلاقة محمد عليه السلام بالكتاب قبل الوحي؛ لأنها لا تقول «ما كنت تستطيع قراءة الكتاب»، وإنما تقول شيئًا مختلفًا تمامًا: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ﴾.
سابعًا: ﴿ما كنت تدري ما الكتاب﴾ — الأمية قبل الوحي بوصفها علاقة بالكتاب
إذا كانت آية العنكبوت قد نفت أن يكون محمد عليه السلام قبل القرآن يتلو كتابًا أو يخطه بيمينه، فإن قوله تعالى في سورة الشورى يذهب إلى مستوى أعمق من الفعل الخارجي، وهو مستوى المعرفة نفسها: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: 52).
هذه الآية مهمة لأنها تعيدنا مباشرة إلى المحور الذي ظهر منذ بداية البحث: العلاقة بالكتاب. فهي لا تقول إن محمدًا لم يكن يعرف القراءة أو الكتابة، وإنما تقول: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ﴾. والفرق بين العبارتين كبير؛ إذ يمكن للإنسان أن يعرف القراءة والكتابة من حيث المهارة، ومع ذلك لا يكون على علم بكتاب منزل أو بمضمونه أو برسالته.
وهنا يبدو أن الصورة التي بدأت تتشكل في المواضع السابقة تزداد تماسكًا. فقد وجدنا في البقرة: ﴿أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾، ثم وجدنا في الجمعة: ﴿بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ... وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾، ثم نجد هنا في شأن محمد نفسه قبل الوحي: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ﴾.
ولا ينبغي أن نساوي بين هذه العبارات مساواة آلية؛ فـ«لا يعلمون الكتاب» ليست بالضرورة مطابقة من كل وجه لـ «ما كنت تدري ما الكتاب». لكن الاجتماع المتكرر حول الكتاب والعلم به يجعل من الصعب تجاهل أن هذا هو المجال الدلالي المركزي الذي يتحرك فيه وصف «الأمية».
بل يمكن أن نقول إن هذه الآية تقدم ما كان ينقصنا في الانتقال من «الأميين» إلى «النبي الأمي». فمحمد عليه السلام لم يكن مجرد فرد من جماعة لم تؤت كتابًا سابقًا، وإنما يصرح القرآن أيضًا بأنه قبل الوحي لم يكن يدري ما الكتاب. وبذلك لا يبقى وصفه بالأمية مجرد انتماء اجتماعي إلى جماعته، بل يجد له سندًا في علاقته الشخصية السابقة بالكتاب.
غير أن هذا يفرض علينا دقة مهمة. فالقول إن محمدًا كان «أميًا» من حيث عدم قيام معرفة كتابية سابقة لديه لا يعني أنه كان بلا معرفة مطلقًا، ولا يقتضي حكمًا على قدرته على التفكير أو التعلم أو القراءة أو الكتابة؛ فهذه المعاني ليست هي المجال الذي يعرّف القرآن فيه الأمية أصلًا.
وهنا نقترب من صياغة أكثر دقة للمفهوم. فالأمية، كما ظهرت حتى الآن، لا تبدو صفة جسدية أو تقنية، ولا مجرد انتماء قومي، وإنما حالة تتحدد بموقع الإنسان أو الجماعة من الكتاب المنزل والعلم به.
لكن قبل تثبيت هذا التعريف، ينبغي أن نختبر نقطة أخيرة مهمة: إذا كان «الأمي» مرتبطًا بالكتاب، فهل يظل هذا الوصف ملازمًا للشخص بعد أن يتلقى الكتاب ويعلمه؟ أم أن «الأمية» تصف موقعه السابق في تاريخ الوحي، ثم تتحول علاقته بالكتاب بعد البعثة؟
وهنا تصبح صيغة ﴿النبي الأمي﴾ مثيرة للاهتمام من زاوية أخرى. فالقرآن يصف محمدًا عليه السلام بهذا الوصف بعد أن صار نبيًا ورسولًا وتلقى الكتاب. فهل الوصف هنا يحتفظ بمرجعه إلى أصله الجماعي والكتابي السابق، كما نقول عن شخص إنه «مدني» أو «مكي» بحسب منشئه، أم أن له دلالة مستمرة لا تنتهي بتلقيه الوحي؟
هذا السؤال يحتاج إلى جواب من داخل الاستعمال نفسه، لا من الافتراض. وقد تكون آية الجمعة مرة أخرى هي مفتاحه، لأن الرسول المبعوث في الأميين جاء منهم، ثم أصبح هو الذي ﴿يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾.
وهنا تظهر مفارقة دلالية دقيقة: من كان من الأميين صار هو معلّم الكتاب لهم. وهذا يعني أن «الأمية» لا يمكن أن تكون وصفًا ثابتًا ملازمًا للجهل المطلق بالكتاب بعد البعثة، وإلا وقع تناقض ظاهر بين كونه «أميًا» وكونه معلّمًا للكتاب. الأقرب إذن أن الوصف يحفظ علاقة منشئه وموقعه السابق من الكتاب، لا أنه يصف حاله المعرفية بعد تلقي الوحي.
وهذه النقطة تقودنا إلى نتيجة مهمة يمكن أن نمهد بها للقسم التالي: «النبي الأمي» لا يلزم أن يعني النبي الذي ظل لا يعلم الكتاب، بل قد يعني النبي الذي جاء من وسط أمي لا كتاب له، ولم يكن قبل الوحي من أهل كتاب سابق، ثم أوحي إليه الكتاب فصار هو الذي يعلمه لغيره.
ثامنًا: إعادة تركيب المفهوم من مجموع الاستعمالات
بعد تتبع المواضع المختلفة، لم يعد من المناسب التعامل مع «الأمي» بوصفه لفظًا يفسَّر من آية واحدة أو من وصف محمد عليه السلام وحده. فشبكة الاستعمال القرآني تكشف أن الكلمة تتحرك في أكثر من مستوى، لكنها تبقى مرتبطة بمحور واحد يتكرر باستمرار: الكتاب والعلم به والموقع منه.
في آل عمران ظهر «الأميون» في مقابل ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، بما يدل على تصنيف جماعي يقوم على علاقة الجماعات بالكتاب المنزل. ثم جاءت آية البقرة لتبين أن الأمية يمكن أن تظهر داخل جماعة أُوتيت الكتاب نفسها، حين يوجد فيها من ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾، وهو ما نقل المفهوم من مجرد الانتماء الجماعي إلى مستوى العلاقة المعرفية الفردية بالكتاب.
ثم جاءت سورة الجمعة لتربط «الأميين» ببعثة رسول ﴿مِنْهُمْ﴾، وظيفته أن ﴿يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. وهذا يضيف بعدًا حركيًا إلى المفهوم: الأمية ليست بالضرورة حالة مغلقة أو صفة ثابتة لا تتغير، وإنما يمكن أن تتحول العلاقة بالكتاب من الغياب أو الجهل إلى التعليم والمعرفة.
وفي الأعراف ينتقل الوصف من الجماعة إلى الفرد، لكن من غير أن يترك مجاله الدلالي السابق؛ فالرسول المبعوث من الأميين يوصف بأنه ﴿النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ﴾. ثم تأتي آية الشورى لتبين أن محمدًا عليه السلام نفسه قبل الوحي ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ﴾، فتلتقي علاقته الشخصية السابقة بالكتاب مع موقع جماعته التي بعث فيها.
وعند جمع هذه العناصر يصبح من الممكن صياغة تعريف أقرب إلى مجموع الاستعمالات من التعريف التقليدي القائم على القراءة والكتابة. فالأمية في القرآن تبدو حالة علائقية بالكتاب المنزل: تكون جماعية حين تكون الجماعة خارج دائرة الذين أوتوا كتابًا سابقًا، وتظهر فرديًا حين يوجد الإنسان داخل جماعة كتابية لكنه لا يقوم في علاقة علم بالكتاب، وإنما تبقى علاقته به في مستوى الأماني والظنون.
وهذا التعريف يفسر في الوقت نفسه كيف يمكن أن يكون العرب «أميين» بوصفهم جماعة لم تقع في جانب ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، وكيف يمكن أن يوجد ﴿أُمِّيُّونَ﴾ داخل أهل الكتاب أنفسهم. كما يفسر لماذا كان الرسول ﴿مِنْهُمْ﴾، ولماذا يستطيع بعد البعثة أن ينتقل من موقع من لم يكن يدري ما الكتاب إلى موقع من يتلقى الكتاب ويعلمه للناس.
لكن هذا التعريف يحتاج إلى قيد مهم حتى لا يتحول هو الآخر إلى تعميم فضفاض. فالأمية ليست كل علاقة ناقصة بالكتاب. فقد رأينا أن القرآن يميز بين من ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ وبين من ﴿حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾. ولذلك لا ينبغي مساواة الأمية بمجرد عدم التطبيق أو مخالفة الكتاب أو تحريفه. مركز المفهوم، بحسب النصوص التي درسناها، أقرب إلى عدم قيام العلم بالكتاب لا إلى كل صور الانحراف عنه.
ومن هنا يصبح من الممكن فهم «النبي الأمي» دون الحاجة إلى افتراض أن معنى الكلمة تغير فجأة عند انتقالها من الجماعة إلى محمد عليه السلام. فمحمد هو من الأميين من حيث منشؤه وموقع جماعته من الكتب السابقة، وهو أمي من حيث حاله قبل الوحي التي عبر عنها القرآن بقوله ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ﴾، ثم تنتقل علاقته بعد البعثة إلى تلقي الكتاب وتعليمه.
وعلى هذا الأساس، لا يقدم لفظ «الأمي» دليلًا على العجز عن القراءة والكتابة؛ لأن هذا المعنى يقع أصلًا خارج المجال الذي تكشفه شبكة استعماله القرآني. وقد رأينا أن قوله ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ ينفي فعلًا سابقًا متعلقًا بالكتاب ولا يقرر عجزًا عن القدرة عليه، كما أن قول المكذبين ﴿اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ يكشف أن الجدل كان متعلقًا بمصدر القرآن وطريقة تلقيه.
وبذلك تنقلب طريقة طرح المسألة. فالسؤال لم يعد: كيف نفسر «النبي الأمي» إذا كان محمد يستطيع القراءة أو الكتابة؟ بل يصبح: ما الدليل أصلًا على أن «الأمي» في القرآن يعني من لا يستطيع القراءة والكتابة؟ وإذا كانت شبكة الاستعمال كلها تتحرك حول الكتاب والعلم به، فإن تحميل الكلمة معنى تعليميًا تقنيًا يحتاج إلى برهان إضافي لا إلى مجرد شيوع التفسير.
تاسعًا: من «الأمية» إلى «النبي الأمي»
عند هذه النقطة يمكن العودة إلى التعبير الذي انطلق منه البحث: ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾. فالصفة لم تعد الآن غامضة أو معزولة عن بقية الاستعمالات، بل يمكن قراءتها في ضوء شبكة اكتملت عناصرها تدريجيًا.
محمد عليه السلام ينتمي إلى ﴿الْأُمِّيِّينَ﴾، والرسول المبعوث فيهم هو ﴿مِنْهُمْ﴾، ووظيفته أن ﴿يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾، وهو قبل الوحي ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ﴾. وعندما يصفه القرآن بـ ﴿النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ يصبح الوصف منسجمًا مع هذه البنية كلها: نبي خرج من جماعة لم تكن من أهل كتاب سابق، ولم يكن قبل الوحي قائمًا في معرفة كتابية سابقة، ثم أوحي إليه الكتاب.
وهنا تعود الملاحظة التي سجلناها في بداية البحث: القرآن لا يقول «الرسول الأمي» مجردًا، وإنما يقول ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ و ﴿وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾. وربما لا يكون هذا الاختيار عارضًا؛ إذ إن «الأمية» كما ظهرت في البحث تتعلق بموقع الإنسان من الكتاب والعلم به، وهو ما يجعل ارتباطها بوصف «النبي» أكثر قابلية للفهم من ارتباطها بوظيفة «الرسول» من حيث البلاغ.
لكن هذه الملاحظة ينبغي أن تبقى في حدودها المنهجية. فهي لا تثبت وحدها نظرية كاملة في الفرق بين النبوة والرسالة، وإنما تشير إلى توافق جدير بالبحث: وصف «الأمي» يلتصق بالنبي، بينما الرسول يؤدي وظيفة البلاغ والتعليم داخل الجماعة. وهذا يفتح بابًا لدراسة أوسع في العلاقة بين النبوة والكتاب والرسالة، من غير أن نحمل هذا البحث ما يتجاوز موضوعه.
والأقرب، وفق الشبكة التي ظهرت، أنه النبي الذي كان من جماعة لم تؤت كتابًا سابقًا، ولم يكن هو نفسه قبل الوحي قائمًا في معرفة بذلك الكتاب، ثم أوحي إليه الكتاب فصار معلمه ومبلغه.
وقد يفسر هذا أيضًا لماذا جاء الوصف في القرآن بصيغة ﴿النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾، ولم يرد بصيغة «الرسول الأمي». فالأمية، بحسب شبكة الاستعمال التي كشفها البحث، تتصل بموقع الإنسان من الكتاب قبل قيام المعرفة الكتابية لديه. ومحمد عليه السلام كان من ﴿الْأُمِّيِّينَ﴾، ويقول القرآن عن حاله السابقة للوحي: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ﴾؛ ومن هذه الجهة يمكن فهم وصفه بـ«النبي الأمي». أما حين بعث رسولًا في الأميين، فإن العلاقة بالكتاب قد تغيرت؛ فقد أوحي إليه الكتاب، وأصبح هو الذي ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ و ﴿يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. ولذلك لا يصفه القرآن بـ «الرسول الأمي»؛ لأن الرسالة نفسها تقوم بعد تلقي الوحي على حمل ما أوحي إليه وتبليغه، فلا يكون وصف «الأمية» هنا متعلقًا بوظيفته الرسالية، وإنما بموقعه السابق من الكتاب، وهو ما يجعل اقتران وصف «الأمي» بـ«النبي» مفهومًا داخل الشبكة التي كشفها البحث.
خاتمة
انطلق هذا البحث من سؤال يبدو بسيطًا: ما معنى «الأمي» في القرآن؟ غير أن تتبع اللفظ داخل شبكة استعماله القرآنية كشف أن الإجابة تختلف عما يوحي به المعنى الشائع الذي جعل «الأمي» مرادفًا لمن لا يعرف القراءة والكتابة. فالقرآن، في المواضع التي يستعمل فيها «الأميين» جماعة، لا يصنف الناس بحسب مهاراتهم التعليمية، وإنما بحسب علاقتهم بالكتاب المنزل.
ظهر ذلك أولًا في التقابل الصريح بين ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ و ﴿الْأُمِّيِّينَ﴾، ثم تأكد من داخل خطاب بعض أهل الكتاب أنفسهم حين قالوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾. غير أن قوله تعالى ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ منعنا من اختزال المفهوم في مجرد الانتماء إلى جماعة لم تؤت كتابًا؛ إذ كشف أن الأمية يمكن أن توجد داخل جماعة كتابية نفسها عندما لا تقوم لدى بعض أفرادها معرفة بالكتاب الذي أنزل إليها، وتحل الأماني والظنون محل العلم به.
ومن هنا ظهر أن الأمية تعمل على مستويين داخل علاقة واحدة: مستوى جماعي يتعلق بموقع الجماعة من الكتاب المنزل، ومستوى فردي يتعلق بقيام المعرفة بالكتاب لدى الإنسان. ولم يكن من المشروع توسيع المفهوم بعد ذلك ليشمل كل مخالفة للكتاب أو عدم العمل به؛ لأن القرآن ميز بين ﴿أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ وبين ﴿الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾. فعدم العلم بالكتاب شيء، وعدم حمل ما حُمِّل الإنسان منه شيء آخر، وإن أمكن أن يجتمعا في بعض الحالات.
وعندما انتقل البحث إلى محمد عليه السلام، لم نحتج إلى إعطاء اللفظ معنى جديدًا. فالقرآن يقول إن الله ﴿بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾، ثم يصف هذا الرسول نفسه بأنه ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾، ويخبر عن حاله قبل الوحي: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾. وهكذا يظل الوصف داخل المجال الدلالي نفسه: محمد جاء من جماعة لم تكن من الجماعات التي أوتيت كتابًا سابقًا، ولم تكن لديه قبل الوحي معرفة كتابية سابقة، ثم تغيرت هذه العلاقة بالوحي، فأصبح هو الذي يتلو الآيات ويعلم الكتاب والحكمة.
ومن هذه الزاوية يمكن أيضًا فهم دقة التعبير القرآني في تكرار وصف ﴿النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ دون استعمال «الرسول الأمي». فالأمية تتصل بموقعه السابق من الكتاب ومنشئه بين الأميين، أما الرسالة فتقوم بعد تلقي الوحي على حمل ما أوحي إليه وتبليغه. ولذلك لا تعود الأمية بعد نزول الكتاب وصفًا لحالته المعرفية الراهنة؛ إذ لا يمكن أن يكون ممن ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ وهو الذي ﴿يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. وبقاء وصف ﴿النبي الأمي﴾ بعد البعثة يحفظ موقعه الذي جاء منه، لا جهلًا مستمرًا بالكتاب بعد أن أوحي إليه.
أما مسألة القراءة والكتابة، فقد تبين أن ربطها بوصف «الأمي» ناتج عن إدخال معنى لا تنهض به شبكة الاستعمال القرآني. فقوله تعالى ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ لا يعرّف الأمية بالعجز عن القراءة والكتابة، وإنما ينفي أن يكون محمد قبل القرآن يتلو كتابًا سابقًا أو يخطه بيمينه، في سياق نفي ما يمكن أن يثير الارتياب في مصدر الوحي. كما أن قول المكذبين ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ يؤكد أن الجدل القرآني كان متعلقًا بمصدر القرآن وطريقة تلقيه، لا بتقرير عجز تقني ثابت عن القراءة والكتابة. ومن ثم فإن السؤال عما إذا كان محمد عليه السلام يمارس القراءة أو الكتابة في حياته لا يدخل أصلًا في تعريف «الأمي» الذي أنتجته الآيات؛ فلا إثبات هذه المهارة ولا نفيها يغير معنى الوصف القرآني، لأن الأمية التي يتحدث عنها القرآن تتحدد بعلاقته السابقة بالكتاب المنزل، لا بقدرته على قراءة الحروف أو كتابتها.
وبذلك لا تنتهي هذه القراءة إلى مجرد التشكيك في تفسير موروث، وإنما إلى إعادة تحديد المجال الذي ينتمي إليه المفهوم نفسه. فالسؤال عن القدرة على القراءة والكتابة شيء، والسؤال عن «الأمية» في القرآن شيء آخر. وقد أظهرت شبكة الاستعمال أن الثاني يمكن تحديده من القرآن نفسه دون تعليق معناه على الأول: الأمية في القرآن حالة تتحدد بعلاقة الإنسان أو الجماعة بالكتاب المنزل والعلم به، وليست وصفًا لمهارة القراءة والكتابة.
وعليه، فإن السؤال الذي بدأ به البحث يتغير في نهايته. فبدل أن نسأل: كيف يكون محمد «نبيًا أميًا» وهل كان يقرأ ويكتب؟ يصبح السؤال الأسبق: ما موقعه من الكتاب قبل أن يوحى إليه؟ وعندئذ تتجمع الآيات في صورة واحدة: كان من الأميين، ولم يكن يدري ما الكتاب، ثم أوحي إليه الكتاب، فصار الرسول الذي يتلو آياته ويعلمه للناس.
وهكذا لا يعود وصف ﴿النبي الأمي﴾ في شبكة الاستعمال القرآني إعلانًا عن عجز في القراءة والكتابة، بل وصفًا لموقع النبي من الكتاب قبل الوحي؛ موقع تغير بنزول الكتاب، فتحول من ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ﴾ إلى رسول يتلو آياته ويعلّم الكتاب والحكمة.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق