كيف يُعيد صعود المغرب ترتيب حسابات الجوار والقوى الكبرى؟
قراءة علائقية في تسريع بناء القوة وتكامل الجبهة الداخلية والشراكات الخارجية
ما الذي يجمع تطوير الموانئ، وتوطين الصناعات الحديثة، وتحديث الجيش، وشبكات النقل، وتوسيع القدرات الدفاعية، والمبادرات الأطلسية والإفريقية، والانفتاح على شراكات تتقاطع فيها مصالح قوى دولية متنافسة؟ قد تبدو هذه الملفات متباعدة حين تُقرأ أخبارًا منفصلة، لكنها تفتح سؤالًا واحدًا حين ننظر إلى العلاقات بينها: كيف يُعد المغرب نفسه لدور إقليمي أوسع، وما الذي يتغير في حسابات الآخرين كلما اتسعت قدرته على الفعل؟
ينطلق هذا المقال من فرضية أن المغرب يعمل على تحويل تراكم قدراته إلى موقع جديد داخل شبكة المصالح الإقليمية والدولية. فالصناعة تحتاج إلى أسواق ومنافذ، والموانئ تحتاج إلى تدفقات تجارية، والاستثمار يحتاج إلى استقرار وحماية. ويحتاج الأمن إلى أجهزة عصرية واستخبارات قوية قادرة على الاستباق والتنسيق، فيما تتطلب حماية السيادة وردع التهديدات جيشًا نظاميًا حديثًا يجمع التكوين والكفاءة العملياتية والتسليح والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة. وتكتسب الدبلوماسية وزنًا حين تستند إلى هذه القدرات، وتعرض مشروعات ومنافع قابلة للتحقق. ومن تكامل هذه العناصر تتكون قوة تتجاوز أثر كل واحد منها منفردًا.../...
ولا يجري هذا التحول في عالم مستقر القواعد؛ فالنظام الدولي الموروث تتعرض موازينه ومؤسساته وضماناته لاختبارات متلاحقة، فيما تتشكل ترتيبات جديدة من أتون الحروب والأزمات الاقتصادية والاجتماعية. فمن الحرب الروسية الأوكرانية إلى صراعات الشرق الأوسط واضطراب مسالك الطاقة والتجارة، تتداخل المواجهة العسكرية مع العقوبات والتنافس التكنولوجي وإعادة توجيه الاستثمار. وتواجه أوروبا ضغوطًا تمس النمو والأمن والطاقة، وتضع قدرتها على توحيد أولوياتها أمام اختبار صعب. وهذه التحولات تشير إلى مرحلة انتقالية مفتوحة، تتنازع فيها القوى شروط النظام المقبل، دون أن تكون ملامحه قد استقرت.
وفي هذا السياق نفهم أهمية تسريع المغرب بناء قدراته: فحين تتغير قواعد العلاقات الدولية، تصبح القدرة على الإنتاج والحماية وتأمين الموارد وتنويع الشراكات عاملًا في تحديد الموقع الذي ستشغله الدولة داخل التوازنات الناشئة.
وتكتسب وتيرة البناء أهميتها في عالم تتغير فيه شروط الشراكة وموازين التأثير. فالفرص لا تبقى مفتوحة بالقدر نفسه، والمشروع الذي يتأخر قد يفقد بعض قيمته إذا سبقه بديل أو تغيرت حاجات شركائه. ولذلك يصبح تسريع الإنجاز، مع ضبط جودته وكلفته، جزءًا من الاستراتيجية: تحويل الإمكان إلى وظيفة قبل أن تتبدل الشروط التي تمنحه قيمته.
لكن اتساع الحضور الخارجي يظل محتاجًا إلى قاعدة داخلية تحمله. فالدولة التي توسع التزاماتها تحتاج إلى مجتمع يثق في وجهتها، ومؤسسات تستطيع التنفيذ، واقتصاد يتحمل الكلفة، ومواطنين يجدون صلةً بين موقع بلدهم في العالم وتحسن فرصهم داخله. ومن هنا نبدأ بالجبهة الداخلية، باعتبارها أساس القدرة على الاستمرار.
الجبهة الداخلية: السند الذي يمنح القوة استمراريتها
يشكل الإتفاف حول الملك والأهداف الوطنية المشتركة موردًا سياسيًا مهمًا للمغرب. فهو يتيح استمراريةً في التوجهات الكبرى تتجاوز آجال الحكومات، ويوفر إطارًا لتعبئة المؤسسات والموارد حول مشروعات طويلة المدى. كما يمنح تدبير الأزمات سندًا داخليًا حين تتطلب المصلحة التريث أو تحمل ضغط لا تظهر نتائجه فورًا.
وتبرز أهمية هذه الاستمرارية في المشروعات التي تحتاج إلى سنوات من التخطيط والتمويل والتنفيذ، وفي العلاقات التي تُبنى الثقة داخلها بالتراكم. فالشريك الخارجي ينظر إلى قدرة الدولة على الوفاء، وإلى استمرار التزاماتها، وإلى مدى انسجام القرار مع أدوات تطبيقه.
غير أن الجبهة الداخلية تحتاج إلى تجدد مستمر. فالالتفاف الوطني يتقوى حين يشعر المواطن بأنه شريك في مستقبل بلده، وأن المؤسسات تنصفه، وأن المنجزات تفتح أمامه فرصًا في التعليم والعمل والسكن والعلاج والتنقل. ومن هذه الجهة تصبح العدالة الاجتماعية والمجالية عنصرًا من عناصر القوة الاستراتيجية، لأن الثقة تُبنى أيضًا من التجربة اليومية.
ولا يلغي هذا التماسك اختلاف الرأي في السياسات أو وسائل التنفيذ. بل يمكن للنقد المسؤول أن يكشف مواطن التعثر ويساعد على تصحيحها، ما دام يستند إلى الحجة ويحترم حقوق الآخرين. فالقدرة على مناقشة الاختيارات ومراجعتها تمنح الالتفاف الوطني أساسًا أمتن، وتمنع أن تتحول وحدة الهدف إلى حجب للمشكلات التي تحتاج إلى معالجة.
وتتحدد العلاقة هنا في اتجاهين: التماسك الداخلي يتيح للدولة التحرك بثقة واستقلال، ونجاح التنمية يعزز استعداد المجتمع لحمل خياراتها. أما حين تتسع المسافة بين المنجز الوطني وحياة فئات واسعة من المواطنين، فإن الحفاظ على هذا السند يقتضي معالجة أسباب التفاوت، حتى يظل المشروع الخارجي متصلًا بقاعدته الاجتماعية.
تسريع بناء القوة: من تراكم المشروعات إلى تكامل الوظائف
لا تُقاس القوة الاقتصادية بعدد الاستثمارات المعلنة وحده، بل بما يتحول منها إلى إنتاج ومعرفة وتشغيل وقدرة على التصدير. كما لا تُقاس القوة التجارية بحجم الميناء منفردًا، وإنما بصلته بالمناطق الصناعية والطرق والسكك والإجراءات والخدمات التي تجعل العبور منتظمًا وتنافسيًا.
وينطبق الأمر نفسه على الدفاع والدبلوماسية. فالاقتناء العسكري يحتاج إلى تكوين وصيانة وقدرة على التشغيل والتنسيق، والشراكة السياسية تحتاج إلى مصالح وآليات متابعة ونتائج تحفظ ثقة الأطراف. ومن هنا يصبح تسريع البناء مفيدًا حين يصاحبه تكامل، حتى لا تتقدم وسيلة بينما تبقى الوسائل اللازمة لتشغيلها متأخرة.
وهذا هو المنظور الذي نستعيره من التكامل الاستراتيجي للدولة: الحاجة تحدد الوظيفة المطلوبة، والإمكانات تتيح وسائلها، والتخطيط يصل بينها، ثم يكشف التنفيذ مقدار القيمة التي تحققت. فالموقع الجغرافي، مثلًا، يكتسب وزنًا إضافيًا حين تستطيع الدولة أن تحوله إلى خدمة يحتاج إليها الآخرون، ويجدون في استعمالها منفعة واستقرارًا.
وعند هذه النقطة تبدأ القدرة الوطنية في التأثير خارجيًا. فالشريك الذي يستثمر، أو يستعمل منفذًا، أو يعتمد على تعاون أمني أو معرفة متخصصة، يعيد تقدير علاقته بالمغرب في ضوء ما توفره له. وقد يرى منافسٌ في التطور نفسه تقليصًا لبعض خياراته أو لنفوذه. ولذلك قد تجمع العلاقة الواحدة التعاون والمنافسة، بحسب المجال الذي ننظر إليه.
ومن هنا نقرأ ردود الفعل المحيطة بالمغرب دون افتراض دافع واحد للجميع. فقد يستفيد بلد من نمو الاقتصاد المغربي ويتحفظ على اتساع دوره السياسي، وقد يتعاون معه أمنيًا وينافسه تجاريًا. ويحتاج تفسير كل موقف إلى تحديد المصلحة التي يمسها، والقدرة التي تغيرت، والبدائل المتاحة لصاحبه.
بهذا المعنى، يكون السؤال عن صعود المغرب سؤالًا عن تحوله إلى قوة تستطيع تقديم وظائف أوسع، وحماية مصالحه، والتأثير في الخيارات التي يتخذها غيره. وتبدأ الإجابة من الداخل، ثم تمتد إلى الشبكة الخارجية التي يسعى إلى بنائها: كيف يصل المغرب قدرته الصناعية والتجارية بموقعه الأطلسي والمتوسطي، وكيف يحول هذا الاتصال إلى مصالح مشتركة مع عمقه الإفريقي وشركائه الدوليين؟
تنويع الشراكات: توسيع الخيارات وتعزيز استقلال القرار
تتيح الشراكات الخارجية للدولة الحصول على موارد وتقنيات وأسواق وخبرات يصعب تطويرها كلها بالاعتماد على إمكاناتها الذاتية. غير أن أثر هذه العلاقات يتحدد بكيفية بنائها: ما الذي تضيفه إلى القدرة الوطنية؟ وما مقدار الاعتماد الذي تنشئه؟ وهل تمنح الدولة خيارات أوسع حين تختلف المصالح؟
وفي الفرضية التي يقوم عليها هذا المقال، يسعى المغرب إلى تحويل تنوع علاقاته إلى قدرة على الاختيار. فالشراكة الدفاعية، والاستثمار الصناعي، والتعاون التكنولوجي، وتأمين الطاقة، والوصول إلى الأسواق، مجالات يمكن أن تتكامل دون أن تتطابق مصالح أطرافها في جميع القضايا. وتتمثل مهمة الدبلوماسية في إدارة هذا التفاوت، والحفاظ على التعاون حيث تتلاقى المصالح، والتفاوض حيث تتباعد.
لكن تعدد الشركاء لا يضمن استقلال القرار تلقائيًا؛ فقد تتوزع التبعية بين أطراف عدة وتظل قائمة. ويصبح التنويع مصدر قوة حين يصاحبه نقل للمعرفة، وتكوين للكفاءات، وتطوير للإنتاج المحلي، وقدرة على صيانة التجهيزات وتأمين الإمدادات. فالقيمة الأعمق للشراكة تظهر فيما يبقى داخل البلد من خبرة ومؤسسات وقدرة على الإنجاز.
وتكتسب سرعة التنفيذ هنا أهمية خاصة. فالدول التي تتنافس على الاستثمار والممرات التجارية والتكنولوجيا تتحرك داخل فرص قد تتغير شروطها. ولذلك يحتاج الطموح المغربي إلى إدارة تستطيع تحويل الاتفاق إلى مشروع، وربط المشروع بمورّدين محليين وكفاءات وطنية وأسواق فعلية. وكل تأخر بين الإعلان والتنفيذ يضعف المنفعة المنتظرة ويتيح لبدائل أخرى أن تتقدم في بيئة جيواستراتيجية شديدة المنافسة.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم القلق الذي قد يثيره توسع الخيارات المغربية لدى بعض الشركاء والمنافسين. فالدولة التي تمتلك منافذ وأسواقًا ومصادر تمويل وتجهيز متعددة تستطيع التفاوض بهامش أوسع، وتصبح أقل تعرضًا للضغط عبر علاقة منفردة. لكن تفسير موقف فرنسي أو إسباني أو جزائري بعينه يقتضي دراسة مصالح صاحبه وسياق قراره؛ فالتنافس والتعاون قد يجتمعان في العلاقة نفسها، وقد يختلف الموقف من ملف إلى آخر.
وهنا يتحدد الاختبار العملي للصعود المغربي: أن يجعل التعاون معه منتجًا لمنافع مستمرة، وأن يطور قدرته على حماية خياراته عند الخلاف. فالموقع الإقليمي يترسخ حين يجد الشركاء في استقراره ونجاح مشروعاته مصلحة لهم أيضًا. وهذا ما يمنح المبادرة الأطلسية والعلاقات مع دول الساحل أهميتهما في المقال: فهما المجال الذي يمكن أن يتحول فيه تكامل الموانئ والطرق والاستثمار والأمن إلى مصالح مشتركة قابلة للقياس.
المكانة الدولية: تعدد الأدوار واتساع مجالات التأثير
لا تتحدد المكانة الدولية للدولة بقدراتها الاقتصادية والعسكرية وحدها، بل أيضًا بموقعها داخل المؤسسات والأطر التي تُناقش فيها الأزمات وتُصاغ المبادرات. ومن هذه الزاوية، تكتسب الأدوار المغربية أهميتها من تنوع المجالات التي تتيح للرباط الحضور فيها، ومن إمكان وصلها بمصالحها الوطنية والتزاماتها الإقليمية.
ويأتي انضمام المغرب إلى مجلس السلام الدولي الذي أسسه الرئيس الأمريكي ترامب بصفة عضو مؤسس ضمن هذا التوسع؛ فقد وقّع وزير الخارجية، بتعليمات ملكية، الميثاق التأسيسي للمجلس في دافوس يوم 22 يناير 2026. ويتيح هذا الموقع المشاركة في إطار دولي جديد لبناء السلام وتسوية النزاعات، مع بقاء وزن المجلس وفعاليته مرتبطين بما يستطيع إنجازه وطبيعة علاقته بالمؤسسات.
وبحسب معلومات خاصة، يجري بحث إعداد وثيقة مفصلة بشأن التعاون الأوروبي الإفريقي والهجرة لعرضها على بروكسيل، في امتداد للتوجه الذي أعلنه الملك في خطاب افتتاح البرلمان بشأن مراجعة نموذج التعاون القائم. وتشير المعلومات نفسها إلى احتمال توظيف موقع المغرب داخل مجلس السلام لحشد الدعم لهذه المبادرة. وإذا تأكد هذا المسار، فإنه سيمنح التحرك المغربي بعدًا يتجاوز التفاوض الثنائي، ويضع التنمية والتنقل وتقاسم المسؤوليات ضمن مقاربة أوسع للاستقرار الإقليمي. أما تقديم الوثيقة باسم المجلس، وترتيبها ضمن مبادراته، فيبقيان رهينين بما سيُعلن رسميًا من قرارات واعتمادات.
وتتقاطع هذه المشاركة مع رئاسة الملك محمد السادس للجنة القدس، التي تمنح الدبلوماسية المغربية مسؤولية مستمرة تجاه المدينة والقضية الفلسطينية. ويضع اجتماع هذه الأدوار أمام المغرب مجالًا للتحرك، ومسؤولية عن وصل قنواته الدولية بالدفاع عن الحقوق الفلسطينية ودعم شروط السلام العادل؛ فالقيمة السياسية للموقع تظهر في الأثر الذي يستطيع إحداثه.
وفي المجال الإفريقي، يمنح العمل داخل الاتحاد الإفريقي المبادرات المغربية امتدادًا مؤسسيًا يتجاوز العلاقات الثنائية. ويبرز ملف الهجرة خصوصًا؛ إذ يسند الاتحاد إلى الملك صفة رائد الاتحاد الإفريقي في هذا المجال. وتتيح هذه المسؤولية الإسهام في بلورة مقاربة قارية تربط الهجرة بالتنمية والحقوق وتنظيم التنقل، وإدخال هذه الأولويات في الحوار مع الشركاء الدوليين، دون اختزال الدور في مراقبة الحدود أو منع العبور .
أما في المجال الدفاعي، فينبغي التمييز بين الشراكة مع حلف شمال الأطلسي والتحالف الثنائي مع الولايات المتحدة. فالمغرب شريك للناتو ضمن الحوار المتوسطي، وليس عضوًا فيه. ويشمل هذا الإطار الحوار السياسي والتعاون العملي، وقد تناولت مباحثات ممثل الحلف مع المسؤولين المغاربة في أكتوبر 2026 أمن شمال إفريقيا والساحل والإرهاب والأمن البحري. وهذا يمنح المغرب موقعًا في التشاور بشأن تهديدات تتجاوز حدوده، دون أن يرتب له ضمانات العضوية في الحلف .
وتوفر الشراكة الدفاعية مع واشنطن مسارًا إضافيًا لتطوير التدريب والجاهزية والتعاون التكنولوجي. ويجسد مشروع مركز التدريب والتجريب متعدد المجالات، المزمع إنشاؤه في طانطان، توجهًا يجمع التعاون المغربي الأمريكي بتكوين شركاء أفارقة وتطوير قدرات مرتبطة بالأمن الإقليمي.
وفي القراءة العلائقية، تكمن أهمية هذه المواقع في إمكان تكاملها: حضور إفريقي يتيح معرفة أولويات القارة، وشراكات دفاعية توسع أدوات التعاون، ومسؤولية في ملف الهجرة، ورئاسة لجنة القدس، ومشاركة في أطر بناء السلام. لكن تعدد الصفات لا يتحول تلقائيًا إلى نفوذ؛ إذ يحتاج إلى مبادرات واضحة، وتنسيق مؤسسي، وقدرة على الوفاء بالالتزامات. وبقدر ما ينجح المغرب في ذلك، تتعزز مكانته شريكًا يشارك في صياغة الحلول وتنفيذها.
المجال الأطلسي والساحل: تحويل الجغرافيا إلى مصالح مشتركة
تظهر أهمية المبادرة الأطلسية في قدرتها المحتملة على وصل حاجتين: حاجة المغرب إلى توسيع حركة التجارة والاستثمار عبر موانئه، وحاجة دول الساحل الحبيسة إلى تنويع منافذها نحو الأسواق العالمية. ومن التقاء الحاجتين يمكن أن تنشأ علاقة تتجاوز العبور إلى الإنتاج والتخزين والتحويل والخدمات.
لكن القرب الجغرافي لا يكفي لإنشاء ممر اقتصادي ناجح. فالمسافة التي تقطعها البضائع تُقاس أيضًا بمدة الانتظار عند الحدود، وكلفة التأمين، وانتظام النقل، ووضوح الإجراءات. وقد يكون طريق أطول أكثر جاذبية إذا كان أسرع وأضمن وأقل كلفة. لذلك يتوقف نجاح العرض الأطلسي على معالجة المسار كاملًا، من مركز الإنتاج إلى وجهة التسويق مرورا بالطريق بين البر والبحر.
وتحتل موريتانيا موقعًا أساسيًا في هذا البناء؛ فعبور أراضيها يجعلها شريكًا في تحديد شروط الممر ونجاحه. ويقتضي ذلك أن تجد داخل المشروع فرصًا لتطوير اقتصادها: خدمات لوجستية، ومناطق إنتاج وتحويل، وفرص عمل، وربطًا يخدم مدنها وموانئها. وكلما اتسعت استفادتها، ازدادت مصلحتها في استقرار الشراكة واستمرارها.
كما ينبغي أن يظل التكامل بين البحر والبر حاضرًا. فالنقل البحري يتيح حمل كميات كبيرة بكلفة تنافسية في مسارات معينة، بينما تمنح الطرق مرونة للوصول إلى الأسواق الداخلية. ويتحدد الخيار الأنسب بحسب نوع البضاعة وحجمها ووجهتها وشروط العبور. ومن ثم تزداد قوة المشروع حين يتيح بدائل مترابطة يستطيع المنتج والمستورد الاختيار بينها.
وبالنسبة إلى دول الساحل، تتعلق جاذبية المبادرة بما تمنحه من قدرة على التفاوض وتنويع العلاقات. فامتلاك منفذ إضافي قد يخفف التعرض لتعطل طريق أو اضطراب علاقة، ويساعد على تحسين شروط التصدير والاستيراد. لكن الانخراط المستمر يتطلب أن تظهر هذه الفائدة في حسابات الشركات والمستهلكين، وأن تتحول إلى انخفاض في الكلفة أو تحسن في الخدمة أو توسع في فرص الإنتاج.
وهنا تتقاطع التنمية بالأمن. فالممر يحتاج إلى حماية، بينما تستطيع الأنشطة الاقتصادية المنتظمة أن توفر فرصًا تقلل جاذبية بعض شبكات التهريب والتجنيد. ولا تتحقق هذه النتيجة تلقائيًا؛ إذ تتوقف على وصول المنافع إلى السكان المحليين، وعلى عدالة تنظيم العبور، وقدرة المؤسسات على منع تحول الطريق إلى مجال للابتزاز أو الاحتكار.
وفي القراءة التي نقترحها، تكمن القيمة الاستراتيجية لهذا التوجه في توسيع عدد الأطراف التي تجد مصلحة عملية في التعاون مع المغرب. فحين ترتبط بالممر وظائف واستثمارات وعائدات، يصبح استقراره شأنًا مشتركًا. وعندئذ يكتسب الحضور المغربي عمقًا تسنده مصالح متبادلة ومؤسسات قادرة على صيانتها.
وقد يعيد هذا التطور ترتيب حسابات القوى الحاضرة في المنطقة، لكن مقدار تأثيره سيُقاس بما يُنجز فعلًا: انتظام التدفقات، وحجم القيمة المضافة، وتوزيع المنافع، وقدرة الشركاء على الاستمرار عند الأزمات. ومن هنا ننتقل إلى سؤال ردود الفعل: كيف تتعامل فرنسا وإسبانيا والجزائر مع اتساع الخيارات المغربية، وما الذي يجمع حساباتها وما الذي يميز كل واحدة منها؟
فرنسا وإسبانيا والجزائر: مصالح مختلفة أمام اتساع الخيارات المغربية
لا يمكن جمع المواقف الفرنسية والإسبانية والجزائرية في تفسير واحد، حتى حين تتقاطع في القلق من بعض التحولات المتسارعة التي يحدثها المغرب على المستوى الإقليمي. فلكل دولة موقعها وشبكة مصالحها وأدوات تأثيرها، كما أن توسيع المغرب علاقاته قد يفتح أمامها فرصًا للتعاون، ويقلص في الوقت نفسه قدرتها على فرض شروطها.
بالنسبة إلى فرنسا، يطرح اتساع الخيارات المغربية سؤال موقعها داخل علاقات المملكة الاقتصادية والسياسية والأمنية. فحين يستطيع المغرب الحصول على التمويل والتكنولوجيا والتجهيز والخبرة من شركاء متعددين، تصبح العلاقة خاضعة لمقارنة العروض والنتائج بصورة أكبر. ويحتاج الحفاظ على موقع متقدم إلى تقديم منفعة تنافسية، وإلى قبول شريك أوسع قدرةً على الاختيار.
وتزداد حساسية هذه المسألة في إفريقيا، حيث قد تتلاقى المصالح المغربية والفرنسية في الاستثمار والاستقرار، وتتباعد بشأن شروط التعاون وموقع الأطراف الإفريقية فيه. فالدولة التي تربط تعاونها بالرباط بعلاقاتها مع دول الساحل لا تستطيع افتراض أن تلك العلاقات متاحة لها تلقائيًا. وللمغرب مصلحة في حماية الثقة التي يبنيها مع شركائه، لأن توظيفها خارج ما اتُّفق عليه قد يضعف قيمتها.
أما إسبانيا، فتتداخل في علاقتها بالمغرب اعتبارات التجارة والاستثمار والهجرة والأمن والمجال البحري، إلى جانب الخلاف التاريخي حول سبتة ومليلية والجزر الجعفرية. ولذلك قد تجمع العلاقة تعاونًا كثيفًا وتوترًا سياسيًا في الوقت نفسه. ويصبح السؤال بالنسبة إلى مدريد هو كيفية التعامل مع جار تتوسع قدراته، وتزداد قواته العسكرية والعلائقية، وترتفع كلفة تجاهل مصالحه، وتتزايد أهمية التعاون معه.
ويمنح هذا التشابك الطرفين حوافز للاحتواء، لكنه يفتح أيضًا مجالًا لاستعمال الملفات في الضغط والتفاوض. ومن هنا تكتسب إدارة الأزمات أهمية توازي أهمية امتلاك أدوات القوة؛ فقدرة المغرب على تحديد موضوع الخلاف، واختيار توقيت موقفه، ومنع انتقاله إلى ملفات أخرى، تدخل في تقييم فعالية سياسته.
وبالنسبة إلى الجزائر، يمس توسيع العلاقات المغربية في الساحل والمجال الأطلسي توازنًا إقليميًا تتداخل فيه المنافسة السياسية والأمنية مع نزاع الصحراء. وقد تُقرأ شراكة مغربية جديدة من زاوية أثرها في النفوذ الجزائري، حتى حين تكون لها دوافع اقتصادية أو أمنية تخص أطرافها مباشرة.
لكن وجود تعاون حول الجزائر لا يثبت وحده قيام خطة لتطويقها؛ فهذا الاستنتاج يحتاج إلى أدلة على أهداف الشراكات وتنسيقها. وما يمكن بحثه بصورة أوضح هو أثرها العملي: هل تمنح الدول المعنية خيارات إضافية؟ وهل تقلل اعتمادها على طرف واحد؟ وكيف تتعامل الجزائر مع تغير موقعها داخل هذه الشبكة؟
وهنا يكمن أحد مفاتيح المقال: اتساع الخيارات المغربية قد يدفع بعض الأطراف إلى مراجعة حساباتها، لكن تفسير كل موقف بالخوف من المغرب يختزل تعقيد المنطقة. والأدق أن ندرس ما يتغير في المصالح والقدرة على التأثير، ثم نربط المواقف بهذا التغير بقدر ما تسمح به الوقائع.
ليبيا: اختبار القدرة على الجمع بين العلاقات والمخاطر
تضيف ليبيا إلى هذه الخريطة مجالًا تتقاطع فيه الطاقة والأمن وإعادة الإعمار والتنافس الدولي. وأي حضور مغربي فيها ينبغي تقييمه بحسب قدرته على بناء علاقات مستمرة مع المؤسسات والفاعلين، ومدى إسهامه في تسوية تسمح باستقرار البلاد ووحدة قرارها.
ويبدو أن فتح قنوات مع طرف ليبي كحفتر، وإقامة تعاون محدد معه، واحتمال الانخراط في مشروع سياسي وعسكري يتبناه. تحول مهم في الصراع الدائر حول النفوذ بين المغرب والجزائر في المنطقة المغاربية. وتعزو مصادر إعلامية قطع العلاقات بين الجزائر والإمارات العربية إلى هذا المعطى تحديدا حيث تعتبر الجزائر التقارب المغربي مع الجانب الليبي بمساعدة الإمارات محاولة لتطريقها في أفق فتح ملف الحدود الموروثة عن الاستعمار والتي يرفضها حفتر بحكم الأراضي الليبية التي تسيطر عليها الجزائر في الحدود الغربية لليبيا.
وتزداد أهمية هذا التمييز عند تداول معلومات عن قواعد أجنبية أو ترتيبات للسلطة أو صفقات طاقة. فالرواية قد تبدو منسجمة مع مصالح بعض الأطراف، لكن الانسجام لا يكفي لإثباتها. ويحتاج بناء الاستنتاج إلى وثائق أو تصريحات أو خطوات عملية يمكن تتبعها.
أما القيمة الاستراتيجية المحتملة للمغرب، فتتصل بقدرته على الحفاظ على قنوات تواصل، وتقديم خبرات ومصالح قابلة للاستمرار، وتجنب التزامات تستنزف موارده أو تربط موقعه بمصير طرف واحد. فالعلاقة التي توسع الخيارات اليوم قد تتحول إلى عبء غدًا إذا لم تُحسب مخاطرها.
المعلومة والتوقيت: القوة التي لا تظهر كلها في المشهد
تحتاج إدارة هذه العلاقات إلى معرفة دقيقة بتوجهات الشركاء وحدود التزاماتهم. وهنا تبرز قيمة الاستخبارات والتحليل والدبلوماسية المتخصصة؛ إذ تساعد المعلومات الموثوقة على تقدير المخاطر، واختبار الوعود، واختيار توقيت التحرك.
ويمنح التعاون الأمني إمكانية تبادل الخبرات والمعلومات، لكن فعاليته تتوقف على تحديد مجالاته وضماناته. فالثقة بين شريكين لا تلغي استقلال مصالحهما، كما أن التعاون في ملف لا يجعل جميع المعلومات والعلاقات متاحة في بقية الملفات. وتصبح القدرة على ضبط نطاق التعاون جزءًا من حماية القرار الوطني.
وفي المقابل، لا ينبغي تحويل غياب المعلومات العلنية إلى دليل على نجاح خطط سرية مفترضة. فالصمت قد يرتبط بالتفاوض أو التحفظ أو انتظار تطور الوقائع، ولا يُعرف معناه بمجرد غياب التصريح. لذلك تُقاس فعالية السياسة بما تنتجه من نتائج، مع إبقاء مساحة واضحة لما لم تتوفر عنه أدلة كافية.
ويحفظ هذا الانضباط قوة التحليل؛ إذ يسمح بإبراز ما تحقق دون تحميله ما لم يثبت، ويجعل التحليل قادرًا على استيعاب المستجدات بدل أن يرتبط برواية مغلقة وغير مثبتة.
المسؤولية السياسية والإعلامية في صيانة الجبهة الداخلية
تحتاج استدامة المسار المغربي إلى عمل سياسي يحافظ على إمكان الاختلاف المسؤول. فالنقد الذي يكشف التعثر ويسائل التدبير يساعد على التصحيح، بينما يضعف التضليل والتخوين والتشهير قدرة المجتمع على مناقشة خياراته. وتزداد خطورة ذلك حين تتحول المنافسة الحزبية إلى طعن في الأشخاص والولاءات، أو تُستعمل الملفات الخارجية لتصفية حسابات داخلية.
وتقع على الأحزاب ووسائل الإعلام والفاعلين في المنصات الرقمية مسؤولية التحقق من الأخبار، والتمييز بين الوقائع والتأويلات، وتصحيح الخطأ عند ظهوره. فترويج الاتهامات طلبًا للانتشار قد يحقق مكسبًا عابرًا لصاحبه، لكنه يترك أثرًا أطول في الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم، ويتيح توظيف الانقسامات في حملات التحريض والتضليل.
وتكتمل هذه المسؤولية بمؤسسات تستمع وتجيب وتتيح المعلومات في وقتها؛ فالتواصل الواضح يحد من الفراغ الذي تنمو فيه الشائعة. وبهذا يُصان التماسك الداخلي بممارسة يومية تجعل الاختلاف طريقًا إلى تحسين القرار، وتمنع تحويله إلى خصومة تستنزف الثقة والمصلحة المشتركة.
من تراكم القدرات إلى رسوخ الموقع
ينتهي هذا التحليل إلى أن صعود المغرب يتوقف على قدرته على ربط عناصر قوته: إنتاج يجد أسواقًا، وموانئ تستقطب تدفقات، وشراكات تنقل معرفة، ودفاع يحمي المصالح، ودبلوماسية تحول الإمكانات إلى اتفاقات قابلة للتنفيذ. وتمنح الجبهة الداخلية هذا البناء قدرته على الاستمرار والتصحيح.
وتظل أمام هذا المسار اختبارات واضحة: سرعة الإنجاز، وتأهيل الكفاءات، والتحكم في الكلفة، وحماية الموارد، وتحويل الاستثمار إلى قيمة مضافة محلية، وضمان استفادة المواطنين. كما يحتاج التوسع الخارجي إلى ترتيب للأولويات يحول دون تشتيت الجهد بين التزامات تتجاوز القدرة المتاحة.
وبقدر نجاح المغرب في هذه الاختبارات، ستتغير حسابات الآخرين تجاهه. فالشريك سيجد منفعة أكبر في التعاون، والمنافس سيأخذ قدراته بجدية، وسيصبح الحفاظ على مصالحه جزءًا من حساب التسويات الإقليمية.
وعندئذ تتحدد قوة المغرب بقدرته على حماية استقلال قراره، وإنجاز مشروعاته، وتوسيع المصالح المشتركة حوله، وتحويل موقعه المتقدم إلى حياة أفضل داخل حدوده. فهذه هي النتيجة التي تمنح الصعود معناه، وتجعله قابلًا للاستمرار.
المغرب الذي تتشكل ملامحه اليوم يضع شركاءه وجيرانه أمام معادلة متغيرة: قدرات تتسع، وخيارات تتعدد، ومصالح تمتد إلى مجالات جديدة. لكن رسوخ هذا الموقع سيُحسم بقدرته على تحويل المشروعات إلى نتائج، والشراكات إلى معرفة وإنتاج، والنمو إلى إنصاف وفرص. وتبقى الجبهة الداخلية، بثقتها وتماسكها والتفافها حول المؤسسة الملكية، أساس استمرار هذا المسار؛ فهي التي تمنح القوة الخارجية سندها، وتجعل المواطن شريكًا في الصعود ومستفيدًا منه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق