ماذا تقول تشكيلة «حكومة المعقول» قبل إعلان برنامجها؟

 

قراءة أولية في هندسة الحقائب، واختيار المسؤولين، وتوازن الاستمرارية والتجديد.


لم تمضِ ساعات على إعلان تشكيلة الحكومة التي ترأسها فاطمة الزهراء المنصوري حتى تعددت أوصافها: «حكومة المعقول» وفق وصف رئيستها، و «حكومة الاستمرارية» أو  «إعادة تدوير النخب» أو «المحاصصة» في قراءات منتقديها. وتكشف هذه التسميات اختلاف التوقعات، لكنها لا تكفي لتقييم الفريق الجديد؛ فالمعقول يحتاج إلى التزامات ونتائج، كما أن اتهام التشكيلة بالمحاصصة يحتاج إلى فحص العلاقة بين المناصب والاختصاصات ومعايير اختيار أصحابها.


وقبل تقديم البرنامج أمام البرلمان، تتيح التشكيلة نفسها مادةً للتحليل. فالإبقاء على مسؤولين سابقين، وعودة وجوه إلى الحكومة، وتجميع قطاعات تحت سلطة وزير واحد، وتوزيع أخرى بين وزير ووزراء منتدبين، اختيارات تطرح أسئلة عن تصور العمل المقبل. لماذا استمرت هذه الأسماء؟ وما الذي يبرر إسناد القطاعات إلى المسؤولين الجدد؟ وهل تساعد هندسة الحقائب على تنسيق القرار وتسريع التنفيذ، أم تزيد تداخل الصلاحيات وتصعّب تحديد المسؤولية؟.../...


وتكتسب هذه الأسئلة أهميتها في ضوء الحاجة إلى تحسين الخدمات العمومية وفرص العمل استنادا إلى وعد إقامة الدولة الإجتماعية، واستعادة الثقة بالمحاسبة ومكافحة الفساد، وتسريع الجهوية واللاتمركز، ومواكبة التحول الرقمي. فالمطلوب معرفة ما إذا كانت التشكيلة توفر شروط معالجة هذه الأولويات، وكيف ستتوزع داخلها سلطة القرار والموارد ومسؤولية النتائج.


ينطلق هذا التحليل من قراءة أولية للأسماء والحقائب والخبرات المعلنة، للتمييز بين ما تكشفه التشكيلة وما يبقى محتاجًا إلى توضيح. أما تقييم اتساق المشروع الحكومي، فينتظر تقديم البرنامج، ومقارنته بالوعود الانتخابية والالتزامات الائتلافية، ثم بما سيُرصد لتنفيذه من ميزانيات وآجال ومؤشرات قابلة للمحاسبة.



الاستمرارية: ما الذي يستمر، ولماذا؟


أول ما تكشفه التشكيلة هو اتساع حضور المسؤولين السابقين داخل الفريق الجديد. فقد استمر وزراء الداخلية والخارجية والعدل والأوقاف والدفاع، إلى جانب مسؤولين عن قطاعات الماء والصناعة والنقل والتعليم العالي، فيما انتقل بعض الأعضاء إلى اختصاصات أوسع أو مختلفة. وهذا يجعل الاستمرارية سمة أساسية في البناء الحكومي، تحتاج إلى تفسير يتجاوز القول بالاحتفاظ بالخبرة. www.maroc.ma

فالاستمرارية قد تحمي أوراشًا طويلة الأمد من الانقطاع، وتحافظ على معرفة مؤسساتية يصعب تعويضها سريعًا. لكنها تطرح، في المقابل، سؤال المحاسبة: ما الحصيلة التي بررت الاحتفاظ بكل مسؤول؟ وما جوانب التعثر التي سيُطلب منه تصحيحها؟ وإذا كان المطلوب تغيير النتائج، فما الذي تغير في مؤهلاته وصلاحياته وموارده وطريقة عمله؟


ومن هنا لا يكفي وصف الحكومة بأنها أعادت تدوير الوجوه، كما لا يكفي الدفاع عنها بخبرة أعضائها. فالمعيار هو وجود صلة واضحة بين الحصيلة السابقة والمهمة المقبلة. ويحق للرأي العام أن يعرف لماذا استمر وزير، ولماذا غادر آخر، وما الذي يُنتظر من العائدين إلى المسؤولية. فالتعيين يكتسب معناه السياسي من الكفاءة والخبرة وقابلية صاحبه للمساءلة، لا من مجرد الثقة المعلنة فيه.


كما ينبغي توزيع مسؤولية الحصيلة السابقة بدقة. فالحكومة التي قادها التجمع الوطني للأحرار كانت ائتلافية، وشارك فيها حزبان حاضران أيضًا في الفريق الجديد. ولذلك لا يستقيم إسناد جميع إخفاقاتها إلى حزب واحد، ثم تقديم بقية المشاركين بوصفهم قادمين من خارج تجربة التدبير. وفي المقابل، لا تُنسب كل نتيجة قطاعية إلى وزير منفرد، إذا كانت قرارات التمويل والتوظيف والتنفيذ موزعة بين مؤسسات متعددة.


وتكشف هذه النقطة أهمية التمييز بين استمرارية توجهات الدولة واستمرارية الأداء الحكومي. فالحفاظ على التزامات استراتيجية أو مشروعات كبرى لا يعفي من مراجعة وسائل تنفيذها، ولا يقتضي بقاء المسؤولين أنفسهم بالضرورة. وقد يكون التغيير مطلوبًا في التنظيم أو الصلاحيات أو الرقابة، حتى حين يستمر الهدف العام دون تغيير.


أما تجديد النخب، فلا يُقاس بالسن وحده. فقد يضيف مسؤول ذو تجربة طويلة قدرةً على الإنجاز، وقد يعيد وافد شاب إنتاج الممارسات نفسها. لكن تكرر الاعتماد على دائرة محدودة من القيادات يطرح سؤالًا مشروعًا عن قدرة الأحزاب والمؤسسات على اكتشاف الكفاءات وإعدادها وفتح مسارات فعلية لترقيها. فالمطلوب توضيح كيف أُجريت المفاضلة بين الخبرات المتاحة، وبأي معايير اختير أصحاب المسؤوليات.


بهذا المعنى، تضع الاستمرارية الحكومة أمام التزام مضاعف: الاستفادة من معرفة المتعاقبين على التدبير، وإثبات أن الخبرة المتراكمة ستتحول إلى تحسن يمكن قياسه. ويصبح السؤال التالي هو ما إذا كانت هندسة الحقائب وتوزيع الاختصاصات يساعدان هؤلاء المسؤولين على العمل المنسق، أم يعيدان توزيع المواقع مع بقاء صعوبات التنفيذ والمحاسبة.



هندسة الحقائب: تكامل الاختصاصات أم توزيع المواقع؟


تظهر في التشكيلة حركتان متزامنتان: تجميع اختصاصات واسعة داخل وزارات، وتفريع مسؤوليات داخلها عبر وزراء منتدبين. فقد جُمعت الصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي في حقيبة واحدة، كما جُمعت التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، وأُسندت قطاعات محددة إلى مسؤولين منتدبين. وهذه اختيارات تنظيمية لا يُعرف أثرها من العناوين وحدها؛ إذ تتوقف فعاليتها على توزيع سلطة القرار والموارد وآليات التنسيق. www.maroc.ma


يمكن فهم التجميع بوصفه محاولة لوصل حلقات كانت موزعة بين قطاعات متعددة. فالتكوين يحتاج إلى معرفة حاجات سوق العمل، والاستثمار يحتاج إلى قاعدة صناعية ومنافذ تجارية وكفاءات. وحين تتقارب هذه الوظائف داخل قيادة واحدة، قد تصبح معالجة الاختلالات أسرع. لكن اتساع الوزارة قد يثقلها أيضًا، أو يجعل بعض ملفاتها أقل حضورًا من غيرها، إذا لم يصاحبه تنظيم واضح وقدرة فعلية على التفويض.


ويظهر هذا الاختبار بوضوح في منظومة التعليم. فقد جُمعت التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل تحت قيادة وزارية، مع توزيع ملفات على وزيرين منتدبين، بينما بقي التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار ضمن وزارة مستقلة. ويطرح هذا البناء سؤال استمرارية المسار بين المدرسة والتكوين والجامعة وسوق العمل: كيف تُنسَّق المناهج والتوجيه والجسور بين المسارات؟ وكيف تسهم الجامعة والبحث العلمي في تكوين المدرسين وتقييم الإصلاحات وتطوير طرق التعلم؟


ويشمل الاختبار أيضًا العلاقة بين المدرسة العمومية والمدرسة الخصوصية، وهي علاقة لا تحسمها عناوين الحقائب. فهل ستجعل الحكومة تحسين المدرسة العمومية وتقليص الفوارق أولوية قابلة للقياس؟ وكيف ستنظم إسهام التعليم الخصوصي، وتراقب الجودة وتحمي حقوق الأسر والعاملين فيه؟ وهل تخضع المؤسسات لتقييم يراعي اختلاف ظروفها ويكشف نتائج التعلم، بدل الاكتفاء بأعداد المسجلين ونسب النجاح؟


وتحتاج هذه الملفات إلى قيادة منسقة وتمويل واضح ومسؤوليات محددة. فالمعيار هو قدرة المتعلم على الانتقال بين مراحل تعليمية متكاملة، والحصول على تعليم جيد لا تتحدد فرصه فيه بقدرة أسرته على الأداء أو بمكان إقامته. وهنا تُختبر هندسة الوزارات بمدى خدمتها لوحدة المنظومة والإنصاف داخلها؟  www.mre.gov.ma


وإذا توزعت هذه المسؤوليات بين انتماءات حزبية مختلفة، فليس الاختلاف الحزبي خللًا في ذاته داخل ائتلاف. إنما ينشأ الخلل حين يتحول القطاع إلى مجالات نفوذ منفصلة، أو ينسب كل طرف النجاح إلى نفسه والتعثر إلى شريكه. ولذلك تحتاج الحكومة إلى برنامج قطاعي مشترك، وتفويضات منشورة، ومؤشرات تمنع تشتت المسؤولية خلف تعدد المتدخلين.


كما أن عدد أعضاء الحكومة يفتح سؤال التناسب بين حجم الفريق وحاجات التنفيذ. فلا يثبت العدد وحده وجود المحاصصة، ولا تمنح قلة الحقائب ضمانًا للكفاءة. ويُختبر الأمر بفحص وظيفة كل منصب: هل يعالج عبئًا محددًا ويملك وسائل إنجازه، أم يضيف مستوى جديدًا إلى سلسلة القرار دون قيمة واضحة؟ ثم هل توجد طريقة لتقييم الحاجة إليه ونتائج عمله؟


ومن هذه الزاوية، تبرز مفارقة تستحق التفسير: تُخصص مسؤوليات منتدبة لبعض الملفات الفرعية، بينما تبقى قضايا مغاربة العالم ضمن حقيبة الخارجية الواسعة، ولا يظهر الاتصال عنوانًا مستقلًا في اللائحة المعلنة. وغياب العنوان لا يعني غياب الجهاز الإداري، لكنه يستدعي توضيح من يقود السياسة، ومن ينسق عمل المتدخلين، ومن يتحمل المسؤولية أمام البرلمان والمواطنين.


وتصبح مراسيم الاختصاص والتفويضات المتممة للتعيينات ضرورية لفهم التشكيلة. فهي التي ستبين ما إذا كان التجميع يمنح قدرة على التحكيم، وما إذا كان التفريع يسرع التنفيذ، وكيف ستُضبط العلاقة بين الوزير والوزير المنتدب والمؤسسات التابعة لهما. أما الاكتفاء بأسماء القطاعات، فيترك احتمال التكامل واحتمال التداخل قائمين معًا.


ولذلك يبدأ اختبار «المعقول» (بتعبير فاطمة الزهراء المنصوري) من وضوح التنظيم: مهمة محددة لكل مسؤول، وموارد تناسبها، وسلطة تسمح بإنجازها، ومحاسبة تتناسب معها. وعلى هذا الأساس يمكن الانتقال من قراءة خريطة المناصب إلى سؤال أعمق: كيف تتوزع داخل الحكومة القدرة الفعلية على تحديد الأولويات وتمويلها وفرض تنفيذها؟



توزيع سلطة التنفيذ: من يحدد الأولويات ومن يتحمل النتائج؟


بعد فحص الحقائب، يبرز سؤال العلاقة بين الموقع الرسمي والقدرة الفعلية على القرار. فالوزير قد يتحمل مسؤولية قطاع أمام البرلمان والرأي العام، بينما يتوقف تنفيذ برنامجه على التمويل والتوظيف والتنسيق مع قطاعات أخرى. ولذلك تحتاج قراءة التشكيلة إلى معرفة من يملك أدوات التحكيم حين تتعارض الأولويات، وكيف تُحسم المسؤولية عند التعثر.


وتمنح استمرارية المسؤولين عن قطاعات تُوصف سياسيًا بالسيادية سندًا لقراءة الحكومة ضمن استمرار التوجهات الملكية الكبرى. لكن هذا الوصف ليس كافيًا لتحديد اختصاص كل طرف؛ إذ ينبغي التمييز بين الأدوار الدستورية، وآليات التنسيق، والممارسة التي ستكشف هامش المبادرة الحكومية. والسؤال هو كيف ستترجم رئيسة الحكومة برنامج ائتلافها إلى اختيارات منسقة، وكيف ستتابع تنفيذها وتحاسب على نتائجها.


ويكتسب إسناد الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية إلى فوزي لقجع أهمية خاصة في هذا البناء. فالجمع بين تعبئة الموارد وتوزيعها وتتبع النجاعة يتيح، من حيث المبدأ، وصل الإنفاق بالنتائج. لكنه يفتح أيضًا سؤال حدود الاختصاص: هل ستكون الوزارة مسؤولة عن توفير أدوات مشتركة للتقييم، أم ستتولى تحكيمًا أوسع في الأولويات القطاعية؟ وكيف ستتكامل مهمتها مع مسؤولية رئيسة الحكومة والوزراء عن تنفيذ البرنامج؟  www.maroc.ma


ولا يكفي الانتماء الحزبي لتفسير وزن لقجع؛ فمساره التقني ومسؤولياته في الأوراش الكبرى يدخلان في فهم موقعه. ومع ذلك، لا ينبغي أن يحل تقدير الثقة التي يحظى بها محل تحديد سلطته ومساءلته. فكل توسع في القدرة على تخصيص الموارد أو تقييم استعمالها يحتاج إلى قواعد واضحة، حتى يعرف المواطن سبب تمويل برنامج أو مراجعته، والمعيار الذي قيس به نجاحه أو إخفاقه.


وتظهر أهمية هذه المسألة في القطاعات الاجتماعية. فلا تستقيم محاسبة وزير على نقص الخدمات إذا لم تُحدد الموارد والقرارات التي كانت تحت تصرفه، كما لا يجوز له الاحتماء بنقص التمويل دون بيان كيفية استعمال المتاح وسبل وضع حد للهدر المالي ومكافحة الفساد. ويقتضي ذلك التزامات مشتركة بين المالية والقطاع المعني والمجلس الأعلى للحسابات والقضاء ورئاسة الحكومة، توضح الأهداف والكلفة والمساطر والآجال والعوائق، وتتيح التمييز بين ضعف الوسائل وضعف التدبير ومجال المراقبة ونطاقها.


ويمتد توزيع سلطة التنفيذ إلى الجهات والمصالح الترابية. فالجهوية المتقدمة تحتاج إلى مجالس تملك اختصاصات وموارد وقدرة على اتخاذ القرار، واللاتمركز الإداري يحتاج إلى نقل فعلي للصلاحيات من الإدارات المركزية إلى مصالحها الجهوية. وقد سبق للرسالة الملكية إلى المناظرة الثانية للجهوية المتقدمة أن سجلت تأخر معظم القطاعات الوزارية في تفعيل هذا النقل، بما يؤثر خصوصًا في تدبير الاستثمار. www.maroc.ma


ومن ثم فإن استمرار وزير الداخلية المسؤول عن هذا الورش يستدعي توضيح ما سيتغير: ما القرارات التي ستُتخذ جهويًا؟ وما الموارد التي سترافقها؟ وما الآجال الملزمة؟ وكيف ستُقيَّم النتائج؟ فإحداث منصة رقمية أو مصلحة جهوية لا يحقق اللامركزية إذا بقي الملف ينتظر موافقة المركز في مراحله الحاسمة.


وعلى هذا الأساس، تُقرأ النجاعة العمومية باعتبارها سؤالًا عن توزيع القرار بقدر ما هي سؤال عن سرعة الإنجاز. ويظل الحكم معلقًا على ما ستقدمه الحكومة من قواعد للتنسيق والتفويض والتقييم؛ فالمسؤولية تصبح قابلة للمحاسبة حين يعرف كل طرف ما يملكه من سلطة، وما يُنتظر منه، وما يترتب على إخفاقه.



الدولة الاجتماعية: هل تتوافر أدوات الوفاء بالوعود؟


يظهر التعليم والصحة والشغل والحماية الاجتماعية ضمن الحقائب المعلنة، لكن حضورها لا يكفي لمعرفة موقعها الفعلي في ترتيب الأولويات. فالاختبار يبدأ حين تتنافس البرامج على الموارد، وحين يلزم الاختيار بين توسيع التغطية وتحسين جودة الخدمة، وبين إطلاق مشروعات جديدة واستكمال ما تعثر منها. وهنا ستكشف الميزانية والقرارات التنفيذية مقدار الانسجام بين الخطاب الاجتماعي وأدوات تحقيقه.


وفي التعليم، يتجاوز التحدي توزيع الملفات بين المسؤولين إلى بناء مسار متصل من التعليم الأولي إلى الجامعة والتكوين والعمل. كما يقتضي تحديد ما ستلتزم به الحكومة تجاه المدرسة العمومية، وكيف ستنظم إسهام التعليم الخصوصي وتراقب جودته. ولا يكفي قياس الإصلاح بأعداد المؤسسات والتلاميذ؛ إذ يحتاج إلى معرفة ما يتعلمه الطفل، والفوارق بين المناطق والفئات، وقدرة النظام على منع الانقطاع ومعالجة صعوبات التعلم.


أما الصحة والحماية الاجتماعية، فتحتاجان إلى التمييز بين الحق المسجل والخدمة المتاحة. فاتساع الاستفادة من التغطية لا يضمن وحده موعدًا قريبًا أو دواءً متوافرًا أو مسار علاج يمكن تحمّل كلفته. ولذلك ينبغي أن يوضح البرنامج كيف ستتقابل التغطية مع العرض الصحي، وكيف ستُوزع الموارد البشرية والتجهيزات، وما الذي سيخضع لتقييم معلن على مستوى كل مجال ترابي.


وفي الشغل، لا تملك الوزارة المختصة أدوات الحل منفردة. فخلق فرص العمل يتصل بالاستثمار والإنتاج والتمويل والتكوين والطلب، كما تتصل جودتها بالأجور والحماية والاستقرار واحترام الحقوق. ومن ثم يحتاج توزيع الحقائب إلى برنامج مشترك يحدد إسهام كل قطاع، ويمنع اختزال المسؤولية في وزير يُحاسب على نتائج قرارات موزعة بين جهات متعددة.


ويطرح اختيار المسؤول عن القطاع سؤال طبيعة الكفاءة المطلوبة. فالطبيب يتخصص في التشخيص والعلاج، بينما تتطلب قيادة المنظومة الصحية مهارات إضافية في التخطيط، وتنظيم المؤسسات، وتدبير الموارد البشرية والميزانيات والتجهيزات والمشتريات، وتقييم جودة الخدمات وتوزيعها. وقد يجمع شخص بين الكفاءتين، لكن إحداهما لا تثبت الأخرى تلقائيًا.


ولذلك ينبغي تقييم الاختيار الوزاري بحسب الخبرة المثبتة في قيادة المؤسسات وإدارة التحول، وقدرة المسؤول على بناء فريق متكامل من التخصصات الطبية والتدبيرية والمالية. فنجاح القطاع يحتاج إلى وصل القرار العلاجي بالتنظيم والتمويل، وتحويل الموارد المتاحة إلى خدمات جيدة ومنصفة يمكن قياس نتائجها.


وتتيح هذه العلاقة فحص توزيع القطاعات الاجتماعية بين مكونات الائتلاف. فقد يُفهم إسنادها إلى أحزاب ذات خطاب اجتماعي بوصفه التزامًا بتحويل برامجها إلى ممارسة. لكنه يثير أيضًا سؤال التناسب بين المسؤولية السياسية والقدرة الفعلية: هل ستملك هذه الأحزاب وسائل الإنجاز والتحكيم، أم ستتحمل الواجهة أمام المواطنين دون امتلاك الأدوات الكافية بإحداث الأثر والتغيير؟


ولا يمكن الجزم من التشكيلة وحدها بأن الغرض هو تحميل أطراف بعينها كلفة الفشل. لكن منع هذا الاحتمال يقتضي التزامات حكومية مشتركة وواضحة: ما الذي يخص الوزير، وما الذي تتحمله رئاسة الحكومة والمالية، وكيف تُعالج الخلافات؟ وفي المقابل، تتحمل الأحزاب المشاركة مسؤولية قبول المهام وشروط تنفيذها، ولا يكفيها لاحقًا الاحتجاج بقيود لم تعمل على توضيحها أو تغييرها.


ومن هنا يعود سؤال «المغرب بين سرعتين»: هل تستطيع الحكومة تقريب تحسن الحياة اليومية من وتيرة الاستثمار في البنيات والمشروعات الكبرى؟ فهذه المشروعات قد تدعم التشغيل والموارد والخدمات، لكن أثرها الاجتماعي يحتاج إلى آليات تصلها بالأسر والمقاولات المحلية والمجالات الأقل استفادة. ولا يصح افتراض تحقق هذا الأثر تلقائيًا، كما لا يصح إنكار منفعتها قبل تقييمها.


وعند تقديم البرنامج، سنحتاج إلى أجوبة تتجاوز إعلان النيات: أهداف محددة، وكلفة وتمويل، وآجال تنفيذ، ومؤشرات تقيس الفوارق وجودة الخدمة، وتقارير تتيح التصحيح. عندها يمكن معرفة ما إذا كانت التشكيلة قد أُعدت لتنفيذ التزامات قابلة للمحاسبة، أم أن توزيع الحقائب سبق الاتفاق على مضمون العمل المشترك.


وتتصل القدرة على الوفاء بهذه الوعود بسؤال الثقة في المؤسسات: فالمواطن يريد خدمة أفضل، ويريد أيضًا الاطمئنان إلى أن الموارد تُدبّر بنزاهة، وأن القانون يحمي حقوقه ويسري على الجميع. 



إصلاح الإدارة والذكاء الاصطناعي: تغيير طرق العمل قبل رقمنتها


يستحق الجمع بين الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة قراءة خاصة؛ إذ يمكن أن يتيح معالجة مترابطة للإجراءات والبيانات والخدمات. لكنه قد يقتصر على تجاور الاختصاصات إذا لم يجمع المسؤولين برنامج واحد يحدد ما سيتغير، وكيف، وبأي موارد وآجال.


وتبدأ المسألة بالتمييز بين رقمنة الإجراء وإصلاحه. فنقل ملف ورقي إلى منصة إلكترونية لا يلغي تعدد الموافقات أو غموض المسؤوليات أو طلب وثائق متكررة. وقد يجد المواطن نفسه أمام تعقيد إضافي إذا اضطر إلى استعمال المنصة ثم متابعة الملف حضوريًا. لذلك يحتاج الإصلاح إلى مراجعة ضرورة كل إجراء، وتحديد الجهة المسؤولة عنه، وتقليص حلقات القرار، وإتاحة تتبع الطلب والطعن في القرارات.


ويتصل هذا الورش بمحاربة الرشوة. فتقليص الاتصال غير الضروري، وتوثيق مراحل المعالجة، ووضوح المعايير والآجال، يمكن أن يحد من فرص الابتزاز. لكن الرقمنة لا تضمن النزاهة تلقائيًا؛ إذ قد ينتقل التحكم إلى منح صلاحيات الولوج أو ترتيب الملفات أو تعديل البيانات. ومن ثم تحتاج الأنظمة إلى مراقبة وتدقيق وحماية للمبلغين، مع ضمان خدمة الأشخاص الذين يصعب عليهم استعمال الوسائل الرقمية.


وفي هذا السياق، يثير إسناد إصلاح الإدارة إلى عائشة الكلاع سؤال ملاءمة الخبرة للمهمة. فمسارها المنشور يبرز الممارسة القانونية والتجربة البرلمانية والعمل الحقوقي؛ وهي مؤهلات قد تفيد في حماية المرتفقين ومراجعة النصوص، لكنها لا تثبت وحدها تجربة تنفيذية في إعادة تنظيم الإدارات والتسيير المالي وتدبير الموارد البشرية وتقييم الأداء.snrtnews.com  ولذلك نحتاج إلى معرفة الفريق المتخصص الذي سيسندها، والصلاحيات التي ستملكها، وكيف ستنسق عمل قطاعات تحتفظ كل منها بهياكلها ومصالحها.


أما أحمد رحو، فيملك تكوينًا هندسيًا في البوليتكنيك والاتصالات، وتجربة في المعلوميات والاستشارة التنظيمية وقيادة المؤسسات. وهذا يمنح تعيينه صلة مهنية بالتحول الرقمي والتدبير، دون أن يكفي لإثبات امتلاك رؤية وطنية متكاملة للذكاء الاصطناعي. conseil-concurrence.ma


فالسياسة المطلوبة تتجاوز اقتناء التطبيقات إلى تكوين الكفاءات، ودعم البحث والابتكار، وتنظيم استعمال البيانات، وحماية الخصوصية، وتقييم الاعتماد على الموردين. وتحتاج كذلك إلى تحديد المسؤولية حين تؤثر الأنظمة الآلية في حقوق الأشخاص أو فرصهم، وضمان إمكان مراجعة قراراتها والاعتراض عليها.


ولا يُشترط أن يكون الوزير باحثًا متخصصًا في جميع هذه المجالات، لكن عليه امتلاك القدرة على فهم الخيارات، واختيار الخبراء، ومقارنة الكلفة والمنفعة، وتحديد الأولويات. ويصبح السؤال عن مؤهلاته أكثر دقة حين يُربط بما سيقدمه من استراتيجية وفريق وضمانات ومؤشرات، بدل الاكتفاء بالشهادات أو المسار السابق.


ويظل اختبار العلاقة بين المسؤولين حاسمًا: هل سيقود إصلاح الإدارة إعادة تصميم الخدمات التي ستُرقمن، وهل ستُبنى البيانات والأنظمة وفق احتياجاتها؟ أم سيشتغل كل طرف في مسار مستقل؟ وتظهر قيمة الهيكلة حين يلمس المواطن أثرها في وثائق أقل، وآجال أقصر، وقرارات أوضح، وإمكان تتبع ملفه ومساءلة المسؤول عنه. عندها يكتسب إدراج الذكاء الاصطناعي وإصلاح الإدارة في التشكيلة معنى يتجاوز حداثة العنوان.



حقوق الإنسان والإعلام: وضوح المسؤولية وضمانات الاستقلال


تطرح قراءة التشكيلة سؤال موقع حقوق الإنسان والسياسة الإعلامية داخل العمل الحكومي. فعدم تخصيص حقيبة مستقلة لا يعني إلغاء الاختصاص، لكنه يستدعي توضيح الجهة التي تقود السياسة، والموارد الموضوعة تحت تصرفها، وكيفية مساءلتها عن النتائج.


في مجال حقوق الإنسان، توجد المندوبية الوزارية المختصة، وقد أُلحقت برئيس الحكومة بموجب إعادة تنظيمها سنة 2025. ويمكن لهذا الموقع أن يعزز التنسيق بين القطاعات، إذا اقترن بقدرة فعلية على تتبع التزاماتها ومعالجة الاختلالات. أما إذا اقتصر دورها على إعداد التقارير والأجوبة، فقد تتسع المسافة بين الدفاع عن الحصيلة وتغيير الممارسة.  ww.didh.gov.ma


ومن هنا يحتاج البرنامج المقبل إلى بيان كيفية إدماج الحقوق في السياسات العمومية، وتتبع تنفيذ التوصيات، والتفاعل مع الشكايات والمجتمع المدني. كما ينبغي التمييز بين مسؤولية الحكومة عن سياستها الحقوقية، وأدوار مؤسسات الرقابة التي تستمد فعاليتها من استقلالها وقدرتها على المساءلة. فوجود جهاز متخصص لا يعوض التزام بقية القطاعات، ولا يجوز أن يجعل الحقوق ملفًا معزولًا عن تدبيرها اليومي.


أما الإعلام، فلا يظهر الاتصال في عنوان وزارة الشباب والثقافة والرياضة ضمن اللائحة المعلنة، بينما أُسندت مهمة الناطق الرسمي إلى وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة. وهذا يستوجب انتظار توزيع الاختصاصات لمعرفة الموقع الإداري والسياسي للقطاع، دون استنتاج إلغائه من غياب التسمية وحدها. www.maroc.ma


وتقتضي المسألة فصلًا واضحًا بين التواصل الحكومي والسياسة العمومية للإعلام. فالناطق الرسمي يشرح القرارات ويجيب عن الأسئلة، بينما يتعلق تدبير القطاع بالتشريع والدعم والتكوين وتطوير المؤسسات وشروط ممارسة المهنة. ولا ينبغي أن يتحول الجمع بين المهمتين، حيث يقع، إلى اعتبار الصحافة امتدادًا لجهاز التواصل الحكومي.


ويُنتظر من الحكومة توضيح رؤيتها لاستدامة المؤسسات الصحافية، واستقلاليتها، وشفافية توزيع الدعم، وحماية حقوق العاملين، والتعددية، والولوج إلى المعلومات. كما يطرح التحول الرقمي تحديات تتعلق بنماذج التمويل وهيمنة المنصات وانتشار المحتوى المضلل على وسائل التواصل الاجتماعي وكيفية محاربته؛ وهي تحتاج إلى معالجة تحمي حرية التعبير وتتيح المساءلة عن المخالفات المحددة، بضمانات واضحة وقرارات قابلة للطعن.


ويلتقي الملفان في علاقة المواطن بالمؤسسات. فحماية الحقوق تحتاج إلى إمكان كشف الاختلال، والصحافة تحتاج إلى المعلومات والضمانات التي تسمح لها بالفحص والنقد والاستقصاء. لذلك يُختبر موقعهما في الحكومة بما سيُتاح لهما من صلاحيات وموارد واستقلال في أداء الوظائف، وبمدى تحول الالتزامات المعلنة إلى ممارسة يمكن متابعتها ومساءلتها.



من التشكيلة إلى البرنامج ثم الميزانية


تسمح التشكيلة الجديدة القديمة بقراءة أولية لاختيارات الحكومة، لكنها لا تكفي للحكم على مشروعها. فقد كشفت استمرارية واسعة في الأسماء، وتجديدًا انتقائيًا، وتجميعًا لاختصاصات وتفريعًا لأخرى، وتركت أسئلة عن معايير الاختيار وحدود الصلاحيات والتنسيق والمحاسبة. وهذه أسئلة ينتظر أن تجيب عنها الوثائق والقرارات المقبلة.


وستبدأ المرحلة الثانية من التقييم عند تقديم البرنامج أمام البرلمان: ما الأولويات التي ستلتزم بها الحكومة؟ وما الذي احتفظت به من الوعود الانتخابية، وما الذي عدلته بفعل التوافق الائتلافي؟ وهل ستحدد أهدافًا وآجالًا ومسؤوليات تتيح متابعة الإنجاز؟


ثم تأتي الميزانية بوصفها اختبارًا ماليًا لهذه الالتزامات. فترتيب الإنفاق وتعبئة الموارد يكشفان الأولويات بصورة أدق، ويتيحان مقارنة الوعود بالوسائل المرصودة لتحقيقها، مع مراعاة الالتزامات السابقة وهوامش القرار المتاحة للحكومة الجديدة.


وإلى ذلك الحين، يبقى وصف «حكومة المعقول» وعدًا سياسيًا ينتظر مضمونه التنفيذي. كما تبقى أوصاف «إعادة التدوير» و«المحاصصة» فرضيات نقدية تُختبر بمعايير الاختيار والتنظيم والممارسة. أما الحكم المنصف، فيُبنى تدريجيًا: تشكيلة نقرأ اختياراتها، وبرنامج نفحص التزاماته، وميزانية نزن بها صدقية الأولويات، ثم نتائج تُرتب عليها المحاسبة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق