عن مجتمع يلعن الفساد في القمة ويمارسه في التفاصيل اليومية
كثيرًا ما تُطرح أزمة الثقافة في العالم العربي من زاوية غياب المثقف. يقال إن المثقف انسحب، أو صمت، أو تراجع، أو فقد تأثيره، أو حل محله المؤثر السريع، والخطيب الشعبوي، والناشط الرقمي، وصانع الضجيج. غير أن هذا التشخيص، على وجاهته، يبقى ناقصًا ما لم نسأل سؤالًا أعمق: أي مثقف غاب؟ وما الدور الذي كان ينبغي أن ينهض به؟ وهل كانت أزمة الثقافة فعلًا نتيجة غياب المثقف، أم نتيجة اختزال وظيفته في نقد السلطة وحدها، وترك المجتمع خارج دائرة المساءلة؟
لقد تشكلت صورة المثقف في المخيال العربي الحديث، في الغالب، بوصفه صوتًا معارضًا للسلطة: يفضح الاستبداد، وينتقد الفساد، ويدافع عن الحريات، ويقف في وجه القمع، وينحاز إلى المقهورين. وهذا دور ضروري لا يمكن التقليل من شأنه؛ فلا ثقافة حية دون مساءلة السلطة، ولا كرامة سياسية دون نقد الاستبداد، ولا إصلاح للدولة دون كشف أعطابها. غير أن المأزق بدأ حين جرى اختزال المثقف في هذا الدور وحده، كأن المجتمع بريء دائمًا، وكأن السلطة فاسدة وحدها، وكأن الشعب ضحية مطلقة لا يشارك، من حيث يدري أو لا يدري، في إنتاج جزء من الفساد الذي يشتكي منه.../...
هنا وقعت الثقافة العربية في نصف الحقيقة. ونصف الحقيقة، في قضايا الإصلاح، قد يكون أخطر من الكذب الصريح. فقد نشأ مثقف يجيد نقد الدولة، لكنه يتحاشى نقد المجتمع. يرفع صوته حين يتعلق الأمر بفساد السلطة، لكنه يخفضه حين يتعلق الأمر بفساد السلوك اليومي. ينتقد القمع من أعلى، لكنه يتردد في فضح الاستبداد الصغير الذي يمارسه الناس في بيوتهم، وشوارعهم، وإداراتهم، وجمعياتهم، وانتخاباتهم، وعلاقاتهم اليومية. والسبب واضح: نقد السلطة يمنح المثقف شعبية، أما نقد المجتمع فقد يكلفه تلك الشعبية.
ومن هنا يبدأ الفشل الذريع. فحين يكتفي المثقف بنقد السلطة وحدها، يتحول إلى محامٍ عن المجتمع لا شاهد عليه. وحين يخاف من مصارحة الناس بأعطابهم، يفقد وظيفته الأخلاقية. وحين يجعل الجمهور دائمًا في موقع البراءة، والسلطة دائمًا في موقع الإدانة، فإنه لا يبني وعيًا إصلاحيًا، بل ينتج خطابًا منافقا يريح الجمهور من مسؤولية النظر في المرآة. وهكذا يتحول النقد من أداة تحرير إلى خطاب زور ووسيلة تبرئة جماعية.
يختصر القول الشائع: “كما تكونون يُولّى عليكم” جزءًا من هذه العلاقة الخفية بين المجتمع والسلطة. وبصرف النظر عن النقاش الحديثي حول صحّته، فإن معناه السياسي والأخلاقي يظل بالغ الدلالة: فالسلطة لا تنشأ دائمًا فوق مجتمع بريء من أعطابها، ولا يستقيم نقد الدولة إذا جرى بمعزل عن نقد المجتمع الذي ينتج الفساد، أو يتسامح معه، أو يستفيد منه حين تتاح له الفرصة. ومن هنا يصبح نقد المجتمع شرطًا من شروط إصلاح السلطة، لا هروبًا من مسؤولية الدولة ولا تبريرًا لانحرافها.
ففساد السلطة لا ينزل من السماء، ولا يعيش في فراغ. صحيح أن السلطة تملك القرار والمال والقانون وأجهزة التنفيذ، ولذلك تظل مسؤوليتها أعظم وأخطر. لكن المجتمع ليس دائمًا كتلة طاهرة محاصرة بالفساد من الخارج. ففي كثير من الأحيان، يكون الفساد شبكة تبدأ من القمة وتمتد إلى القاعدة، أو تبدأ من القاعدة وتجد في القمة من يحتضنها ويوظفها. وحين يصبح المواطن مستعدًا لبيع صوته، ودفع الرشوة، وطلب الوساطة، وكسر الطابور، وتلويث الشارع، واحتكار المرفق العام الصغير، فإن الحديث عن فساد السلطة وحدها يصبح حديثًا ناقصًا، بل مضللًا.
سألتني ابنتي يومًا سؤالًا بسيطًا في عبارته، عميقًا في دلالته: لماذا يحترم الإنسان في أوروبا القانون، ويعيش في فضاء أكثر تنظيمًا وحرية وطمأنينة، بينما لا يعير كثير من الناس في مجتمعاتنا العربية اهتمامًا كافيًا للقانون، بدءًا من قانون السير، ونظافة الشارع، واحترام الدور، وطريقة التواصل؟
كان السؤال بريئًا، لكنه كان يختصر مأزقًا حضاريًا كاملًا. قلت لها: لأن الإنسان لا يكون حرًا بمجرد أن يطالب بالحرية، بل حين يتعلم أن حريته تنتهي عند حرية غيره. ولأن المواطن الذي لا يحترم القانون في التفاصيل الصغيرة لا يستطيع أن يبني دولة عادلة في القضايا الكبرى. ولأن من لا يحترم الآخرين، لا يستطيع أن ينتظر من الدولة أو المجتمع أن يحترماه.
ليست أوروبا جنة أخلاقية، ولا مجتمعاتها بلا فساد أو نفاق أو أعطاب. لكنها راكمت، عبر التاريخ والمؤسسات والقانون والتربية المدنية، حدًا أدنى من احترام القاعدة العامة. هناك صار القانون، في الغالب، ثقافة يومية قبل أن يكون عقوبة. أما في مجتمعاتنا، فكثيرًا ما ينظر المواطن إلى القانون بوصفه عائقًا حين يحد من مصلحته، وملجأ حين يحميه من ظلم غيره. يريد قانونًا صارمًا على الآخرين، مرنًا معه. يريد دولة قوية حين يحتاج إلى حمايتها، ضعيفة حين تعترض أنانيته.
ولا يقف فساد المجتمع عند إهمال قانون السير، أو تلويث الفضاء العام، أو سوء التواصل، أو الاعتداء اليومي على حقوق الآخرين في الطابور والشارع والمرفق العام. فهناك وجه أخطر لهذا الفساد حين يتحول المواطن نفسه إلى شريك صغير في إفساد الدولة التي يشتكي منها. يبيع صوته في الانتخابات، ثم يلعن فساد المنتخبين. يدفع الرشوة للحصول على خدمة هي في الأصل من حقه، ثم يشتكي من الإدارة الفاسدة. يبحث عن الوساطة لتجاوز غيره، ثم يتحدث عن غياب تكافؤ الفرص. يرفض احترام القانون حين يكون القانون عائقًا أمام مصلحته، ثم يستدعي دولة القانون حين يصبح هو ضحية خرق القانون.
هذا النمط من المواطنين يعيش بوجهين: وجه معلن يخاف الدولة حين تكون قوية، ووجه خفي يتمنى إضعافها حين تعرقل أنانيته ومصالحه الصغيرة. يريد دولة تحميه من الآخرين، لكنه لا يريد دولة تمنع ظلمه للآخرين. يريد إدارة نزيهة حين يدخلها طالبًا حقه، لكنه لا يتردد في تلويثها بالرشوة أو الوساطة حين يريد امتيازًا. يريد قانونًا يطبق على غيره، لا قانونًا يساويه بهم. وهذه الازدواجية هي أحد أعمق وجوه النفاق المدني في مجتمعاتنا.
والأخطر أن هذا السلوك كثيرًا ما يتعايش مع تدين ظاهري لا ينعكس في احترام الناس، ولا في الوفاء بالحقوق، ولا في نظافة اليد واللسان. فيصبح للإنسان وجهان: وجه يتعبد به لله في الليل، ووجه آخر يواجه به الدولة والمجتمع في النهار؛ يصلي ويدعو، لكنه لا يرى في احترام القانون جزءًا من العبادة، ولا في صيانة المال العام أمانة، ولا في احترام الطريق والبيئة والآخرين خلقًا دينيًا ومدنيًا. وهنا تبلغ الأزمة قمتها: حين ينفصل التدين عن الضمير، ويتحول الدين إلى طقس فردي لا يثمر مواطنة ولا عدلًا ولا تقوى ولا احترامًا للغير.
وتتجلى الازدواجية نفسها في قضية النظافة. فكثير من الناس يرددون شعار “النظافة من الإيمان”، لكنهم يفهمون النظافة فهمًا أنانيًا ضيقًا: ينظف أحدهم بيته، ثم يلقي الأزبال في الشارع؛ يحرص على عتبة منزله، ثم لا يعنيه أن تتسخ الطريق، أو الحي، أو الحديقة، أو جنبات المسجد، أو الشاطئ، أو الفضاء العام. كأن الإيمان بالنظافة ينتهي عند باب البيت، ولا يمتد إلى المدينة والبيئة وحق الآخرين في فضاء نظيف. وهذه ليست مجرد عادة سيئة، بل خلل أخلاقي ومدني؛ لأن من ينقل القذارة من بيته إلى الشارع لا يكون قد نظف، بل يكون قد صدّر أوساخه إلى المجتمع.
ومن مظاهر الفساد اليومي كذلك عدم احترام الدور عند ولوج الإدارات والمرافق العمومية. فالطابور، في ظاهره، مجرد ترتيب للانتظار، لكنه في جوهره إعلان مدني بأن الناس متساوون أمام الخدمة، وأن السابق له الأولوية، وأن الفقير والغني، والضعيف وصاحب النفوذ، يقفون أمام المرفق العام على قدم واحدة. غير أن هذه القاعدة البسيطة تنهار حين يتقدم من يدفع، أو من يعرف موظفًا، أو من يملك نفوذًا، أو من يستعمل قرابة أو وساطة، فيستفيد من الخدمة قبل من سبقوه وانتظروا دورهم.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بسوء تنظيم، بل بإهانة صريحة لفكرة المساواة. فحين يرى المواطن البسيط أن دوره يُسرق أمام عينيه، وأن صبره واحترامه للنظام لا قيمة لهما أمام المال أو المعرفة أو النفوذ، فإنه لا يفقد الثقة في موظف واحد فقط، بل في الدولة كلها. لأن الدولة، بالنسبة إليه، لا تظهر أولًا في الدستور والخطب والبرامج الكبرى، بل تظهر في الشباك، والطابور، والمستشفى، والمدرسة، والبلدية، ومركز الشرطة، والمرفق اليومي الذي يلامس كرامته مباشرة.
وهنا نحتاج إلى ما يسميه بعضهم في الثقافة الأنجلوساكسونية “السخط المقدس”: ذلك الغضب الأخلاقي النبيل الذي لا يصدر عن حقد أو فوضى، بل عن إحساس عميق بأن الظلم الصغير لا ينبغي أن يصبح عادة، وأن المساواة لا تتحقق بالخطب، بل بالدفاع اليومي عن القواعد العادلة. فالمجتمع الذي لا يغضب حين يُكسر الطابور، ولا يحتج حين تُباع الخدمة العمومية بالوساطة، ولا يشعر بالإهانة حين يُقدم صاحب النفوذ على صاحب الحق، هو مجتمع يدرّب نفسه بصمت على قبول اللامساواة.
والأخطر من هذا أن بعض أشكال الفساد لم تعد تكتفي بتلويث الشارع أو كسر الدور، بل صارت تلوث المرفق العمومي نفسه. فحين تبني الجماعات الترابية ملاعب ومرافق رياضية للقرب من المال العام، ثم تسلمها إلى جمعيات يفترض أن تدبرها لخدمة الشباب، يحدث أحيانًا أن تتحول هذه المرافق إلى مصدر ريع صغير. فيُمنع أبناء الحي من الولوج الحر أو المنظم إليها إلا بمقابل يدفع لمسؤول أو وسيط، بغير وجه حق، وكأن المرفق الذي أُنشئ بمال الدولة والجماعة لفائدة المواطنين صار ملكية خاصة لجمعية أو أفراد.
وهنا نكون أمام فساد محلي شديد الخطورة، لأنه يمس الثقة في أبسط صور الخدمة العمومية. فالملعب الذي كان يفترض أن يحمي الشباب من الفراغ والانحراف، يتحول إلى باب جديد للتمييز والابتزاز. والمرفق الذي بُني باسم القرب، يصبح بعيدًا عن الفقراء. والجمعية التي يفترض أن تؤطر، تتحول إلى مقاولة ريعية صغيرة. وبذلك ينتقل الفساد من الإدارة الكبرى إلى الحي، ومن الصفقات العمومية إلى ملعب القرب، ومن الدولة المركزية إلى الوسيط المحلي الذي يتصرف في حق الناس كما لو كان امتيازًا شخصيًا.
وهذا النوع من الفساد أكثر إيذاءً مما يبدو، لأنه يقتل معنى المصلحة العامة في وجدان الشباب. فالطفل أو الشاب الذي يرى ملعبًا عموميًا مغلقًا في وجهه إلا بالدفع غير المشروع، يتعلم مبكرًا أن الحق لا يكفي، وأن المال أو العلاقة أو الوساطة هي التي تفتح الباب. وهكذا لا نكون أمام مجرد سوء تدبير لمرفق رياضي، بل أمام تربية معكوسة على الفساد، تنتج مواطنًا فاقد الثقة في القانون، قبل أن يبلغ سن التصويت أو العمل.
بهذا المعنى، لا يعود الفساد مجرد ظاهرة فوقية مرتبطة بالوزارات والصفقات والانتخابات الكبرى، بل يصبح ثقافة يومية تتسرب إلى البيت والشارع والحي والجمعية والمرفق الرياضي. وحين يصير المواطن قادرًا على تبرير رمي الأزبال في الشارع، أو بيع صوته، أو دفع الرشوة، أو عدم احترام قانون السير، أو احتكار ملعب عمومي صغير، فلا معنى بعد ذلك لأن يتحدث عن فساد الدولة كما لو كان هو بريئًا تمامًا من إنتاجه. فالدولة الفاسدة لا تنشأ دائمًا فوق مجتمع نقي، بل كثيرًا ما تجد في المجتمع نفسه قابلية للفساد واستعدادًا للتواطؤ معها، أو تقليدها، أو الاستفادة من فسادها حين تتاح الفرصة.
وهنا يظهر الدور الحقيقي للمثقف. ليس دوره أن يصفق للمجتمع حين يهاجم السلطة، ولا أن يتحول إلى موظف رمزي في خدمة الدولة حين تنتقد المجتمع. دوره أن يقف في المسافة الصعبة بينهما: ناقدًا للسلطة حين تنحرف، وناقدًا للمجتمع حين يكذب على نفسه. فالمثقف ليس ممثلًا انتخابيًا يبحث عن الأصوات، ولا داعية شعبويًا يبحث عن التصفيق، ولا موظفًا دعائيًا يغطي على الفشل. إنه ضمير نقدي، وإذا فقد هذا الضمير شجاعة إزعاج الجمهور، لم يعد مثقفًا بالمعنى العميق، بل صار صانع خطاب مريح.
لقد فشل كثير من المثقفين لأنهم بنوا حضورهم على خصومة سهلة مع السلطة، لا على مشروع صعب لتربية المجتمع وتغيير العقليات. والخصومة مع السلطة قد تكون ضرورية ومكلفة أحيانًا، لكنها في حالات كثيرة تمنح صاحبها شرعية سريعة. أما نقد المجتمع، فهو أكثر تعقيدًا؛ لأنه يواجه الناس بعاداتهم، ومصالحهم الصغيرة، وتناقضاتهم، وتدينهم الشكلي، وسلوكهم اليومي. ولذلك يهرب كثيرون منه. فمن السهل أن تقول للناس إن الدولة ظالمة، لكن من الصعب أن تقول لهم إنهم يشاركون في صناعة الظلم حين يبيعون أصواتهم، ويدفعون الرشوة، ويحتقرون القانون، ويطلبون الوساطة، ويلوّثون فضاءهم المشترك.
لكن الثقافة التي لا تقول هذا الكلام لا تصلح شيئًا. إنها تفضح نصف المرض وتخفي نصفه الآخر. وبهذا المعنى، كان الفشل ذريعًا على أكثر من مستوى: فشل في بناء مواطنة مسؤولة، وفشل في تحويل التدين إلى أخلاق مدنية، وفشل في جعل القانون قيمة يومية، وفشل في تكوين رأي عام يغضب للحق لا للمصلحة، وفشل في إنتاج مثقف قادر على الجمع بين نقد السلطة ونقد المجتمع.
إن السخط المقدس الذي نحتاج إليه اليوم في مجتمعاتنا ليس غضبًا أعمى، ولا حقدًا اجتماعيًا، ولا شماتة في الناس، بل غضب أخلاقي من أجلهم، لا ضدهم. هو أن نغضب حين يُهان الحق، ولو في طابور صغير. أن نغضب حين يتحول ملعب القرب إلى ريع. أن نغضب حين تُرمى الأزبال في الشارع باسم حرية جاهلة. أن نغضب حين يُباع الصوت الانتخابي، أن نرفع الصوت حين توزع الأحزاب التزكيات بمبالغ خيالية، وأن نصرخ حين تُشترى الخدمة العمومية بالرشوة، وحين تتحول الوساطة إلى قاعدة. فهذا الغضب المقدس ليس ترفًا أخلاقيًا، بل شرط من شروط المساواة.
ولذلك فإن أزمة الثقافة ليست فقط في غياب المثقف الذي ينتقد السلطة، بل في غياب المثقف الذي يملك هذا السخط المقدس. المثقف الذي لا يخاف من السلطة، ولا يخاف من المجتمع. المثقف الذي لا يبيع الحقيقة مقابل شعبية، ولا يسكت عن فساد الناس حتى لا يخسر جمهورًا، ولا يجعل النقد سلعة رمزية يستثمرها في صناعة صورته. فالمثقف الحقيقي لا يكتفي بأن يكون ضد الظلم حين يصدر من فوق، بل يكون ضده حين يصدر من تحت أيضًا.
ولا يعني ذلك تبرئة السلطة، ولا تحميل المجتمع وحده مسؤولية الخراب. فالسلطة تبقى صاحبة المسؤولية الكبرى، لأنها تملك أدوات القانون والمحاسبة والتربية والمؤسسات. لكنها لن تنجح في بناء دولة عادلة فوق مجتمع يكره القانون حين يحد من أنانيته. كما أن المجتمع لن يتحرر من أعطابه إذا ظل يطلب من المثقف أن يمدحه دائمًا، وأن يلعن السلطة وحدها، وأن يحجب عنه صورته القبيحة في المرآة.
في النهاية، لا حرية بلا إنسان يفقه معنى الجرية، ولا ديمقراطية بلا مواطن ديمقراطي، ولا دولة قانون بلا مجتمع يحترم القانون، ولا إصلاح للسلطة دون إصلاح المجتمع الذي ينتج نخبها، وينتخب ممثليها، ويتعامل مع إداراتها، ويغذي فسادها الصغير والكبير. ولهذا فإن مهمة المثقف ليست أن يكون بوقًا للسلطة ولا محاميًا أعمى عن المجتمع، بل أن يكون شاهدًا مزعجًا على الاثنين معًا.
فالإصلاح لا يبدأ حين نلعن الفساد في القمة فقط، بل حين نراه أيضًا في المرآة. وحين يملك المثقف شجاعة أن يقول للمجتمع: أنت لست بريئًا بالكامل مما تشتكي منه، عندها فقط يبدأ النقد الحقيقي. أما قبل ذلك، فسنظل ندور في الحلقة نفسها: سلطة تُدان، ومجتمع يُبرّأ، ومثقف يخاف من فقدان جمهوره، وثقافة لا تغيّر شيئًا في غياب السخط المقدس.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق