علي المرابط بين حرية التعبير ومسؤولية التشهير

 

ليست كل متابعة قمعًا، ولا كل تشهير صحافة.


أعادت واقعة توقيف الصحفي المثير للجدل علي المرابط، ثم إطلاق سراحه بعد الاستماع إليه من طرف النيابة العامة، النقاش المغربي القديم إلى واجهة الساحة: حرية الصحافة، حرية التعبير، حدود النقد، القانون الجنائي، قانون الصحافة، ومسؤولية الدولة في ضمان الحقوق. وكما كان متوقعًا، انقسم المشهد سريعًا بين من رأى في التوقيف دليلًا جديدًا على التضييق على الصحافة، ومن رأى فيه تطبيقًا عاديًا للقانون في مواجهة تصريحات اعتُبرت تشهيرية أو ماسّة بأشخاص ومؤسسات وطنية بما في ذلك المؤسسة الملكية .../...


غير أن هذا النقاش، كعادته في المغرب، كاد أن يتحول إلى معركة أيديولوجية قبل أن يتحول إلى نقاش قانوني وأخلاقي هادئ. فقد شحذت بعض المنابر المعارضة أقلامها، واستنفرت بعض الجمعيات الحقوقية خطابها المعتاد حول حرية الرأي والتعبير، وكادت الواقعة أن تتحول إلى مواجهة جديدة بين المعارضة الراديكالية والدولة. لكن قرار النيابة العامة إطلاق سراح المعني بالأمر بعد الاستماع إليه أطفأ شرارة التصعيد، وأعاد الملف إلى حجمه الطبيعي: بحث قضائي مفتوح في شبهات محددة، لا حكم إدانة مسبق، ولا صك براءة مطلق.


وهنا ينبغي التوقف عند نقطة أساسية: حرية التعبير لا تعني غياب المسؤولية، كما أن متابعة صحفي لا تعني بالضرورة استهداف الصحافة. فبين النقد والتشهير مسافة أخلاقية وقانونية لا يجوز إلغاؤها. النقد يناقش الفكرة، أو القرار، أو السياسة العمومية، أو السلوك المؤسسي، ويستند إلى وقائع قابلة للفحص. أما التشهير فيستهدف السمعة، ويطلق اتهامات أو إيحاءات أو أخبارًا من دون سند كافٍ، أو يحول الأشخاص إلى مادة للإدانة العلنية قبل أن تقول العدالة كلمتها.


المشكل في كثير من قضايا الصحافة والرأي أن بعض الخطابات الحقوقية تقفز مباشرة إلى النتيجة الجاهزة: ما دام المعني صحفيًا أو معارضًا، فكل متابعة ضده قمع. وهذا منطق خطير؛ لأنه يحول صفة الصحفي إلى حصانة مطلقة، ويجعل حرية التعبير غطاءً لكل تجاوز، حتى لو تعلق الأمر بقذف أو تشهير أو مساس بحقوق أشخاص آخرين. فكما لا يجوز للدولة أن تستعمل القانون لإسكات النقد المشروع، لا يجوز للصحفي أن يستعمل صفته لإلغاء حقوق الآخرين في السمعة والكرامة والإنصاف.


صحيح أن التاريخ الشخصي لعلي المرابط، وتجربته السابقة مع السلطة، وحضوره في الصحافة المعارضة، تجعل قضيته حساسة سياسيًا وحقوقيًا. وصحيح أيضًا أن الدولة مطالبة دائمًا بأن تكون حذرة في التعامل مع ملفات الصحافة، لأن كل خطأ في هذا المجال يفتح الباب أمام تأويلات القمع وتصفية الحسابات. غير أن الحساسية السياسية لا تلغي السؤال القانوني: هل نحن أمام رأي نقدي مجرد، أم أمام تصريحات تنطوي على قذف أو تشهير أو أخبار زائفة؟ هذا السؤال لا تجيب عنه الشعارات، بل تجيب عنه الوقائع، والملفات، والقرائن، والقضاء.


ومن الإنصاف هنا التذكير بأن الدولة، في هذا الملف، لم تصدر حكمًا على علي المرابط، ولم تقدمه بوصفه مدانًا. ما وقع، حسب المعطيات المتداولة، هو توقيفه للاستماع إليه على خلفية شكايات أو مساطر مرتبطة بمحتويات منشورة، ثم قررت النيابة العامة إطلاق سراحه ومواصلة البحث في حالة سراح. وهذا، من حيث المبدأ، أقرب إلى احترام قرينة البراءة من تحويل الملف إلى اعتقال احتياطي طويل كان يمكن أن يشعل مواجهة سياسية وحقوقية واسعة.


غير أن جزءًا من الصحافة المعارضة والجمعيات الحقوقية يميل أحيانًا إلى قراءة هذه الملفات بمنطق أحادي: الدولة متهمة دائمًا، والصحفي بريء دائمًا. وهذا تبسيط لا يخدم حرية التعبير نفسها. فالدفاع عن الصحافة لا يكون بتحويل الصحفي إلى كائن فوق القانون، بل بالدفاع عن حقه في محاكمة عادلة، وعن ضرورة التمييز بين النقد والتشهير، وعن منع استعمال القانون الجنائي في تصفية الحسابات، وعن احترام حقوق جميع الأطراف، بما في ذلك الأشخاص الذين يقولون إنهم تضرروا من تصريحات أو اتهامات.


فالصحفي، قبل أن يكون صاحب رأي، هو صاحب مسؤولية. مسؤوليته أن يتحقق، وأن يميز بين الخبر والرأي، وبين التحليل والاتهام، وبين النقد والقدح، وبين كشف الفساد وتدمير السمعة. وإذا كان من حقه أن ينتقد السلطة، وأن يسائل المؤسسات، وأن يكشف الاختلالات، فليس من حقه أن يحول المنصة الإعلامية إلى محكمة بلا قضاة، أو إلى ساحة لتوزيع الإدانات بلا أدلة كافية.


ولا يمكن إغفال البعد الخارجي في هذه القضية. فعلي المرابط لا يتحرك فقط بوصفه صحفيًا مغربيًا معارضًا، بل يتمتع أيضًا بالجنسية الفرنسية، ويقيم منذ سنوات في إسبانيا، وتحديدًا في برشلونة، حيث ظل ينتقد النظام المغربي ومسؤوليه ومؤسساته من فضاء أوروبي شديد الحساسية تجاه قضايا حرية الصحافة والتعبير. وهذا المعطى يجعل أي إجراء قضائي في حقه قابلًا، بسرعة، لأن يتحول إلى ملف دولي، تتداخل فيه الصحافة الإسبانية والفرنسية، والمنظمات الحقوقية، والحسابات السياسية والإعلامية المرتبطة بصورة المغرب في الخارج.


من هذه الزاوية، بدا قدومه إلى المغرب، في نظر بعض القراءات، أشبه باختبار سياسي وإعلامي للدولة. فإذا طال اعتقاله، أمكن للخطاب المعارض أن يقول إن ما كان يردده عن قمع حرية التعبير في المغرب قد تأكد عمليًا. وإذا تدخلت أطراف فرنسية أو إسبانية أو حقوقية دولية، أمكن تحويل الملف من شكايات مرتبطة بالقذف والتشهير إلى قضية دولية عنوانها العريض: صحفي معارض تعتقله الدولة بسبب رأيه كما يحدث في الأنظمة القمعية كالجزائر مثلا. وهنا بالضبط تكمن حساسية الملف، لا في شخص علي المرابط وحده، بل في قابليته للاستثمار الخارجي ضد صورة المغرب.


فالمغرب، وهو يستعد لمحطات دولية كبرى، ويقدم نفسه بوصفه بلد استقرار ومؤسسات وقانون، لا يحتاج إلى ملفات قابلة للتحول إلى حملات تشهير خارجية، خصوصًا في محيط إعلامي إسباني وفرنسي توجد داخله منابر لا تفوت فرصة للطعن في صورته أو تضخيم أعطابه. كما أن بعض الصحافة اليمينية الإسبانية المعادية للمغرب، ومعها بعض الأصوات الحقوقية الانتقائية، كانت ستجد في اعتقال طويل أو تصعيد غير محسوب مادة جاهزة للقول إن المغرب لا يحترم حرية التعبير، وأن كل حديثه عن الإصلاح والمؤسسات لا يصمد أمام أول اختبار.


غير أن إطلاق سراح علي المرابط بعد الاستماع إليه فوت هذه الفرصة، وأضعف قابلية الملف للاشتعال الخارجي. فقد بدا القضاء، في هذه المرحلة، حريصًا على إبقاء القضية داخل مسارها القانوني، وعلى التعامل مع المعني بالأمر وفق قرينة البراءة، بدل منحه صورة ضحية مكتملة يمكن أن تتحول إلى سلاح إعلامي في الخارج. وهذا لا يعني إغلاق الملف ولا الحكم ببراءته، كما لا يعني إدانته، بل يعني أن المسطرة وُضعت في حجمها الطبيعي: بحث قضائي في حالة سراح، مع احترام حقوق الدفاع وحقوق المشتكين.


وهنا ينبغي التمييز بين أمرين غالبًا ما يجري الخلط بينهما: حق الصحفي في النقد، وحق الأشخاص المتضررين في اللجوء إلى القضاء. فالدولة، في ظاهر الملف، لم تكن طرفًا وحيدًا يواجه صحفيًا بسبب رأي سياسي مجرد، بل هناك شكايات وأشخاص يقولون إنهم تضرروا من تصريحات أو محتويات منشورة. وهذا لا يلغي ضرورة اليقظة الحقوقية، لكنه يمنع أيضًا تحويل كل متابعة إلى دليل آلي على القمع، كما يمنع تحويل صفة الصحفي أو جنسيته الأجنبية أو إقامته في أوروبا إلى حصانة ضد المساءلة.


وهنا يظهر الخلل الأكبر في النقاش العمومي المغربي: كل طرف يستدعي المبدأ الذي يخدمه وينسى المبدأ المقابل. المدافعون عن حرية التعبير ينسون أحيانًا حق الأفراد في السمعة والكرامة. والمدافعون عن القانون ينسون أحيانًا أن القانون قد يصبح أداة قمع إذا استعمل بانتقائية. والحقيقة أن المجتمع الديمقراطي يحتاج إلى الاثنين معًا: حرية قوية تحمي النقد، وقانون عادل يمنع التشهير.


ليست المشكلة إذن في أن يُساءل صحفي، بل في كيفية مساءلته، وفي سبب المساءلة، وفي ضمانات المحاكمة، وفي التمييز بين الرأي والجريمة. فإذا كانت المسطرة مبنية على شكايات محددة وقرائن قابلة للفحص، فعلى القضاء أن يشتغل بهدوء، وعلى الجميع احترام قرينة البراءة. أما إذا تحولت المتابعة إلى عقاب سياسي على الرأي، فهنا يصبح الدفاع عن الصحفي واجبًا. غير أن إصدار الحكم قبل الاطلاع على الملف، سواء بالإدانة أو التبرئة، لا يخدم العدالة ولا الحرية.


لقد كان القرار الأكثر ذكاءً هو ألا تتحول القضية إلى اعتقال طويل يربح منه الجميع إلا العدالة: يربح منه خصوم المغرب مادة إعلامية جاهزة، وتربح منه بعض المنابر خطابًا سهلًا عن القمع، ويربح منه الصحفي نفسه صورة الضحية، بينما تخسر الدولة صورتها، ويخسر القضاء هدوءه، وتضيع حقوق المشتكين وسط الضجيج. لذلك كان إطلاق السراح، مع استمرار البحث، قرارًا يوازن بين حق المساءلة وواجب عدم تحويل الملف إلى معركة سياسية دولية،وهذا هو التجسيد العملي لمبدأ دولة الحق والقانون.


قضية علي المرابط تكشف، مرة أخرى، هشاشة النقاش حول الصحافة في المغرب. فهناك من يريد صحافة بلا مسؤولية، وهناك من يريد قانونًا بلا حرية. والحل ليس في هذا ولا ذاك، بل في قاعدة بسيطة: حرية التعبير حق أساسي، لكنها ليست رخصة للتشهير؛ والقانون ضرورة، لكنه ليس رخصة لإسكات الرأي. بين هذين الحدين ينبغي أن يتحرك القضاء، وتتحرك الصحافة، وتتحرك الجمعيات الحقوقية إن أرادت أن تدافع عن الحقوق كلها، لا عن حق واحد ضد باقي الحقوق.


في النهاية، كان إطلاق سراح علي المرابط قرارًا حكيمًا لأنه منع تحويل الملف إلى معركة سياسية كبرى، وأبقى القضية داخل مسارها القانوني الطبيعي. لكنه لا يلغي السؤال الجوهري: متى يكون الصحفي ناقدًا للسلطة، ومتى يتحول إلى طرف يمس بحقوق الناس؟ ومتى تكون الدولة حامية للقانون، ومتى تصبح متهمة بتضييق حرية التعبير؟ ومتى يصبح الخارج الأوروبي فضاءً لحماية الصحفي، ومتى يتحول إلى منصة لاستثمار قضاياه ضد صورة بلده؟ هذه الأسئلة لا تجيب عنها الشعارات، بل يجيب عنها قضاء مستقل، وصحافة مسؤولة، وحقوقيون لا يستعملون الحرية ضد القانون، ولا القانون ضد الحرية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق