تحديث الدولة بين الحذر الملكي ومقاومة القوى المناهضة للتغيير
لم يكن العاهل المغربي الشاب محمد السادس، في بداية عهده وهو يخطط للتغيير، أمام ورش إداري أو اقتصادي فقط، بل كان أمام سؤال أعمق يتعلق بقدرة المغرب على دخول العصر دون أن ينفجر داخليًا تحت ضغط الموروث الثقافي والديني والاجتماعي. فقد ورث الملك دولةً تحتاج إلى تحديث مؤسساتها، واقتصادًا يحتاج إلى الانفتاح، ومجتمعًا مثقلًا بالتفاوتات، وتعليمًا مأزومًا، وإدارة بطيئة، ونخبًا سياسية ضعيفة، ومثقفا مثقلا بالهم الإيديولوجي. لكنه ورث أيضًا بنية ثقافية شديدة الحساسية تجاه كل ما يُقدَّم باسم الحداثة أو الإصلاح أو المساواة أو الحرية أو مراجعة الفهم الديني السائد.
ومن هنا لم تكن معركة التحديث في المغرب معركة طرق وموانئ وقطارات ومشاريع كبرى فقط، بل كانت أيضًا معركة رمزية حول معنى الهوية، وحدود الدين بين الخطاب القرآني والفهم البشري، ووظيفة الدولة، وموقع المرأة، ومفهوم الأسرة، وشرعية الاجتهاد، وعلاقة المجتمع بالعصر. فالملك لم يعلن حربًا على تقاليد المجتمع، ولم يسع إلى اقتلاع المغرب من جذوره الدينية والثقافية، بل حاول أن يقود عملية تحديث حذرة تراعي حساسية المجتمع، وتتفادى الصدام المباشر مع البنى المحافظة، وتبحث عن صيغة توفق بين الاستقرار والإصلاح.../...
غير أن هذا الحذر لم يمنع ظهور قوى مناهضة للحداثة، وجدت في الموروث الديني والعادات المجتمعية المتجذرة وخطاب الهوية أدوات فعالة لتعطيل كل إصلاح يمس البنية العميقة للمجتمع. وقد اتخذت هذه القوى أشكالًا متعددة: فقهاء تقليديون يحتكرون الكلام باسم الدين، إسلاميون يستثمرون في خوف الشارع من الحداثة والتغريب، قوميون يحولون ذاكرة الاستعمار إلى ذريعة لرفض كل وافد، ونخب محافظة ترى في كل اجتهاد ثقافي أو حقوقي خطرًا على “الأصالة”. وبذلك لم تعد المواجهة بين الجديد والقديم مجرد نقاش فكري، بل أصبحت ساحة ضغط اجتماعي وسياسي ورمزي على الدولة نفسها.
وقد زاد الأمر تعقيدًا أن المثقف الموضوعي، الذي كان يفترض أن يقوم بدور الوسيط النقدي بين الدولة والمجتمع، تراجع في كثير من الأحيان عن أداء مهمته. فخوفه من الاتهام بالتغريب، أو معاداة الدين، أو خدمة أجندات خارجية، جعله يترك المجال مفتوحًا أمام خطاب محافظ صاخب يحتكر تمثيل الهوية، ويمنع النقاش الهادئ حول الفرق بين الدين والفهم الديني، وبين النص المؤسس والتراكم التاريخي، وبين الأصالة الحية والأصالة المعطِّلة. وهكذا وجدت الدولة نفسها، في لحظات كثيرة، في مواجهة مباشرة مع قوى التأخير دون سند ثقافي كافٍ من نخب قادرة على تفكيك الخطاب التقليدي من داخله.
وقد مثل تعديل مدونة الأسرة إحدى أوضح ساحات هذه المواجهة. فلم يكن النقاش حول المدونة نقاشًا قانونيًا صرفًا، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على تحديث المجتمع في مجال شديد الحساسية: الأسرة، المرأة، السلطة الأبوية، المرجعية الدينية، وحدود الاجتهاد. في هذا الملف ظهر بوضوح أن كل إصلاح يقترب من البنية الاجتماعية العميقة لا يواجه فقط اعتراضًا سياسيًا، بل يواجه شبكة كاملة من التخويف الرمزي: اتهام بالتغريب، تحذير من تفكيك الأسرة، استدعاء للمؤامرة الدولية، واحتكار للكلام باسم الدين. ومن هنا تكشف مدونة الأسرة أن التحديث في المغرب لم يكن قرارًا سياسيا سهلًا، بل كان تفاوضًا شاقًا بين إرادة الدولة، وثقل المجتمع، وضغط القوى التي نصبت نفسها حارسة على إرث الماضي.
أولًا: في تعريف المفاهيم: المعاصرة، العصرنة، الحداثة، الأصالة، العلمانية
ينبغي أن نبدأ هنا بتحرير المفاهيم حتى لا يختلط على القارئ معنى المعاصرة بمعنى الحداثة، ولا تُختزل العصرنة في مجرد استعمال أدوات العصر وتقنياته، ولا سيما حين يتعلق الأمر بمفهوم العلمانية، الذي لاقى معارضة شرسة من قوى مناهضة للتغيير، لا لأنه كان مطروحًا دائمًا في صورته الصدامية مع الدين، بل لأنه مسّ جوهر السلطة الرمزية التي تمارسها هذه القوى باسم الدين والهوية والموروث.
فجزء كبير من أزمة التحديث في المغرب لم يكن ناتجًا عن غياب المشاريع أو ضعف الإرادة السياسية فقط، بل عن عدم تفعيل القاعدة القرآنية الكبرى التي تجعل التغيير الخارجي مشروطًا بتغيير داخلي في النفس والوعي والقيم لقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).
وهذه الآية لا تتحدث عن تغيير شكلي أو إداري أو عمراني فحسب، بل عن قانون اجتماعي عميق: لا يمكن لأمة أن تخرج من التخلف بمجرد تحديث الطرق والموانئ والإدارات، إذا بقي عقلها أسير الخوف، وفقهها أسير التقليد، وثقافتها أسيرة الماضي، ومجتمعها عاجزًا عن مراجعة ذاته.
ومن هنا فإن التخلف لا يكون دائمًا نقصًا في الوسائل، بل قد يكون عجزًا عن تغيير ما بالنفوس: طريقة التفكير، التفريق بين الدين والفهم الديني، علاقة الإنسان بالحرية، موقفه من المرأة، نظرته إلى العلم، فهمه للدولة، وقدرته على قبول النقد والمراجعة والاجتهاد. فإذا لم يتغير هذا الداخل، بقيت العصرنة سطحية، وبقيت المعاصرة مظهرية، وبقيت الحداثة مؤجلة، مهما كثرت المشاريع الكبرى وتعددت شعارات الإصلاح.
فـالعصرنة تعني غالبًا تحديث الوسائل والبنيات: الإدارة، الطرق، الموانئ، المطارات، القطارات، الرقمنة، البنية التحتية، قوانين الاستثمار، وتطوير أدوات الدولة الاقتصادية والتقنية. وهي بهذا المعنى يمكن أن تنجزها الدولة بقرار سياسي وميزانيات ومشاريع كبرى.
أما المعاصرة فهي أوسع من ذلك؛ لأنها تعني أن يعيش المجتمع داخل زمنه، لا خارجه. أي أن يتعامل مع التحولات العلمية والتقنية والاقتصادية والثقافية بوصفها جزءًا من واقعه، لا بوصفها غزوًا دائمًا لنموذج حياته أو تهديدًا لهويته. فالمعاصرة ليست أن نملك أدوات العصر فقط، بل أن نمتلك وعيًا بأن العالم تغير، وأن المجتمعات التي ترفض فهم زمنها تتحول إلى مجتمعات مستهلكة لما ينتجه غيرها.
أما الحداثة فهي المستوى الأعمق والأصعب. فهي لا تتعلق فقط بالبنيات والمؤسسات، بل ببنية العقل نفسه: كيف نفكر؟ كيف نقرأ الدين؟ كيف ننظر إلى المرأة؟ كيف نفهم السلطة؟ كيف نحدد العلاقة بين الفرد والجماعة؟ كيف نميز بين القانون والعادة، وبين النص والتأويل، وبين الإيمان والوصاية باسم الإيمان؟ لذلك قد نجد دولة معاصرة في مظهرها، لكنها غير حديثة في عقلها السياسي والثقافي والاجتماعي. وقد نجد مجتمعًا معاصرا يستعمل الهاتف الذكي والأنترنت والسيارة والطائرة، لكنه ليس حداثيا بالمفهوم الثقافي، لأنه لا يزال يفكر في المرأة والحرية والاختلاف والعلم بمنطق قرون سابقة.
أما الأصالة فهي أكثر المفاهيم التباسًا. فهي قد تكون قيمة إيجابية حين تعني الذاكرة التاريخية، والجذور، واللغة، والهوية، والوفاء للقيم الكبرى التي تحفظ تماسك المجتمع. لكنها تتحول إلى عائق حين تصبح غطاءً لحماية الجمود، وتبرير الخوف من السؤال، ورفض المراجعة، ومنع المجتمع من التقدم بحجة المحافظة على ما كان. لذلك ليست المشكلة في الأصالة ذاتها، بل في نوع الأصالة المقصودة: هل هي أصالة حية قادرة على التجدد، أم أصالة مغلقة تريد أن تجعل الماضي سقفًا نهائيًا للحاضر والمستقبل؟
ومن هنا، فإن معضلة المغرب لم تكن في الاختيار بين الأصالة والحداثة كما لو كانتا نقيضين مطلقين، بل في عجز جزء من الخطاب العمومي عن التمييز بين أصالة القيم وأصالة البنى العتيقة. فالقيم الكبرى مثل العدل، والكرامة، والأمانة، والرحمة، والحرية المسؤولة، واحترام الإنسان، ليست ضد الحداثة، بل هي أساس كل نهضة حقيقية. أما الذي يصطدم بالحداثة فهو تحويل العادات التاريخية والمفاهيم الفقهية القديمة إلى دين أبدي لا يقبل المراجعة.
وتبقى العلمانية أكثر هذه المفاهيم حساسية في السياق المغربي والعربي عمومًا؛ لأنها لم تُناقش غالبًا بوصفها مفهومًا سياسيًا يتعلق بتنظيم علاقة الدولة بالدين، وضمان حياد القانون العام تجاه التأويلات الدينية المتعددة، ومنع أي فئة من احتكار الكلام باسم المقدس، بل قُدمت في الخطاب المحافظ والإسلاموي بوصفها مرادفًا للإلحاد، أو معاداة الدين، أو خدمة مشروع تغريبي يهدف إلى اقتلاع المجتمع من جذوره واستبدال الإيمان بالله بالإيمان بالدولة. ومن هنا تحولت العلمانية إلى فزاعة كبرى في وجه كل إصلاح يقترب من الأسرة، أو المرأة، أو التعليم، أو الحريات، أو الاجتهاد الديني.
غير أن التحرير الدقيق للمفهوم يقتضي التمييز بين الدولة العلمانية التي تناهض الاستغلال الأيديولوجي للدين، وتمنع تحويله إلى أداة وصاية سياسية أو احتكار اجتماعي، وبين الدولة اللادينية التي تعتبر الدين شأنًا فرديًا محضًا يخص علاقة الإنسان بربه، ولا علاقة له بسياسات الدولة أو المجال العام. فهذا التمييز مهم جدًا في السياق المغربي؛ لأن القوى المناهضة للحداثة تعمد غالبًا إلى الخلط بينهما، فتقدم كل دعوة إلى تحييد التوظيف السياسي للدين كما لو كانت دعوة إلى إقصاء الدين نفسه من المجتمع والدولة.
فالدولة العلمانية، في معناها المدني المتوازن، لا تحارب الدين، ولا تمنع المجتمع من الاحتفاظ بمرجعيته الروحية والأخلاقية، لكنها ترفض أن يتحول الفهم الديني الخاص، الذي تنتجه جماعة إيديولوجية أو تيار ديني أو طبقة فقهية، إلى سلطة فوق القانون والمواطنة والمؤسسات. أما الدولة اللادينية، فهي تذهب أبعد من ذلك حين تجعل الدين مسألة شخصية لا ينبغي أن يكون لها أي أثر في المجال العام. وهذا النموذج الأخير لا يطابق بالضرورة التجربة المغربية، ولا يصلح لفهم موقع الدين في دولة تستند تاريخيًا إلى إمارة المؤمنين، وتعتبر الإسلام أحد مكونات هويتها الدستورية والرمزية.
ومن هنا، فإن الصراع في المغرب لم يكن، في جوهره، بين الدين والعلمانية، بل بين حضور الدين بوصفه قيمة روحية وأخلاقية جامعة، وبين استعمال الدين كأداة ضغط وتعطيل واحتكار للمعنى. فالخطر لا يكمن في الدين، بل في تحويل التأويل الديني إلى سلطة قهرية تُفرض على المجتمع والدولة باسم الله، وتُستعمل لتخوين كل إصلاح يمس الأسرة أو المرأة أو التعليم أو الحريات أو الاجتهاد الديني.
لذلك فإن العلمانية، في معناها السياسي الرصين، لا تعني بالضرورة إخراج الدين من وجدان المجتمع، ولا محاربة الإيمان، ولا نزع القيم الدينية من الفضاء الأخلاقي العام، بل تعني أساسًا منع تحويل التأويل الديني البشري إلى سلطة قهرية فوق القرآن والإنسان والقانون والدولة. إنها لا تسأل الناس أن يتخلوا عن دينهم، بل تمنع أي جماعة من أن تجعل فهمها المغلق للدين قانونًا ملزمًا للجميع، خصوصًا في مجتمع تتعدد داخله المفاهيم والحساسيات والمصالح والاجتهادات.
ومن هنا نفهم لماذا شكلت العلمانية وجه الصراع الأبرز في معركة التحديث. فالقوى المناهضة للحداثة لم تخف من الكلمة وحدها، بل خافت مما يمكن أن يترتب عليها: تحرير القانون من الوصاية الفقهية، فتح باب الاجتهاد خارج الاحتكار التقليدي أو ما يسمى بـ: "أهل الاختصاص" على شاكلة المفهوم الكنسي للإجتهاد، إعادة تعريف المواطنة على أساس الحقوق والواجبات لا على أساس الخضوع لتأويل ديني مغلق، وتمكين الدولة من تحديث الأسرة والتعليم والحريات دون أن تُتهم في كل مرة بأنها تخدم التغريب أو الاستعمار أو المؤامرة الدولية.
وبهذا المعنى، لم يكن الصراع الحقيقي بين الدين والعلمانية، كما صوّرته قوى التأخير، بل بين الدين بوصفه قيمة قرآنية كبرى قائمة على العدل والرحمة والحرية المسؤولة، وبين الفهم الديني المغلق حين يتحول إلى سلطة اجتماعية وسياسية تعطل التغيير. ولذلك لا يمكن تحرير مشروع التحديث في المغرب من الالتباس إلا بتحرير هذا المفهوم أولًا: فالعلمانية ليست بالضرورة نقيض الدين، وإنما قد تكون، في صورتها المدنية المتوازنة، ضمانة حتى لا يتحول الدين إلى أداة استبداد رمزي باسم الله، ولا تتحول الدولة إلى رهينة لمن يزعمون أنهم وحدهم يملكون حق إنتاج المعنى الديني.
وفي الحالة المغربية، لا يمكن تحرير مفهوم العلمانية أو الحداثة من غير أخذ الطابع الإسلامي العميق للهوية المغربية بعين الاعتبار. فالإسلام لا يمثل مجرد ركن من أركان هذه الهوية، بل يشكل أهم أركانها الرمزية والروحية والاجتماعية، باعتباره دين أغلب المغاربة، ومصدرًا رئيسيًا لتصورهم للذات والعائلة والمجتمع والكرامة والمعنى. لذلك كان من الضروري أن يُطرح نقاش وطني جدي حول مدى تقبل المغاربة المسلمين للحداثة، لا بوصفها قطيعة مع الإسلام، بل بوصفها سؤالًا عن نوع الحداثة الممكنة داخل مجتمع مسلم: هل هي حداثة العلم والعقل والقانون والتنظيم والكرامة؟ أم حداثة لادينية تريد إقصاء الدين من حياة المجتمع وتصنيفه ضمن بقايا الأسطورة؟
فإذا كانت الحداثة تعني الاحتكام إلى العلم في فهم الظواهر، واعتماد المعرفة في بناء السياسات العمومية، وتطوير التعليم والصحة والإدارة والاقتصاد، وترسيخ دولة الحق والقانون، ومحاربة الفقر والتبعية والتخلف، فإنها لا تعادي الإسلام، بل تخدم مقاصده الكبرى في العمران والعدل وحفظ الكرامة. فالإسلام، في أصله القرآني، لا يعادي العلم ولا العقل، بل يحث على النظر والتفكر والتدبر واكتشاف السنن في الأنفس والآفاق. ومن هنا ينبغي استقبال هذه الحداثة لا بالخوف والريبة، بل بكل معاني الانفتاح والكرم المغربي؛ لأنها ليست غزوًا للهوية، بل أداة لتحرير المجتمع من الجهل والهشاشة والارتهان.
ولا ينبغي أن ننسى أن الحضارة الإسلامية، في عصرها الذهبي، لم تنهض حين خافت من العلم، بل حين فتحت أبوابها للترجمة والبحث والفلسفة والطب والرياضيات والفلك والعمران. وقد أسهم المسلمون، في لحظة تاريخية كبرى، في بناء رصيد معرفي نهلت منه أوروبا لاحقًا في طريقها إلى نهضتها الحديثة. وهذا يعني أن قبول الحداثة العلمية والعقلية ليس خروجًا عن الإسلام، بل استئناف لروح حضارية عرفها المسلمون يوم كان العلم عندهم محرابا للعقل واكتشافًا لسنن الله في الخلق.
أما الحداثة التي تُطرح بوصفها مشروعًا لادينيًا يستبعد الدين من حياة المجتمع، ويختزله في شأن فردي معزول، أو يتعامل معه باعتباره خرافة من مخلفات الماضي، فإنها لن تنجح في المغرب، وسيكون مصيرها الرفض أو التجاهل أو العداء. وليس ذلك لأن العقلية الدينية مترسخة عند المغاربة فحسب، بل لأن الإسلام يمثل جزءًا أصيلًا من كينونتهم الجماعية، حتى إن المغربي البسيط يدرك، بفطرته الاجتماعية، أن إلغاء الإسلام من المجال الرمزي العام يعني إلغاء أحد أعمدة هويته الرئيسية.
غير أن هذا لا يعني الخلط بين الإسلام كدين، وبين الإسلام كممارسة اجتماعية أو تدين موروث. فالإسلام في أصله شيء، والفهم الشعبي أو الفقهي أو العادي للإسلام شيء آخر. وقد تكون بعض أشكال التدين السائدة بعيدة عن روح الخطاب القرآني ومقاصده في العدل والعلم والرحمة والحرية المسؤولة. ومن هنا تصبح المعركة الحقيقية ليست بين الإسلام والحداثة، بل بين فهم حي للإسلام قادر على التفاعل مع العلم والعصر، وفهم تقليدي مغلق يستعمل الدين لحراسة الماضي ومنع المجتمع من تغيير ما بنفسه.
ثانيًا: كيف تحولت المفاهيم إلى عوائق أمام سرعة التحديث؟
بعد تعريف المفاهيم، ننتقل إلى السؤال العملي: لماذا لم تكن عملية التحديث في المغرب سهلة أو سريعة؟ ولماذا كان الملك، في كثير من الملفات، مضطرًا إلى الحذر والتدرج بدل الحسم المباشر؟
الجواب أن المفاهيم نفسها تحولت، في يد القوى المحافظة والمناهضة للتغيير، إلى أدوات تعطيل. فـ: الأصالة لم تُستعمل دائمًا بمعنى حفظ الجذور الحية، بل استُعملت أحيانًا كدرع لحماية الموروث والعادات القديمة من النقد. وكلما طُرح إصلاح يمس الأسرة، أو المرأة، أو التعليم، أو الحريات، أو العلاقة بين الدين والقانون، قيل إن هذا الإصلاح يهدد الأصالة ويفتح الباب أمام التغريب.
أما الدين فقد جرى استعماله في كثير من الأحيان لا بوصفه مصدرًا للقيم العليا، بل بوصفه سلطة لإغلاق النقاش. فبدل أن يكون الدين أفقًا للعدل والرحمة والعقل والتزكية، أصبح في خطاب بعض القوى الرجعية أداة لتجريم السؤال وتخويف المجتمع من كل اجتهاد. وهذا هو الفرق الحاسم بين الدين والفهم الديني. فالدين، في أصله، لا يمنع المجتمع من التطور، لكن الفهم الديني حين يتحول إلى سلطة اجتماعية مغلقة يصبح عائقًا أمام كل تحديث.
وأما الهوية فقد تحولت بدورها إلى خطاب دفاعي. فالهوية، حين تكون واثقة من نفسها، لا تخاف من الحوار، ولا من التجدد، ولا من الاستفادة من أفكار وتجارب الآخرين. لكنها حين تصبح هوية قلقة، فإنها ترى في كل إصلاح مؤامرة، وفي كل مفهوم حديث خطرًا، وفي كل نقد للموروث عدوانًا على الدين. وهكذا يصبح المجتمع محاصرًا بخطاب يقول له: "إما أن تبقى كما أنت، وإما أن تفقد نفسك".
كما لعبت ذاكرة الاستعمار دورًا خاصًا في هذا التعطيل. فبدل أن تكون هذه الذاكرة حافزًا لبناء دولة قوية، عاقلة، عادلة، ومتحررة من التبعية، تحولت في خطاب بعض القوى إلى وسيلة لتخوين كل دعوة إلى تحديث القانون أو إصلاح التعليم أو تحرير المرأة أو مراجعة الفهم الديني. وبذلك أصبح كل وافد من الخارج مشبوهًا، حتى لو كان متعلقًا بحقوق الإنسان أو الإدارة الحديثة أو البحث العلمي أو تنظيم الدولة.
أما أخطر هذه العوائق فهو استعمال مفهوم الاختصاص الديني لاحتكار إنتاج المعنى. فكلما اقترب مثقف أو باحث أو مفكر من سؤال الدين والفهم الديني، قيل له إنه ليس من أهل الاختصاص. وهذه العبارة تبدو في ظاهرها دفاعًا عن الدين، لكنها تتحول في الواقع إلى وسيلة لإغلاق المجال الديني أمام المجتمع. فالدين ليس ملكية خاصة لفئة بعينها، ولا كهنوتا تحتكره طبقة معينة من الفقهاء، ولا يجوز أن يتحول الاجتهاد في قضايا تمس حياة الناس إلى امتياز مغلق. نعم، للاختصاص العلمي قيمته، لكن الاختصاص لا يعني الاحتكار، ولا يعني منع السؤال، ولا يعني مصادرة حق المجتمع في فهم النصوص المؤسسة التي تتحكم في مصيره وثقافته وقوانينه، خصوصا إذا علمنا أن لا رهبانية في الإسلام وأن القرآن جعله الله بيانا للناس كافة، ولم يجعله حكرا على فئة ممن يدعون الكلام بلسان الله.
هكذا تحولت الأصالة، والدين، والهوية، والاستعمار، والاختصاص، من مفاهيم يمكن أن تغني النقاش العام، إلى أدوات ضغط على كل محاولة تحديثية تعتزم الدولة القيام بها لصالح البلاد والعباد. وهذا ما جعل الملكية في المغرب تتحرك في كثير من الملفات بحذر شديد: فهي تريد الإصلاح، لكنها تعرف أن الإصلاح حين يقترب من البنية الثقافية العميقة لا يواجه مجرد اعتراض سياسي، بل يواجه اتهامًا دينيًا وأخلاقيًا وهوياتيًا.
ثالثًا: شعار الأصالة والمعاصرة: محاولة التوفيق وحدودها
في هذا السياق ظهر شعار الأصالة والمعاصرة باعتباره محاولة للبحث عن صيغة وسطى: لا قطيعة مع الهوية، ولا انسحاب من العصر. وقد كان هذا الشعار، من حيث المبدأ، يعكس حاجة حقيقية في مجتمع مثل المغرب؛ لأن التحديث المفروض من فوق، إذا بدا معاديًا للذاكرة والدين، يمكن أن ينتج خوفًا ورفضًا وانكماشًا. لذلك كان من الضروري أن يُقدَّم الإصلاح بوصفه امتدادًا لقيم المجتمع لا حربًا عليها.
غير أن هذا الشعار ظل ملتبسًا؛ لأنه لم يحسم السؤال الجوهري: أي أصالة نقصد؟ وأي معاصرة نريد؟ ثم إن الالتباس ازداد حين لم يبق الشعار مجرد أفق ثقافي أو مشروع مجتمعي مفتوح، بل ارتبط في الوعي السياسي المغربي بتجربة حزبية محددة، هي تجربة حزب الأصالة والمعاصرة، الذي ظهر في نهاية العقد الأول من عهد محمد السادس، وارتبطت نشأته، في نظر جزء واسع من الرأي العام، بشخصية فؤاد عالي الهمة، مستشار وصديق الملك وأحد أكثر رجالات محيطه قربًا وتأثيرًا.
وكان يمكن لهذا الشعار، لو ظل مشروعًا ثقافيًا وطنيًا واسعًا، أن يفتح نقاشًا عميقًا حول المصالحة بين الجذور والعصر، وبين الهوية والتحديث، وبين الإسلام والعلم والعقل والقانون. غير أن تحويله إلى عنوان حزبي جعل جزءًا من المجتمع والنخب ينظر إليه لا بوصفه ثورة ثقافية هادئة، بل بوصفه أداة سياسية لإعادة ترتيب الحقل الحزبي ومواجهة صعود الإسلاميين. وبذلك فقد الشعار جزءًا من قوته الفكرية، لأنه انتقل من مجال المعنى إلى مجال التنافس الانتخابي، ومن سؤال المجتمع إلى سؤال السلطة.
ثم جاءت أحداث الربيع العربي سنة 2011 لتزيد الوضع تعقيدًا. فقد أعادت تلك اللحظة للتيار الإسلاموي نفسًا سياسيًا جديدًا، ودفعت الدولة إلى تدبير مرحلة دقيقة عنوانها امتصاص الضغط الشعبي، وتعديل الدستور، وفتح المجال أمام حزب العدالة والتنمية لقيادة الحكومة بعد فوزه في الانتخابات التشريعية. وبذلك تراجع شعار الأصالة والمعاصرة، لا لأنه فقد أهميته النظرية، بل لأن السياق السياسي دفنه تحت إكراهات لحظة إقليمية مضطربة، جعلت الأولوية للاستقرار واحتواء الشارع أكثر مما جعلتها للثورة الثقافية العميقة.
ومن هنا يمكن القول إن مبادرة الأصالة والمعاصرة فشلت في أن تتحول إلى مشروع تحديث ثقافي شامل. فقد كان المطلوب أن تقوم نخب فكرية وتعليمية وإعلامية بتفكيك الخلط بين الدين والتدين، وبين الأصالة والجمود، وبين الحداثة والتغريب، لكنها تُرجمت في الواقع إلى واجهة حزبية أثارت الشكوك، واستفزت القوى الإسلاموية، ثم جاءت موجة الربيع العربي لتمنح هذه القوى المحافظة شرعية احتجاجية وانتخابية جديدة. وهكذا بقيت معركة التحديث الثقافي ناقصة: الدولة أرادت تحديثًا مضبوطًا، الحزب حمل شعارًا أكبر من قدرته، والمثقف تردد أو غاب، بينما استفادت قوى التأخير من خوف الشارع ومن مناخ 2011 لتأجيل سؤال الحداثة مرة أخرى.
فإذا كانت الأصالة تعني القيم الكبرى التي تحفظ معنى الإنسان والمجتمع، فهي ليست ضد المعاصرة. وإذا كانت تعني الوفاء للغة، والذاكرة، والخصوصية الحضارية، فهي عنصر قوة لا عنصر ضعف. أما إذا كانت الأصالة تعني تثبيت العلاقات الاجتماعية القديمة، وحماية السلطة الأبوية، وتقديس المفاهيم الفقهية الموروثة، ورفض مراجعة العادات باسم الدين، فإنها تتحول إلى عائق لا إلى سند.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى المعاصرة. فإذا كانت المعاصرة تعني فقط إدخال التكنولوجيا، وبناء الطرق، وتحديث الواجهة العمرانية، وجذب الاستثمار، فهي معاصرة ناقصة. أما إذا كانت تعني بناء مواطن حر ومسؤول، وتعليم عقلاني، وإدارة نزيهة، وقانونًا عادلًا، ومساواة في الكرامة، وفصلًا بين الدين كقيمة والفهم الديني كاجتهاد بشري، فإنها تقترب من الحداثة الحقيقية.
لذلك يمكن القول إن شعار الأصالة والمعاصرة كان ضروريًا من حيث الوظيفة السياسية؛ لأنه حاول تهدئة الخوف من التحديث، لكنه ظل محدودًا من حيث الوظيفة الثقافية؛ لأنه لم ينتج حسمًا معرفيًا واضحًا في معنى الأصالة ومعنى الحداثة. وقد ترتب عن ذلك أن المغرب تقدم في مجالات كثيرة، لكنه بقي مترددًا في ملفات أخرى كلما تعلق الأمر بالمرأة، والأسرة، والحريات، والمدرسة، والاجتهاد الديني، وعلاقة الدين بالمجال العام.
وهنا تظهر المفارقة: لقد نجحت الدولة في تحديث كثير من أدواتها، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في تحرير النقاش العمومي من ابتزاز القوى المحافظة. ولذلك بقي التحديث في بعض الملفات مشروطًا بالتوافق، والتدرج، والمراعاة، بدل أن يكون ثمرة اقتناع ثقافي عام بأن الحداثة ليست عدوانًا على الدين، وأن الأصالة ليست إقامة دائمة في الماضي.
رابعًا: المثقف الغائب واحتكار المعنى
كان يفترض أن يقوم المثقف الموضوعي بدور أساسي في هذه المرحلة. فالدولة، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع وحدها أن تغير عقل المجتمع. والسياسة، مهما كانت إصلاحية، تحتاج إلى سند ثقافي يشرح، ويفكك، ويقنع، ويميز بين الدين والتدين، وبين النص والتأويل، وبين الهوية والخوف، وبين الأصالة والجمود.
لكن جزءًا واسعًا من المثقفين تراجع عن أداء هذا الدور. بعضهم خاف من الاصطدام بالقوى الدينية المحافظة، وبعضهم آثر الصمت حتى لا يُتهم بالتغريب أو معاداة الدين، وبعضهم انشغل بالخطاب السياسي المباشر وترك الحقل الثقافي والديني لمن يملكون الصوت الأعلى في المجتمع. وكانت النتيجة أن المجال العمومي تُرك، في لحظات كثيرة، لخطابين متقابلين: خطاب الدولة الإصلاحي من جهة، وخطاب القوى المحافظة من جهة أخرى، بينما غاب الوسيط الثقافي القادر على تحويل الإصلاح إلى اقتناع اجتماعي.
وهذا الغياب كان له أثر كبير. فعندما لا يقوم المثقف بتفكيك الخطاب التقليدي، يصبح الفقيه التقليدي أو الداعية الإسلاموي هو المصدر شبه الوحيد للمعنى لدى فئات واسعة من الناس. وعندما لا يشرح المثقف أن الاجتهاد ليس عدوانًا على الدين، يصبح كل إصلاح قانوني أو حقوقي كأنه خروج على الشريعة. وعندما لا يبين الباحث أن كثيرًا من الموروث ليس دينًا منزَّلًا بل تاريخًا بشريًا، تتحول العادات إلى عقائد، وتتحول الفتاوى القديمة إلى أحكام أبدية، ويتحول الماضي إلى سلطة تتحكم في الحاضر وتعيق المجتمع من أن يتطلع للمستقبل.
من هنا لم تكن أزمة التحديث في المغرب أزمة دولة فقط، بل أزمة نخبة أيضًا. فقد تُرك الملك في بعض المعارك الإصلاحية أمام قوى محافظة قادرة على تعبئة الشارع، بينما لم تكن القوى الثقافية الحديثة بالقوة نفسها في تعبئة الوعي. وهذا الاختلال جعل الإصلاح يبدو أحيانًا وكأنه قرار من أعلى، لا ثمرة نضج اجتماعي واسع. وحين يظهر الإصلاح بهذه الصورة، يسهل على خصومه اتهامه بأنه مفروض، أو مستورد، أو خاضع لضغوط خارجية.
إن احتكار إنتاج المعنى هو جوهر المشكلة. فمن يحتكر تفسير الدين يحتكر جزءًا كبيرًا من وجدان المجتمع. ومن يحتكر الحديث باسم الهوية يستطيع أن يجعل كل مخالف غريبًا عن أمته. ومن يحتكر تعريف الأصالة يستطيع أن يحاكم كل دعوة إلى التحديث بوصفها خيانة للماضي. لذلك لم يكن الصراع حول الحداثة صراعًا حول القوانين فقط، بل كان صراعًا حول اللغة التي تُعرَّف بها القوانين، وحول المرجعية التي تُقاس بها الإصلاحات، وحول الجهة التي تملك حق القول للناس: هذا من الدين، وهذا ضده؛ هذا من الهوية، وهذا خروج عليها.
خامسًا: مدونة الأسرة كساحة مواجهة حقيقية
تمثل مدونة الأسرة المثال الأوضح على هذا الصراع بين إرادة التحديث وقوى التأخير. فالنقاش حولها لم يكن نقاشًا قانونيًا محدودًا، بل كان مواجهة رمزية شاملة حول المرأة، والأسرة، والسلطة الأبوية، والفقه، والاجتهاد، وموقع الملكية الدينية، وحدود تدخل الدولة في بنية اجتماعية محكومة بالموروث.
لقد كشفت المدونة أن الإصلاح حين يقترب من الأسرة لا يمس مجرد مواد قانونية، بل يمس تصورًا كاملًا للعالم. فالأسرة في المجتمعات التقليدية ليست فقط مؤسسة اجتماعية، بل هي مجال تتقاطع فيه السلطة الذكورية، والتأويل الديني، والعادات، والخوف من الحرية، ومفهوم الشرف، ومكانة المرأة، وصورة المجتمع عن نفسه. لذلك كان طبيعيًا أن تتحول مدونة الأسرة إلى ساحة صراع، لأنها وضعت سؤالًا حاسمًا أمام الجميع: هل يمكن تحديث المجتمع من داخل مرجعيته الدينية، أم أن كل تحديث يمس الأسرة سيُتهم حتمًا بأنه تغريب؟
في هذا الملف ظهر دور الملك الشجاع بوضوح. فقد حاول أن يقدم الإصلاح لا باعتباره قطيعة مع الدين، بل باعتباره اجتهادًا من داخل المرجعية الإسلامية نفسها، مستندًا إلى موقعه كأمير للمؤمنين. وهذه نقطة مهمة؛ لأن الملك لم يواجه القوى المحافظة من خارج الدين، بل من داخل الشرعية الدينية والسياسية للدولة. ومع ذلك، لم يمنع هذا الاختيار من ظهور مقاومة قوية، لأن المشكلة لم تكن في الدين ذاته، بل في من يملك سلطة تأويل الدين وتوجيه المجتمع باسمه.
وهنا يتضح أن مدونة الأسرة لم تكن مجرد إصلاح قانوني، بل كانت اختبارًا لطبيعة السلطة في المغرب: هل تستطيع الدولة أن تُنتج اجتهادًا دينيًا إصلاحيًا؟ هل يستطيع الملك أن يوازن بين الشرعية الدينية ومتطلبات العصر؟ هل تستطيع المرأة أن تنتقل من موقع التابع داخل الأسرة إلى موقع الشريك في المسؤولية والكرامة؟ وهل يستطيع المجتمع أن يقبل بأن الفقه التاريخي ليس نهاية الدين، وأن النصوص يمكن أن تُقرأ من جديد في ضوء العدل والمصلحة والكرامة؟
لقد نجح الإصلاح في فتح باب مهم، لكنه كشف في الوقت نفسه حدود التحديث المتدرج. فالمدونة لم تُنهِ كل الإشكالات، ولم تُسقط كل البنى الذهنية القديمة، لكنها أظهرت أن التحديث في المغرب لا يمكن أن يتم بمجرد سن القوانين. فالقانون قد يتغير، لكن العقل الاجتماعي قد يظل مشدودًا إلى تصورات قديمة. ومن هنا فإن معركة المدونة لم تكن فقط معركة نصوص قانونية، بل معركة سلطة دينية، وتأويل، وتربية، وثقافة، وإعلام، ومدرسة، ونخبة.
ولهذا يمكن اعتبار مدونة الأسرة مختبرًا مبكرًا لفهم طبيعة عهد محمد السادس: إصلاح متدرج، محسوب، يحاول أن يدخل الحداثة من باب الاستقرار، ويستعمل الشرعية الدينية لتفكيك جزء من سلطة التقليد، لكنه يصطدم دائمًا بقوى قادرة على تخويف المجتمع من كل تغيير يمس البنية العميقة للأسرة والدين والهوية.
سادسًا: نحو ثورة ثقافية هادئة
تحرير الدين من الجمود وتغيير العقليات التقليدية
إذا كان شعار الأصالة والمعاصرة قد كشف حاجة المغرب إلى صيغة توفق بين الجذور والعصر، فإن ما كان يحتاجه البلد، في العمق، لم يكن مجرد شعار سياسي أو واجهة حزبية، بل ثورة ثقافية هادئة وعميقة تعيد بناء علاقة المجتمع بالدين، والعقل، والمرأة، والعلم، والقانون، والحرية. فالمغرب لم يكن محتاجًا إلى تحديث البنيات فقط، بل إلى تحديث الوعي الذي يتعامل مع هذه البنيات. ذلك أن الطرق والموانئ والقطارات والإدارات الرقمية لا تصنع وحدها مجتمعًا حديثًا إذا ظل العقل الجمعي محكومًا بالخوف من السؤال، وبالخلط بين الدين والفهم الديني، وبالريبة من كل اجتهاد جديد، والخوف من التغيير.
غير أن هذه الثورة الثقافية لا ينبغي أن تُفهم بوصفها ثورة ضد الدين أو قطيعة مع الهوية الإسلامية للمغرب. فالتجربة المغربية لا يمكن أن تُبنى على استنساخ النموذج الفرنسي الذي تشكل تاريخيًا في مواجهة الكنيسة والإقطاع والملكية المطلقة؛ لأن الإسلام في المغرب ليس كنيسة وسيطة بين الإنسان وربه، ولا مؤسسة كهنوتية تحتكر الخلاص، بل هو أحد أعمدة الهوية الوطنية والروحية والاجتماعية. لذلك فإن الثورة الثقافية المطلوبة ليست ثورة على الإسلام، بل ثورة على التأويل الخاطئ والمغلق للإسلام؛ ليست ثورة ضد التدين، بل ضد تحويل التدين إلى سلطة اجتماعية تمنع السؤال، وتخاف من الاجتهاد، وتستعمل الدين لحراسة الماضي.
ومن هنا يمكن القول إن المغرب يحتاج إلى ثورة مفاهيم قرآنية قبل أن يحتاج إلى ثورة شعارات سياسية. ثورة تعيد تحرير مفاهيم الدين، والعدل، والمرأة، والأسرة، والطاعة، والحرية، والعلم، والمواطنة، والدولة، والسلطة، من الطبقات التاريخية التي جعلتها في كثير من الأحيان أدوات ضبط اجتماعي بدل أن تكون آفاقًا للتحرر الأخلاقي والعمراني. فالدين، في جوهره القرآني، لا يعادي العلم ولا العقل ولا الكرامة ولا الإصلاح، ولكن الفهم الديني حين يُغلق على نفسه، ويتحول إلى امتياز بيد فئة بعينها، يصبح عائقًا أمام كل محاولة لتغيير ما بالنفوس.
وهنا تستعيد الآية القرآنية معناها الحضاري العميق:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).
فالتغيير لا يبدأ من الإسمنت والحديد وحدهما، بل من الداخل: من طريقة التفكير، ومن معنى الدين في الوعي العام، ومن علاقة الإنسان بالمرأة والسلطة والعلم والقانون والحرية. فإذا لم يتغير هذا الداخل، بقيت العصرنة سطحية، وبقيت المعاصرة شكلية، وبقيت الحداثة مؤجلة، مهما كثرت المشاريع الكبرى وتعددت خطابات الإصلاح.
وكان يفترض أن يضطلع المثقفون والباحثون والجامعيون والإعلاميون والمربون بهذا الدور، لا باعتبارهم خصومًا للدين، بل باعتبارهم شركاء في تحرير الدين من الاحتكار والتوظيف الأيديولوجي. فالساحة الدينية ليست هامشًا في معركة التحديث المغربي، بل هي إحدى ساحاته المركزية؛ لأن كثيرًا من مواقف المجتمع من المرأة، والمدرسة، والفن، والحرية، والقانون، والدولة، تمر عبر الفهم الديني السائد. ومن ثم، فإن ترك هذا المجال للقوى المحافظة وحدها يعني ترك مفاتيح التحديث في يد من يخافون منه.
إن تحديث العقلية المغربية لا يعني اقتلاع المجتمع من جذوره، بل يعني إعادة وصل هذه الجذور بقيمها الكبرى لا بتراكماتها الجامدة. فالأصالة ليست أن نبقى أسرى الماضي، بل أن نستخرج من الماضي ما يعيننا على بناء المستقبل. والهوية ليست أن نخاف من العالم، بل أن ندخل العالم بثقة. والدين ليس أن نغلق باب السؤال، بل أن نحرر الإنسان من الجهل والظلم والخرافة والاستبداد الرمزي. بهذا المعنى، تصبح الثورة الثقافية شرطًا من شروط التحديث، لا بديلًا عنه ولا خصمًا له.
غير أن هذه الثورة لم تقع بالقدر المطلوب. فقد غاب المثقف أو تردد، وخافت قطاعات واسعة من النخبة من الاقتراب من الحقل الديني حتى لا تُتهم بمعاداة الإسلام أو خدمة التغريب، بينما وجدت قوى التأخير المجال مفتوحًا لتحتكر الحديث باسم الدين والهوية. وهكذا ظل التحديث في المغرب، في كثير من محطاته، مشروع دولة أكثر منه قناعة اجتماعية عامة؛ وتغيرت البنيات أسرع مما تغيرت العقليات؛ وتقدمت العصرنة في العمران والإدارة والتجهيز، بينما بقيت الحداثة الثقافية محاصرة بالخوف من السؤال وبسلطة التأويل التقليدي.
ولعل ما كان يحتاجه المغرب، في عمق هذه المرحلة، لم يكن مجرد شعار حزبي باسم الأصالة والمعاصرة، بل ثورة ثقافية هادئة وعميقة تعيد بناء علاقة المجتمع بالدين والعصر. غير أن هذه الثورة لا يمكن أن تكون نسخة مغربية من الثورة الثقافية الفرنسية التي قامت، في سياقها التاريخي الخاص، ضد تحالف الكنيسة والإقطاع والملكية المطلقة؛ لأن المغرب ليس فرنسا، والملكية ليست إقطاعا، والإسلام في الوجدان المغربي ليس كنيسة وسيطة بين الإنسان وربه، ولا مؤسسة لاهوتية مغلقة تحتكر الخلاص، بل هو أحد أعمدة الهوية الجماعية، ومصدر رمزي وأخلاقي عميق في حياة المغاربة.
لذلك فإن الثورة الثقافية المطلوبة في المغرب لا ينبغي أن تكون ثورة ضد الدين، بل ثورة ضد التأويل الخاطئ للدين؛ لا ثورة على الإسلام، بل ثورة على الفهم الذي يحوّل الإسلام إلى أداة تعطيل وتخويف ووصاية؛ لا ثورة تستورد العداء الغربي للمقدس، بل ثورة مفاهيم قرآنية تعيد الدين إلى مقاصده الكبرى: العدل، والعلم، والرحمة، والكرامة، والأمانة، والحرية المسؤولة، وإصلاح النفس والمجتمع. فالمشكلة ليست في القرآن، بل في طبقات الفهم التي حجبت كثيرًا من معانيه الحية، وليست في التدين، بل في تحويل التدين إلى سلطة اجتماعية ترفض السؤال وتخاف من الاجتهاد، وتشجع الجمود والتواكل.
ومن هنا كان المفترض أن يقود المثقفون والباحثون والجامعيون والإعلاميون والمربون هذه الثورة المفاهيمية، لا باعتبارهم خصومًا للدين، بل باعتبارهم شركاء في تحريره من الاختزال والاحتكار. فالساحة الدينية ليست هامشًا في معركة التحديث المغربي، بل هي الساحة التي يمكن أن ينطلق منها كل تغيير حقيقي في العقلية التقليدية. ذلك أن المجتمع الذي يعتقد أن وضع المرأة، أو علاقة المواطن بالدولة، أو حدود الحرية، أو معنى العلم، أو مفهوم الطاعة، أو دور الفقيه، كلها مسائل محسومة نهائيًا باسم الدين، لن يستطيع أن يدخل الحداثة إلا دخولًا سطحيًا ومضطربًا.
ولهذا فإن تجديد الفهم الديني ليس ترفًا فكريًا، بل شرط من شروط التحديث. فلا يمكن تحديث المدرسة إذا بقي العقل محكومًا بالحفظ والطاعة لا بالسؤال والنقد. ولا يمكن تحديث الأسرة إذا بقيت المرأة محصورة في تأويلات فقهية قديمة لا تستحضر مقصد الكرامة والشراكة. ولا يمكن تحديث الدولة إذا بقي القانون مهددًا دائمًا بتهمة الخروج عن الدين كلما حاول حماية الحرية أو المساواة أو المصلحة العامة. ولا يمكن تحديث المجتمع إذا بقيت قوى التأخير قادرة على تحويل كل نقاش عقلي إلى معركة هوية، وكل اجتهاد إلى مؤامرة، وكل إصلاح إلى تغريب.
غير أن هذه الثورة الثقافية لم تقع بالقدر المطلوب. فقد غاب المثقف أو تردد، وخاف جزء من النخبة من دخول الحقل الديني حتى لا يُتهم بمعاداة الإسلام، بينما ترك آخرون المجال مفتوحًا لمن يحتكرون الكلام باسم الدين. وبذلك ضاعت فرصة تحويل شعار الأصالة والمعاصرة إلى مشروع وطني عميق لتحرير المفاهيم، وبقي التحديث محصورًا في قرارات الدولة ومبادراتها، بدل أن يتحول إلى اقتناع اجتماعي واسع. وهذا هو أحد أسباب البطء المغربي في الانتقال من العصرنة إلى الحداثة: فقد تغيرت البنيات أسرع مما تغيرت العقول.
خاتمة
تكشف تجربة ربع قرن من عهد محمد السادس أن تحديث المغرب لم يكن مسارًا تقنيًا بسيطًا، ولا مجرد انتقال من نقص في البنيات إلى وفرة في المشاريع، بل كان صراعًا عميقًا بين زمنين: زمن الدولة التي تريد أن تدخل العصر بأدوات التنمية والقانون والمؤسسات، وزمن ثقافي واجتماعي ما يزال مشدودًا إلى موروثات فقهية وعادات وتصورات تخاف من كل مراجعة جذرية. ومن هنا، فإن تقييم هذه المرحلة لا يكتمل إذا اكتفينا بقياس الطرق والموانئ والقطارات والمشاريع الكبرى، بل لا بد من قياس ما هو أعمق: هل تغير العقل الاجتماعي بالسرعة نفسها التي تغيرت بها واجهة الدولة؟ وهل استطاعت المعاصرة أن تتحول إلى حداثة، أم بقيت في كثير من المجالات عصرنة تقنية محاصرة بعقل تقليدي؟
لقد حاول الملك محمد السادس بذكاء أن يقود تحديثًا حذرًا، لا يصطدم مباشرة بالمجتمع، ولا يقطع مع هويته الإسلامية، ولا يستفز ذاكرته التاريخية، لكنه في الوقت نفسه لا يستسلم لقوى التأخير التي تستعمل الإيديولوجية الدينية والهوية الإسمية والأصالة الماضوية والخوف من التغريب لتعطيل الإصلاح. وكان هذا الحذر مفهومًا من زاوية تدبير الاستقرار، خصوصًا في بلد يعتبر الإسلام أحد أعمدة هويته الكبرى، لكن كلفته ظهرت في بطء الإصلاحات التي تمس البنية العميقة للمجتمع: الأسرة، المرأة، التعليم، الحريات، الاجتهاد الديني، وعلاقة القانون بالموروث الفقهي.
وقد بين ذلك أن المشكلة لم تكن في الدين ذاته، بل في احتكار الفهم الديني وتحويله إلى سلطة اجتماعية وسياسية. فالإسلام، في جوهره القرآني، لا يعادي العلم ولا العقل ولا العدل ولا الكرامة، بل يدعو إلى النظر والتدبر وتغيير ما بالنفوس قبل انتظار تغير الأحوال. غير أن الفهم الديني حين ينغلق، ويتحول إلى امتياز بيد قوى محافظة، يصبح عائقًا أمام كل حداثة حقيقية. ومن هنا لم يكن الصراع في المغرب بين الإسلام والحداثة، بل بين فهم حي للإسلام قادر على خدمة العمران والتقدم، وفهم تقليدي يستعمل الدين لحراسة الماضي ومنع المجتمع من مراجعة ذاته.
كما كشف شعار الأصالة والمعاصرة عن جوهر المعضلة المغربية. فمن حيث الفكرة، كان الشعار يعبر عن حاجة حقيقية إلى مصالحة الجذور مع العصر، والهوية مع التحديث، والدين مع العقل. لكنه ظل ملتبسًا حين تحول إلى عنوان حزبي أكثر منه مشروعًا ثقافيًا وطنيًا واسعًا، ثم جاءت أحداث الربيع العربي لتعيد ترتيب الأولويات، وتمنح التيار الإسلاموي نفسًا جديدًا، وتدفع الدولة إلى تغليب منطق الاستقرار والاحتواء على منطق الحسم الثقافي العميق. وهكذا بقي السؤال معلقًا: أي أصالة نريد؟ أصالة القيم الحية أم أصالة البنى الجامدة؟ وأي معاصرة نقصد؟ معاصرة المشاريع والبنايات أم حداثة العقل والقانون والمواطنة؟
ولعل أبرز ما كشفته مدونة الأسرة أن التحديث الحقيقي يبدأ حين يقترب الإصلاح من المناطق الحساسة في الوعي الجماعي. فالأسرة ليست مجرد مؤسسة اجتماعية وقانونية، بل مجال تتقاطع فيه السلطة الأبوية، والتأويل الديني، والعادة الاجتماعية، ومكانة المرأة، والخوف من الحرية. ولذلك لم تكن المدونة مجرد تعديل قانوني، بل كانت اختبارًا لطبيعة المشروع التحديثي كله: هل تستطيع الدولة أن تنتج اجتهادًا إصلاحيًا من داخل المرجعية الإسلامية؟ وهل يستطيع المجتمع أن يقبل بأن الفقه التاريخي ليس نهاية الدين؟ وهل تستطيع المرأة أن تنتقل من موقع التابع إلى موقع الشريك في البناء والكرامة والمسؤولية؟
غير أن هذا كله أظهر أيضًا حدود الدولة حين تتحرك وحدها. فالتحديث لا ينجح بقرار ملكي أو نص قانوني فقط، بل يحتاج إلى نخبة ثقافية شجاعة، ومدرسة عقلانية، وإعلام مسؤول، وجامعة قادرة على إنتاج المعنى، ومثقفين لا يتركون الحقل الديني لقوى التقليد وحدها. فقد كان غياب المثقف أو تردده أحد أسباب بطء المعركة الثقافية. وحين يغيب المثقف، يتقدم الداعية التقليدي والفقيه المحافظ والخطاب الشعبوي ليحتكروا الحديث باسم الدين والهوية والمجتمع.
ومن هنا تبدو الحاجة إلى ثورة ثقافية هادئة، لا ضد الإسلام ولا ضد هوية المغاربة، بل ضد الجمود والتقليد واحتكار المعنى. ثورة مفاهيم قرآنية تعيد الاعتبار للعقل، والعلم، والعدل، والكرامة، والحرية المسؤولة، وتفصل بين الدين كقيمة عليا، والفهم الديني كاجتهاد بشري قابل للنقد والمراجعة. فالمغرب لا يحتاج إلى حداثة لادينية تقتلع الإسلام من مجاله الرمزي، ولا إلى تقليد ديني يجمد المجتمع في الماضي، بل يحتاج إلى صيغة تاريخية خاصة به: تحديث يستند إلى القيم الحية في الدين، ويحررها من الاستغلال الأيديولوجي، ويفتح بها أبواب العلم والقانون والمواطنة.
وعليه، فإن حصيلة عهد محمد السادس في هذا الباب تبدو مركبة. فقد نجحت الدولة في دفع المغرب نحو العصرنة في مجالات عديدة، وفتحت ملفات اجتماعية وثقافية حساسة، وحاولت الموازنة بين التحديث والاستقرار. لكنها لم تنجح بعد في تحويل الحداثة إلى قناعة اجتماعية راسخة، ولا في تحرير النقاش الديني والثقافي من ابتزاز قوى التأخير. لذلك بقي المغرب، في جزء من تجربته، بلدًا يملك مظاهر العصر، لكنه ما يزال يخوض معركة صعبة من أجل امتلاك عقل العصر.
وهذه هي الخلاصة الكبرى لهذا الجزء من التقويم: لا يمكن تحديث بلدٍ ما لم يتغير وعيه بنفسه، ولا يمكن لمجتمع أن يدخل المستقبل إذا ظل يخاف من مراجعة ماضيه. فالمعاصرة لا تكفي إذا لم تتحول إلى حداثة، والأصالة لا تنفع إذا تحولت إلى سجن، والدين لا يؤدي وظيفته الحضارية إذا تُرك رهينة لمن يستعملونه ضد العلم والعقل والحرية. ومن هنا، فإن معركة التحديث في المغرب لم تنته بعد؛ لأنها لم تعد معركة الدولة وحدها، بل معركة المجتمع مع نفسه، ومعركة النخبة مع خوفها، ومعركة الدين مع التأويل الذي حجبه عن مقاصده الكبرى.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق