مناهج التفسير المعاصرة 03: القراءة الحضارية والسننية (07)

 

القرآن بوصفه كتاب بناء لا كتاب وعظ فقط


من المناهج التي أخذت تتشكل في الفكر الإسلامي المعاصر ما يمكن تسميته بـ القراءة الحضارية والسننية للقرآن. وهي قراءة لا تكتفي بالنظر إلى القرآن بوصفه كتاب عقائد وأحكام ومواعظ، بل تقرؤه بوصفه كتابًا يكشف سنن قيام الأمم وسقوطها، وشروط النهوض، وأسباب الهلاك، وقوانين التدافع، ومسؤولية الإنسان في بناء العمران على أساس العدل والتوحيد.


وهذا الاتجاه يختلف عن القراءة الوعظية التي تكتفي بإثارة العاطفة، كما يختلف عن القراءة الفقهية التي تركز على الأحكام التفصيلية، وعن القراءة الكلامية التي تنشغل بقضايا العقيدة المجردة. فالقراءة الحضارية تسأل: ماذا يقول القرآن عن حركة التاريخ؟ كيف تنهض أمة؟ لماذا تسقط الأمم؟ ما علاقة الإيمان بالعمل؟ ما أثر الظلم والفساد في انهيار المجتمعات؟ كيف تتحول النعم إلى نقم؟ كيف تعمل السنن الإلهية في الاجتماع البشري؟ .../...


وهذا السؤال ليس غريبًا عن القرآن، بل هو من صميمه. فالقرآن لا يذكر قصص الأنبياء والأمم السابقة لمجرد السرد، ولا يعرض مصائر عاد وثمود وفرعون وقوم نوح وقوم لوط وبني إسرائيل لمجرد العبرة الأخلاقية العامة، بل يكشف من خلالها سننًا ثابتة: سنة الاستكبار، وسنة الظلم، وسنة التكذيب، وسنة الفساد، وسنة التدافع، وسنة التغيير، وسنة التداول، وسنة الهلاك حين تنغلق الأمة على الباطل وترفض الإصلاح.


ومن هنا تصبح الآيات التي تدعو إلى السير في الأرض والنظر في عواقب السابقين آيات تأسيسية في القراءة السننية. فالقرآن يربط الإيمان بالنظر في التاريخ، ويجعل التاريخ مجالًا لاكتشاف قانون أخلاقي واجتماعي، لا مجرد أرشيف للوقائع. فالأمة لا تسقط عبثًا، ولا تنهض عبثًا، ولا يغير الله حال قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وهذا يعني أن التاريخ ليس فوضى، بل مجال سنن، وأن الإيمان لا يلغي السنن، بل يجعل الإنسان أكثر وعيًا بها ومسؤولية أمامها.


وقد برز هذا المنحى عند بعض مفكري النهضة والإصلاح، خاصة عند مالك بن نبي، الذي قرأ أزمة المسلمين قراءة حضارية لا فقهية فقط. فقد رأى أن مشكلة الأمة ليست في الاستعمار وحده، بل في القابلية للاستعمار؛ أي في خلل داخلي يصيب الإنسان والثقافة والعلاقات الاجتماعية، فيجعل المجتمع قابلًا للغلبة والتبعية. وهذه الفكرة قريبة جدًا من المنطق القرآني الذي يجعل التغيير يبدأ من النفس قبل الخارج، ومن البنية الداخلية قبل الصدام مع الآخر.


وفي ضوء هذا التحليل، لا يكون القرآن كتاب عزاء للمهزومين فقط، بل كتاب تشخيص وإعادة بناء. إنه يعلّم الأمة أن الهزيمة ليست قدرًا غامضًا، بل نتيجة تراكمات: ظلم، تفرق، كسل، تعطيل للعقل، ضياع للأمانة، غياب للعدل، وفساد في علاقة الإنسان بالوقت والعمل والعلم والعالم. ومن هنا فإن العودة إلى القرآن لا تعني تكرار الشعارات، بل اكتشاف السنن التي حكمت سقوطنا وتستطيع أن تحكم نهوضنا إذا فُهمت وعُمل بها.


وهذا ما يجعل القراءة الحضارية مختلفة عن الخطاب الوعظي التقليدي. فالوعظ قد يقول للناس: عودوا إلى الدين حتى تنتصروا. أما القراءة السننية فتسأل: أي عودة؟ هل هي عودة إلى التلاوة فقط؟ أم إلى تراث الآباء والأجداد؟ أم إلى السنن التي يقررها القرآن في بناء الإنسان والمجتمع؟ هل يكفي أن نرفع شعار الإسلام هو الحل دون أن نقدم للناس الحل، أم لا بد أن نعيد بناء الإنسان القادر على العمل، والعقل القادر على الفهم، والمجتمع القادر على العدل، والسلطة الخاضعة للشورى والمحاسبة؟


فالقرآن لا يعد بالنصر لمجرد الانتساب، ولا يجعل الإيمان شعارًا يعفي أصحابه من شروط التاريخ. لقد انهزم مسلمون في التاريخ، وانتصر غيرهم، لأن السنن لا تحابي الأسماء والصفات. ومن هنا فإن القراءة السننية تكشف خطر التدين الوهمي الذي يظن أن مجرد رفع الراية الدينية يكفي لتجاوز قوانين العمل والعلم والتنظيم والعدل. والقرآن نفسه يقرر أن السنن جارية على الجميع، وأن الظلم والفساد والتفرق أسباب هلاك، ولو حمل أهلها أسماء وصفات دينية.


ومن هنا نفهم عمق المقولة المشهورة التي تلخص معنى سننيًا بالغ الدلالة: إن العدل شرط بقاء، والظلم سبب هلاك. فالأسماء الدينية لا تنقذ أمةً أفسدها الظلم، كما أن الكفر الاعتقادي لا يمنع قيام عمران دنيوي إذا قامت شؤونه على قدر من العدل وحفظ الحقوق. ذلك أن سنن الله في الاجتماع لا تحابي الشعارات، ولا تمنح صكّ النجاة لمن يرفع اسم الدين ثم يهدم مقاصده الكبرى في القسط، والأمانة، والعدل، والرحمة، وصيانة كرامة الإنسان.


وهذا المعنى شديد الأهمية في نقد الوعي الإسلامي المعاصر. فقد اعتادت بعض الخطابات أن تفسر تخلف المسلمين بالمؤامرة وحدها، أو بالابتعاد الشعائري عن الدين وحده، أو بالاستعمار وحده. وهذه كلها عوامل قد يكون لها أثر، لكنها لا تكفي. فالقرآن يعلّمنا أن الخارج لا ينتصر إلا حين يختل الداخل، وأن العدو لا يملك أن يهدم أمة متماسكة عاقلة عادلة إلا إذا كانت تحمل في داخلها أسباب الضعف والهزيمة.


ومن هنا فإن القراءة الحضارية تعيد الاعتبار إلى مفهوم المسؤولية الجماعية. فالأمة ليست ضحية فقط، بل مسؤولة أيضًا. مسؤولة عن تعطيل العقل، وعن تقديس الاستبداد، وعن إهمال العلم، وعن تحويل الدين إلى طقوس بلا أثر عمراني، وعن ترك الشورى، وعن تضييع الوقت، وعن قبول الظلم، وعن تحويل الفقه إلى سلطة، وعن تحويل القرآن إلى كتاب تبرك لا كتاب بناء.


لكن هذه القراءة تحتاج إلى ضبط حتى لا تتحول إلى قراءة مادية باردة للتاريخ. فالسنن في القرآن ليست قوانين اجتماعية منفصلة عن الله، بل هي سنن الله. وهذا فرق جوهري. فالقرآن لا يقدم التاريخ بوصفه حركة عمياء، ولا الاجتماع بوصفه ميكانيكا بشرية مكتفية بذاتها، بل يربط السنن بمشيئة الله وعدله وحكمته. ومن هنا فإن السننية القرآنية تجمع بين الإيمان والعمل، بين الغيب والشهادة، بين الدعاء والأخذ بالأسباب، بين التوكل وبدل الجهد.


وهنا يظهر الخلل في اتجاهين متقابلين. اتجاه يلغِي السنن باسم التوكل، فيظن أن الدعاء يغني عن العمل، وأن النية تغني عن العلم، وأن الانتساب يغني عن التنظيم. واتجاه آخر يلغِي الغيب باسم السنن، فيقرأ التاريخ قراءة مادية خالصة، لا ترى في الكون إلا قوانين اجتماعية واقتصادية وسياسية. والمنهج القرآني يرفض الاثنين: لا قدرية خاملة، ولا مادية مغلقة.


فالقرآن يقول للإنسان: اعمل، وانظر، وسر في الأرض، وخذ بالأسباب، وأعدّ القوة، وأقم العدل، وغيّر ما بنفسك؛ لكنه يقول له أيضًا: لا تغتر بالأسباب، ولا تؤلّه القوة، ولا تنس أن الأمر لله من قبل ومن بعد، وأن النصر ليس مجرد نتيجة حسابية، وأن البركة والتوفيق والخذلان حقائق لا تُختزل في المعادلات المادية. بهذا التوازن تتشكل السننية القرآنية.


ومن أهم ما تكشفه القراءة الحضارية أن العدل شرط العمران. فالظلم في القرآن ليس مجرد ذنب فردي، بل قانون هدم اجتماعي. وكل أمة ينتشر فيها الظلم، ويستأثر فيها الأقوياء بالمال والقرار، وتُهدر فيها كرامة الضعفاء، وتتعطل فيها الشهادة بالحق، تحمل في داخلها أسباب السقوط. ومن هنا فإن أي مشروع نهضوي لا يجعل العدل مركزًا لا يمكن أن يكون قرآنيًا، ولو رفع شعارات دينية.


كما تكشف أن العلم شرط الاستخلاف. فالقرآن بدأ بـ “اقرأ”، ودعا إلى النظر في الآفاق والأنفس، ورفع قيمة العلم، وذم التقليد الأعمى. ومن ثم فإن أمة تهمل العلم، وتكتفي بالمواعظ، وتخاف من السؤال، وتستبدل التفكير بالحفظ، لا تستطيع أن تنهض بالقرآن. لأن القرآن لا يطلب عقلًا مقلدًا، بل عقلًا متدبرًا، يقرأ الوحي والكون والتاريخ معًا.


وتكشف كذلك أن الوحدة ليست شعارًا عاطفيًا، بل شرط قوة. فالقرآن يحذر من التفرق والتنازع لأنه يؤدي إلى الفشل وذهاب الريح. لكن الوحدة القرآنية ليست وحدة قهرية تحت سلطان مستبد، ولا وحدة مذهبية تلغي التنوع، بل وحدة على الحق والعدل والاعتصام بحبل الله. ولذلك فإن كل دعوة إلى الوحدة تتجاهل العدل والشورى تتحول إلى غطاء للاستبداد، وكل دعوة إلى الاختلاف تتجاهل الجامع القرآني تتحول إلى فتنة.


ومن هنا فإن القراءة الحضارية لا تكتفي بالنظر في الفرد، بل تنظر في شبكة العلاقات: علاقة الإنسان بالله، وعلاقته بنفسه، وبالوقت، وبالأرض، وبالمال، وبالسلطة، وبالعلم، وبالآخر. وهذه العلاقات كلها يصححها القرآن. فإذا صلحت، نشأت قابلية للنهوض. وإذا فسدت، نشأت قابلية للاستبداد والاستعمار والتفكك.


وهنا يمكن ربط هذا الاتجاه بمعادلة مالك بن نبي حول الإنسان والتراب والوقت والفكرة الموجهة. فالإنسان لا يصنع حضارة بمجرد وجوده العددي، والتراب لا يتحول إلى عمران بمجرد امتلاكه، والوقت لا يصبح تاريخًا بمجرد مروره؛ وإنما تبدأ الحضارة حين يصبح الإنسان حاملًا لفكرة، مستثمرًا للأرض، واعيًا بقيمة الزمن، متجهًا نحو غاية أخلاقية وعمرانية واضحة. والقرآن، في هذا المعنى، هو المصدر الأعلى للفكرة الموجهة التي تمنح هذه العناصر معناها واتجاهها.


غير أن القراءة الحضارية قد تقع في خطر آخر، وهو تحويل القرآن إلى كتاب تنمية أو فلسفة حضارة فقط. فالقرآن أوسع من ذلك. هو كتاب توحيد وهداية ونجاة وعبادة وتزكية وآخرة، كما هو كتاب عدل وسنن وعمران. فإذا اختزلناه في النهضة والحضارة، وقعنا في نوع جديد من الاختزال، كما وقع غيرنا حين اختزله في الفقه أو السياسة أو الروحانيات. لذلك يجب أن تبقى القراءة الحضارية داخل الرؤية الكلية للقرآن، لا أن تنصب على جانب منها لتحتكره.


ومن هنا ينبغي القول إن القرآن يبني الحضارة، لكنه لا يقدّس الحضارة. فهو لا يجعل العمران غاية نهائية، بل يجعله ميدانًا للأمانة والابتلاء. وقد تنهض أمة ماديًا وهي ظالمة أو غافلة أو مستكبرة، لكن القرآن لا يسمي هذا نجاحًا كاملًا. فالحضارة في الميزان القرآني لا تقاس بالقوة والإنتاج وحدهما، بل بالعدل، والرحمة، والتوحيد، وكرامة الإنسان، ومآل العمل عند الله.


وهذا يميز القراءة الحضارية القرآنية عن القراءة الحضارية المادية. فالأولى تجعل العمران خادمًا للإنسان والحق، والثانية قد تجعل الإنسان خادمًا للإنتاج والقوة. الأولى ترى الحضارة أمانة، والثانية قد تراها سيطرة. الأولى تجعل التقدم محكومًا بالميزان، والثانية قد تجعل التقدم نفسه ميزانًا. ومن هنا فإن القرآن لا يمنع الحضارة، بل يمنع تأليهها.


ومن أخطر أخطاء بعض الخطابات النهضوية أنها تتعامل مع الحضارة الغربية بوصفها النموذج النهائي للنجاح، ثم تحاول أن تقيس القرآن عليها. فإذا وجدت في القرآن ما يشبه العقلانية الغربية فرحت، وإذا وجدت فيه ما لا يوافقها تأولت أو اعتذرت. وهذا قلب للميزان. فالقرآن لا يحتاج إلى أن يثبت صلاحيته لأنه يوافق الحضارة الحديثة، بل الحضارة الحديثة نفسها تحتاج إلى أن تُقرأ في ضوء القرآن: ماذا حققت من عدل؟ وماذا أفسدت من إنسان؟ ماذا أنجزت من علم؟ وماذا صنعت من قلق واستلاب وتشييء؟ ماذا قدمت من حرية؟ وماذا أنتجت من عبودية للسوق والقوة والرغبة؟


فالقراءة الحضارية القرآنية لا تنبهر بالحضارة ولا تعاديها بلا تمييز. تنظر إلى منجزاتها في العلم والتنظيم والمؤسسات والحقوق، وتنتفع بها حيث تخدم الإنسان والعدل. لكنها في الوقت نفسه تكشف اختلالاتها: عبادة القوة، مركزية الاستهلاك، تدمير البيئة، تحويل الإنسان إلى رقم، والمرأة إلى سلعة استعراضية، صناعة القلق، تفكيك الروابط، هيمنة السوق، وتأليه التقنية. ومن هنا يكون القرآن ميزانًا للحضارة، لا مجرد دافع للّحاق بها.


كما أن هذه القراءة تساعد على نقد التدين الانسحابي. فبعض التدين يرى النجاة في ترك العالم، والاشتغال بالعبادة الفردية، والابتعاد عن صراعات العمران والسياسة والاقتصاد. لكن القرآن لا يقبل هذا الانسحاب بوصفه غاية. فالإنسان مستخلف في الأرض، وحامل للأمانة، ومسؤول عن القسط. والعبادة التي لا تصنع عدلًا، ولا أمانة، ولا إصلاحًا، ولا رحمة بالخلق، تحتاج إلى مراجعة من جهة أثرها لا من جهة صورتها فقط.


وفي المقابل، تساعد القراءة الحضارية على نقد التدين المادي الذي يريد تحويل الإسلام إلى برنامج تنمية أو مشروع دولة أو أداة قوة. فالقرآن لا يريد حضارة بلا قلب، ولا دولة بلا تقوى، ولا قوة بلا رحمة، ولا عمرانًا بلا آخرة. فإذا صار الدين مجرد وقود للمشروع الحضاري، فَقد فُقد جوهره. فالحضارة في القرآن ثمرة للهداية، لا بديل عنها.


ومن هنا فإن القراءة الحضارية الصحيحة تحتاج إلى ربط السنن بالمقاصد. فالسنن تقول لنا: كيف تعمل حركة التاريخ؟ والمقاصد تقول لنا: إلى أين ينبغي أن تتجه هذه الحركة؟ فقد يعرف الإنسان قوانين القوة والاقتصاد والتنظيم، لكنه يستعملها في الظلم والسيطرة. لذلك لا يكفي فهم السنن؛ لا بد أن تُحكم بالعدل والرحمة والتوحيد. فالسنن بلا مقاصد قد تصنع إمبراطورية، لكنها لا تصنع أمة شاهدة.


كما تحتاج هذه القراءة إلى ربط الحضارة بالتزكية. فالأمم لا تنهض بمجرد الخطط والمؤسسات، بل بالإنسان الذي يحملها. فإذا كان الإنسان فاسدًا في قلبه، مريضًا بالطمع، خاضعًا للهوى، مستعدًا للرشوة، خائفًا من السلطة، مستسلمًا للكسل، فلن تنفعه المؤسسات كثيرًا. ومن هنا كان القرآن يبدأ من النفس: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}. فالتغيير الحضاري يبدأ من الداخل، لكنه لا يتوقف عند الداخل.


وتحتاج أيضًا إلى ربط السنن بالمسؤولية لا باليأس. فقد يتحول الحديث عن السنن إلى خطاب ثقيل يقول للأمة: أنتم سبب هزيمتكم، فينتج عقدة الضحية وجلدًا للذات بلا أمل. والقرآن لا يفعل ذلك. إنه يكشف الأسباب ليفتح باب الإصلاح، لا ليغلقه. فإذا كانت الهزيمة لها سنن، فالنهوض له سنن أيضًا. وإذا كان الظلم يهدم، فالعدل يبني. وإذا كان التفرق يضعف، فالاعتصام يقوي. وإذا كان تغيير النفس شرطًا، فهذا يعني أن الباب مفتوح لمن أراد أن يبدأ.


ومن هنا فإن القراءة الحضارية ينبغي أن تكون قراءة باعثة على الأمل ومحفزة على الفعل، لا قراءة تؤدي إلى الإستسلام وتزيد من منسوب الإحباط. فالقرآن حين يقص مصائر الأمم لا يريد أن يخيف الإنسان فقط، بل يريد أن يعلمه. وحين يكشف سنن الهلاك، فإنه يفتح في المقابل سنن النجاة. وحين يقول إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فهو لا يعلن حكمًا قاسيًا فحسب، بل يمنح الإنسان مفتاح التغيير.


ومن ثمرات هذه القراءة أنها تساعد على فهم العلاقة بين الفرد والأمة. فالقرآن يخاطب الفرد، لكنه لا يعزله عن الجماعة. ويخاطب الأمة، لكنه لا يذيب الفرد فيها. فالسقوط الحضاري ليس ذنب الحاكم وحده، ولا ذنب الفرد وحده، بل نتيجة شبكة من الاختلالات: حاكم مستبد، ونخبة مبررة، وعامة خائفة، وعلماء صامتون، وتربية مشوهة، واقتصاد ظالم، وثقافة تقتل السؤال. ولذلك فالإصلاح لا يكون بوعظ الفرد وحده، ولا بتغيير الحاكم وحده، بل بإعادة بناء شبكة كاملة من القيم والمؤسسات والعلاقات.


وهنا تظهر أهمية مفهوم “الأمانة” في القراءة الحضارية. فالإنسان لم يُخلق ليعيش بلا مسؤولية، بل بأداء الأمانة. وهذه الأمانة ليست مجرد تكليف فردي، بل مسؤولية عن النفس، والمال، والعلم، والسلطة، والأرض، والوقت، والعلاقات. فإذا ضاعت الأمانة، انهار العمران ولو بقيت الشعائر. وإذا حضرت الأمانة، صار كل مجال من مجالات الحياة عبادة بمعناها الواسع: العمل، والتعليم، والحكم، والبحث، والإنفاق، والعمران.


كما يظهر مفهوم “الميزان”. فالقرآن لا يطلب بناء حضارة بأي ثمن، بل حضارة موزونة: لا إفراط في المادة، ولا رهبانية تترك الدنيا؛ لا سلطة بلا عدل، ولا حرية بلا مسؤولية؛ لا علم بلا أخلاق، ولا عبادة بلا أثر؛ لا قوة بلا رحمة، ولا رحمة تترك الظلم بلا مقاومة. والميزان هو ما يمنع الحضارة من التحول إلى طغيان، ويمنع الدين من التحول إلى تواكل وانسحاب.


ومن هنا فإن القراءة الحضارية للقرآن تصلح أن تكون ردًا على سؤال النهضة، لكنها لا تكون كافية وحدها إلا إذا اندمجت في قراءة قرآنية جامعة. فهي تحتاج إلى التفسير الموضوعي لاستخراج السنن، وإلى القراءة المقاصدية لتحديد الغايات، وإلى القراءة المفاهيمية لتحرير مفاهيم الأمة والعدل والاستخلاف والعمران، وإلى القراءة الواقعية لفهم شروط التنزيل، وإلى التزكية حتى لا تتحول الحضارة إلى مشروع قوة بلا روح.


وخلاصة هذا الفصل أن القراءة الحضارية والسننية من أهم إضافات الفكر الإسلامي المعاصر؛ لأنها أعادت الانتباه إلى أن القرآن كتاب بناء، لا كتاب وعظ وإرشاد فقط، وأنه يكشف سنن النهوض والسقوط، لا مجرد أحكام شرعية أو فردية. لكنها لا تكون قرآنية إلا إذا جمعت بين السنن والإيمان، وبين العمل والتوكل، وبين العمران والآخرة، وبين الحضارة والميزان. فالقرآن لا ينهض بالأمة حين يُستعمل شعارًا، بل حين تُفهم سننه وتُقام قيمه في الإنسان والواقع والتاريخ.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق