هل ينتقل الخلاف المغربي الإسباني من سبتة ومليلية إلى أعماق الأطلسي؟

 

من سبتة ومليلية إلى جبل تروبيك

حين تتعدد مسارح المساومة


تمهيد: من سبتة ومليلية إلى جبل تروبيك: حين تتعدد مسارح المساومة


انتهت زيارة الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى سبتة ومليلية، لكن سؤال تداعياتها على العلاقة المغربية الإسبانية يظل مفتوحًا. فقد أكدت مدريد من خلالها تصورها السيادي لوضع المدينتين، بينما لم تقابلها الرباط باحتجاج دبلوماسي معلن يماثل ردها على زيارة خوان كارلوس سنة 2007. غير أن اختلاف الرد لا يكفي لاستنتاج قبول مغربي بالدلالة السياسية للزيارة؛ فالصمت يترك مجالًا لتفسيرات متعددة، ولا يقوم مقام الاعتراف أو التنازل.


وقد كشفت التغطية الإعلامية المصاحبة للزيارة عن هذا الالتباس. فبين رواية إسبانية نسبت إلى مصادر مجهولة وجود موافقة مغربية، وخطاب إعلامي مغربي وصف المناسبة بالاستفزاز، بقي الفارق قائمًا بين العلم المسبق بالزيارة، واحتمال التنسيق لاحتواء تداعياتها. وهذه مستويات مختلفة لا يجوز جمعها في استنتاج واحد، خصوصًا حين تغيب التصريحات الرسمية التي تحسم طبيعة ما جرى خلف الأبواب المغلقة.../...


لكن أهمية الزيارة لا تنحصر في تفسير الصمت المغربي. فهي تطرح سؤالًا أوسع عن كيفية إدارة الخلاف بين بلدين تجمعهما مصالح اقتصادية وأمنية متشابكة، وتفصل بينهما نزاعات تاريخية وحسابات سيادية متعارضة. فقد تدفع الحاجة إلى التعاون نحو التهدئة في ملف، بينما يستمر التنافس أو التفاوض في ملفات أخرى، تبعًا لموازين القوة وكلفة التصعيد والعوائد المنتظرة.


ومن هنا ينبغي توسيع زاوية النظر. فالعلاقة المغربية الإسبانية تشمل، إلى جانب سبتة ومليلية والهجرة، قضايا الصحراء والطاقة والموانئ والصيد البحري والربط التجاري. كما تتصل بمجال أقل حضورًا في النقاش العام، تتداخل فيه الجغرافيا بالقانون الدولي والبحث العلمي والمصالح الاقتصادية: تحديد المجالات البحرية وامتداد الجرف القاري والثروات المحتملة في أعماق الأطلسي.


فإذا كانت سبتة ومليلية تمثلان الوجه المرئي للصراع على السيادة عند الضفة المتوسطية، فإن جبل تروبيك يمثل وجهه الغارق في الأعماق الأطلسية. ولا يتعلق الأمر قانونيًا بنزاع بسيط حول «ملكية جبل»، بل بتحديد الجرف القاري الخارجي، وتداخل المطالب البحرية بين المغرب وإسبانيا، ووضع المياه الممتدة قبالة الصحراء والكناري، وما يترتب على ذلك من حقوق في استكشاف قاع البحر واستغلال موارده.


لقد بقيت الجغرافيا ثابتة، لكن قيمتها تغيرت بتغير الموارد والقانون والتكنولوجيا وموازين القوة. فما كان نقطة بعيدة في قاع المحيط أصبح مهمًا مع ارتفاع الطلب على التيلوريوم والكوبالت والنيكل والفاناديوم والعناصر الأرضية النادرة. وهكذا ننتقل من زيارة ملكية فوق اليابسة إلى صراع صامت تحت الماء، ومن السيادة الرمزية على مدينتين إلى الحقوق السيادية على الجرف القاري. وفي الحالتين يواجه المغرب السؤال نفسه: هل يكتفي بإدارة الوقائع عند ظهورها، أم يجمع مختلف المجالات داخل استراتيجية واحدة؟



أولًا: ما جبل تروبيك، ولماذا أصبح مهمًا؟


تروبيك جبل بركاني غارق في المحيط الأطلسي، يقع جنوب غربي جزر الكناري وغرب الساحل الصحراوي، عند نحو 23 درجة و55 دقيقة شمالًا و20 درجة و45 دقيقة غربًا، وتظل قمته على عمق يقارب ألف متر تحت سطح البحر. وينتمي إلى سلسلة من الجبال البحرية القديمة التي تراكمت فوق صخورها قشور من الحديد والمنغنيز تحتوي على التيلوريوم والكوبالت والنيكل والفاناديوم وبعض العناصر الأرضية النادرة.


وتستمد هذه العناصر أهميتها من وظائفها في الاقتصاد التكنولوجي الجديد؛ فالتيلوريوم يدخل في بعض الألواح الشمسية، والكوبالت والنيكل مهمان للبطاريات وتخزين الطاقة، وتُستخدم العناصر الأرضية النادرة في الإلكترونيات والمغناطيسات والمحركات والاتصالات والتقنيات العسكرية. وكلما تسارع الانتقال الطاقي والرقمي، ازدادت القيمة الاستراتيجية لمصادرها.


وقد أكدت أبحاث المعهد الجيولوجي والمعدني الإسباني وجود قشور واعدة في الجبال الواقعة جنوب غربي الكناري، ومنها تروبيك. لكن التعدين في أعماق البحر ما يزال في مرحلة مبكرة، ويتطلب تقديرًا أدق للاحتياطات وتكنولوجيا واستثمارات كبيرة وضمانات بيئية وقانونية. ولذلك لا ينبغي تحويل الجبل إلى «كنز أسطوري»؛ فوجود المعادن لا يعني أن استخراجها ممكن أو مربح اليوم.


غير أن صعوبة الاستغلال الفوري لا تلغي القيمة الاستراتيجية. فالدول لا تنتظر نضج التكنولوجيا حتى تطالب بحقوقها، بل تجمع البيانات وتثبت مجالها القانوني قبل ذلك بعقود. فقيمة تروبيك اليوم ليست في المعدن الذي يمكن رفعه غدًا، بل في الحق الذي قد يسمح باستغلاله مستقبلًا.


وهنا تتداخل ثلاثة مستويات: مستوى جيولوجي يتعلق بطبيعة التكوينات وتركيز المعادن؛ ومستوى اقتصادي واستراتيجي يتصل بقيمتها للصناعة والطاقة والأمن التكنولوجي؛ ومستوى قانوني يبحث في وقوع الجبل ضمن جرف قاري يمكن إثبات امتداده، وفي تداخل المطالب الإسبانية والمغربية وأثر وضع الصحراء فيها.


ولا تُحسم المسألة بقياس المسافة إلى الكناري أو الساحل الإفريقي، ولا يصح وصف الجبل بأنه إسباني لأن بعثات إسبانية درسته، أو مغربي لمجرد وقوعه قبالة الساحل الصحراوي. فالمطروح هو تحديد الحدود الخارجية للجرف القاري وتسوية المطالب المتداخلة. أما تروبيك فهو العنصر الذي يمنح النقاش قيمته الاقتصادية والاستراتيجية.


وقد جمعت إسبانيا معطيات علمية تسعى إلى ربط الجبل بالامتداد الجيولوجي للكناري، ثم قدمت سنة 2014 ملفًا جزئيًا إلى لجنة حدود الجرف القاري التابعة للأمم المتحدة بشأن المنطقة الواقعة غرب الأرخبيل. لكن تقديم الملف لا يعني أن الأمم المتحدة منحتها السيادة على المنطقة؛ فاللجنة تفحص الأساس العلمي للحد الخارجي للجرف، ولا تفصل في النزاعات الإقليمية ولا ترسم الحدود بين الدول.


وهكذا بدأت معركة تروبيك قبل نزول أول آلة إلى القاع: بدأت بالخرائط والعينات والملفات القانونية. فقبل استخراج المعادن تُثبَّت الحقوق، وقبل ظهور المناجم تُرسم المجالات، وقبل أن يصبح الجبل ثروة يصبح ورقة في ميزان القوة.



ثانيًا: المنطقة الاقتصادية والجرف القاري — أي حق يبحث عنه الطرفان؟


لا ينشئ قانون البحار نطاقًا واحدًا للسيادة. فالبحر الإقليمي يمتد إلى اثني عشر ميلًا بحريًا وتمارس عليه الدولة سيادة مع مراعاة المرور البريء. وبعده تأتي المنطقة الاقتصادية الخالصة التي قد تصل إلى مائتي ميل، وتتمتع فيها الدولة بحقوق سيادية على الموارد واختصاصات في الطاقة والبحث والبيئة، من دون أن تتحول المياه إلى إقليم وطني كامل.


أما الجرف القاري فيتعلق بقاع البحر وباطن أرضه، لا بعمود المياه. وهو يشمل الامتداد الطبيعي للإقليم البري إلى الحافة الخارجية للهامش القاري، أو إلى مائتي ميل عندما لا يبلغ الامتداد الطبيعي تلك المسافة. وقد يتجاوز المائتي ميل إذا أثبتت الدولة ذلك ببيانات جيولوجية وهيدروغرافية وفق المادة 76 من اتفاقية قانون البحار، وفي حدود قصوى تضبطها الاتفاقية.


وتتمتع الدولة الساحلية فوق جرفها بحقوق حصرية في استكشاف الموارد المعدنية واستغلالها. لكن إثبات الامتداد بعد مائتي ميل لا يتم بقانون وطني أو خط يُرسم على الخريطة، بل بملف علمي يعرض على لجنة حدود الجرف القاري.


لهذا قدمت إسبانيا في 17 ديسمبر 2014 ملفها الجزئي بشأن المنطقة الواقعة غرب الكناري، مدعومًا بخرائط وبيانات تربط الجبال البحرية بالامتداد الجيولوجي للأرخبيل. غير أن السجل الأممي المحدث في سبتمبر 2026 ما زال يدرجه ضمن الطلبات التي لم تصدر بشأنها توصية نهائية. كما وجه المغرب مذكرتين بشأنه في مارس ويوليوز 2015، وقدمت البرتغال ملاحظاتها بحكم احتمال تأثر مجالاتها البحرية.


وحتى إذا اقتنعت اللجنة يومًا بالأساس العلمي للمطلب الإسباني، فلن يعني ذلك أنها رسمت الحدود مع المغرب أو حسمت وضع تروبيك لمصلحة مدريد. فالمادة 76 لا تمس ترسيم الحدود بين الدول المتقابلة أو المتجاورة، وتنص المادة 83 على إنجاز الترسيم بالاتفاق وفق القانون الدولي وصولًا إلى حل منصف. وبعبارة أوضح: اللجنة تحدد ما يمكن للدولة أن تطالب به جيولوجيًا، أما اقتسام المجالات المتداخلة فيحتاج إلى تفاوض أو تسوية مستقلة.


ولم يكتف المغرب بالاعتراض. فقد قدم في غشت 2015 معلومات أولية عن الحدود المحتملة لجرفه بعد مائتي ميل، واستكمل تحركه بمراسلة سنة 2017، مؤكدًا استمرار إعداد البيانات العلمية والتقنية. كما اقتنى، بتعاون وتمويل يابانيين، سفينة الأبحاث «الحسن المراكشي» القادرة على مسح الأعماق ودراسة قاع البحر والموارد والبيئة البحرية. وربطت تقارير إمكاناتها بدراسة المعادن البحرية وتروبيك، لكن المصادر الرسمية المتاحة لا تؤكد حتى الآن إنجاز حملة منشورة مخصصة للجبل أو إيداع نتائجها لدى الأمم المتحدة.


وفتح المغرب كذلك المجال لشركات إسرائيلية متخصصة في الطاقة لدراسة الأحواض الأطلسية المقابلة للأقاليم الجنوبية. ففي 2021 حصلت «Ratio Petroleum» على اتفاق استطلاع في منطقة «الداخلة الأطلسية» لإعادة معالجة البيانات الزلزالية بحثًا عن النفط والغاز، ثم دخلت «NewMed Energy» سنة 2022، إلى جانب «أداركو» والمكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن، في مشروع بمنطقة «بوجدور الأطلسية».


ولا تعني هذه الاتفاقيات تكليف إسرائيل بدراسة تروبيك، فالاستطلاع النفطي في الأحواض الرسوبية يختلف عن دراسة القشور المعدنية فوق جبل بركاني عميق. لكنها قد توسع قاعدة البيانات الجيولوجية والجيوفيزيائية، وتجلب خبرة تقنية وتكرس ممارسة الولاية المغربية على الرخص الاقتصادية قبالة الأقاليم الجنوبية.


ومع ذلك، لا تعادل المعلومات الأولية والقدرات البحثية ملفًا نهائيًا متكاملًا. فالسجل الأممي يتضمن الطلب الإسباني الكامل ولا يُظهر حتى الآن طلبًا مغربيًا نهائيًا مماثلًا. ولذلك لا يبدأ المغرب من الصفر، لكنه يقف بين إعلان الحق وإثباته. والتحدي هو تحويل المذكرات والمسوح والقدرات العلمية إلى خرائط وإحداثيات وحجج جيولوجية داخل مسار قانوني ودبلوماسي واضح.


وهنا يصبح تروبيك اختبارًا للتكامل الاستراتيجي: فلا تستطيع الخارجية حماية المطلب من دون علماء البحار والجيولوجيا، ولا يستطيع العلماء تحويل المعرفة إلى حق من دون القانونيين والدبلوماسيين، ولا ينتج الحق قيمة ما لم توجد قدرة اقتصادية وتكنولوجية على ممارسته.



ثالثًا: الصحراء والكناري — من أين يبدأ قياس البحر؟


كل مطالبة بحرية تبدأ من اليابسة؛ ولذلك ينتقل الخلاف حول وضع الساحل إلى المياه المقابلة وقاعها. فالكناري تقع قبالة الساحل المغربي والصحراوي، وتتقابل الإسقاطات البحرية الصادرة عن الجزر مع تلك الصادرة عن الساحل الإفريقي كلما امتدت جنوبًا وغربًا نحو تروبيك. ومن ثم يسبق سؤال المعادن سؤال آخر: من أي خطوط أساس تُقاس المسافات، وما الوزن الذي يُمنح للجزر والسواحل عند الترسيم، ومن يملك الصفة للمطالبة بالحقوق المنطلقة من الساحل الصحراوي؟


من وجهة النظر المغربية، الأقاليم الجنوبية جزء من التراب الوطني، ويولد ساحلها الحقوق نفسها التي تولدها بقية السواحل. وعلى هذا الأساس حدّث المغرب سنة 2020 منظومته القانونية البحرية. وأكد الملك محمد السادس، في خطاب الذكرى الخامسة والأربعين للمسيرة الخضراء، إدماج المجالات البحرية في المنظومة القانونية واستثمار مؤهلات الواجهة الأطلسية، مع الالتزام بالحوار مع إسبانيا في مناطق التداخل وفق قانون البحار.


وتجمع هذه الصياغة بين تأكيد السيادة والإقرار بأن القانون الوطني لا يرسم وحده حدًا نهائيًا في مواجهة دولة مقابلة. وينطبق الأمر نفسه على إسبانيا: فإيداع ملفها لا يجعل خطوطه نافذة في مواجهة المغرب، كما لا تحسم القوانين المغربية التداخل مع الكناري.


لكن الأمم المتحدة ما تزال تعد الصحراء إقليمًا غير متمتع بالحكم الذاتي لم يُحسم وضعه النهائي. وبذلك يتجاور مستويان: إدارة فعلية تمارس فيها الرباط الاختصاص وتمنح الرخص قبالة الساحل، ووضع أممي لا يعترف نهائيًا بسيادة دولة على الإقليم.


ولا يجعل ذلك كل نشاط اقتصادي غير قانوني تلقائيًا. فقد خلص المستشار القانوني للأمم المتحدة هانس كوريل سنة 2002 إلى أن عقود الاستطلاع النفطي لم تكن غير قانونية في ذاتها لأنها لم تبلغ الاستغلال الفعلي، لكنه أكد أن الاستكشاف والاستغلال إذا جريا في تجاهل لمصالح سكان الصحراء وإرادتهم خالفا المبادئ المطبقة على موارد الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. ومن ثم لا تمنح مشاركة شركة أجنبية النشاط شرعية تلقائية، كما لا يبطل اعتراض البوليساريو كل دراسة أو عقد من دون النظر في طبيعته وآثاره ومن ينتفع منه.


ويستند المغرب إلى الاستثمار والتنمية والبنية التحتية والمشاركة السياسية للسكان في الأقاليم الجنوبية، بينما يميز خصومه بين استفادتهم الاقتصادية والتعبير الحر عن إرادتهم السياسية. أما إسبانيا فلا تعترف رسميًا بسيادة المغرب الكاملة على الصحراء، لكنها تحتاج إلى التفاوض معه باعتباره الطرف الذي يدير الساحل ويملك القدرة الفعلية على الترخيص والمراقبة.


كما أن اتفاقية قانون البحار تمنح الجزر القادرة على إعالة حياة بشرية أو نشاط اقتصادي مناطق بحرية من حيث الأصل، لكن ذلك لا يعني منحها الأثر الكامل تلقائيًا عند مواجهة ساحل قاري طويل. ففي الترسيم تدخل أطوال السواحل وشكلها وموضع الجزر والمسافات ومتطلبات الحل المنصف. ولذلك لا يحسم قرب تروبيك من الكناري الحق لإسبانيا، ولا يحسم امتداد الساحل المغربي والصحراوي الحق للمغرب.


وقد أبقى الطرفان الخلاف داخل الحوار ومجموعة العمل البحرية، مما يمنع أزمة مفتوحة ويسمح باستمرار التعاون، لكنه يؤجل السؤال ولا يلغيه. فما يمكن إدارته بالغموض حين يصعب الوصول إلى الثروة قد يصبح موضع مواجهة عندما تسمح التكنولوجيا باستغلالها. فالصحراء والكناري ليستا خلفية لقضية تروبيك، بل مركزها القانوني.



رابعًا: مجلس الشيوخ الإسباني يعيد تروبيك إلى الواجهة


في فاتح أكتوبر 2026، وهو اليوم نفسه الذي أُعلن فيه موعد زيارة فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية، وافقت اللجنة العامة للمناطق ذاتية الحكم في مجلس الشيوخ الإسباني على مذكرة تدعو الحكومة إلى إعادة تنشيط مفاوضات ترسيم المجالات البحرية مع المغرب وحماية ما وصفته بالحقوق السيادية الإسبانية حول الكناري.


ولا يتعلق الأمر، خلافًا لما أوحت به بعض العناوين، بطلب جديد إلى الأمم المتحدة أو بقرار يمنح مدريد حقوقًا إضافية، بل بمذكرة برلمانية غير تشريعية تضغط على الحكومة لإعادة الملف إلى جدول الأعمال. وتعود المبادرة إلى مذكرة سجلها سنة 2024 السيناتور خافيير أرماس عن التجمع المستقل لجزيرة إل هييرو، وربط فيها الإسراع بالتفاوض بثروات تروبيك المحتملة.


ويركز النص المقر على إعادة تنشيط مجموعة العمل المغربية الإسبانية؛ وإشراك حكومة الكناري في المفاوضات؛ وتقديم تقرير خلال ثلاثة أشهر إلى مجلسي البرلمان وحكومة الأرخبيل عن حالة المفاوضات والقضايا العالقة والخطوات المقبلة؛ ثم توفير معلومات دورية عن تطور الملف.


كما يشدد على عدم استباق الوضع النهائي للصحراء واحترام قرارات الأمم المتحدة، ويدعو إلى فصل الترسيم عن الهجرة ومراقبة الحدود. ويعكس ذلك خشية قوى إسبانية وكنارية من أن توظف الرباط تعاونها الأمني والهجري للحصول على تنازلات بحرية. وقد أيد المذكرة الحزب الشعبي والحزب القومي الباسكي، بينما صوت الاشتراكي ضدها، فيما ارتبط الخلاف بحسب النقاش المنشور بطريقة إلزام الحكومة بالآجال والتقارير أكثر من ارتباطه برفض مبدأ الترسيم.


ولا ينبغي الخلط بين مسارين مختلفين: ملف إسبانيا المقدم سنة 2014 إلى لجنة حدود الجرف لإثبات امتداد جيولوجي بعد مائتي ميل، والمسار الثنائي لترسيم المناطق المتداخلة مع المغرب. فالمذكرة لا تطلب من الأمم المتحدة تسريع منح تروبيك لإسبانيا، بل تضغط لإحياء التفاوض الذي لا بديل عنه للوصول إلى حد متفق عليه.


غير أن تزامن التحرك البرلماني مع إعلان الزيارة الملكية يمنحه دلالة سياسية، من دون أن يثبت وجود تنسيق مباشر. ففي اليوم نفسه أكدت إسبانيا سيادتها الرمزية عند الضفة المتوسطية، وأعادت فتح ملف حقوقها السيادية عند الواجهة الأطلسية. وتكتمل الصورة مع مساعيها لإضفاء طابع أوروبي على سبتة ومليلية، والمطالبة بحضور دائم لـ «فرونتكس»، وتعزيز مراقبة السواحل والجزر، وإشراك الكناري في الترسيم. إنها رؤية مجالية تمتد من المدينتين ومضيق جبل طارق إلى الأرخبيل وأعماق الأطلسي.


ولا تعني المذكرة أن مدريد اختارت المواجهة، فهي تدعو إلى الاتفاق لا إلى الترسيم الأحادي. لكنها تكشف ضغطًا داخليًا متزايدًا حتى لا يبقى الملف رهين تفاهمات بطيئة أو غير معلنة مع الرباط، وخشية كنارية من أن يصبح البحر «عملة مقايضة» ضمن حزمة تشمل الهجرة والصحراء والأمن والتجارة.


وهنا يظهر اختلاف المقاربتين: القوى الكنارية تريد فصل الترسيم عن بقية الملفات، بينما تقوم قوة المغرب التفاوضية على ترابطها. وقد يكون الفصل مفيدًا إذا منع الابتزاز اليومي، لكنه يصبح منحازًا إذا جرد المغرب من عناصر قوته وأبقى لإسبانيا أسبقيتها العلمية والإجرائية.


إذن، المستجد ليس حصول مدريد على قرار أممي جديد، بل انتقال الضغط الإسباني إلى المطالبة ببرنامج عمل وآجال وتقارير ومشاركة كنارية. وقد يدفع ذلك إلى إعادة فتح مجموعة الترسيم بجدية أكبر، فإما أن يقود التداخل إلى اتفاق منصف أو ترتيبات مشتركة، وإما أن يصبح تروبيك الوجه الأطلسي لأزمة السيادة التي تعود إلى الواجهة في سبتة ومليلية.



خاتمة: حين تتحول الجغرافيا إلى قوة


تكشف قضية تروبيك كيف تتولد القيمة الاستراتيجية من التفاعل بين الجغرافيا والعلم والقانون والقدرة السياسية. فالجبل موجود منذ ملايين السنين، لكن قيمته ارتفعت حين أصبحت معادنه مهمة للطاقة والصناعات الرقمية والدفاعية، وتطورت تقنيات استكشاف الأعماق. فالمكان ثابت، أما وظيفته وقيمته فتتغيران بتغير حاجات الدول وإمكاناتها.


وقد أدركت إسبانيا ذلك مبكرًا، فمولت البعثات وجمعت البيانات وقدمت ملفها سنة 2014، ثم أعادت قواها السياسية في أكتوبر 2026 الضغط لتفعيل التفاوض وإشراك الكناري. وهي لا تنتظر بدء التعدين، بل تعمل على تثبيت الشروط القانونية والسياسية التي قد تسمح لها بالاستغلال مستقبلًا.


أما المغرب فاعترض على الطلب الإسباني، وقدم معلومات أولية، وحدث قوانينه البحرية، واقتنى سفينة «الحسن المراكشي»، واستقدم شركات لدراسة أحواض الطاقة قبالة أقاليمه الجنوبية. لكنه لم يقدم، وفق السجل الأممي المتاح، ملفًا نهائيًا يماثل الملف الإسباني. ولذلك لا يبدأ من الصفر، لكنه يحتاج إلى إكمال المسوح وتحويل نتائجها إلى ملف قانوني، وتكوين خبراء في قانون البحار وعلوم الأعماق، وربط البحث بالدبلوماسية والطاقة والاستثمار.


ويحتاج أيضًا إلى رؤية تفاوضية تحدد هل المطلوب ترسيم نهائي شامل، أم ترتيبات مؤقتة لا تمس المواقف السيادية، أم مجال للتطوير المشترك إذا تعذر الاتفاق. كما ينبغي تحديد ضمانات حماية البيئة وتوزيع المنافع ومنع أي اتفاق تقني من الإضرار بالموقف المغربي في الصحراء.


وهكذا يعيدنا تروبيك إلى سبتة ومليلية. ففي الشمال تثبت إسبانيا حضورها بالزيارة الملكية والمؤسسات الأوروبية وصناعة الاعتياد، وفي الأطلسي تثبت مطالبها بالخرائط والبعثات والملفات الأممية والضغط البرلماني. تختلف الأدوات، لكن المنطق واحد: تحويل السيطرة أو الأسبقية إلى واقع قانوني وسياسي يصعب تغييره.


أما التحدي المغربي فهو جمع عناصر تبدو متفرقة — احتجاج دبلوماسي، وقانون بحري، وسفينة علمية، ورخص طاقة، ومذكرة أممية — داخل رؤية واحدة؛ لأن سبتة ومليلية والصحراء والكناري وتروبيك حلقات في شبكة تتعلق بالمجال والسيادة والأمن والموارد وموقع المغرب بين المتوسط والأطلسي.


وقد أظهرت أخبار زيارة فيليبي السادس وتأجيل القمة الإسبانية الجزائرية أن العلاقات بين الدول تُدار أحيانًا بموازنات بين ملفات متعددة. لكن هذا الأسلوب يصبح خطرًا حين تُبادل الحقوق الدائمة بمكاسب ظرفية: فالقمم يمكن تأجيلها ثم عقدها، أما ما يثبت في الخرائط والمؤسسات والوعي الدولي فيصعب التراجع عنه.


لذلك لا ينبغي أن يكون هدف المغرب كسب جولة عابرة، بل بناء موقع يجعل مصالح مدريد مرتبطة بحل منصف ومستقر. فقوة الدولة لا تظهر في الاعتراض وحده، وإنما في إنتاج المعرفة وصوغ البدائل وبناء التحالفات وتحويل الموقع الجغرافي إلى وظيفة يحتاج إليها الآخرون.


إن تروبيك لا يطرح فقط سؤال: لمن تعود الثروة المحتملة؟ بل سؤالًا أعمق: أي الدولتين أقدر على تحويل المجال إلى حق، والحق إلى وظيفة، والوظيفة إلى قيمة استراتيجية؟ وسيُحسم الجواب في المختبرات والخرائط ومذكرات القانون وقاعات التفاوض، قبل أن تصل أول آلة تعدين إلى قاع الأطلسي.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق