حين تحاول باريس العودة إلى إفريقيا من النافذة المغربية
لم تكن زيارة الوفد الفرنسي رفيع المستوى إلى المغرب مجرد محطة بروتوكولية عابرة في مسار العلاقات بين الرباط وباريس. فحجم الوفد، وطبيعة الملفات المطروحة، والحديث عن معاهدة صداقة تاريخية مرتقبة، كلها مؤشرات على أن البلدين يتحركان نحو إعادة صياغة العلاقة بينهما في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية. غير أن السؤال المغربي المشروع لا يتعلق فقط بعدد الاتفاقيات أو مجالات التعاون، بل بطبيعة هذه الشراكة نفسها: هل نحن أمام علاقة ندية بين دولتين مستقلتين، أم أمام إعادة تدوير للنفوذ الفرنسي القديم في صيغة استراتيجية جديدة؟ .../...
هذا السؤال لا يأتي من فراغ. ففرنسا ليست شريكًا عاديًا في الذاكرة المغربية. إنها المستعمر القديم، والدولة التي صنعت، خلال مرحلة الحماية وما بعدها، جزءًا كبيرًا من البنية الإدارية والاقتصادية واللغوية التي ما تزال آثارها حاضرة إلى اليوم. ولذلك، كلما عادت باريس إلى الرباط بمشاريع كبرى، عاد معها سؤال التاريخ: هل تغيرت العلاقة فعلًا، أم تغيرت فقط لغتها؟ وهل تجاوزنا منطق الوصاية، أم انتقلنا من الوصاية المباشرة إلى الوصاية الناعمة؟
من هنا يستعيد كثير من المغاربة، بوعي أو بغير وعي، ذكرى إكس ليبان. فقد كانت مفاوضات إكس ليبان سنة 1955 محطة مفصلية في الانتقال من نظام الحماية إلى الاستقلال، ومهدت لعودة السلطان محمد الخامس إلى عرشه، ثم لفتح الطريق نحو استقلال المغرب. لكن هذه المحطة ظلت، في الذاكرة السياسية الوطنية، مثار جدل عميق؛ فهناك من يراها لحظة واقعية أنقذت المغرب من انسداد خطير، وهناك من يعتبرها لحظة تأسيس لاستقلال ناقص أبقى لفرنسا مواقع نفوذ عميقة في الإدارة والاقتصاد واللغة والقرار لعقود.
ويزيد من حساسية هذا الإرث أن جزءًا من الخطاب السياسي المغربي يتحدث، منذ عقود، عن بنود أو تفاهمات غير معلنة، قيل إنها رتبت مستقبل العلاقة مع فرنسا لمدة طويلة، بل يذهب بعضه إلى القول إنها ظلت صالحة لمئة عام. غير أن التعامل الجاد مع هذه المسألة يقتضي التمييز بين ما ثبت بوثائق رسمية منشورة، وما ظل جزءًا من الذاكرة السياسية والاتهام التاريخي. فالثابت أن إكس ليبان فتحت باب الاستقلال التدريجي وإعادة ترتيب العلاقة مع فرنسا، أما تفاصيل “البنود السرية” ومدة المئة عام فتحتاج إلى وثائق لا إلى ترديد. ومع ذلك، فإن مجرد استمرار هذا الحديث في الوجدان العام يكشف شيئًا مهمًا: أن المغاربة لم يهضموا بعد كامل شروط الخروج من الحماية، وأن سؤال النفوذ الفرنسي لم يغلق تاريخيًا.
واليوم، حين يعود الحديث عن معاهدة صداقة تاريخية بين المغرب وفرنسا، وعن شراكة استراتيجية طويلة الأمد، يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام تصحيح تاريخي لعلاقة غير متوازنة، أم أمام إكس ليبان جديدة بلباس اقتصادي وطاقي ودفاعي؟ هل ستُبنى هذه الشراكة على فتح الذاكرة والأرشيف والندية ونقل التكنولوجيا، أم ستعيد إنتاج الامتيازات القديمة بلغة المصالح المتبادلة؟
المعطيات المعلنة تشير إلى أن فرنسا والمغرب يستعدان لمعاهدة غير مسبوقة، وصفتها باريس بأنها الأولى من نوعها مع بلد غير أوروبي، بينما أكد الجانب المغربي أنها ستكون أول اتفاق من هذا النوع مع بلد أوروبي. وتشمل مجالات التعاون المطروحة: الدفاع، الأمن، الصناعة الجوية، الطاقة، التعليم، الثقافة، التمويل، النقل، والدبلوماسية. كما جاءت هذه الدينامية بعد التحول الفرنسي في ملف الصحراء المغربية، حيث اعترفت باريس سنة 2024 بأن حاضر ومستقبل الصحراء يندرجان ضمن السيادة المغربية، واعتبرت مبادرة الحكم الذاتي الأساس الوحيد لحل سياسي.
لكن الأهم من ذلك أن فرنسا لا تأتي إلى المغرب اليوم من موقع القوة القديمة نفسها. فقد تراجع نفوذها في إفريقيا، خصوصًا في الساحل وغرب القارة، بعد موجات الرفض الشعبي والسياسي والعسكري التي أخرجتها من فضاءات كانت تعدها جزءًا من مجالها الحيوي. وفي المقابل، وسع المغرب حضوره الإفريقي عبر البنوك، والاتصالات، والأسمدة، والبناء، والتعاون الديني، والأمن الغذائي، والاستثمار جنوب الصحراء. ولهذا لم يعد المغرب مجرد شريك مغاربي لفرنسا، بل أصبح في نظر باريس بوابة إفريقية ضرورية. وقد نقلت وكالة رويترز عن الجانب الفرنسي أن المغرب هو الشريك الاقتصادي الأول لفرنسا في إفريقيا، وأنه مركز لوجستي ومالي بين فرنسا وجزء من القارة، في وقت تقلص فيه الحضور الفرنسي في غرب إفريقيا والساحل بينما توسع الحضور المغربي.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى: فرنسا التي خرجت من أبواب كثيرة في إفريقيا تحاول العودة من النافذة المغربية. والمغرب، إذا أحسن إدارة هذه اللحظة، يستطيع أن يحول حاجة فرنسا إليه إلى رافعة تفاوضية تخدم مصالحه، لا إلى بوابة مجانية تعيد فرنسا من خلالها ترميم نفوذها المتآكل. فالسؤال ليس: هل يتعاون المغرب مع فرنسا في إفريقيا؟ بل: من يقود هذا التعاون؟ وبأي شروط؟ وهل سيكون المغرب مجرد منصة عبور فرنسية نحو القارة، أم شريكًا يفرض رؤيته الإفريقية والأطلسية، ويستثمر خبرته وحضوره لا لصالح باريس فقط، بل لصالح موقعه السيادي؟
إن الشراكة الحقيقية لا تقاس بعدد الاتفاقيات، بل بموازينها الداخلية. فإذا كانت فرنسا تريد المغرب بوصفه بوابة إلى إفريقيا، فمن حق المغرب أن يطلب في المقابل ما هو أبعد من المجاملات الدبلوماسية: دعمًا صريحًا ومستمرًا في ملف الصحراء المغربية، استثمارًا حقيقيًا في الأقاليم الجنوبية، فتحًا جادًا لملفات الذاكرة، تعاملًا شفافًا مع أرشيف الحدود الشرقية، نقلًا للتكنولوجيا، وتحريرًا للعلاقة من منطق الفرنكفونية الوصية.
وهنا يبرز ملف الصحراء الشرقية بوصفه أحد أعقد ملفات الذاكرة المغربية مع فرنسا. فالمغاربة لا ينسون أن الإدارة الاستعمارية الفرنسية لعبت دورًا حاسمًا في رسم حدود تركت آثارها الثقيلة على المنطقة، وأن أراضي ارتبطت تاريخيًا بالمجال المغربي أُلحقت بالجزائر الفرنسية ثم ورثتها الجزائر المستقلة. لا يعني استحضار هذا الملف بالضرورة الدعوة إلى فتح مواجهة حدودية جديدة، لكنه يعني أن فرنسا لا تستطيع أن تطلب علاقة مستقبلية نقية دون أن تواجه ماضيها. وإذا كانت باريس تريد حقًا شراكة تاريخية جديدة، فإن فتح أرشيف الصحراء الشرقية والحدود الاستعمارية سيكون اختبارًا أخلاقيًا وسياسيًا لصدق هذه الصفحة الجديدة.
غير أن الحديث المتداول عن احتمال فتح فرنسا لهذا الأرشيف بمناسبة زيارة العاهل المغربي المرتقبة إلى باريس في الخريف القادم لا يزال، في حدود المتاح، بلا تأكيد رسمي واضح. ولذلك ينبغي ألا نحوله إلى خبر مؤكد. لكنه يبقى مطلبًا مشروعًا. فالأرشيف ليس مجرد أوراق قديمة، بل هو ذاكرة السيادة، ووثيقة التاريخ، وأداة لفهم كيف صنعت فرنسا حدودًا وأزمات ما تزال شعوب المنطقة تدفع ثمنها إلى اليوم.
وفي المجال العسكري، تبدو الشراكة الجديدة أكثر حساسية. فالمعطيات الرسمية تتحدث عن الدفاع والصناعة الدفاعية والأمن والصناعة الجوية ضمن مجالات التعاون الجديدة، بينما تتداول المنابر الإعلامية حديثًا عن طائرات حربية، وتعاون بحري، وبناء حوض لصناعة أو صيانة السفن الحربية في الدار البيضاء، بل وعن احتمال نقاش تكنولوجيا الغواصات. هنا يجب التفريق بين المؤكد والمتداول. المؤكد أن الدفاع بات جزءًا من هندسة العلاقة الجديدة، وأن المغرب لم يعد مجرد زبون تقليدي، بل يبحث عن التصنيع والصيانة ونقل التكنولوجيا. أما تفاصيل الطائرات والغواصات وحوض السفن الحربية، فلا ينبغي التعامل معها كاتفاقيات نهائية ما لم تصدر بلاغات رسمية أو عقود واضحة بشأنها.
ومع ذلك، فإن مجرد تداول هذه الملفات يكشف حجم التحول. ففرنسا لا تريد أن تعود إلى المغرب عبر الثقافة واللغة والاقتصاد فقط، بل عبر الأمن والدفاع أيضًا. والمغرب بدوره لم يعد ينظر إلى التسلح بوصفه شراء معدات فحسب، بل بوصفه مسارًا لبناء قاعدة صناعية دفاعية وطنية. وإذا تأكد مشروع حوض بحري في الدار البيضاء، أو أي شراكة في صناعة السفن الحربية أو صيانتها، فسيكون ذلك انتقالًا نوعيًا من منطق الاستيراد إلى منطق التصنيع. أما ملف الغواصات، إذا دخل دائرة التفاوض الجدي، فسيكون ملفًا استراتيجيًا كبيرًا؛ لأن امتلاك مثل هذه القدرة البحرية سيغير ميزان الردع البحري في غرب المتوسط والأطلسي، وسيمنح المغرب عمقًا جديدًا في حماية سواحله ومصالحه البحرية.
لكن هذا كله مشروط بسؤال السيادة. فكل شراكة دفاعية لا تنقل التكنولوجيا، ولا تبني كفاءات وطنية، ولا تضمن السيادة على الصيانة والتشغيل والتحديث، تبقى مجرد صفقة شراء مهما كان حجمها. أما الشراكة الدفاعية الحقيقية فهي التي تجعل المغرب أقل تبعية لا أكثر، وأقدر على إنتاج جزء من قوته لا مجرد استيرادها.
وفي الطاقة، تبدو العلاقة أكثر وضوحًا. ففرنسا والمغرب أعلنا مشروع ربط كهربائي مباشر يسمح بتصدير الطاقة المتجددة من المغرب نحو فرنسا، ضمن شراكة أوسع في سلاسل القيمة الخضراء. وهذا مشروع كبير إذا استُثمر جيدًا، لأن المغرب يمتلك إمكانات ضخمة في الطاقة الشمسية والريحية والهيدروجين الأخضر. لكن الخطر أن يتحول المغرب إلى مجرد مزود للطاقة الخضراء الرخيصة لأوروبا، بينما تبقى الصناعة والقيمة المضافة والبحث والتكنولوجيا في الشمال. لذلك ينبغي أن يكون شرط المغرب واضحًا: لا تصدير للموارد الجديدة دون تصنيع محلي، ولا طاقة خضراء بلا صناعة خضراء، ولا شراكة طاقية بلا سيادة تكنولوجية.
ولا يتوقف البعد الطاقي عند الربط الكهربائي أو الطاقات المتجددة، بل يتسع، وفق ما يُتداول بقوة، إلى إمكان تعاون مغربي فرنسي في مجال الطاقة النووية السلمية. وهذا ملف بالغ الحساسية والأهمية في آن واحد. فإذا تأكد دخول فرنسا على خط مساعدة المغرب في تطوير الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، سواء في إنتاج الكهرباء مستقبلًا، أو في البحث العلمي، أو في الطب النووي، أو في تكوين الكفاءات، فإننا نكون أمام تحول استراتيجي حقيقي في بنية الأمن الطاقي المغربي.
فالطاقة النووية السلمية ليست مجرد تقنية لإنتاج الكهرباء، بل مدرسة كاملة في السيادة العلمية: هندسة، فيزياء، أمان نووي، تكوين أطر عالية الكفاءة، طب إشعاعي، بحث جامعي، ومراقبة دقيقة للمعايير الدولية. ولهذا ينبغي أن تُقرأ أي شراكة نووية محتملة مع فرنسا من زاوية مزدوجة: من جهة، يمكن أن تمنح المغرب خبرة تقنية متقدمة وتفتح له بابًا مهمًا نحو تنويع مصادر الطاقة وتقوية البحث العلمي والطبي؛ ومن جهة أخرى، قد تتحول إلى مجال تبعية جديد إذا ظلت التكنولوجيا والمراقبة والصيانة والتكوين العميق بيد الشريك الأجنبي وحده.
ولا ينبغي أن يُقرأ هذا الملف النووي بمعزل عن ذاكرة الدولة المغربية نفسها. فقد كان حلم الطاقة النووية السلمية حاضرًا منذ عهد الحسن الثاني، لا بوصفه ترفًا تقنيًا أو مجرد مشروع لإنتاج الكهرباء، بل بوصفه مدخلًا لتحويل البنية الفلاحية والمائية للمغرب. فقد ارتبط هذا الحلم، في جانب منه، بفكرة استعمال الطاقة النووية في تحلية مياه البحر وسقي طول الشريط الغربي للبلاد على عمق واسع (40 كلم عرضا)، بما كان يمكن أن يحول الساحل الأطلسي المغربي إلى مجال فلاحي عصري ممتد، قادر على مواجهة الجفاف وندرة المياه وبناء أمن غذائي طويل المدى.
واليوم، وقد دخل المغرب زمن الإجهاد المائي الحاد، وتراجعت التساقطات، واشتد الضغط على الفرشات المائية والسدود، تبدو هذه الفكرة أكثر راهنية مما كانت عليه في السابق. فالمغرب لا يحتاج إلى الطاقة النووية السلمية من أجل الكهرباء فقط، بل من أجل ربط الطاقة بالماء، والماء بالفلاحة، والفلاحة بالأمن الغذائي. وتحلية مياه البحر، إذا ارتبطت بطاقة مستقرة ومنخفضة الكلفة على المدى الطويل، يمكن أن تفتح أفقًا جديدًا أمام الزراعة الحديثة، وتخفف الضغط على المياه الجوفية، وتمنح البلاد قدرة أكبر على مقاومة دورات الجفاف.
لكن هذا المسار، إذا عاد اليوم عبر شراكة مع فرنسا، يجب ألا يُدار بمنطق الحلم التقني وحده. فالمطلوب ليس استيراد نموذج جاهز، بل بناء سياسة وطنية متكاملة تربط الطاقة النووية السلمية بتحلية المياه، والبحث العلمي، والطب النووي، وتكوين المهندسين، وتطوير الصناعة، وحماية البيئة، وضمان أعلى شروط السلامة. عندئذ فقط يمكن أن يتحول التعاون النووي السلمي من مجرد بند في شراكة مع فرنسا إلى رافعة استراتيجية لاستقلال المغرب الطاقي والمائي والغذائي.
أما اللغة، فهي الجرح الأعمق في هذه العلاقة. فاستمرار الفرنسية في الإدارة والتعليم والاقتصاد ليس مجرد اختيار لغوي، بل بنية نفوذ وامتياز اجتماعي. صحيح أن الفرنسية لغة شريك تاريخي واقتصادي مهم، لكن العالم العلمي والتكنولوجي اليوم يتحرك بالإنجليزية. الذكاء الاصطناعي، البرمجة، البحث العلمي، النشر الأكاديمي، براءات الاختراع، الاقتصاد الرقمي، كلها فضاءات تقودها الإنجليزية لا الفرنسية. لذلك لا يمكن للمغرب أن يوقع شراكة استراتيجية جديدة مع فرنسا ثم يواصل رهن مستقبل أبنائه بلغة لم تعد لغة المستقبل العلمي.
المغرب يحتاج إلى العربية بوصفها لغة السيادة والمؤسسات والعمق الحضاري، وإلى الأمازيغية بوصفها ركنًا دستوريًا من هويته الوطنية، وإلى الإنجليزية بوصفها لغة التكنولوجيا والبحث العلمي والعالم الجديد. أما الفرنسية، فينبغي أن تعود إلى حجمها الطبيعي: لغة شراكة، لا لغة وصاية؛ لغة تواصل مع فرنسا والفرنكفونية، لا مفتاحًا وحيدًا للترقي الإداري والاجتماعي. فإذا كانت الشراكة الجديدة ستعني تمديد عمر الفرنكفونية في المدرسة والإدارة، فإنها لن تكون شراكة مستقبل، بل إعادة إنتاج لزمن الحماية بأدوات ناعمة.
والسؤال نفسه يطرح في التعليم والثقافة. فكل تعاون تربوي مع فرنسا ينبغي أن يخضع لمصلحة المغرب لا لمصلحة الشبكات الفرنكفونية. لا يمكن أن نُعلّم أبناءنا بعيون الماضي، ثم نطلب منهم أن ينافسوا في اقتصاد المستقبل. ولا يمكن أن نُحدّث الإدارة بلغة لم تعد لغة الابتكار العالمي. العلاقة مع فرنسا يجب أن تنفتح على العلم والتكوين والبحث، لا أن تتحول إلى آلية لإدامة التبعية اللغوية.
ولذلك، فإن الشراكة المغربية الفرنسية الجديدة تقع عند مفترق طرق دقيق. قد تكون فرصة تاريخية لتصحيح علاقة قديمة، وإدخالها في منطق الندية، وفتح ملفات الذاكرة، وإطلاق مشاريع دفاعية وطاقية وصناعية حقيقية. وقد تكون، في المقابل، إكس ليبان جديدة: مكاسب سياسية ظاهرة مقابل استمرار الامتيازات العميقة في اللغة والاقتصاد والتعليم والدفاع. الفارق بين الاحتمالين لن تحدده الخطب، بل شروط الاتفاقيات، وطبيعة الالتزامات، ودرجة الشفافية، وحجم نقل التكنولوجيا، وموقع المغرب داخل إفريقيا لا بوصفه وكيلًا لفرنسا، بل بوصفه قوة إقليمية رائدة لها مشروعها الخاص.
فرنسا تستطيع أن تكون شريكًا مهمًا للمغرب، لكنها لا تستطيع أن تعود وصية عليه. والمغرب يستطيع أن يستفيد من فرنسا، لكنه لا ينبغي أن يرهن مستقبله بها. العلاقة الجديدة يجب أن تنطلق من حقيقة بسيطة: المغرب اليوم ليس مغرب 1955. لقد تعددت شراكاته، واتسعت خياراته، وصار حاضرًا في إفريقيا، ومنفتحًا على أمريكا وبريطانيا والصين وإسبانيا والخليج وكوريا وغيرها. لذلك لم يعد مضطرًا إلى قبول شراكة غير متوازنة باسم التاريخ أو اللغة أو الجغرافيا.
وتزداد حساسية هذه الأسئلة حين نعلم أن الدولة اختارت ستة مسؤولين لمتابعة مفاصل الشراكة الجديدة مع فرنسا وتفاصيلها قبل توقيع بروتوكولاتها المختلفة، يحمل خمسة منهم الجنسية الفرنسية وفق ما نقله بعض الإعلام الذي يتصف بالجدية والموثوقية. وإذا صح هذا الأمر، فهذه ليست مسألة شخصية، ولا طعنًا في كفاءة هؤلاء أو وطنيتهم، لكنها تطرح سؤالًا سياديًا لا يمكن القفز عليه: كيف يمكن أن تُدار مفاوضات استراتيجية مع فرنسا، في ملفات تمس اللغة، والذاكرة، والدفاع، والطاقة، والتكنولوجيا، والاقتصاد، من طرف فريق يحمل أغلب أعضائه جنسية الدولة التي يجري التفاوض معها؟
فالولاء الوطني لا يقاس بالوثائق وحدها، لكن الوثائق ليست تفصيلًا بلا معنى حين يتعلق الأمر بالسيادة العليا. والجنسية المزدوجة، في الحياة الخاصة، قد تكون وضعًا قانونيًا عاديًا؛ أما في تدبير ملفات استراتيجية مع دولة استعمار سابق، فإنها تتحول إلى مسألة ثقة عامة وشفافية سياسية. فالمشكل هنا ليس في الأشخاص، بل في القاعدة: هل يجوز أن يفاوض المغرب فرنسا حول مستقبل علاقته بها، بينما يحمل معظم من يفاوضون عنها من الجانب المغربي الجنسية الفرنسية نفسها؟
وإذا كانت الشراكة مع فرنسا ستعيد فتح ملفات ثقيلة مثل اللغة، والتعليم، والأرشيف، والصحراء الشرقية، والدفاع، والتكنولوجيا، فإن أول شروط الوضوح أن يكون من يفاوض باسم المغرب في موقع لا يترك أي التباس حول الولاء السيادي. فكيف نطالب فرنسا بإعادة الفرنسية إلى حجمها الطبيعي، إذا كان جزء كبير من الفريق المفاوض مرتبطًا بها قانونيًا وثقافيًا؟ وكيف نطلب فتح أرشيف الاستعمار من دولة يحمل المفاوضون معها جنسيتها؟ وكيف نطمئن إلى أن الشراكة لن تتحول إلى إعادة تدوير للنفوذ القديم، إذا كان تركيب الوفد نفسه يذكّر المغاربة باستمرار الامتداد الفرنسي داخل نخب القرار؟
نقول هذا لا من باب التخوين، بل من باب الاحتياط السيادي. فالدول التي تحترم نفسها لا تكتفي بحسن نية المسؤولين، بل تبني قواعد تمنع تضارب الولاءات، أو حتى شبهة هذا التضارب، خصوصًا في الملفات الاستراتيجية الكبرى. وفي علاقة مثل العلاقة المغربية الفرنسية، حيث يتداخل التاريخ بالذاكرة، واللغة بالطبقة، والاقتصاد بالنفوذ، والدفاع بالسيادة، تصبح الشفافية شرطًا لا ترفًا.
وبالتالي، فإذا كانت الشراكة القادمة ستفتح الأرشيف، وتدعم السيادة، وتنقل التكنولوجيا، وتخدم التصنيع، وتعيد الفرنسية إلى حجمها الطبيعي، وتتعامل مع المغرب بوصفه قوة إفريقية وأطلسية مستقلة، فهي شراكة تستحق الترحيب. أما إذا كانت ستعيد ترتيب النفوذ القديم في ثوب استراتيجي جديد، فإن الذاكرة المغربية ستسأل، بحق: هل نحن أمام مستقبل جديد، أم أمام إكس ليبان أخرى؟
في النهاية، ليست المشكلة في أن يتفاوض المغرب مع فرنسا، بل في شروط هذا التفاوض، ومنطق هذا التفاوض، ورجال هذا التفاوض. فحين يتعلق الأمر بدولة استعمار سابق، وبملفات ذاكرة وحدود ولغة ودفاع وتكنولوجيا، لا يكفي أن نقول إن الشراكة مفيدة. يجب أن نسأل: من يفاوض؟ وبأي تصور؟ وبأي ضمانات؟ وبأي ولاء سيادي واضح؟ لأن الشراكات الكبرى لا تقاس فقط بما توقعه من اتفاقيات، بل بما تحميه من استقلال القرار الوطني.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق