البرنامج الحكومي في الميزان: أية رؤية للمغرب الجديد؟

 


قراءة تقييمية في خطاب رئيسة الحكومة 

بين الرؤية الحكومية والوعود الانتخابية وأسئلة التنفيذ


كما وعدنا متابعينا عند قراءة تشكيلة الحكومة، نعود إلى المحطة الثانية من التقييم، بعد تقديم رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، تصريحها أمام مجلسي البرلمان. فبعد مساءلة الفريق وتوزيع الحقائب، نفحص الرؤية: ما الذي تعتزم الحكومة تغييره؟ وبأي أدوات وآجال؟ وكيف تصل اختياراتها إلى حياة المواطنين؟  expresstv.ma


ولا يقتصر التقييم على حضور الوعود الانتخابية لحزب رئيسة الحكومة؛ فالبرنامج حصيلة تفاوض بين مكونات الأغلبية. ولذلك سنبحث ما احتُفظ به من تعهدات، وما عُدّل في مضمونه أو شروطه أو توقيته، وما أُضيف إليه، ومدى وضوح أسباب هذه الاختيارات وصلتها بالتفويض الانتخابي.../...


وتشمل القراءة السياسة الداخلية والخارجية والصحراء والإصلاح المؤسسي والاقتصاد والمشروعات الكبرى والتنمية المجالية والخدمات والحماية الاجتماعية. والسؤال هو كيف تنتظم هذه الملفات داخل أولويات قابلة للتنفيذ، يتحول بها الاستثمار إلى عمل، والنمو إلى تحسن في العيش، ونقل الاختصاصات إلى قدرة فعلية للجهات، والإصلاح القانوني إلى حماية للحقوق؟


نقرأ التصريح التزامًا سياسيًا للمساءلة؛ فالتعهد المقترن بمستفيدين معلومين وأجل ومؤشر للنتيجة يتيح رقابة أدق من توجه عام. كما أن استمرار الأوراش يستدعي تحديد الإضافة الحكومية وكيفية معالجة التعثرات السابقة.


وتلي هذه القراءة محطة ثالثة تشمل مشروع قانون المالية عند إتاحته، لمعرفة نصيب الالتزامات من الموارد وترتيب الإنفاق وتوزيع كلفته. فبين الوعد الانتخابي والالتزام الحكومي والاعتماد المالي تتضح حقيقة الاختيار؛ أما الحصيلة فتُقاس بأثر التنفيذ في حياة الناس.



من تعدد الأولويات إلى اختبار الرؤية


ينتظم التصريح في سبع أولويات تشمل دولة الحق والقانون ومحاربة الفساد والتماسك الاجتماعي والدولة الاجتماعية والشباب والسيادة الاستراتيجية والاقتصاد. ويبرز توجه نحو الانتقال من توسيع التغطية إلى جودة الخدمة، ومن حجم الاستثمار إلى مردوديته، ومن تعدد البرامج إلى تكاملها وأثرها. expresstv.ma


ويعني ذلك تجاوز أعداد المسجلين والمشروعات والمبالغ المرصودة إلى النتائج: فالتغطية الصحية تحتاج إلى علاج متاح، والاستثمار إلى أثر في التشغيل، وبرامج الشباب إلى مسار واضح للمستفيد.


وتلتقي هذه الوجهة مع الإشكالية التي سبق أن ناقشناها بشأن تفاوت سرعة بناء القدرات الوطنية وسرعة تحسن شروط العيش. فالمطلوب من الحكومة هو تقوية الروابط التي تنقل أثر المشروعات إلى المجتمع: تكوين يؤهل للمهن التي تنشأ، ومقاولات محلية تستطيع الولوج إلى الصفقات العمومية بشفافية، ونقل يربط السكان بمواقع العمل والخدمات، وإدارة تيسر المبادرة وتحمي المنافسة.


لكن التكامل يستوجب تنسيق الاستثمار والتكوين والتشغيل، ومؤشرات مشتركة تمنع تقديم حصائل قطاعية منفصلة عن النتيجة. فقد تُنجز دورات تدريبية دون أن يجد خريجوها عملًا، أو تُعتمد مشروعات دون دخولها الإنتاج؛ وعندئذ ينبغي تحديد موضع التعثر والمسؤولية عنه.


كما يلزم ترتيب زمني يوضح ما سيبدأ فورًا، وما يحتاج إلى تشريع أو تفاوض أو تمويل متدرج. فالمواطن يحتاج إلى معرفة ما ينتظره خلال السنة الأولى، خصوصًا في الدخل والخدمات حيث تتحمل الأسر كلفة التأجيل.


وهنا تكتسب البداية بدولة الحق والقانون ومحاربة الفساد والاحتكار وتضارب المصالح دلالتها؛ فالثقة تحتاج إلى قواعد عادلة، ومنافسة لا تحسمها الامتيازات، وقرار يخضع للتعليل والمراجعة والمساءلة. ويصبح الإصلاح المؤسسي شرطًا لتوسيع الفرص ومنع تحكم المصالح النافذة في توزيعها.



محاربة الفساد والاحتكار: اختبار القدرة على تغيير القواعد


تتحدد أهمية الالتزام بالنزاهة بقدرته على تغيير شروط تكرار الفساد، ومنع توظيف المنصب والعلاقة والمعلومة لمنفعة خاصة. ولذلك نفحص أدوات ضبط تضارب المصالح، وكشف الإثراء غير المبرر، وتتبع الصفقات، ومحاربة الاحتكار والغلاء وحماية المنافسة.


وقد ينشأ تضارب المصالح قبل ثبوت منفعة غير مشروعة، حين تتقاطع المسؤولية العمومية مع مصلحة شخصية أو مهنية مؤثرة في القرار. وتقتضي الوقاية التصريح بالمصالح، وتحديد حالات الامتناع عن المشاركة، والتحقق من احترامها، بدل انتظار تحقق الضرر.


وتُقاس قيمة التصريح بالممتلكات بقابلية المعطيات للفحص والمقارنة، ووضوح جهة المراقبة، وجزاء الإخفاء أو التصريح غير الصحيح. فوجود الوثيقة يحتاج إلى تحقق من العلاقة بين الثروة والدخل والموقع العمومي، بضمانات تحمي الحقوق وتتيح المساءلة.


وتقتضي محاربة الاحتكار تحديد الممارسات التي ترفع الأسعار أو تغلق السوق. فكِبَر المقاولة لا يثبت مخالفة؛ وإنما يُفحص استعمال موقعها والاتفاقات والحواجز والامتيازات المضرة بالمستهلك والمنافسين، ضمن قواعد مستقرة للاستثمار.


ومن هنا تتصل حماية القدرة الشرائية بحكامة السوق. فقد تخفف الزيادة في الدعم جزءًا من العبء على الأسر، لكن أثرها يضعف إذا استمرت اختلالات التوزيع والتموين والمنافسة في امتصاص التحسن في الدخل. لذلك ينبغي أن تتكامل سياسة الدعم مع شفافية الأسعار، وتحسين وصول المنتجات إلى المستهلك، وضمان شروط تنافس تسمح بانعكاس انخفاض الكلفة على الثمن النهائي.


وتُختبر الصفقات العمومية بشروط المنافسة وتنفيذ الالتزامات وتفسير الفوارق بين الكلفة المقدرة والنهائية وجودة الإنجاز. كما يحتاج توسيع مشاركة المقاولات الصغيرة إلى ولوج فعلي يمنع تحول حصتها إلى استفادة شكلية أو تبعية لمتعهد أكبر.


ولا يتوقف نجاح هذه الإصلاحات على وزارة العدل وحدها. فهو يحتاج إلى تنسيق بين القطاعات الحكومية وهيئات الرقابة والمؤسسات المختصة، مع احترام استقلال القضاء واختصاصات كل جهة. ولهذا يصبح تحديد المسؤوليات والآجال التشريعية والتنفيذية جزءًا من صدقية الالتزام، حتى يستطيع البرلمان والرأي العام معرفة موضع التقدم وسبب التأخر.



القدرة الشرائية: ما الذي تغير بين الوعد الانتخابي والالتزام الحكومي؟


تُختبر الأولوية الاجتماعية بقدرة الأسر على تلبية حاجاتها؛ ولذلك نقارن حجم المنفعة والفئات المشمولة وموعد الاستفادة وشروطها، وهي التفاصيل التي تكشف الفارق بين الوعد الانتخابي والالتزام الحكومي.


ويقدم دعم الكهرباء مثالًا واضحًا. فقد عرض البرنامج الانتخابي مجانية الفواتير الشهرية التي تقل عن مائة درهم دون شرط إضافي، بينما يتحدث التصريح عن تعويض اجتماعي تلقائي يعادل الفاتورة التي لا تتجاوز هذا المبلغ، للمسكن الرئيسي للأسر المستحقة. والفارق يتعلق بطبيعة التدبير ونطاقه: من مجانية مرتبطة بقيمة الفاتورة إلى تعويض يرتبط أيضًا باستحقاق الأسرة. epam.ma


وقد يكون الاستهداف مبررًا لتوجيه الموارد نحو المحتاجين، لكنه يستوجب تعريفًا واضحًا للاستحقاق. فمن الأسر التي ستشملها الاستفادة؟ وكيف تُعالج حالات السكن المشترك أو العدادات التي تخدم أكثر من أسرة؟ وما المسطرة المتاحة لمن استُبعد رغم استيفائه الشروط؟ فالتلقائية تخفف العبء الإداري حين تكون البيانات دقيقة، لكنها تحتاج إلى تصحيح وتظلم ميسرين حتى لا يتحول الخطأ المعلوماتي إلى حرمان مستمر.


كما ينبغي توضيح العلاقة بين سقف الفاتورة والحاجة الاجتماعية؛ فضعف الاستهلاك لا يكفي وحده لإثبات الهشاشة، وارتفاعه قليلًا عن السقف لا ينفيها. وقد تتحمل أسرة كبيرة محدودة الدخل استهلاكًا أعلى بسبب عدد أفرادها. ومن ثم تتوقف عدالة التدبير على كيفية الجمع بين معيار الاستهلاك ووضع الأسرة، وعلى تجنب فروق حادة في الاستفادة بين حالات متقاربة.


وفي الدعم المباشر، احتُفظ بهدف ألف درهم مع تحديد نهاية الولاية أفقًا لبلوغه. وهذا يستدعي إعلان الزيادة السنوية والفئات المشمولة وقياس أثرها قياسًا إلى كلفة المعيشة؛ فالأسرة تتحمل حاجتها قبل اكتمال التنفيذ. epam.ma


ويحتاج الانتقال المعلن نحو استهداف يقوم على الدخل الفعلي إلى معالجة صعوبة تقدير هذا الدخل، خصوصًا حين يكون موسميًا أو متقطعًا أو غير مصرح به. ولذلك تتطلب دقة الاستهداف تحديثًا منتظمًا للمعطيات، وقواعد مفهومة، ومسارًا سريعًا لمراجعة القرار. كما ينبغي الانتباه إلى وضع الأسر التي تتحسن مواردها قليلًا؛ حتى لا تفقد من الدعم ما يجعل انتقالها إلى العمل أو التصريح بالدخل أقل جدوى.


وفي ضريبة الأجور، حدد البرنامج الحزبي أشطرًا ونسبًا وسقوفًا، بينما أعلن التصريح إصلاحًا تدريجيًا يرفع الدخل الصافي دون التفصيل نفسه. وبقي الاتجاه، وتأجل تحديد حجمه والمستفيدين إلى النصوص المقبلة. epam.ma


وهنا ستكون المقارنة المالية ضرورية: كم سيستفيد صاحب الأجر المنخفض أو المتوسط؟ وما كلفة الإجراء؟ وكيف سيتوزع أثره بين فئات الملزمين بالضريبة؟ ويستدعي ذلك إيلاء الطبقة الوسطى موقعًا واضحًا في الإصلاح، بالنظر إلى دورها في العمل والإنتاج والاستهلاك والادخار والاستثمار وتكوين الأجيال. فهي تضم أجراء ومهنيين مستقلين وأصحاب مقاولات صغيرة، وتتفاوت أوضاعهم وحاجاتهم؛ لذلك تحتاج حمايتها إلى تخفيف منصف للعبء الضريبي، وخدمات عمومية جيدة، وسكن ونقل بكلفة محتملة، وشروط تتيح للمبادرة المنتجة الاستمرار والتطور.


كما ينبغي أن يشمل النقاش توزيع المساهمة بين الأجور والمداخيل المهنية وأرباح الشركات وعوائد رأس المال، وأن يفحص نصيب المقاولات الكبرى وأصحاب الدخول المرتفعة، بمن فيهم كبار المسؤولين، من الواجب الضريبي ومن الإعفاءات والامتيازات. فعدالة الإصلاح تتوقف أيضًا على وضوح من يتحمل كلفته، وعلى إخضاع الامتيازات للتقييم بحسب ما تنتجه من استثمار وتشغيل وقيمة مضافة، مع مكافحة التهرب الضريبي وتضارب المصالح.


أما من لا يؤدي ضريبة على الدخل أصلًا، فلن يستفيد مباشرة من تخفيضها؛ وهو ما يقتضي تكامل الإصلاح مع الدعم والخدمات والحماية الاجتماعية. وبذلك تجتمع حماية الفئات الهشة وصون قدرة الطبقة الوسطى على الترقي، داخل توزيع منصف للأعباء يرتبط بالدخل والقدرة الفعلية على المساهمة.


والمعيار الجامع هو تحسن الدخل المتاح بعد النفقات الأساسية. فقد تتراجع منفعة الدعم أمام الغلاء، أو تُستهلك الزيادة في الأجر لتعويض نقص التعليم والصحة والنقل. لذلك تدخل جودة الخدمة العمومية ضمن حماية القدرة الشرائية إلى جانب التحويلات والتخفيضات المالية.



إصلاح التقاعد: كفاية المعاش وعدالة الاستحقاق واستدامة التمويل


يجمع إصلاح التقاعد بين كفاية المعاش واستدامة التمويل؛ فقد تنخفض موارد الأسرة وتستمر حاجاتها وترتفع نفقاتها الصحية. ويحتاج الإصلاح إلى بيان توزيع كلفته بين المنخرطين والمشغلين والدولة والأجيال.


ويظهر الفرق بين الوعد الانتخابي والالتزام الحكومي في توقيت رفع الحد الأدنى للمعاش. فقد حدد البرنامج الانتخابي مبلغ ثلاثة آلاف درهم للقطاع العام والخاص ابتداءً من السنة الثانية للولاية، بينما يتحدث التصريح الحكومي عن بلوغ هذا المبلغ تدريجيًا بالنسبة إلى المعاشات الرئيسية في مختلف الأنظمة، دون إعادة تثبيت الموعد نفسه. وبذلك يبقى الهدف المالي حاضرًا، فيما يحتاج مسار الوصول إليه إلى جدول معلن. epam.ma


وتستدعي عبارة «المعاشات الرئيسية» توضيحًا بدورها: ما الأنظمة والفئات المشمولة؟ وكيف ستُعالج المعاشات الصغيرة الناتجة عن مسارات مهنية متقطعة أو مدد اشتراك محدودة؟ وما وضع المستفيدين من أكثر من معاش؟ فعدالة الحد الأدنى ترتبط بطريقة تحديد الاستحقاق، حتى تصل الزيادة إلى من تستهدف حمايتهم، وتستطيع الأسر معرفة حقوقها قبل حلول موعد التنفيذ.


أما التعهد بتمكين الأرملة من كامل المعاش الرئيسي المستحق لزوجها المتوفى، فيثير سؤالًا مستقلًا عن وضع الرجل الأرمل المستفيد من معاش زوجته وفق القانون الحالي. فالصياغة المعلنة تخص المرأة، ولم توضح ما إذا كانت الزيادة ستشمل الزوج الباقي على قيد الحياة بصرف النظر عن جنسه. febrayer.com


ولهذا السؤال أساس عملي؛ إذ يقر الفصل 37 من القانون المنظم للمعاشات المدنية، وفق شروطه، حق الزوج الباقي على قيد الحياة في معاش يعادل نصف معاش زوجته الموظفة المتوفاة. ومن ثم ينبغي أن يبين الإصلاح ما إذا كان سيعدل النسبة لكلا الزوجين وفق ما يقتضيه مبدأ المساواة الدستوري والقانوني، أو سيقر تدبيرًا خاصًا بالأرامل النساء، مع توضيح مبررات اختلاف المعاملة. bdj.mmsp.gov.ma


كما يحتاج الوعد إلى بيان علاقته بحقوق الأيتام وباقي المستحقين، وكيفية احتساب الحصص وتمويلها. والمقصود هنا كامل المعاش الرئيسي المستحق، لا استمرار صرف كامل الراتب الوظيفي للمتوفى؛ وهو تمييز ضروري حتى لا تتكون انتظارات تتجاوز مضمون الالتزام.


ويبقى التمويل الاختبار الحاسم. فرفع المعاشات وتحسين حقوق ذوي الحقوق يرتبان التزامات مستمرة، تستوجب تقديرًا معلنًا للكلفة ومصادر تغطيتها. وسيكون مطلوبًا توضيح أثر الإصلاح المحتمل في الاشتراكات وسن التقاعد وطريقة احتساب المعاش، والضمانات التي تحمي الحقوق المكتسبة وتراعي اختلاف المهن والمسارات المهنية.


ولا يكفي في هذا المجال تقديم توازن مالي إجمالي دون بيان توزيعه. فقد تتحسن مؤشرات الصندوق بينما يتحمل المنخرط عبئًا أكبر أو يحصل على حق أقل. وبالمقابل، فإن تحسين المنافع دون موارد مستدامة ينقل الكلفة إلى المستقبل. لذلك يُقاس الإصلاح بقدرته على حماية المتقاعد الحالي، وضمان حق المنخرط الذي لم يتقاعد بعد، وتوسيع الحماية لمن ظل خارجها، ضمن قواعد مفهومة وتدرج قابل للمتابعة.



الصحة والتعليم: من توسيع الولوج إلى جودة الخدمة


تحمي الخدمة العمومية موارد الأسر حين تتيح العلاج والتعلم دون استنزافها. ولذلك يشكل تحسين المستشفى والمدرسة العموميين رافعة لحماية الفئات الهشة والطبقة الوسطى وتوسيع فرص الترقي.


في الصحة، ينبغي أن يُقاس الانتقال من التغطية إلى الخدمة بما يستطيع المستفيد الحصول عليه فعليًا: موعد في أجل مناسب، وتشخيص، ودواء، وعلاج يمكن استكماله. فالتسجيل في نظام التأمين يثبت حقًا، بينما تتوقف ممارسة هذا الحق على وجود عرض صحي متاح، وعلى كلفة ما يبقى على عاتق المريض. ومن هنا يحتاج تقييم البرنامج إلى وصل تمويل التغطية بقدرة المؤسسات الصحية على الاستجابة.


كما أن التفاوت المجالي يجعل الأرقام الوطنية غير كافية وحدها. فقد تتحسن الطاقة الاستيعابية إجمالًا، بينما تبقى مناطق بعيدة عن التخصصات أو تجهيزات التشخيص أو خدمات الاستعجال. ولذلك تصبح خريطة توزيع الموارد البشرية والخدمات، وانتظام حضورها، وإمكان نقل المرضى بين مستويات العلاج، مؤشرات ضرورية للحكم على الإنصاف.


ويطرح هذا الورش مجددًا مسألة التدبير التي أثارتها قراءة التشكيلة الحكومية. فالخبرة الطبية مهمة لفهم حاجات العلاج، لكنها تحتاج، في إدارة قطاع بهذا الحجم، إلى كفاءات في التنظيم والتمويل والموارد البشرية والمشتريات ونظم المعلومات. ومن ثم يُنتظر من القيادة الحكومية أن تبين كيف ستجمع هذه الاختصاصات، وكيف ستمنح المؤسسات قدرة على التدبير مع إخضاعها للمحاسبة على جودة الخدمة والإنفاق.


وتحتاج العلاقة بين القطاعين العام والخاص إلى الوضوح نفسه. فتكامل العرض يمكن أن يوسع الاستفادة، لكنه يستدعي ضبط الأسعار والجودة وشروط التعاقد والمراقبة، حتى تؤدي الموارد المخصصة للتغطية إلى تحسين العلاج. كما ينبغي أن يحتفظ المستشفى العمومي بقدرته على تقديم خدمة موثوقة؛ لأن ضعف هذه القدرة يضيق اختيار المريض ويزيد الضغط على دخله.


وفي التعليم، يرتبط الاختبار بوضع المعلم أولا، وبما يتعلمه التلميذ، وبالظروف التي تسمح له بمواصلة مساره. فالتوسع في التسجيل وبناء المؤسسات يحتاج إلى مدرسين مؤهلين ومستقرين، وزمن تعلم فعلي، ودعم يعالج التعثر قبل تراكمه. كما يتطلب الحد من الانقطاع فهم أسبابه المتعددة، من صعوبات التعلم إلى النقل والسكن والهشاشة الأسرية.


وتبرز هنا ضرورة تحديد موقع المدرسة العمومية والتعليم الخصوصي داخل السياسة التعليمية. فالأولى تتحمل مسؤولية واسعة في تكافؤ الفرص والتماسك الاجتماعي، وتحتاج إلى جودة تجعلها اختيارًا موثوقًا. أما الثاني، فيحتاج إلى قواعد واضحة للجودة والشفافية التعاقدية وحقوق الأسر والعاملين. ويكون السؤال عن قدرة التنظيم على ضمان معايير تعلم مشتركة، وعن منع تحول تفاوت الموارد بين الأسر إلى تفاوت في الفرص يصعب تجاوزه في المستقبل.


أما التعليم العالي والبحث العلمي، فيستوجبان قراءة تتجاوز إعداد الخريجين لسوق العمل المباشر. فالجامعة تسهم في تكوين الباحثين والمهنيين، وإنتاج المعرفة، وتطوير قدرة البلاد على الابتكار وفهم تحولاتها. ولذلك ينبغي فحص العلاقة بين تمويلها واستقلال البحث وجودته، وبين حاجات الاقتصاد والحق في مواصلة الدراسة، مع تمييز أهداف المسارات المختلفة وشروط الولوج إليها.


كما يحتاج الربط بين المدرسة والجامعة والتكوين المهني والعمل إلى تنسيق يحدد مسؤولية كل طرف. فتعدد المتدخلين قد يتيح التخصص، لكنه قد يترك المتعلم أمام انتقالات غير واضحة أو مسارات مكلفة أو مغلقة. ويُقاس نجاح هذا التنسيق بإمكان التوجيه المبكر، وتغيير المسار، واستكمال التأهيل، والعودة إلى التعلم، دون أن يصبح الاختيار الأول حكمًا دائمًا على مستقبل صاحبه.



الشباب والتشغيل: كيف تتحول الأولوية إلى مسار للاندماج؟


تتقاطع في التشغيل نتائج التعليم والتكوين والاستثمار وتنظيم السوق. ويحتاج البرنامج إلى نتيجة مشتركة وتوزيع للمسؤوليات، حتى يمكن تحديد سبب التعثر وصاحبه بدل إحالة كل قطاع على الآخر.


وفي المقارنة الانتخابية، ينبغي التمييز بين خلق وظيفة إضافية، وتعويض وظيفة فُقدت، وتوفير تدريب أو عقد مؤقت. فهذه نتائج مختلفة، ويقتضي قياسها اعتماد تعريفات ثابتة تسمح بمعرفة مقدار الزيادة الصافية في العمل، واستمراريته، وتوزيعه بين الجهات والفئات. كما أن ارتفاع عدد المشتغلين لا يكشف وحده مستوى الأجر أو الحماية أو الاستقرار الذي توفره الوظائف.


وتزداد أهمية هذا التمييز بالنسبة إلى الشباب الموجودين خارج التعليم والتكوين والعمل. فهم لا يشكلون فئة متجانسة؛ إذ تختلف أوضاع من انقطع مبكرًا عن الدراسة، ومن يحمل شهادة ولم يجد فرصة، ومن يعيش بعيدًا عن مراكز النشاط، ومن تعوقه مسؤوليات أسرية أو صعوبات في النقل والسكن. ولذلك يحتاج الإدماج إلى تشخيص يحدد العائق الفعلي، ثم مواكبة تصل الشاب بالمسار الملائم، وتتابع نتيجته بعد التسجيل والتكوين.


وتُقاس قيمة البرنامج المندمج بتقليل التشتت: جهة استقبال واضحة، وخدمة معلومة، ومدة متوقعة، وإمكان للتظلم. أما التسمية الموحدة فلا تكفي إذا استمرت الإجراءات المتكررة والشروط المتعارضة والبيانات المنفصلة.


كما يتطلب دعم المقاولة قدرًا من الواقعية. فإحداث مشروع يحتاج إلى طلب وسوق وتدبير وتمويل ومواكبة، وقد ينتهي القرض إلى عبء إذا غابت هذه الشروط. لذلك ينبغي أن تشمل المتابعة استمرارية المقاولات، وقدرتها على أداء التزاماتها وخلق دخل وعمل، مع معالجة أسباب التعثر في وقت مبكر. ويظل العمل المأجور اللائق مسارًا أساسيًا للإدماج، إلى جانب المبادرة الفردية.


وترتبط فرص الشباب أيضًا بالمشروعات الكبرى التي ستشرف الحكومة على مواصلتها. وهنا يكون السؤال عن الصلات العملية بين الاستثمار والتكوين والمقاولة المحلية: هل تُحدد المهارات المطلوبة قبل انطلاق الأوراش؟ وهل تستطيع المؤسسات الصغيرة الولوج إلى فرص التوريد والخدمات؟ وما الذي سيبقى من الكفاءات والأنشطة بعد انتهاء مرحلة البناء أو الموعد الذي ارتبط به المشروع؟


وتحتاج مشاركة النساء في العمل إلى معالجة شروطها اليومية، ومنها النقل الآمن، ورعاية الأطفال، واحترام الحقوق المهنية، وملاءمة التكوين للفرص المتاحة. فقياس المشاركة بعدد الملتحقات بالسوق يستوجب متابعة استقرارهن فيه، وأجورهن، وإمكان تقدمهن، والعوائق التي تدفع بعضهن إلى الانسحاب.


أما الحركية المهنية نحو الخارج، فينبغي أن تدخل ضمن سياسة تحفظ حقوق العاملين وتتيح اكتساب الخبرة وتيسّر العودة، مع تطوير فرص الاستفادة من الكفاءات داخل المغرب. ويستحق هذا الجانب مساءلة خاصة حين يتعلق الأمر بتخصصات تحتاج إليها الخدمات الوطنية؛ إذ يصبح مطلوبًا توضيح كيفية التوفيق بين حرية التنقل وحاجات البلاد إلى مواردها البشرية.



الجهوية والتنمية المجالية: هل ينتقل القرار مع المسؤولية؟


تتأثر فرص المواطن بمكان إقامته وتوزيع المدارس والمستشفيات والعمل والنقل. ولذلك تُختبر التنمية المجالية بقدرتها على معالجة فوارق تخفيها المؤشرات الإجمالية وإتاحة منافع التقدم لمناطق وفئات مختلفة.


وفي هذا المحور، يتضمن التصريح التزامًا برفع التحويلات المالية لفائدة الجهات إلى ما لا يقل عن اثني عشر مليار درهم ابتداءً من سنة 2027، إلى جانب توضيح الاختصاصات، وتعميم عقود البرامج بين الدولة والجهات، وتسريع تنفيذ ميثاق اللاتمركز الإداري. وهي التزامات تسمح بالانتقال من مناقشة المبدأ إلى فحص أدوات تنزيله. expresstv.ma


لكن زيادة الموارد تستوجب توضيح قواعد توزيعها ووظائفها. فما نصيب كل جهة؟ وإلى أي حد تراعي المعايير عدد السكان واتساع المجال ومستوى الخصاص وكلفة تقديم الخدمة؟ وكيف يُضمن ألا تؤدي أفضلية الجهات الأكثر تجهيزًا وقدرة على إعداد المشروعات إلى تعميق الفارق بينها وبين الجهات الأشد حاجة؟ فالتوزيع المنصف يحتاج إلى الجمع بين تشجيع النجاعة وتصحيح التفاوت في شروط الانطلاق.


كما تقتضي القراءة التمييز بين الجهوية واللاتمركز. فالجهوية تتعلق بممارسة الجهات، بوصفها جماعات ترابية ذات مجالس منتخبة، لاختصاصاتها وتدبير مواردها. أما اللاتمركز، فيتعلق بتوزيع صلاحيات إدارة الدولة بين المستوى المركزي ومصالحها الترابية. ويتكامل المساران حين تتضح سلطة كل طرف ومسؤوليته، وتتوفر له وسائل الإنجاز.


لكن تقييم الجهوية يشمل أيضًا القواعد التي تتشكل بها المجالس المنتخبة. فالقانون الانتخابي، والتقطيع الترابي والانتخابي، وتوزيع المقاعد بين المجالات الحضرية والقروية، تؤثر في التمثيل وفي قدرة السكان على توجيه القرار ومحاسبة أصحابه. ولذلك ينبغي فحص مدى تناسب التمثيل مع التحولات الديمغرافية، وكيفية مراعاة خصوصيات المجالات الأقل كثافة، دون إحداث تفاوت غير مبرر في وزن الأصوات.


ويطرح ذلك سؤال دور السلطة المركزية في إعداد الخرائط والقواعد المنظمة للتمثيل، والضمانات التي تجعل معاييرها معلنة وقابلة للفحص والطعن. فنقل الاختصاصات يحتاج إلى مجالس ذات تمثيل منصف واستقلال فعلي في ممارسة صلاحياتها؛ وإلا ظل القرار المحلي مقيدًا بما تحدده المركزية، حتى مع اتساع المسؤوليات والموارد.


وهنا يبرز سؤال السلطة الفعلية على القرار. فإذا تحمل المسؤول الترابي واجب إنجاز مشروع، بينما ظلت الموافقة والتمويل والتعاقد رهينة مساطر مركزية متتابعة، اتسعت المسافة بين المسؤولية والقدرة. ولذلك يحتاج نقل الاختصاصات إلى صلاحيات واضحة وموارد وكفاءات ومعلومات تتيح ممارستها، مع آليات تنسيق تحسم التعارض وتمنع تكرار الإجراءات.


وتوفر عقود البرامج إمكانًا لتنظيم هذه العلاقة، بشرط أن تحدد مساهمة كل طرف، ومراحل الإنجاز، والنتائج المنتظرة، وكيفية التعامل مع التأخر. كما ينبغي أن يستطيع المواطن معرفة ما التزمت به الدولة والجهة وبقية المتدخلين، حتى يصبح التعثر قابلًا للتفسير والمساءلة، بدل أن تضيع المسؤولية بين تعدد الشركاء.


أما التنمية المحلية، فتحتاج إلى وصل المشروعات بحاجات السكان وشروط استعمالها. فقد تُنجز منشأة دون توفير العاملين أو تجهيزات التشغيل أو ميزانية الصيانة، فيبقى أثرها أقل من المتوقع. ولذلك يُفترض أن يشمل تقييم المشروع كلفته على امتداد عمره، وعدد المستفيدين الفعليين، وقدرته على الاستمرار، وصلته بالخدمات والأنشطة الموجودة في محيطه.


وتكتسب الجماعات الترابية، ولا سيما الصغيرة منها، أهمية في هذا البناء؛ لأنها تواجه مباشرة حاجات القرب، وقد تفتقر إلى الخبرة التقنية أو القدرة على إعداد الملفات وتتبع الصفقات. ومن ثم تحتاج اللامركزية إلى مواكبة مهنية وتقاسم للخبرات، وإلى رقابة تحمي المال العام وتساعد على تصحيح الخلل، مع احترام مسؤولية المنتخبين واختصاصاتهم.


كما أن إشراك السكان والفاعلين المحليين يساعد على تحديد الأولويات قبل الالتزام بالإنفاق. فالمعرفة بالحاجات اليومية تتيح كشف مشكلات قد لا تظهر في التصورات المركزية، وتزيد إمكان متابعة التنفيذ. وتتحقق قيمة المشاركة حين تُعرف كيفية أخذ المقترحات بعين الاعتبار، وأسباب قبولها أو استبعادها.



الصحراء: من تثبيت الموقف السيادي إلى تحديد الالتزام الحكومي


تقتضي قراءة قضية الصحراء التمييز بين ثوابت الدولة والتدابير الحكومية. فتقييم الولاية يستدعي معرفة إضافتها في الاستثمار والتشغيل والخدمات والحكامة الترابية، وما ستنجزه أو تستكمله من الأوراش القائمة.


ويصل التصريح المنشور بين الدفاع عن السيادة ودعم مبادرة الحكم الذاتي، وبين تسريع تنمية الأقاليم الجنوبية وتعزيز دورها في العمق الإفريقي والمجال الأطلسي. وهذه الصلة تتيح مساءلة كيفية تحويل الموقع الاستراتيجي إلى منافع اقتصادية واجتماعية ملموسة للسكان، expresstv.ma فالموانئ والطرق ومشروعات الطاقة والمناطق الإنتاجية تفتح إمكانات للنمو، لكن أثرها المحلي يتوقف على الروابط التي تُبنى حولها. ويصبح السؤال عن قدرة المقاولات المحلية على الولوج إلى التوريد والخدمات، وعن تأهيل الشباب للمهن المطلوبة، وعن استقرار الوظائف وجودتها. كما ينبغي معرفة ما إذا كانت الأنشطة الجديدة توسع قاعدة الإنتاج في المجال، وتسمح بتراكم الخبرة والقيمة داخله.


وتحتاج التنمية إلى تقدير كلفتها الاجتماعية والبيئية أيضًا. فارتفاع جاذبية منطقة قد يصاحبه ضغط على السكن والماء والخدمات، وقد ترتفع قيمة العقار بوتيرة لا تناسب دخل السكان. ولذلك يُفترض أن تتكامل الاستثمارات مع التخطيط الحضري وحماية الموارد وتوفير مرافق القرب، وأن تُقاس الحصيلة بما تحسنه في شروط العيش إلى جانب ما تضيفه من تجهيزات.


وترتبط هذه الأسئلة بالحكامة التي تناولناها في محور الجهوية. فالمشاركة المحلية، ووضوح الاختصاصات، وشفافية تخصيص الموارد، وإمكان مساءلة المسؤولين، تمنح التنمية قاعدة مؤسساتية أكثر رسوخًا. كما أن جودة الممارسة اليومية للجهوية واللاتمركز تصبح اختبارًا لقدرة الإدارة على تدبير الصلاحيات والموارد قرب السكان، مع التمييز بين هذا المسار القائم وأي ترتيبات تستلزمها تسوية سياسية مستقبلية.



السياسة الخارجية: كيف تتحول الشراكات إلى قدرة وطنية؟


ويمتد المنطق نفسه إلى السياسة الخارجية. ففي نطاق اختصاصاتها، تتحمل الحكومة مسؤولية ترجمة اختيارات الدولة إلى اتفاقيات وبرامج وتعاون اقتصادي وتقني، ثم توفير الشروط الداخلية للاستفادة منها. ولذلك يُقاس إسهامها بما تستطيع تعبئته من استثمار ومعرفة وأسواق وفرص، وبقدرتها على متابعة الالتزامات وتقييم نتائجها.


وتستدعي المبادرات الإفريقية والأطلسية تنسيقًا بين النقل والموانئ والجمارك والطاقة والتمويل والتكوين. ففتح منفذ أو توقيع اتفاق لا يضمن وحده انتظام التدفقات؛ إذ تتوقف الجدوى على الكلفة والآجال وجودة الخدمات واستقرار القواعد. كما يحتاج الشركاء إلى معرفة المنافع التي يمكن تحقيقها، والالتزامات المطلوبة منهم، وموقعهم في اتخاذ القرارات المتعلقة بالمشروعات المشتركة.


ويطرح تنويع الشراكات سؤالًا عن قدرة الاقتصاد الوطني على استيعابها. فالحصول على تقنية يحتاج إلى كفاءات تستعملها وتطورها، وجذب الاستثمار يحتاج إلى موردين محليين وبحث وتكوين، وفتح سوق يحتاج إلى إنتاج قادر على المنافسة. ومن ثم تتصل فعالية السياسة الخارجية بإصلاح الداخل؛ لأن جودة الإدارة والعدالة والتأهيل تؤثر في مقدار ما يحتفظ به المغرب من قيمة داخل علاقاته الدولية.


وتشمل هذه القراءة مغاربة العالم أيضًا. فالتعهد بتيسير مساهمتهم في التنمية يحتاج إلى خدمات قنصلية وإدارية متاحة، وحماية للحقوق، ومساطر واضحة للاستثمار ونقل الخبرة. كما يستدعي متابعة ما يواجهونه من صعوبات في بلد الإقامة وفي علاقتهم بالمؤسسات المغربية، حتى تصبح صلتهم بالوطن مجالًا للمشاركة والثقة والاستفادة المتبادلة.



الاقتصاد والمشروعات الكبرى: أي عائد على التشغيل والتنمية؟


يحتاج الطموح الاجتماعي إلى اقتصاد يولد موارد مستمرة، وتحتاج القدرة الإنتاجية إلى تعليم وصحة وحماية واستقرار. والسؤال هو كيف يوسع الاستثمار التشغيل والموارد، وكيف تؤهل النفقات الاجتماعية الإنسان للمشاركة في الإنتاج؟


وتتيح المشروعات الكبرى بناء قدرات يصعب تحقيقها بمبادرات متفرقة، لكنها تستوجب تحديد عوائدها وكلفتها وشروط الاستفادة منها. فالطريق أو السكة الحديدية أو الميناء أو المطار أو المنطقة الصناعية يكتسب قيمته الاقتصادية من الأنشطة التي يتيحها، ومن مقدار استعماله، ومن قدرته على تقليل كلفة النقل والإنتاج والوصول إلى السوق. ولذلك يحتاج تقييم المشروع إلى تجاوز نسبة تقدم الأشغال نحو قياس ما يحدثه بعد دخوله الخدمة.


وتبرز هنا أهمية التمييز بين الأثر المؤقت والأثر المستمر. فقد يوفر ورش البناء فرص عمل خلال سنوات الإنجاز، بينما يتوقف أثره اللاحق على تشغيل المنشأة وصيانتها والأنشطة التي تنشأ حولها. ومن ثم ينبغي معرفة ما سيبقى من وظائف وكفاءات ومقاولات بعد انتهاء الأشغال، وما إذا كانت التجهيزات تتصل بطلب فعلي يسمح باستدامة تشغيلها.


كما يطرح حجم المكون المحلي سؤالًا أساسيًا. فارتفاع قيمة الاستثمار لا يكشف وحده مقدار ما يحتفظ به الاقتصاد الوطني من عائد؛ إذ يتأثر ذلك بمصدر التجهيزات والخدمات، ومشاركة الموردين المحليين، ونقل المعرفة، وتكوين العاملين. لذلك تحتاج الحكومة إلى وصل المشروعات بسياسة صناعية وتكوينية تتيح للمقاولات المغربية الارتقاء في سلسلة الإنتاج، وتوسع قدرتها على المنافسة في مشروعات لاحقة.


وفي هذا السياق، يستوجب دور الأبناك والقطاع الخاص قراءة تتناول طبيعة الاستثمار الذي يُراد تحفيزه. فالمساهمة المنتجة تحتاج إلى منافسة وتمويل ميسر ووضوح قانوني وإدارة فعالة، وإلى إمكان دخول فاعلين جدد. كما ينبغي تقييم الحوافز بحسب أثرها الفعلي في التشغيل والإنتاج والابتكار والتنمية المجالية، مع تحديد مدتها وشروط استمرارها، حتى تصبح المنفعة العمومية المرتبطة بها قابلة للتحقق والمراجعة.


وتحتاج المقاولات الصغيرة والمتوسطة إلى معالجة العوائق التي تحد من نموها: آجال الأداء، والولوج إلى التمويل والعقار والخدمات، وكلفة الامتثال، وصعوبة الوصول إلى الأسواق والصفقات. وقد يكون تحصيل مستحقاتها في موعدها وتبسيط إجراءاتها أكثر أثرًا من إحداث دعم جديد لا تستطيع الوصول إليه. كما أن تحسين علاقاتها التعاقدية مع المؤسسات العمومية والمقاولات الكبرى يساعد على توزيع عوائد الاستثمار داخل النسيج الاقتصادي.


أما الاستعداد للمواعيد الدولية الكبرى ككأس العالم وغيره من التظاهرات القارية والدولية، فيقتضي بيان العلاقة بين متطلبات التنظيم وحاجات التنمية المستمرة. ويصبح السؤال عن استعمال المنشآت بعد انتهاء الحدث، وكلفة تشغيلها، وتوزيع منافعها، وصلتها بالنقل والسياحة والأنشطة المحلية والإقليمية والدولية. وتحتاج هذه الاختيارات إلى ترتيب واضح للأولويات، حتى يستطيع المواطن فهم مبررات الإنفاق وما ينتظره منه.



السيادة الاستراتيجية: تماسك الاختيارات بين الماء والطاقة والغذاء


تترابط السيادة المائية والطاقية والغذائية؛ فالاختيار الزراعي يؤثر في الطلب على الماء، وكلفة الطاقة في التحلية والنقل والإنتاج، وكلفة المدخلات في الأسعار والدخل والتنافسية.


ومن هنا يحتاج البرنامج إلى قواعد تنسيق تحسم التعارض بين الاستعمالات، وتوضح كلفة الخيارات وآثارها. فزيادة العرض المائي، مثلًا، تستدعي معرفة الطلب المتوقع، وكلفة التعبئة والتوزيع، وكيفية تمويل الخدمة، والتدابير التي تحد من الهدر وتحمي الموارد. كما يستوجب دعم نشاط إنتاجي فحص مردوده الاقتصادي والاجتماعي قياسًا بما يستهلكه من موارد، ومدى ملاءمته لشروط المجال الذي يمارس فيه.


وتُطرح الأسئلة نفسها بشأن الانتقال الطاقي: كيف تنعكس الاستثمارات على أمن الإمداد وكلفة الإنتاج والفاتورة؟ وما قدرة النسيج الوطني على المشاركة في التجهيز والصيانة والتطوير؟ وكيف توزع كلفة الانتقال ومنافعه؟ فبناء القدرة التقنية يزداد قيمة حين يتصل بتكوين وخبرة وإنتاج محلي يمكن توسيعه بمرور الزمن.


وفي الرقمنة والذكاء الاصطناعي، يحتاج الطموح إلى ربط البنيات والتطبيقات بحاجات محددة، وبحماية المعطيات وجودة الخدمات وتكوين الكفاءات. ويكون معيار التقدم مقدار ما يتحسن في أداء الإدارة والمقاولة والبحث، وما ينشأ من قدرة وطنية على استعمال التقنية وتطويرها ومراقبة مخاطرها. كما تقتضي العدالة الانتباه إلى من قد يتعذر عليهم الولوج إلى الخدمة الرقمية، حتى لا تصبح وسيلة التبسيط مصدرًا جديدًا للإقصاء.



من إصلاح الإدارة إلى إصلاح المنظومة القانونية: ضمانات الحقوق والثقة


يبدأ إصلاح الإدارة من تجربة المواطن والمقاولة: وثائق معلومة، وصاحب قرار محدد، وأجل للجواب، ومسار للاعتراض. فهذه العناصر تقلص التقدير غير المنضبط والوساطة وتتيح المساءلة عند التعثر.


ويحتاج هذا التحول إلى مراجعة تنظيم العمل وتوزيع الصلاحيات، وتأهيل الموارد البشرية، واعتماد التقييم على أساس جودة الخدمة ونتائجها. كما ينبغي أن تمنح المسؤولية الإدارية لأصحابها قدرة فعلية على التدبير، مقابل مساءلتهم عن استعمال الموارد واحترام الآجال. فالاستقلال في القرار والمحاسبة على أثره شرطان متكاملان للنجاعة.


ومن هنا تُقاس الرقمنة بقدرتها على تبسيط المسطرة وتقليل كلفتها، وإتاحة تتبع الملف وتصحيح الخطأ. ويظل توفير المساعدة لمن يصعب عليهم استعمال الأدوات الرقمية جزءًا من جودة الخدمة. كما أن نشر المعلومات والقرارات والمعايير يتيح للمرتفق معرفة حقه، وللإدارة إثبات سلامة عملها، ويضيق المجال أمام الرشوة والاستفادة غير المشروعة.


ويتصل الإصلاح الإداري بوضوح القواعد واتساقها واستقرارها وقابلية القرارات للطعن وتنفيذ الأحكام. فالأمن القانوني يتيح توقع آثار التصرف، ومعرفة حدود صلاحيات السلطة، والوصول إلى الإنصاف.


وفي هذا الإطار، تكتسب مراجعة مدونة الأسرة أهميتها من أثرها المباشر في حياة النساء والرجال والأطفال. ويحتاج تقييم الإصلاح إلى فحص الحقوق والالتزامات التي يحددها، وكيفية معالجة النزاعات، وحماية مصلحة الطفل، وتيسير تنفيذ أحكام النفقة والحضانة وغيرها. كما يستوجب النظر إلى قدرة قضاء الأسرة وخدمات المواكبة على تطبيق المقتضيات الجديدة، حتى يصل أثرها إلى أصحاب الحقوق.


أما إصلاح المنظومة الجنائية، فيطرح سؤال التوازن بين حماية المجتمع وضمان الحقوق والحريات. ويشمل ذلك وضوح الأفعال المجرمة، وتناسب العقوبات، وضمانات الدفاع والمحاكمة العادلة، والبت في القضايا داخل آجال معقولة، مع تأطير تمديد الإجراءات وتعليل أسبابه وإخضاعه للرقابة. كما يستدعي ضبط أسباب انقطاع التقادم ووقفه وآثارهما، وبحث ضمانات تحول دون بقاء المتابعة ممكنة إلى أجل غير محدد، مع مراعاة الجرائم التي يقرر القانون عدم تقادمها. وتدخل هذه الضمانات، بحسب موضوعها، ضمن إصلاح القانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية، إلى جانب تحديد ضوابط العقوبة السالبة للحرية وبدائلها. وينبغي أن تتيح الصياغة القانونية التمييز بين اعتداء يستوجب الجزاء وممارسة مشروعة لحق، وأن يكون أي تقييد للحرية واضحًا وضروريًا ومتناسبًا مع غايته.


كما تقتضي حماية الحقوق التمييز بين حق تقديم الشكاية وكفاية أساسها لتحريك المتابعة. فمجرد الادعاء لا يثبت التورط، ويجب إخضاع الشكاية للفحص والتحقق، وألا تُبنى المتابعة على اتهامات مجردة تفتقر إلى قرائن جدية، مع احترام قرينة البراءة وحقوق الدفاع. أما الإدانة فتتطلب أدلة تُناقش أمام القضاء وتثبت المسؤولية. ويستوجب ذلك أيضًا التصدي للشكايات التي يثبت تعمد أصحابها اختلاق الوقائع للإضرار بالغير، دون اعتبار حفظ الشكاية أو صدور البراءة دليلًا تلقائيًا على كيديتها.


وتبرز هذه المسألة خصوصًا في حرية التعبير والإعلام. فالنقد والمساءلة وكشف الاختلالات تسهم في تصحيح السياسات، وتحتاج إلى حماية تتيح ممارستها دون خوف من توسيع التأويل العقابي. وفي المقابل، تستدعي حماية الحياة الخاصة والسمعة ومواجهة التحريض على العنف قواعد دقيقة وضمانات قضائية. وتقوم جودة التنظيم على قدرته على حماية هذه الحقوق مجتمعة، مع تجنب الخلط بين النقد والتشهير، أو بين الاختلاف والتحريض.


كما يتصل الحق في التعبير بإمكان الوصول إلى المعلومة. فالإعلام والبحث والنقاش العمومي يحتاجون إلى بيانات موثوقة، وقرارات معللة، ومساطر استجابة فعالة. ومن ثم فإن تقييم الانفتاح الحكومي يشمل ما يُتاح من معلومات عن الإنفاق والتعاقد والنتائج، ومدى انتظام نشرها وقابليتها للفهم والاستعمال.


وفي المجال التجاري، تُختبر الإصلاحات بقدرتها على حماية التعاقد والمنافسة واستمرارية النشاط المنتج. ويشمل ذلك معالجة تأخر الأداء، وتسوية النزاعات في آجال مناسبة، والتعامل المبكر مع صعوبات المقاولة، وضمان حقوق الدائنين والأجراء وبقية المتعاملين. فوضوح القاعدة وسرعة الإنصاف يؤثران في كلفة الاستثمار، وفي قدرة المقاولات، خصوصًا الصغيرة، على الاستمرار والنمو.



الهوية والثقافة والتماسك الاجتماعي: كيف تتحول المبادئ إلى حقوق متاحة؟


يتصل التماسك الاجتماعي بإنصاف الفرص والاعتراف بالتعدد اللغوي والثقافي وحماية الفئات التي تواجه صعوبات في ممارسة حقوقها، بما يتيح المشاركة والانتماء الفعليين.


وفي تفعيل الأمازيغية، ينبغي أن ينصب التقييم على الأثر في المدرسة والإدارة والقضاء والخدمات. فالمورد المالي يحتاج إلى خطة تحدد مراحل التنفيذ، وتأهيل العاملين، وتوفير أدوات التواصل، وقياس التغطية وجودتها. وتظهر قيمة هذا الورش حين يستطيع المرتفق فهم المعلومة والإجراء والتعبير عن حاجته، وحين تصبح اللغة وسيلة لتيسير ممارسة الحق.


أما السياسة الثقافية، فتحتاج إلى وصل حماية التراث بدعم الإبداع وتوسيع إمكان الوصول إلى الكتاب والمسرح والسينما والفنون. ويطرح الإنصاف المجالي هنا سؤال توزيع المرافق والأنشطة، وقدرة المؤسسات القائمة على الاشتغال المنتظم. فإحداث فضاء ثقافي يستوجب موارد للتأطير والصيانة والبرمجة، وصلات بالمدرسة والجمعيات والمبدعين، حتى يجد السكان أسبابًا فعلية لاستعماله.


كما تُقاس حماية الأطفال والأشخاص في وضعية إعاقة والمسنين بمدى إدماج حاجاتهم في السياسات المشتركة. فالولوج إلى التعليم والصحة والنقل والمعلومة والعدالة يحتاج إلى ترتيبات عملية، ومسؤوليات محددة، وموارد تضمن استمرار الخدمة. ويصبح التنسيق ضروريًا حتى لا يجد المستفيد نفسه متنقلًا بين إدارات تتوزع اختصاصاتها بينما تبقى حاجته دون استجابة.



بين الوعد الانتخابي والالتزام الحكومي: ما الذي تسمح به القراءة الأولى؟


تكشف المقارنة احتفاظ البرنامج بتعهدات اجتماعية بارزة، مع تعديل بعض شروط الاستفادة أو توقيتها أو تفصيلها. فتارة بقي الهدف وتغير نطاقه، وتارة حل التدرج محل الموعد، أو أُعلن الإصلاح دون أدواته. وهذه فروق تحدد الانتظار والمساءلة وتستحق التفسير.


ولا تكفي هذه التعديلات وحدها للحكم بالتراجع أو الواقعية. فقد ينتج بعضها عن التفاوض الائتلافي أو تقدير الكلفة أو صعوبات التنفيذ، لكن صدقية التعديل تتطلب إعلان سببه وأثره. ويظل الالتزام الانتخابي مرجعًا للمقارنة، بينما يصبح البرنامج الحكومي أساسًا مباشرًا للمساءلة عن الخيارات التي اعتمدتها الأغلبية مجتمعة.


وهنا تبدأ المحطة الثالثة التي وعدنا بها متابعينا: قراءة مشروع قانون المالية. فحين تتحول الأولويات إلى اعتمادات وموارد وتدابير ضريبية، تتضح اختيارات التوزيع بصورة أدق. وسنقارن عندئذ بين ما وُعد به الناخب، وما التزمت به الحكومة أمام البرلمان، وما خصصته فعليًا للشروع في التنفيذ.


لقد حدد التصريح ما تريد الحكومة تحقيقه؛ وستكشف الميزانية ما تمنحه أولوية البدء، ثم تكشف الممارسة قدرتها على الوفاء. وعلى امتداد هذه المراحل، يبقى معيار التقييم هو الأثر في حقوق المواطنين وفرصهم وخدماتهم وثقتهم في المؤسسات.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق