عن حب الوطن في زمن الإيديولوجيات العابرة للحدود

 

في معنى المواطنة حين تختلط الدولة بالسلطة


ليس حب الوطن شعارًا يُرفع عند الحاجة، ولا تهمة تُوزع على الخصوم، ولا صك ولاء يُقدَّم للسلطة، ولا قصيدة حماسية تُستدعى في لحظات الانتصار الرياضي أو التوتر السياسي. حب الوطن أعمق من ذلك كله. إنه وعي بمعنى الانتماء إلى أرض وشعب ومصير مشترك، وإدراك بأن الوطن ليس مجرد جغرافيا على الخريطة، ولا علمًا يرفرف فوق المؤسسات، بل ذاكرة جماعية، ولغة، وتاريخ، وألم مشترك، وأمل في مستقبل لا يملكه فرد ولا حزب ولا سلطة.


غير أن هذا المعنى يضيع حين تختلط المفاهيم في الوعي العام. فهناك من يجعل الوطن مرادفًا للنظام، فيرى كل نقد للسلطة خيانة، وكل مطالبة بالإصلاح تشويشًا، وكل معارضة خروجًا عن الصف الوطني. وهناك، في المقابل، من يجعل خصومته مع النظام خصومة مع البلد كله، فيفرح بأزماته، ويشمت في تعثراته، ويستقوي عليه بالخارج، كأن الوطن هو من ظلمه لا من أخطأ في تدبيره. وبين هذين الانحرافين تضيع الوطنية الحقيقية: وطنية لا تقدس السلطة، لكنها لا تهدم الدولة؛ لا تصفق للفساد، لكنها لا تفرح بانكسار البلاد.../...


وتزداد الأزمة تعقيدًا في زمن الأيديولوجيات العابرة للحدود، حيث لا يعود الوطن عند بعض الناس إطارًا نهائيًا للمواطنة والمسؤولية، بل مجرد محطة داخل مشروع أكبر منه. فالدين قد يتحول، في بعض الخطابات، إلى أممية سياسية لا تعترف بحدود الدولة الوطنية، والأيديولوجيا قد تتحول إلى حلم ثوري يذيب الوطن في صراع طبقي أو تاريخي مستورد، والمعارضة قد تنزلق من النقد إلى العدمية، والسلطة قد تنزلق من طلب الثقة إلى فرض الولاء. وهكذا تتزاحم على الوطن قوى متعددة: سلطة تريد أن تحتكره، ومعارضة تريد أن تعاقبه، وجماعات تريد أن تتجاوزه، وأيديولوجيات تريد أن تستعمله.


لذلك، يصبح السؤال ضروريًا: ما الوطن؟ وما الدولة؟ وما النظام؟ وما الشعب؟ وما معنى أن يكون الإنسان مواطنًا لا رعية، وشريكًا لا تابعًا، وناقدًا لا هادمًا، ومحبًا لوطنه دون أن يكون عبدًا للسلطة؟ وهل يسقط حب الوطن حين يصطدم الإنسان بالنظام، أم إن هذا الاصطدام قد يكون أحيانًا دليلًا على غيرة وطنية صادقة؟ وأين ينتهي النقد الوطني المشروع، وأين تبدأ العدمية التي لا تريد إصلاح البيت، بل هدمه على من فيه؟


إن تحرير هذه المفاهيم لم يعد ترفًا فكريًا، بل شرطًا لبناء وعي سياسي ناضج. فالأوطان لا تُحمى بالشعارات وحدها، ولا تُصلح بالشتائم، ولا تُبنى بالطاعة العمياء، ولا بالثورة الدائمة، ولا بالأحلام العابرة للحدود. تُبنى الأوطان حين تعرف الدولة أن غايتها خدمة المواطن لا استعماله، وحين يعرف المواطن أن حبه لوطنه لا يُقاس بما يردده من شعارات، بل بما يتحمله من مسؤولية تجاه القانون، والناس، والمؤسسات، والمستقبل.


لم يعد النقاش حول الوطن بسيطًا كما كان يبدو في زمن الشعارات الكبرى. فقد صار مفهوم الوطن نفسه موضوعًا للصراع والتأويل والالتباس. هناك من يختزل الوطن في النظام، فيجعل كل نقد للسلطة خيانة. وهناك من يختزل الوطن في خصومته مع النظام، فيحوّل غضبه السياسي إلى كراهية للبلد كله. وبين هذين الطرفين تضيع الحقيقة الأعمق: الوطن أوسع من النظام، والدولة أعمق من الحكومة، والشعب أبقى من السلطة، والمواطنة ليست تصفيقًا دائمًا ولا معارضة دائمة، بل مسؤولية مركبة تجاه الأرض والناس والمؤسسات والمستقبل.


وتزداد خطورة هذا الالتباس حين تدخل الأيديولوجيا على الخط. فبعض الخطابات الإسلاموية لا تعترف عمليًا بحدود الدولة الوطنية، لأنها تفكر بمنطق الأمة العابرة للحدود أو الخلافة المتوهمة. وبعض المعارضات الراديكالية لا ترى في الوطن إلا ساحة لصراع طبقي أو ثوري مستورد من أيديولوجيات اشتراكية وشيوعية تجاوزها التاريخ. وهكذا يصبح الوطن عند هؤلاء وهؤلاء مجرد محطة في مشروع أكبر منه: مشروع ديني أممي أو مشروع أيديولوجي ثوري، بينما تضيع الدولة الوطنية التي يعيش الناس داخلها، ويدفعون ضرائبها، ويحتمون بمؤسساتها، ويتأثرون بقراراتها في السلم والحرب والاقتصاد والأمن.


لذلك، فإن أول ما يحتاجه هذا النقاش هو تحرير المفاهيم.


فالوطن ليس النظام. الوطن هو الأرض والذاكرة واللغة والتاريخ والمجتمع والمصير المشترك. هو ذلك الإطار العميق الذي يولد فيه الإنسان أو ينتسب إليه، ويتشكل داخله وجدانه، وتتشابك فيه مصالحه وأمنه وكرامته ومستقبل أبنائه. نحب الوطن لا لأنه كامل، بل لأنه بيتنا التاريخي والمعنوي. وحب الوطن لا يعني تبرير عيوبه، بل تحمل مسؤولية إصلاحه.


أما الدولة فهي الكيان القانوني والمؤسسي الذي ينظم الوطن ويحمي حدوده وسيادته ومصالحه. الدولة هي الدستور، والمؤسسات، والإدارة، والقضاء، والجيش، والأمن، والمرافق العمومية، والتمثيل الخارجي. قد تضعف الدولة، وقد تخطئ مؤسساتها، وقد تفسد بعض أجهزتها، لكنها ليست مجرد حكومة عابرة. لذلك، فإن إضعاف الدولة باسم معارضة النظام قد يتحول، في لحظة معينة، إلى إضعاف للوطن نفسه.


أما النظام فهو طريقة إدارة السلطة داخل الدولة: من يحكم؟ كيف يحكم؟ بأي شرعية؟ وبأي مؤسسات؟ وبأي حدود؟ والنظام قابل للنقد والمراجعة والإصلاح والتغيير وفق القواعد الدستورية والسياسية. لذلك لا يجوز مساواة النظام بالوطن، ولا اعتبار معارضته خيانة، كما لا يجوز تحويل معارضته إلى هدم للدولة أو انتقام من الشعب.


أما الشعب فهو جماعة المواطنين بكل تناقضاتهم: المؤيد والمعارض، الفقير والغني، المتدين وغير المتدين، المحافظ والحداثي، الصالح والفاسد. الشعب ليس كتلة مقدسة لا تخطئ، ولا قطيعًا يستحق الاحتقار. هو مصدر الشرعية في الدولة الحديثة، لكنه يحتاج إلى وعي، وتربية مدنية، ومؤسسات، وقانون، حتى لا يتحول إلى قطيع قابل للتلاعب بالشعارات والعواطف.


من زاوية علم الاجتماع السياسي، تقوم الدولة الحديثة على احتكار العنف المشروع، وتنظيم المجال العام، وحماية السيادة، وإدارة المصالح المتعارضة داخل المجتمع. أما المواطنة فهي علاقة حقوق وواجبات بين الفرد والدولة: حقوق في الكرامة والحرية والأمن والتعليم والصحة والعدالة، وواجبات في احترام القانون، وحماية المصلحة العامة، وأداء الالتزامات، وعدم تحويل الوطن إلى غنيمة أو خصومة أو مجرد شعار.


ومن زاوية القرآن، لا نجد فرضًا لنظام سياسي مغلق باسم الدين. فالقرآن لم يقل للناس إن نظامهم يجب أن يكون خلافة إمبراطورية عابرة للحدود، ولا سلطة دينية كهنوتية، ولا دولة محكومة بتأويل جماعة بعينها. بل قرر مبدأ الشورى بقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾، وقرر تعدد الشعوب والقبائل للتعارف لا للإلغاء: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾، وجعل معيار التفاضل أخلاقيًا لا عرقيًا ولا سياسيًا: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وبذلك ترك القرآن للناس مساحة واسعة لتنظيم شؤونهم وفق العدل والشورى والمصلحة، لا وفق شكل سياسي واحد يجمّد التاريخ باسم الدين.


واللافت أن القرآن نفسه عرض نماذج سياسية متعددة، ولم يجعل العبرة باسم النظام، بل بمضمونه الأخلاقي وطريقة ممارسته للسلطة. فقد عرض تجربة ملكة سبأ، بلقيس، في صورة حاكمة عاقلة لا تنفرد بالرأي، بل تقول لقومها: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ﴾، وهي صيغة سياسية واضحة في اعتبار المشورة أصلًا في القرار. وفي الوقت نفسه، جاء على لسانها نقد عميق لمنطق الملوك المستبدين حين قالت: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾. فالقرآن هنا لا يرفض الملك من حيث هو اسم سياسي، بل يرفض الفساد والقهر والإذلال حين تتحول السلطة إلى غلبة.


كما أن القرآن ذكر أنبياء كانوا ملوكًا أو أصحاب سلطان، مثل داوود وسليمان، ولم يجعل الملك في ذاته رجسًا سياسيًا، بل ربطه بالعلم والحكمة والعدل والمسؤولية. فداوود أُمر بالحكم بالحق وعدم اتباع الهوى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ﴾. وهذا يعني أن معيار القرآن في الحكم ليس الاسم: خلافة، ملك، إمارة، جمهورية، أو غيرها؛ بل العدل، والشورى، والحق، وصيانة كرامة الناس، ومنع الفساد في الأرض.


ومن هنا، فإن تحويل “الخلافة” إلى أصل من أصول الدين هو تحميل للقرآن ما لم يقله. فالقرآن أقام مبادئ العدل، والوفاء بالعهد، ورفع الظلم، وحفظ الحقوق، لكنه لم يغلق السياسة في نموذج واحد. لذلك فإن الدولة الوطنية الحديثة، إذا قامت على العدل والمواطنة وسيادة القانون وحفظ الكرامة، ليست نقيضًا للإسلام من منظور القرآن، بل قد تكون أقرب إلى مقاصده من إمبراطوريات رفعت اسم الخلافة ومارست الاستبداد والقهر والتوريث والفتنة.


وهنا تظهر خطورة الخطاب الإسلاموي العابر للحدود. فهذا الخطاب قد يدافع عن قوى إقليمية معادية للمصالح المغربية، أو متورطة في مشاريع تناقض أمن المغرب ووحدته واستقراره، لمجرد أنها ترفع شعارات دينية أو تعادي خصومه الأيديولوجيين. وقد يقف، في المقابل، ضد الدولة المغربية لأنها اختارت علاقة أو اتفاقًا أو تموضعًا دبلوماسيًا يراه مخالفًا لمنطقه العقائدي، فيسارع إلى تخوينها واتهامها بالتفريط، دون أن يميز بين موقف الجماعة ومصلحة الدولة العليا.


وهنا يظهر الفرق الجوهري بين منطق الدولة ومنطق التنظيم. فالدولة لا تتحرك وفق العاطفة وحدها، ولا وفق الانتماء الأيديولوجي، ولا وفق شعارات المنابر، بل وفق حسابات الأمن القومي، والسيادة، والمصالح الاقتصادية، وموازين القوى، والتهديدات الإقليمية، والتحالفات الدولية. أما الجماعة فتتحرك غالبًا بمنطق التعبئة، وتبحث عن الطهرانية الخطابية، وتتعامل مع السياسة كما لو كانت امتحانًا في النقاء الأخلاقي لا إدارة معقدة للمصالح والمخاطر.


ولا يختلف الأمر كثيرًا عند بعض أطراف المعارضة الجذرية أو الراديكالية التي ما تزال تحن إلى أيديولوجيات اشتراكية وشيوعية بائدة، تعامل الوطن بوصفه ساحة لصراع ثوري متخيل، لا بوصفه دولة قائمة وشعبًا حيًا ومصالح وطنية معقدة. فكما يذيب الخطاب الإسلاموي الوطن داخل أممية دينية أو حلم خلافة متوهم، يذيب بعض اليسار الراديكالي الوطن داخل أممية أيديولوجية قديمة لا ترى في الدولة الوطنية إلا أداة قمع أو بنية ينبغي إسقاطها، ولو أدى ذلك إلى إضعاف الكيان الوطني نفسه.


واللافت أن الطرفين، رغم اختلاف المرجعيات، يلتقيان في النتيجة نفسها: ضعف الإيمان بالدولة الوطنية. فالإسلاموي المتشدد لا يرى الوطن إلا محطة داخل مشروع أوسع يتجاوز الحدود، واليساري الراديكالي لا يرى الدولة إلا واجهة لهيمنة طبقية أو تبعية إمبريالية. وبين هذا وذاك، تضيع فكرة الوطن بوصفه بيتًا مشتركًا، ووعاءً جامعًا يضم جميع أبنائه، باختلاف معتقداتهم وخلفياتهم وتوجهاتهم الفكرية والسياسية، فتضيع المواطنة بوصفها التزامًا تجاه الأرض والشعب والمؤسسات والمستقبل.


ومن المفيد هنا استحضار تجربة الرسول عليه السلام بعد الهجرة. فقد خرج من مكة، حيث كانت العصبية القبلية هي الإطار الغالب للتنظيم الاجتماعي والسياسي، إلى المدينة، حيث وجد مجتمعًا متعدد المكونات: مهاجرين، وأنصارًا، ويهودًا، ومشركين، وقبائل مختلفة، وروابط دينية واجتماعية واقتصادية متباينة. ومع ذلك، لم يؤسس الرسول المدينة على منطق الإكراه العقدي، ولا اشترط على كل من يعيش داخل المجال السياسي الجديد أن يكون على عقيدة واحدة، أو أن يذوب في هوية دينية واحدة، بل أدار هذا التعدد بمنطق العهد، والتعاقد، والمسؤولية المشتركة، وحماية الجماعة السياسية من العدوان والفتنة.


وهذا المعنى بالغ الدلالة؛ لأن المدينة لم تكن مجرد تجمع ديني للمؤمنين، بل كانت إطارًا سياسيًا جامعًا لأهلها، بما فيهم من اختلفوا في الدين والنسب والانتماء. لقد تحولت من فضاء قبلي متفرق إلى وعاء مدني تتعايش داخله جماعات متعددة تحت سقف التزام عام: الأمن المشترك، وعدم الظلم، وحماية المجال العام، واحترام العهود، وتنظيم العلاقة بين المكونات. وهذا هو المعنى العميق للوطن: ليس أن يتشابه الناس في العقيدة أو الفكر أو الأصل، بل أن يجتمعوا على أرض واحدة، ومصير واحد، ونظام عام يحفظ الحقوق والواجبات.


ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة المدينة أقرب إلى معنى المواطنة الجامعة منها إلى حلم الخلافة الإمبراطورية الذي ترفعه بعض الأدبيات الإسلاموية اللاحقة. فالرسول لم يبدأ بإلغاء التعدد، بل بتنظيمه؛ ولم يجعل الانتماء السياسي مشروطًا بتوحيد كل الناس في عقيدة واحدة؛ ولم يحول الاختلاف الديني إلى سبب لإخراج الناس من المجال العام. وهذا ينسجم مع منطق القرآن نفسه حين قرر تعدد الشعوب والقبائل للتعارف والتعايش والتعاون، لا للإلغاء والخصومة والصدام، وجعل الكرامة الأخلاقية بالتقوى، لا بالعرق أو القبيلة أو الانتماء الحزبي أو المذهبي.


وبذلك يصبح الوطن، في معناه الحقيقي، بيتًا سياسيًا وأخلاقيًا مشتركًا، لا معسكرًا أيديولوجيًا مغلقًا. هو المجال الذي يتسع للمؤمن وغير المؤمن، للمحافظ والحداثي، للمؤيد والمعارض، للغني والفقير، ولمن يختلفون في الدين والفكر والسياسة، ما داموا يلتزمون بالسقف الجامع: احترام القانون، وحفظ الأمن المشترك، وصيانة الكرامة، وعدم الاستقواء على الوطن بالخارج أو تخريبه من الداخل. أما اختزال الوطن في جماعة واحدة، أو عقيدة واحدة، أو طبقة واحدة، أو حزب واحد، فهو نفي لمعنى الوطن ذاته.


لكن الخلط لا يأتي من المعارضة وحدها. فبعض الأنظمة العربية تسهم بدورها في تشويه مفهوم الوطن حين تطلب من المواطن أن يخلط بين حب البلاد والولاء للسلطة، أو بين احترام الدولة والصمت عن الفساد، أو بين الدفاع عن السيادة وتبرير الأخطاء. وهذا خطأ كبير؛ لأن الدولة التي تريد مواطنين حقيقيين لا ينبغي أن تطلب منهم التصفيق، بل الثقة. والثقة لا تبنى بالخوف، بل بالعدل، والكرامة، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإشعار المواطن بأن الدولة تحميه لا تستغله.


وقد استقر في علم الاجتماع السياسي الحديث أن الدولة الحديثة لا تكتسب مشروعيتها فقط من السيادة والحدود والقوة، بل من قدرتها على خدمة المواطن وتحسين شروط حياته. فغاية الدولة، في التجارب الديمقراطية الحديثة، ليست أن يكون المواطن في خدمة السلطة، بل أن تكون مؤسسات الدولة في خدمة المواطن: أمنه، وكرامته، وتعليمه، وصحته، وشغله، وعدالته، وفرصه في حياة كريمة لتحقيق رفاهيته. ولذلك تقاس الدولة الناجحة بقدرتها على إنتاج الرفاه العام، لا بقدرتها على انتزاع الطاعة أو صناعة الخوف.


أما في كثير من التجارب العربية، فقد انقلبت المعادلة : بدل أن تكون الدولة وسيلة لتنظيم المجتمع وخدمة المواطنين، صار المواطن مطالبًا بأن يكون في خدمة الدولة، وأن يبرر أخطاءها، ويمدح إنجازاتها، ويصمت عن فسادها، ويتحمل فشلها، ثم يُتَّهم في وطنيته إذا طالب بحقه. وهكذا تتحول الوطنية من علاقة حقوق وواجبات إلى علاقة ولاء عمودي، كأن المواطن ليس شريكًا في الوطن، بل تابعًا أو عبدا خاضعا ينتظر الرضا من السلطة.


وهنا يبرز الفرق الجوهري بين مفهوم “المواطن” ومفهوم “الرعية”. فالرعية تنتمي إلى منطق سياسي قديم، يقوم على الحماية والطاعة: الحاكم يرعى، والناس تطيع. أما المواطن فينتمي إلى منطق الدولة الحديثة، حيث الفرد ليس تابعًا، بل صاحب حق، وعضوًا في الجماعة السياسية، ومصدرًا من مصادر الشرعية. المواطن لا يُمنح الكرامة من فوق، بل يملكها أصلًا بحكم إنسانيته وانتمائه إلى الوطن. ولا يطلب الإحسان من الدولة، بل يطالب بحقه في دولة عادلة وفعالة.


وهذا التمييز يزداد حساسية في الأنظمة الملكية العربية، حيث ما يزال لفظ “الرعية” حاضرًا في اللغة الدينية والسياسية والرمزية. وليس الإشكال في استعمال اللفظ من حيث هو تقليد تاريخي أو تعبير أدبي عن الرعاية، بل في أن يتحول المعنى السياسي إلى علاقة غير متوازنة: حاكم يرعى وشعب ينتظر، بدل دولة تخدم ومواطن يشارك. فالملكية الحديثة، إذا أرادت أن تكون دولة مواطنة لا دولة رعية، ينبغي أن تجعل العلاقة بين الملك والشعب علاقة عقد وحقوق ومؤسسات، لا علاقة عاطفة وطاعة وانتظار.


فالمواطن لا يناقض احترام الدولة، بل يرفعه إلى مستوى أعلى. لأنه حين يحترم الدولة، لا يحترمها خوفًا منها، بل لأنها تمثله وتحميه وتخضع بدورها للقانون. أما الرعية فقد تطيع الدولة وهي لا تثق بها، وقد تمدحها وهي تخاف منها، وقد تصمت وهي تشعر بالظلم. لذلك، فالدولة التي تريد وطنية حقيقية لا ينبغي أن تصنع رعايا مطيعين، بل مواطنين أحرارًا؛ لأن الأوطان لا تبنى بالخوف، بل بالثقة، ولا تستقر بالتصفيق، بل بالعدل.


فحب الوطن لا يسقط حين يصطدم الإنسان بالنظام. الذي يسقط هو الوهم الذي يجعل النظام مرادفًا للوطن. فقد يحب الإنسان وطنه بصدق، وينتقد نظامه بشدة، بل قد تكون شدة النقد أحيانًا شكلًا من أشكال الغيرة الوطنية إذا كانت موجهة للإصلاح لا للهدم، ولتصحيح المسار لا لتدمير البيت على من فيه.


لكن، في المقابل، ليس كل نقد للنظام وطنية. فقد يتحول النقد إلى حقد، والحقد إلى تشهير، والتشهير إلى استدعاء للخارج، واستدعاء الخارج إلى رغبة دفينة في معاقبة الوطن كله بسبب الخصومة مع السلطة. هنا لا نكون أمام معارضة وطنية، بل أمام انكسار في معنى المواطنة. فالمواطن الحر ينتقد السلطة، لكنه لا يتمنى إذلال وطنه، ولا يفرح بانكسار شعبه، ولا يستقوي بالأجنبي ضد دولته.


المواطن ليس من يصفق للنظام في كل حال، ولا من يشتمه في كل حال. المواطن هو من يفهم أن له حقوقًا وعليه واجبات؛ يطالب بالحرية والعدل والكرامة، لكنه يحترم القانون والمرفق العام والمال العام والنظام العام. ينتقد الفساد، لكنه لا يمارسه في حياته اليومية. يرفض الاستبداد، لكنه لا يحلم بالفوضى. يدافع عن حقوقه، لكنه لا ينسى حقوق غيره. يحب وطنه لا بوصفه شعارًا عاطفيًا، بل بوصفه مسؤولية يومية.


والمواطنة ليست قصيدة في حب العلم، ولا أغنية في مناسبة رياضية، ولا منشورًا غاضبًا ضد الحكومة. المواطنة سلوك: أن تحترم القانون حين لا يراك أحد، أن تحافظ على نظافة الشارع كما تحافظ على نظافة بيتك، أن لا تبيع صوتك في الانتخابات تتحول إلى شاهد زور، أن لا تدفع الرشوة ثم تلعن الفساد، أن لا تكسر الطابور ثم تطالب بالعدالة، وأن لا تختزل الوطن في مصلحتك الشخصية.


وفي المقابل، مسؤولية الدولة تجاه المواطن ليست أقل أهمية. فالدولة التي تريد مواطنًا وفيًا لوطنه يجب أن تمنحه سببًا عمليًا لهذه الثقة: تعليمًا جيدًا، صحة محترمة، قضاءً عادلًا، إدارة لا تهينه، فرصًا معقولة في العمل والكرامة، وحماية من الفساد والريع والمحسوبية. لا يمكن للدولة أن تطلب من المواطن حب الوطن صباحًا، ثم تتركه نهبًا للبطالة والرشوة والإقصاء مساءً. فالوطنية لا تعيش طويلًا في بيئة الإهانة.


لذلك، فالعلاقة بين الدولة والمواطن ليست علاقة وعظ من طرف واحد. الدولة مسؤولة عن بناء شروط المواطنة، والمواطن مسؤول عن احترام مقتضياتها. الدولة مطالبة بالعدل، والمواطن مطالب بالنزاهة. الدولة مطالبة بحماية الحقوق، والمواطن مطالب بأداء الواجبات. الدولة مطالبة بخدمة الشعب، والشعب مطالب بعدم تخريب دولته. حين يختل أحد الطرفين، تختل الوطنية نفسها: تتحول عند الدولة إلى خطاب رسمي، وعند المواطن إلى غضب أو لا مبالاة.


لهذا نحن بحاجة إلى تحرير المفاهيم قبل إطلاق الأحكام. الوطن ليس النظام، والنظام ليس الدولة، والدولة ليست الحكومة، والشعب ليس دائمًا بريئًا من أعطاب السلطة. وحب الوطن لا يعني السكوت عن الخطأ، كما أن نقد السلطة لا يعني كراهية البلاد. الوطنية الحقيقية هي أن تحب وطنك بما يكفي كي تقول الحقيقة، وأن تنتقد نظامك بما يكفي كي لا تهدم دولتك، وأن تدافع عن شعبك بما يكفي كي لا تبرر له كل أخطائه.


فالذي يصفق لكل شيء لا يحب الوطن، بل يعبد السلطة. والذي يكره كل شيء لا يحب الحرية، بل ينتقم من جرحه الشخصي. والذي يذيب وطنه في جماعة أو أيديولوجيا أو خلافة متخيلة لا يمارس المواطنة، بل يستبدل الوطن بيوتوبيا عابرة للحدود. أما المواطن الناضج فهو الذي يعرف الفرق بين الوطن والدولة والنظام والشعب، ويدرك أن إصلاح البلاد لا يبدأ من الشتيمة، ولا من التصفيق، بل من وعي عميق بأن الوطن بيت مشترك: نختلف داخله، ننتقده، نصلحه، نحميه، لكننا لا نحرقه لأننا خاصمنا من يديره.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق