قراءة تقويمية في القانون 66.23
من زاوية الطرف الغائب عن الصراع: المواطن
تمهيد: حين يغيب المتقاضي عن معركة قانون المحاماة
أثار دخول القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة حيز التنفيذ، بعد أشهر من الاحتجاج والتوقف عن العمل، نقاشًا واسعًا حول مستقبل المهنة وحدود استقلالها وعلاقتها بالسلطة القضائية ووزارة العدل. وقد قدم المحامون معركتهم، في جانب كبير من خطابهم، باعتبارها دفاعًا عن استقلال المحاماة وحرية الدفاع، في مقابل توجه تشريعي يرون أنه يوسع مجالات الرقابة والتدخل في شؤون المهنة.
ولا يمكن التقليل من أهمية هذا الاعتراض. فالمحاماة لا تستطيع أداء وظيفتها إذا كان المحامي خاضعًا في دفاعه للسلطة التنفيذية، أو للقاضي الذي يترافع أمامه، أو لأي جهة تستطيع التأثير في اختياراته المهنية. واستقلال الدفاع، بهذا المعنى، ليس مطلبًا فئويًا ولا امتيازًا لصاحب المهنة، وإنما أحد شروط المحاكمة العادلة وضمانة أساسية لحماية الحقوق والحريات.../...
غير أن التركيز على هذه الزاوية وحدها يحجب طرفًا ثالثًا يكاد يغيب عن الصراع، مع أنه الطرف الذي وجدت المحاماة من أجل خدمته: المتقاضي.
فالمواطن لا يحتاج فقط إلى محام مستقل عن السلطة، بل يحتاج إلى محام كفء في تخصصه، جاد في دراسة ملفه، قادر على تخصيص الوقت اللازم له، واضح في تحديد أتعابه، مسؤول عن التزاماته المهنية، وخاضع لآليات فعالة للمساءلة عندما يقصر في أداء واجبه. فحق الدفاع لا يتحقق بمجرد وجود شخص يحمل صفة المحامي إلى جانب المتقاضي، وإنما بجودة الدفاع الذي يستطيع هذا المحامي تقديمه.
ومن هنا يظهر أن استقلال المحاماة لا يمكن أن يكون غاية قائمة بذاتها. فقيمته الحقوقية تنشأ من الوظيفة التي يؤديها: حماية حق المتقاضي في دفاع حر وكفء وعادل. فإذا تحول الاستقلال إلى حصانة من التنظيم أو الشفافية أو المساءلة، انتقل من ضمانة للمواطن إلى امتياز لصاحب المهنة؛ وإذا تحول التنظيم، في الاتجاه المقابل، إلى وصاية على المحامي تحد من حريته في الدفاع، فقد المواطن الضمانة التي يفترض أن يحميها القانون. وهذه هي المعضلة التي يقوم عليها المقال أصلًا.
ولذلك لا تكفي قراءة القانون 66.23 من خلال المواجهة بين وزارة العدل وهيئات المحامين، ولا يكفي السؤال عما ربحته الوزارة أو خسرته المهنة بعد دخوله حيز التنفيذ. فثمة سؤال أسبق ينبغي أن يكون معيار التقويم كله:
ماذا ربح المتقاضي وماذا خسر؟
ومن هذا السؤال يتولد سؤال أكثر إحراجًا:
لمن شُرّع استقلال المحاماة أصلًا: للمحامي باعتباره صاحب مهنة، أم للمتقاضي باعتباره صاحب حق في الدفاع؟
والجواب لا يقتضي المفاضلة بين الطرفين؛ لأن استقلال المحامي وحق المتقاضي ليسا حقين متنافسين في الأصل. فالمتقاضي هو الذي يحتاج إلى محام مستقل حتى يستطيع الدفاع عنه دون خوف أو ضغط، والمحامي يحتاج إلى ضمانات الاستقلال حتى يستطيع أداء هذه الوظيفة. لكن هذه العلاقة نفسها تقتضي ألا يتحول الاستقلال إلى إعفاء من المسؤولية تجاه من منحت المهنة استقلالها من أجل حمايته.
وعلى هذا الأساس ستقرأ هذه الدراسة أهم ما جاء به القانون الجديد، والاعتراضات التي أثارها، لا بمقدار ما تمنحه للمهنة أو تنتقص منه فحسب، وإنما بمقدار ما تحققه من توازن بين استقلال المحامي وكفاءته ومسؤوليته، وحق المواطن في دفاع مهني كفء وعادل.
فقد يتبين أن بعض مطالب المحامين تحمي فعلًا استقلال الدفاع وينبغي الإنصات إليها، وأن بعض مقتضيات القانون تحتاج إلى المراجعة؛ لكن قد يتبين أيضًا أن بعض ما يقدم باعتباره دفاعًا عن الاستقلال يقع في مجال التنظيم والشفافية والمساءلة الذي لا يمكن إخراجه من رقابة القانون لمجرد تعلقه بمهنة مستقلة.
وبعبارة تختزل الميزان الذي سنحتكم إليه:
لا معنى لاستقلال محام لا يستطيع المواطن مساءلته عن الخدمة التي يؤديها، مثلما لا معنى لمساءلة محام لا يملك الاستقلال اللازم للدفاع عن المواطن.
وبين هذين الحدين ينبغي أن يُقرأ القانون 66.23.
أولًا: استقلال المحاماة بين حرية الدفاع والمسؤولية المهنية
لا يكاد يوجد خلاف جدي حول ضرورة استقلال المحاماة. فالمحامي الذي يخشى السلطة التي يواجهها، أو القاضي الذي يترافع أمامه، أو الخصم الذي يدافع في مواجهته، لا يستطيع أداء وظيفة الدفاع بحرية. ولهذا فإن وصف المحاماة بأنها مهنة حرة ومستقلة لا ينبغي قراءته باعتباره تكريسًا لمكانة مهنية خاصة فحسب، وإنما باعتباره ضمانة وظيفية مرتبطة بالمحاكمة العادلة وحماية الحقوق.
وهذا التمييز مهم؛ لأن المحامي لا يحتاج إلى الاستقلال لمجرد أنه محام، وإنما يحتاج إليه حتى يستطيع الدفاع عن موكله دون ضغط أو خوف أو تدخل يمس قراره المهني.
لكن من هنا أيضًا يبدأ الحد الفاصل بين مفهومين كثيرًا ما يختلطان في النقاش: استقلال المحامي في أداء وظيفة الدفاع، واستقلال المهنة عن كل تنظيم أو رقابة أو مساءلة.
الأول ضرورة لا تستقيم المحاكمة العادلة من دونها. أما الثاني فلا يمكن التسليم به على إطلاقه؛ لأن المحامي، إلى جانب كونه صاحب مهنة حرة، يقدم خدمة قانونية قد تتوقف عليها حرية الإنسان أو ماله أو أسرته أو ملكيته أو مستقبله المهني. والمتقاضي لا يلجأ إليه لأنه يستطيع تقييم العمل القانوني بنفسه، وإنما تحديدًا لأنه يفتقر إلى المعرفة والخبرة اللتين يمتلكهما المحامي. ومن ثم تقوم العلاقة بين الطرفين على عدم تماثل واضح في المعرفة، وهو ما يجعل التنظيم المهني إحدى ضمانات الطرف الأضعف في هذه العلاقة.
ولهذا فإن حق الدفاع لا يعني مجرد الحق في وجود محام.
قد يكون المحامي حاضرًا في الملف، ومع ذلك لا يتحقق الدفاع المهني الكفء إذا لم يمتلك المعرفة اللازمة لنوع القضية التي يتولاها، أو لم يمنحها الوقت الكافي، أو لم يبحث في النصوص والاجتهادات المرتبطة بها، أو أهمل إجراءً أو أجلًا كان ينبغي الانتباه إليه.
وهنا لا يجوز الانتقال إلى الطرف المقابل ومحاسبة المحامي على النتيجة؛ فهو لا يملك الحكم ولا يستطيع ضمان الفوز بالدعوى. وإنما يتعلق الأمر بالعناية المهنية التي يستطيع المتقاضي أن ينتظرها بصورة مشروعة ممن عهد إليه بحماية حقه: دراسة الملف، واحترام الآجال، وإثارة ما يقتضيه التخصص من دفوع، وإخبار الموكل بتطور القضية، وإعداد الدفاع بالجدية اللازمة.
وهذا التمييز بين النتيجة والعناية يسمح بحماية الطرفين معًا: فلا يتحول كل حكم خاسر إلى اتهام للمحامي بالتقصير، ولا تتحول عبارة «المحامي لا يضمن النتيجة» إلى حصانة من مساءلته عن الإهمال.
وتزداد أهمية الكفاءة مع التعقيد المتنامي للقانون. فقانون الأعمال والشركات، والمنازعات الضريبية، والملكية الفكرية، والجرائم المالية، والقانون الرقمي وحماية المعطيات، والتحكيم، والصفقات العمومية، والعقار، والأسرة، والشغل، والقانون الجنائي، والإداري، والتجارة الدولية، أصبحت مجالات يصعب افتراض الإحاطة المتساوية بها جميعًا. ومن هنا تصبح مسألة التكوين المستمر والتخصص جزءًا من حق المتقاضي في دفاع جيد، لا مجرد شأن داخلي للمهنة.
لكن الكفاءة وحدها لا تكفي، مثلما لا يكفي الاستقلال وحده. فقد يكون المحامي مستقلًا وكفؤًا، ثم لا توجد آلية فعالة لمساءلته إذا قصّر في واجباته. وقد يكون خاضعًا لنظام تأديبي صارم، لكن هذا النظام نفسه يسمح للسلطة باستعماله للضغط عليه بسبب دفاعه. لذلك لا ينبغي بناء قانون المحاماة على قيمة واحدة، وإنما على ثلاث ضمانات متكاملة:
- الاستقلال يحمي المحامي من التدخل،
- والكفاءة تحمي المتقاضي من ضعف الدفاع،
- والمساءلة تحميه من التقصير.
ولا توجد ضرورة منطقية للتضحية بإحداها من أجل الأخرى.
ومن هنا أيضًا لا يصح اعتبار كل تدخل تشريعي في تنظيم المهنة وصايةً على المحامي. فهناك فرق جوهري بين قاعدة تمس حريته في بناء دفاعه أو سرية علاقته بموكله، وقاعدة تنظم التكوين أو الأتعاب أو أموال الموكلين أو تعارض المصالح أو المسؤولية المهنية. الأولى تدخل في صميم استقلال الدفاع، أما الثانية فينبغي تقويمها بحسب ضرورتها وتناسبها وقدرتها على حماية المتقاضي.
وبذلك يصبح السؤال الذي سنضعه أمام مقتضيات القانون أكثر دقة من السؤال عما إذا كان القانون قد «أخذ» من المحامين صلاحيات أو أضاف إليهم التزامات.
السؤال هو:
هل يمس التعديل استقلال المحامي الضروري لأداء الدفاع، أم ينظم مسؤوليته الضرورية لحماية المتقاضي؟
هذا هو المعيار الذي يسمح الآن بالانتقال إلى القانون 66.23 نفسه، دون الانطلاق مسبقًا من رواية الوزارة أو رواية الهيئات المهنية.
ثانيًا: ماذا غيّر القانون 66.23؟
من تنظيم المهنة إلى حماية جودة الدفاع
إذا كان المعيار الذي انتهينا إليه يقوم على التمييز بين استقلال الدفاع ومسؤولية المهنة، فإن قراءة القانون 66.23 ينبغي ألا تتوقف عند مقدار ما منحه للهيئات أو ما فرضه على المحامين، وإنما عند الوظيفة التي يؤديها كل مقتضى. فبعض القواعد تحمي المحامي من التدخل في دفاعه، وبعضها ينظم علاقته بموكله، وبعضها يسعى إلى رفع الكفاءة أو تعزيز الشفافية والمساءلة. ولا يجوز وضع هذه المستويات المختلفة جميعًا تحت عنوان واحد هو «استقلال المحاماة».
ومن هذه الزاوية، يحمل القانون الجديد تحولًا مهمًا في فلسفة التنظيم: فالعلاقة بين المحامي وموكله لم تعد شأنًا مهنيًا داخليًا بالكامل، وإنما أصبحت في عدد من جوانبها علاقة قانونية تحتاج إلى قدر أكبر من التوثيق والشفافية. وهذه نقطة أساسية؛ لأن المتقاضي يدخل هذه العلاقة وهو، في الغالب، الطرف الأقل معرفة بالقانون وبقواعد المهنة وبالقيمة الحقيقية للعمل المطلوب.
العلاقة مع الموكل: من الثقة المجردة إلى الالتزام الواضح
تقوم المحاماة بطبيعتها على الثقة. فالمواطن يسلم محاميه أسراره ووثائقه، وقد يضع بين يديه أموالًا أو مصالح تمس حريته وأسرته وممتلكاته. لكن الثقة، مهما كانت ضرورية، لا تكفي وحدها لتنظيم علاقة يمكن أن تنشأ حولها خلافات تتعلق بطبيعة المهمة أو الأتعاب أو المصاريف أو حدود الالتزام.
ومن هنا تكتسب الكتابة والتوثيق أهميتهما. فكلما كانت طبيعة التكليف واضحة منذ البداية، وعرف الموكل نطاق المهمة التي سيتولاها المحامي والمقابل المالي المتفق عليه، انخفضت مساحة الغموض التي قد تتحول لاحقًا إلى نزاع.
ولا ينبغي النظر إلى هذا التنظيم باعتباره قيدًا على المحامي؛ فهو يحميه بالقدر نفسه الذي يحمي به موكله. فالمتقاضي لا يستطيع الادعاء بعد ذلك بأن المحامي التزم بعمل لم يكن داخل نطاق التكليف، كما يصعب على المحامي المطالبة بمقابل لم يكن أساسه واضحًا للطرف الآخر.
وهنا تتحول الكتابة من مجرد إجراء شكلي إلى أداة لتوازن العلاقة المهنية.
الأتعاب: حرية التعاقد لا تلغي اختلال المعرفة
ويظهر هذا التوازن بصورة أوضح في الأتعاب.
فمن غير الواقعي وضع سعر موحد لخدمة قانونية تختلف تكلفتها باختلاف طبيعة القضية وتعقيدها وحجم العمل والخبرة المطلوبة والوقت الذي تستغرقه. ولذلك ينبغي أن تبقى للمحامي والموكل مساحة واسعة للاتفاق على المقابل المناسب.
لكن حرية التعاقد لا تعني بالضرورة تكافؤ المتعاقدين.
فالمحامي يعرف قيمة العمل القانوني وتعقيده، بينما قد يدخل المواطن مكتبه للمرة الأولى في حياته، تحت ضغط اعتقال أو طلاق أو نزاع عقاري أو إفلاس أو مطالبة مالية. وفي مثل هذه الظروف لا تكون قدرته على تقييم السعر أو التفاوض مساوية لقدرة المهني الذي يقدم الخدمة.
ولهذا فإن المشكلة ليست في ارتفاع الأتعاب في ذاتها. فقد تكون أتعاب مرتفعة مبررة في ملف شديد التعقيد يتطلب خبرة نادرة وعملًا طويلًا. المشكلة هي غياب العلاقة الواضحة بين المقابل والعمل المتوقع.
ومن هنا تصبح الشفافية أهم من التسعير الإداري الجامد: أن يعرف المواطن منذ البداية مقدار الأتعاب أو طريقة احتسابها، وما الذي يدخل فيها، وما الذي يعد مصروفًا إضافيًا، وما المرحلة التي يغطيها الاتفاق، وماذا يحدث إذا امتدت القضية إلى درجة أخرى من درجات التقاضي.
فالعدالة في الأتعاب لا تعني أن تكون منخفضة دائمًا، وإنما أن تكون معلومة ومفهومة وقابلة للإثبات ومتناسبة مع طبيعة العمل.
لكن هذه الشفافية لا تحل وحدها سؤالًا آخر سنعود إليه عند وضع القانون في ميزان المتقاضي: ماذا يحصل المواطن فعلًا مقابل ما يدفعه؟ فالاتفاق على السعر يستطيع حماية الطرفين ماليًا، لكنه لا يضمن وحده جودة العمل المهني.
أموال الموكلين: الاستقلال لا يلغي الأمانة
وتصبح الحاجة إلى التنظيم أشد وضوحًا عندما لا يتعلق الأمر بأتعاب المحامي، وإنما بأموال تعود أصلًا إلى الموكل أو الغير.
فهنا لا نكون أمام حرية مهنية، بل أمام أمانة. والمبلغ الذي يمر عبر المحامي بسبب عقد بيع أو تفويت أو تسوية أو تعويض أو تنفيذ حكم لا يتحول إلى مال مهني لمجرد مروره عبر مكتبه.
ومن ثم فإن القواعد التي تسعى إلى جعل حركة هذه الأموال أكثر وضوحًا وقابلية للتتبع لا تمس، من حيث المبدأ، استقلال الدفاع. فهي لا تقول للمحامي كيف يبني مرافعته أو ما الدفوع التي يثيرها، وإنما تفصل بين حرية ممارسة الدفاع وواجب المحافظة على أموال الغير.
وكلما كان هذا الفصل أكثر وضوحًا، ازدادت حماية الموكل والمحامي معًا؛ لأن التوثيق لا يمنع فقط الاعتداء على الأموال، بل يمنع كذلك النزاعات والاتهامات التي قد تنشأ من غموض حركة المبالغ.
الولوج إلى المهنة: رفع الحاجز أم رفع الكفاءة؟
غير أن جودة الدفاع لا تبدأ بعد دخول المحامي إلى مكتبه، بل منذ تحديد من يحق له أصلًا دخول المهنة.
ومن الطبيعي أن يسعى المشرع إلى رفع مستوى التأهيل العلمي والمهني للمترشحين؛ فالمحاماة ليست مجرد نشاط اقتصادي مفتوح لمن يريد ممارسته، وإنما وظيفة ترتبط مباشرة بحقوق الآخرين وبحسن سير العدالة.
لكن التشدد في شروط الولوج لا يكون إصلاحًا لمجرد أنه يجعل الدخول أصعب. فهناك فرق بين رفع الحاجز ورفع الكفاءة. وقد تؤدي الشروط الصعبة إلى تقليص عدد الداخلين إلى المهنة دون أن تضمن بالضرورة أن من اجتازها أصبح أكثر قدرة على تقديم دفاع جيد.
لذلك ينبغي أن يقاس كل شرط بعلاقته بالكفاءة المطلوبة فعلًا: هل يختبر المعرفة؟ القدرة على التحليل؟ الكتابة القانونية؟ أخلاقيات المهنة؟ الاستعداد العملي؟ أم أنه مجرد قيد عددي أو اجتماعي لا توجد علاقة واضحة بينه وبين جودة الدفاع؟
وهنا تبرز مسألة أخرى أشد حساسية؛ لأنها لا تتعلق بالكفاءة وحدها، وإنما بالمساواة في الولوج إليها.
فإذا كان الولوج إلى المحاماة يقتضي التحقق من استيفاء المترشح للشروط القانونية المتعلقة بالأهلية والسلوك وعدم وجود الموانع، فإن القاعدة الطبيعية هي أن يخضع جميع المترشحين للمسطرة نفسها بصرف النظر عن أسرهم أو أصولهم المهنية.
وتزداد المسألة حساسية بالنظر إلى ممارسة جرى بها العمل تتمثل في إعفاء أبناء وبنات المحامين من البحث الذي يخضع له باقي المترشحين للتحقق من استيفاء شروط الولوج، ولا سيما ما يرتبط بالسوابق والسلوك. وإذا كان هذا الامتياز لا يجد أساسه في قاعدة عامة تطبق على الجميع، فإنه يطرح إشكالًا جوهريًا في المساواة وتكافؤ الفرص؛ إذ لا توجد علاقة موضوعية بين مهنة الأب أو الأم وبين أهلية الابن أو الابنة لممارسة المحاماة.
وتبدو المفارقة أكبر عندما يمكن لسابقة جنحية قديمة أن تلاحق مترشحًا من عامة المواطنين وتحول دون ولوجه إلى المهنة حتى بعد انقضاء العقوبة أو زوال بعض آثارها القانونية، بينما يعفى مترشح آخر من البحث نفسه لمجرد انتمائه إلى أسرة مهنية. فالمشكلة ليست في ضرورة التحقق من نزاهة المترشح، وهي غاية مشروعة بالنظر إلى طبيعة المحاماة، وإنما في وحدة المعيار: لا يمكن أن تكون النزاهة شرطًا يفحص بالنسبة إلى فئة ويفترض بالنسبة إلى أخرى.
والمشكلة هنا ليست إجرائية فقط، وإنما دستورية وأخلاقية. فالمساواة أمام القانون تفقد معناها إذا كان شابان يحملان الشهادة نفسها، ويتقدمان إلى المهنة نفسها، ثم تختلف شروط معاملتهما لأن والد أحدهما محام ووالد الآخر موظف أو عامل أو فلاح.
لا يمكن الدفاع عن استقلال المحاماة بإنشاء امتياز وراثي داخل المهنة.
فإذا كان البحث ضمانة للمهنة، فيجب أن يخضع له الجميع؛ وإذا كان مساسًا غير مبرر بحقوق المترشح، فيجب إلغاؤه عن الجميع. أما التمييز بحسب الانتماء الأسري فلا علاقة له بالكفاءة المهنية ولا باستقلال الدفاع.
التكوين المستمر: حين لا تعود الشهادة كافية
وحتى إذا نجح نظام الولوج في اختيار أفضل المترشحين، فإن المعرفة التي يدخل بها المحامي المهنة لا تستطيع أن تكفيه طوال حياته المهنية.
فالقانون يتغير، والاجتهاد القضائي يتطور، وتظهر معاملات وتقنيات ومنازعات لم تكن موجودة عندما حصل المحامي على شهادته. وقد جعلت الرقمنة والذكاء الاصطناعي وحماية البيانات والجرائم السيبرانية والعقود الدولية والمنتجات المالية وغيرها من المجالات تحديث المعرفة المهنية ضرورة مستمرة.
ومن هنا فإن التكوين المستمر لا ينبغي أن يفهم باعتباره تدخلًا في استقلال المحامي، بل جزءًا من المقابل الذي يفرضه احتفاظه بصفة مهنية تمنح المواطن ثقة خاصة في كفاءته، تماما كما يحدث في مهن أخرى كالطب وغيره.
لكن التكوين بدوره يمكن أن يتحول إلى إجراء شكلي إذا اقتصر على تسجيل الحضور أو تجميع ساعات دون قياس حقيقي لما أضافه إلى الممارسة. ولذلك فإن التحدي ليس في إلزام المحامي بالتكوين فقط، وإنما في ربطه بالحاجات الفعلية للممارسة وبمسار تدريجي نحو التخصص.
فالمحامي لا يحتاج بالضرورة إلى معرفة أوسع في كل شيء بقدر حاجته، بعد مرحلة من الممارسة العامة، إلى معرفة أعمق في المجالات التي يختار الاشتغال فيها.
وهنا يظهر الدور الذي ينبغي أن تضطلع به الهيئات المهنية مستقبلًا: الانتقال من إدارة جدول عام للمحامين إلى بناء خريطة للكفاءات والتخصصات تساعد على توجيه التكوين، وسنعود إلى أثر ذلك في حق المواطن في الاختيار في القسم التالي.
التأديب: حماية المحامي وحماية من يشتكي منه
أما المسؤولية التأديبية، فهي المجال الذي يظهر فيه التوتر بين الاستقلال والمساءلة بأوضح صوره.
فمن جهة، لا يمكن قبول نظام يسمح للسلطة التنفيذية باستعمال التأديب وسيلة للضغط على محام بسبب موقف اتخذه في دفاعه. فالمحامي قد يواجه الإدارة أو النيابة العامة أو مؤسسات قوية، ولا يستطيع أداء وظيفته إذا كان يخشى أن تتحول جرأة الدفاع إلى ملف تأديبي.
لكن من جهة أخرى، لا يجوز أن يتحول التنظيم الذاتي للمهنة إلى دائرة مغلقة يشعر فيها المواطن بأنه يشتكي المحامي إلى زملائه ثم لا يعرف ماذا حدث لشكايته.
ولهذا فإن المسطرة العادلة ينبغي أن تحمي الطرفين: ضمانات للمحامي ضد المتابعة التعسفية، وضمانات للمشتكي في تسجيل شكايته ودراستها داخل أجل معقول والحصول على قرار معلل وإمكان مراجعته وفق الآليات القانونية.
فالاستقلال الحقيقي لا يحتاج إلى غياب المساءلة، بل إلى مساءلة مستقلة، شفافة، وعادلة.
وهذه النقطة مهمة لأن الشكوى ضد المحامي ليست دليلًا على خطئه. فقد يخسر الموكل قضيته ثم يحمل المحامي مسؤولية نتيجة لم يكن يملكها، وقد تكون الشكوى كيدية أو ناتجة عن خلاف مالي. لكن حماية المحامي من الشكايات غير المؤسسة لا تتحقق بإضعاف حق المواطن في الشكوى، وإنما بمسطرة قادرة على التمييز بين الخطأ المهني والنتيجة القضائية التي لا يتحكم فيها المحامي.
الشفافية المالية: الضريبة واجب مواطنة قبل أن تكون عبئًا مهنيًا
ولا تقف آثار التوثيق والشفافية عند العلاقة بين المحامي وموكله، بل تمتد إلى علاقة المهني بالمجتمع والدولة.
فتوثيق الأتعاب، وتتبع المبالغ المؤداة، والفصل بين أموال الموكل وأموال المحامي، واعتماد وسائل أداء قابلة للإثبات، كلها تقلل المساحة التي يمكن أن تتحرك داخلها المداخيل غير المصرح بها. ولا يعني ذلك اتهام المحامين جماعيًا بالتهرب الضريبي؛ فالتهرب ظاهرة يمكن أن توجد في قطاعات ومهن متعددة. لكن المعاملات المباشرة، خصوصًا عندما تعتمد الأداء النقدي وضعف التوثيق، تخلق بطبيعتها مجالًا أوسع لإخفاء جزء من رقم المعاملات.
وهنا ينبغي التمييز مرة أخرى بين استقلال المهنة واستقلال الدخل عن الرقابة القانونية. فحرية المحامي في بناء دفاعه لا تنشئ له مركزًا ضريبيًا مختلفًا عن بقية المواطنين.
بل إن الشفافية في هذا المجال تحقق عدالة داخل المهنة نفسها؛ لأن المحامي الذي يصرح بمداخيله ويؤدي الضرائب المستحقة عليه لا ينبغي أن يجد نفسه في منافسة مع مهني يستطيع تخفيض كلفته بصورة غير مشروعة عن طريق إخفاء جزء من دخله.
والضريبة، في النهاية، ليست ثمنًا تدفعه المهنة للدولة مقابل السماح لها بالعمل، وإنما واجب مواطنة يرتبط بالدخل والمساهمة في تحمل الأعباء العامة. وما ينبغي مناقشته هو عدالة النظام الضريبي وتناسبه وضمانات الخاضع له، لا مشروعية الإفلات منه.
ومن ثم تؤدي الشفافية المالية وظيفة ثلاثية: تحمي المتقاضي من غموض الأتعاب، وتحمي المحامي الملتزم من المنافسة غير العادلة، وتحمي المجتمع من إخفاء الوعاء والتهرب الضريبي.
من إصلاح النص إلى اختبار الممارسة
تكشف هذه المقتضيات مجتمعة أن جانبًا مهمًا من القانون الجديد لا يتعلق بالتدخل في جوهر الدفاع، وإنما بمحاولة تنظيم البيئة التي يمارس داخلها: شروط الولوج، والعلاقة بالموكل، والأتعاب، والأموال، والتكوين، والمسؤولية والشفافية.
ولا يعني ذلك أن كل اختيار تشريعي جاء به القانون صحيح أو أنه بمنأى عن النقد. فقد تكون بعض الآليات غير متناسبة، وقد تكشف الممارسة عن آثار لم تكن ظاهرة عند صياغة النص. لكن الاعتراض الجدي عليها ينبغي أن يحدد موضع المساس بالاستقلال بدل أن يجعل استقلال المحاماة عنوانًا عامًا لرفض كل تنظيم خارجي للمهنة.
وفي الاتجاه المقابل، لا يكفي أن تصف الحكومة مقتضى ما بأنه «حكامة» أو «شفافية» حتى يصبح مشروعًا؛ فالرقابة نفسها يمكن أن تتحول إلى وصاية إذا تجاوزت الوظيفة التي شرعت من أجلها وأصبحت مدخلًا للتأثير في الدفاع.
وهكذا يعود الميزان الذي وضعناه منذ البداية:
لا وصاية على المحامي في دفاعه، ولا حصانة للمحامي من المسؤولية عن دفاعه.
لكن القانون، مهما أحسن تنظيم هذه الجوانب، لا يستطيع أن يجيب وحده عن السؤال الذي يهم المواطن في النهاية: هل أصبح حصوله على دفاع مهني كفء وعادل أسهل وأضمن؟
ثالثًا: المتقاضي في القانون الجديد: من الحق في محام إلى الحق في دفاع كفء
إذا كان القانون قد حاول تنظيم الولوج إلى المهنة والتكوين والعلاقة المالية بين المحامي وموكله والمساءلة المهنية، فإن ذلك كله يظل وسائل لتحقيق غاية أسبق: أن يجد المواطن، عندما يحتاج إلى العدالة، دفاعًا يستطيع الوثوق بكفاءته ونزاهته واستقلاله وشفافيته.
وهنا يظهر الفرق بين الحق في محام والحق في دفاع كفء. فالأول يتحقق من الناحية الشكلية بمجرد تمكين المتقاضي من الاستعانة بمحام، أما الثاني فيتعلق بنوعية الخدمة التي يحصل عليها: هل اختار الشخص المناسب لقضيته؟ هل يمتلك هذا الشخص الخبرة اللازمة؟ هل يخصص للملف ما يستحقه من وقت وبحث؟ وهل يستطيع الموكل متابعة ما يجري ومساءلة محاميه إذا وقع تقصير؟
وهذه الأسئلة لا يستطيع قانون الولوج إلى المهنة وحده الإجابة عنها.
الحق في المعلومة: كيف يختار المواطن محاميه؟
يبدأ الاختلال قبل أن يدخل المواطن مكتب المحامي أصلًا.
فما الذي يعرفه عنه عندما يختاره؟
يعرف غالبًا اسمه ومكان مكتبه، وربما سمعته أو توصية شخص تعامل معه. لكنه قد لا يعرف عدد سنوات خبرته الفعلية في نوع القضية التي يريد عرضها عليه، ولا المجالات التي يمارس فيها بصورة منتظمة، ولا التكوين المتخصص الذي تلقاه، ولا طبيعة الخبرة الميدانية التي راكمها.
وهذا نقص لا يمكن تعويضه بمجرد رفع شروط الولوج ونوع الشهادة من الإجازة إلى الماستر؛ لأن تلك الشروط تثبت أهلية الشخص العامة لممارسة المحاماة، بينما يحتاج المتقاضي إلى معلومة أكثر تحديدًا:
هل يمتلك هذا المحامي الخبرة المناسبة لقضيتي أنا؟
ومن هنا تقع مسؤولية مهمة على الهيئات المهنية نفسها. فإذا كان التنظيم الذاتي للمحاماة من مقتضيات استقلالها، فلا ينبغي أن يقتصر دور الهيئات على التسجيل في الجداول والتأديب والدفاع عن المصالح المهنية، وإنما ينبغي أن يشمل أيضًا إنتاج المعلومة التي يحتاج إليها المواطن للاختيار على أساس موضوعي.
ويمكن الانتقال تدريجيًا من الجداول التقليدية التي لا تقدم للمواطن سوى بيانات تعريفية عامة إلى قواعد معلومات مهنية تبين، وفق معايير موحدة، سنوات الممارسة، ومجالات العمل الفعلي، والتكوينات المتخصصة، والشهادات المهنية، والخبرة المتراكمة في أصناف محددة من المنازعات.
ولا يعني ذلك ترتيب المحامين بحسب عدد القضايا التي ربحوها؛ فهذا معيار مضلل لأن نتيجة الدعوى لا يحددها المحامي وحده. كما لا يتعلق الأمر بكشف معلومات عن الملفات أو الموكلين بما يمس السر المهني. المطلوب هو توفير مؤشرات مهنية موضوعية وقابلة للتحقق تساعد المواطن على الاختيار.
بل يمكن لهذه البيانات أن تنتج فائدة أوسع من مساعدة المتقاضي الفرد، من خلال بناء إحصاءات وجداول محلية وجهوية تسمح برسم خريطة وطنية للكفاءات القانونية: أين يتركز المتخصصون في القانون التجاري أو الإداري أو الضريبي أو الجنائي أو الأسري؟ وأي الجهات تعاني نقصًا في تخصص معين؟ وهل يتناسب توزيع الخبرات المهنية مع طبيعة المنازعات المعروضة على محاكم كل جهة؟
وعندئذ تصبح الهيئات نفسها أقدر على توجيه التكوين المستمر نحو الحاجات الفعلية بدل الاكتفاء ببرامج عامة قد لا تعكس الاختلالات الموجودة في الممارسة.
وبذلك ترتبط ثلاث حلقات كانت تبدو منفصلة: المعلومة والتخصص والتكوين. فبيانات الممارسة تكشف الحاجة إلى التخصص، والتخصص يوجه التكوين، والمعلومة الناتجة عنهما تمكن المواطن من اختيار المحامي الأنسب لقضيته.
وكلما طالبت المهنة بحق أكبر في تنظيم نفسها، ازدادت مسؤوليتها في تمكين المجتمع من معرفة مستوى الكفاءة التي يوفرها هذا التنظيم.
المتقاضي لا يشتري حكمًا بل يشتري عناية مهنية
لكن المعرفة بخبرة المحامي لا تحل مشكلة أخرى شائعة في العلاقة المهنية: الخلط بين قيمة الأتعاب واحتمال الفوز بالقضية.
فالمواطن لا يشتري من المحامي نتيجة قضائية. والمحامي، مهما بلغت خبرته، لا يملك الحكم ولا ينبغي أن يعد موكله بما لا يستطيع ضمانه.
ما يشتريه المتقاضي في الحقيقة هو عمل مهني: وقت وخبرة وبحث وتحليل واستراتيجية ومتابعة والتزام بالآجال وتواصل بشأن تطورات الملف.
وهذا التحديد مهم للطرفين. فهو يحمي المحامي من تحميله مسؤولية خسارة دعوى بذل فيها العناية المهنية اللازمة، لكنه يمنع في الوقت نفسه استخدام عدم ضمان النتيجة لتبرير الإهمال.
فالنتيجة ليست مضمونة، أما الجدية المهنية فينبغي أن تكون كذلك.
ولهذا فإن السؤال عن الأتعاب لا يكتمل بمجرد معرفة مقدارها. فمن حق المواطن أن يعرف أيضًا طبيعة العمل الذي سيؤدى مقابلها وحدود المهمة التي قبلها المحامي.
من كثرة الملفات إلى جودة الدفاع
وهنا نصل إلى مسألة لا يمكن للتكوين أو التخصص وحدهما حلها: الوقت.
فقد يكون المحامي عالي الكفاءة ومتخصصًا في المجال الذي تنتمي إليه القضية، لكنه يتولى من الملفات ما يتجاوز قدرته الفعلية على دراستها ومتابعتها بالجودة المطلوبة.
وهذا يعيد تعريف الكفاءة المهنية نفسها. فالكفاءة ليست معرفة فقط، وإنما معرفة متاحة للملف. والمحامي الذي يمتلك خبرة كبيرة لكنه لا يستطيع تخصيص الوقت اللازم لقضية معينة قد يقدم عمليًا دفاعًا أقل جودة من محام أقل شهرة لكنه أكثر قدرة على دراسة الملف ومتابعته.
ومن الصعب بطبيعة الحال وضع عدد موحد للقضايا التي يستطيع كل محام توليها؛ فملف جنحي بسيط لا يساوي نزاعًا تجاريًا معقدًا، ومكتب يضم فريقًا من المحامين والمساعدين لا يشبه محاميًا يمارس منفردًا.
لكن المبدأ يظل قائمًا: قبول الملف ينبغي أن يفترض القدرة الفعلية على خدمته.
وهذا جانب من أخلاقيات المهنة لا يقل أهمية عن تعارض المصالح أو المحافظة على السر المهني؛ لأن قبول عدد من الملفات يتجاوز القدرة على متابعتها قد يحول الثقة التي يمنحها المواطن للمحامي إلى مجرد تراكم للقضايا داخل المكتب.
الحق في متابعة القضية
ولا تنتهي مسؤولية المحامي عند إعداد المذكرات والحضور أمام المحكمة. فالمتقاضي يحتاج أيضًا إلى معرفة ما يحدث في قضيته.
وقد يكون من أكثر جوانب التجربة القضائية إرهاقًا للمواطن اضطراره إلى الاتصال المتكرر أو الانتقال إلى المكتب لمعرفة هل انعقدت الجلسة، أو ماذا قررت المحكمة، أو ما الوثيقة المطلوبة، أو ما المرحلة التالية.
وهنا تستطيع الرقمنة تحسين العلاقة بصورة ملموسة.
فتحديث المحاماة لا ينبغي أن يقتصر على رقمنة علاقة المحامي بالمحكمة، وإنما ينبغي أن يمتد إلى علاقة المكتب بموكله. ويمكن، مع احترام السر المهني وحماية المعطيات الشخصية، تطوير وسائل آمنة تسمح للموكل بمعرفة المراحل الأساسية التي وصل إليها ملفه، والوثائق المطلوبة منه، والمواعيد والإجراءات التي تمت.
والغاية ليست تحويل العلاقة المهنية إلى تطبيق إلكتروني، وإنما تكريس مبدأ بسيط: المعلومة المتعلقة بملف الموكل حق له وليست منّة يقدمها المكتب عند الطلب.
الحق في تغيير المحامي دون خسارة القضية
وتظهر أهمية حماية المتقاضي بصورة أكبر عندما تنهار الثقة بين الطرفين.
فحرية اختيار المحامي لا تكون كاملة إذا استطاع المواطن الدخول في العلاقة ولم يستطع الخروج منها عمليًا دون تعريض قضيته للخطر.
وقد ينشأ خلاف حول الأتعاب أو طريقة إدارة الملف أو التواصل أو الاستراتيجية، ويقرر الموكل الاستعانة بمحام آخر. وهنا يجب التوفيق بين حق المحامي الأول في مستحقاته وحق المواطن في استمرار الدفاع عن قضيته.
فحقوق المحامي المالية مشروعة وينبغي حمايتها، لكن النزاع حولها لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة تؤدي إلى ضياع أجل قضائي أو تعطيل انتقال الملف أو فقدان حق لا يمكن استرجاعه.
والقاعدة التي ينبغي أن تحكم هذه العلاقة واضحة: النزاع بين المحامي وموكله لا ينبغي أن يعطل الحق الذي استعان الموكل بالمحامي لحمايته أصلًا.
الشكوى: من ينبغي أن يحاسب المحامي؟
أما الاختبار الأصعب للمساءلة فيبدأ عندما يعتبر المواطن أن المحامي أخل بالتزاماته. فالمتقاضي الذي يشتكي قاضيًا أو إدارة أو خصمًا يستعين بالمحامي، لكن إلى من يلجأ عندما يكون محل شكواه هو المحامي نفسه؟
هنا يصبح التنظيم الذاتي للمهنة أمام امتحان مؤسسي حقيقي؛ لأن المواطن يدخل إلى مؤسسة مهنية يشكو أحد أعضائها أمام زملائه. ولا يعني ذلك افتراض أن الهيئات المهنية تحابي المحامين أو أن كل شكوى يقدمها الموكل صحيحة؛ فقد تكون الشكوى ناتجة عن خسارة القضية، أو عن سوء فهم لطبيعة التزام المحامي، أو تكون كيدية أصلًا. لكن العدالة المؤسسية لا ينبغي أن تقوم على افتراض نزاهة جهة الفصل أو سوء نيتها، وإنما على بناء مسطرة تقلل تعارض المصالح وتوفر ضمانات الحياد لجميع الأطراف.
ومن هنا لا يكفي السؤال عن كيفية معالجة الشكوى، بل ينبغي طرح سؤال أسبق: من ينبغي أن يحقق ويبت فيها؟
فإسناد الاختصاص كاملًا إلى الهيئة المهنية يحقق ميزة مهمة تتمثل في معرفة أهل المهنة بقواعدها وأعرافها ومتطلبات ممارستها، ويحمي المحامي من تدخل السلطة التنفيذية في عمله. لكنه يثير في المقابل سؤال الحياد عندما تصبح الهيئة، بصورة غير مباشرة، جهة تمثل المهنة وجهة تفصل في شكاوى المواطنين ضد أعضائها في الوقت نفسه.
أما نقل الاختصاص كاملًا إلى جهاز تابع للدولة، وخصوصًا عندما تكون الشكوى متصلة بطريقة ممارسة الدفاع، فقد يعالج مشكلة الحياد الظاهر لكنه يخلق مشكلة أخطر: إمكان تحول المساءلة إلى مدخل للتأثير في استقلال المحامي، ولا سيما عندما يكون دفاعه موجها ضد الإدارة أو النيابة العامة أو جهة عامة.
ولذلك قد يكون من المناسب التفكير في آلية تأديبية مختلطة تتمتع بضمانات الاستقلال، لا تنفرد فيها المهنة بمحاسبة نفسها ولا تنفرد فيها الدولة بمحاسبة المحامي. ويمكن، على سبيل النقاش، أن تضم قاضيًا أو ممثلًا عن جهة قضائية مستقلة، وممثلًا عن الهيئة المهنية، وشخصية مستقلة تمثل مصالح المتقاضين أو المجتمع المدني وتتوفر فيها الكفاءة القانونية اللازمة، مع تحديد دقيق لحالات التنافي والتجريح وتعارض المصالح.
ونتحفظ هنا على جعل النيابة العامة تحديدًا عضوًا دائمًا في الهيئة المقترحة؛ لأن المحامي يواجه النيابة العامة يوميًا في القضايا الجنائية، وقد يصبح الطرف الذي يرافع المحامي في مواجهته مشاركًا في مساءلته مهنيًا. وهذا قد يخلق بدوره شبهة تأثير مرفوضة. والأدق أن نتحدث عن مكون قضائي مستقل، مع بقاء اختصاص النيابة العامة قائمًا بطبيعة الحال عندما تتجاوز الوقائع مجرد الخطأ المهني إلى شبهة جريمة.
كما ينبغي التمييز بين مستويين من المسؤولية. فالإخلال المهني ـ كالإهمال أو مخالفة واجبات المهنة أو قواعد تعارض المصالح ـ يدخل في المساءلة التأديبية. أما إذا كشفت الشكوى عن أفعال يحتمل أن تكون جنائية، فإن صفة المحامي لا ينبغي أن تنشئ نظامًا موازيًا للقانون الجنائي، وتصبح إحالة الوقائع إلى الجهات القضائية المختصة مسألة مختلفة عن التأديب المهني.
وفي جميع الحالات، يحتاج المواطن والمحامي معًا إلى مسطرة يمكن الوثوق بها: تسجيل واضح للشكوى، وإشعار الأطراف، وأجل معقول للتحقيق والبت، وحق الدفاع والاطلاع على ما يسمح به القانون، وقرار معلل، وإمكان الطعن أمام جهة مستقلة.
وبذلك لا يصبح السؤال: هل نحمي المحامي أم نحمي المشتكي؟ وإنما: كيف نبني مؤسسة تستطيع حماية الاثنين من بعضهما ومن السلطة في الوقت نفسه؟
استقلال المحاماة يقتضي ألا تحاسب السلطة المحامي على دفاعه، وعدالة المساءلة تقتضي ألا تنفرد المهنة بالحكم في الشكايات الموجهة ضد أعضائها.
المواطن ليس زبونًا عاديًا
وقد يبدو استخدام مفاهيم مثل جودة الخدمة والشفافية وحق المعلومة قريبًا من لغة السوق، وهو ما قد يثير تحفظًا مشروعًا بالنظر إلى طبيعة المحاماة بوصفها جزءًا من منظومة العدالة وليست نشاطًا تجاريًا عاديًا.
لكن خصوصية المحاماة لا تضعف الحجة، بل تقويها.
فالمواطن الذي يشتري سلعة رديئة يستطيع في حالات كثيرة استبدالها. أما المتقاضي الذي يضيع عليه أجل الاستئناف أو النقض، أو يفقد حقًا بسبب إهمال إجرائي لا يمكن إصلاحه، فقد لا يستطيع إعادة القضية إلى بدايتها.
ولهذا فإن المتقاضي ليس زبونًا عاديًا بالفعل، لكنه لهذا السبب تحديدًا يحتاج إلى حماية أكبر لا أقل.
وكلما ازدادت حساسية الوظيفة، ازدادت معها متطلبات الكفاءة والأمانة والعناية والمساءلة.
ما الذي بقي خارج القانون؟
ومن هنا تظهر حدود أي إصلاح تشريعي.
يمكن للقانون أن يرفع شروط الولوج، وأن يفرض التكوين، وأن ينظم الأتعاب والأموال والتأديب، لكنه لا يستطيع بالنص وحده أن يجعل كل محام متخصصًا، ولا أن يضمن أنه سيخصص لكل قضية الوقت الكافي، ولا أن يبني تلقائيًا ثقافة تواصل جيدة مع الموكل، ولا أن يحول التنظيم الذاتي للمهنة إلى نظام فعال لإنتاج المعلومة عن الكفاءات.
وهذا لا يمثل فشلًا للقانون بقدر ما يحدد حدود وظيفة القانون.
فبعد الإصلاح التشريعي تبدأ مسؤولية الهيئات والمكاتب والمحامين أنفسهم في تحويل القواعد إلى ثقافة ممارسة: تخصص حقيقي، وتكوين مستمر مرتبط بالحاجة، وشفافية، ورقمنة آمنة، وتواصل منتظم، ومساءلة مهنية فعالة.
وعندئذ فقط يمكن قياس نجاح القانون من زاوية الطرف الذي غاب طويلًا عن مركز النقاش: المتقاضي.
فالسؤال ليس كم مادة تغيرت، ولا من حصل على صلاحية أكبر داخل المهنة، وإنما:
هل أصبح المواطن أقدر على معرفة المحامي المناسب لقضيته، وفهم ما سيدفعه وما سيحصل عليه، ومتابعة ملفه، وتغيير محاميه عند الحاجة، ومساءلته إذا قصر؟
إذا تحققت هذه الأشياء، يكون الإصلاح قد انتقل من تنظيم المحاماة إلى تحسين الدفاع. أما إذا بقيت الممارسة كما كانت، فقد يتغير القانون دون أن تتغير تجربة المتقاضي.
وهنا نصل طبيعيًا إلى القسم الأخير من المقال؛ لأن تجربة المواطن خلال الأشهر الماضية لم تتحدد بما جاء في القانون وحده، وإنما كذلك بالطريقة التي احتجت بها المهنة عليه:
رابعًا: بعد دخول القانون حيز التنفيذ: حق الاحتجاج وحدود تعطيل حق الدفاع
أدى نشر القانون رقم 66.23 في الجريدة الرسمية إلى تغيير المركز القانوني للنزاع. فقبل صدوره كان المحامون يحتجون على مشروع قانون يسعون إلى تعديله أو منع تمريره بصيغته المعروضة، أما بعد صدور الظهير الشريف بتنفيذه ونشره، فقد أصبح النص قانونًا نافذًا وجزءًا من النظام القانوني الواجب التطبيق.
وهذا التحول مهم؛ لأنه يفرض التمييز بين أمرين كثيرًا ما اختلطا في النقاش العام: رفض القانون والامتناع عن الخضوع له.
صدور الظهير: انتهاء التشريع لا انتهاء الخلاف
لا يعني دخول القانون حيز التنفيذ أن المحامين أصبحوا ملزمين بالاقتناع به أو التخلي عن مطالبهم. فالقوانين ليست محصنة من النقد لمجرد صدورها، ومن حق الفئات المهنية الاعتراض عليها والمطالبة بتعديلها، كما يمكن للممارسة نفسها أن تكشف لاحقًا عن اختلالات تستدعي تدخل المشرع من جديد.
ولذلك لا يبدو دقيقًا وصف مجرد استمرار الاعتراض على القانون بأنه «عصيان للأمر الملكي».
فالظهير الملكي ينفذ القانون وفق النظام الدستوري، لكنه لا يجعل مضمون القانون خارج دائرة النقاش العام، ولا يحول نقده إلى اعتراض على المؤسسة الملكية. والمبالغة في شخصنة الخلاف بهذه الصورة قد تنقل نزاعًا تشريعيًا ومهنيًا إلى مستوى سياسي لا تعبر عنه طبيعته الحقيقية.
لكن التحفظ على هذا الوصف لا يعني أن صدور الظهير لم يغير شيئًا.
فمنذ دخول القانون حيز التنفيذ لم يعد ممكنًا التعامل معه باعتباره مجرد مشروع تستطيع المهنة أن تقبل بعضه وترفض بعضه بإرادتها. فالاستقلال المهني يمارس داخل النظام القانوني، ولا يمنح هيئة مهنية سلطة اختيار القوانين التي تعتبر نفسها مخاطبة بها.
وهنا تظهر القاعدة التي تضبط العلاقة بين دولة القانون وحرية الاعتراض:
احترام القانون النافذ واجب، والمطالبة بتعديله حق.
وبهذا يمكن للمحامين أن يواصلوا نقد القانون والمطالبة بتعديل مقتضيات يعتبرونها ماسّة باستقلال الدفاع، دون أن يتحول الاعتراض المهني إلى ادعاء حق جماعي في عدم الخضوع لقانون نافذ.
الاحتجاج مشروع، لكن ماذا عن وسيلته؟
لكن المشكلة الأكثر تعقيدًا لا تتعلق بحق المحامين في الاعتراض، وإنما بوسيلة الاحتجاج نفسها.
فالمحاماة تختلف في هذا الجانب عن كثير من الأنشطة المهنية؛ لأن توقفها لا يقتصر أثره على المهني أو الجهة التي يتفاوض معها، وإنما ينتقل مباشرة إلى أشخاص لا علاقة لهم بالنزاع.
فحين يمتنع المحامي عن أداء خدمته، قد يكون الطرف الذي يتحمل النتيجة معتقلًا ينتظر محاكمته، أو أمًا تطالب بالنفقة، أو أجيرًا ينازع في فصله، أو ضحية تنتظر تعويضًا، أو صاحب حق يخشى فوات أجل إجرائي.
وهؤلاء ليسوا طرفًا في الخلاف بين وزارة العدل وهيئات المحامين.
ومن حق المحامين، مثل غيرهم من أصحاب المهن، الدفاع عن مصالحهم وحقوقهم والاحتجاج على تشريع يرونه مجحفًا. كما أن الحكومة لا تعفى من مسؤوليتها عن إدارة الحوار والوصول إلى حلول عندما تكون بعض المطالب مشروعة. لكن مشروعية الغاية لا تعفي من تقويم الوسيلة.
وهنا يظهر السؤال الأخلاقي والحقوقي الذي فرضته مدة الاحتجاج:
إلى أي حد يجوز استخدام تعطيل حق المواطن في الدفاع وسيلةً للدفاع عن استقلال من يتولى الدفاع عنه؟
وهذا السؤال لا يلغي حق الاحتجاج، وإنما يضعه داخل شبكة الحقوق التي يتقاطع معها.
كلما طال التوقف تغير ميزان التناسب
يمكن لتوقف محدود أن يؤدي وظيفة رمزية وتفاوضية واضحة. لكن كلما امتد زمن الاحتجاج، تغيرت طبيعة الكلفة؛ لأن الملفات تتراكم، والآجال تستمر، وبعض الحقوق لا تستطيع الانتظار بالطريقة نفسها التي يستطيع بها نزاع مهني أن يستمر.
ومن ثم لا يمكن تقييم توقف يستمر يومًا أو يومين بالطريقة نفسها التي يقيم بها توقف يمتد أسابيع أو أشهر.
فالزمن هنا ليس عنصرًا محايدًا.
كلما طال الاحتجاج، ازدادت الحاجة إلى السؤال عما إذا كانت القوة الضاغطة التي يمنحها تعطيل المرفق متناسبة مع الضرر الواقع على أشخاص لم يشاركوا في النزاع.
وتزداد المسألة حساسية بالنسبة إلى الفئات الأضعف. فالمتقاضي الميسور قد يستطيع الانتظار أو تحمل كلفة إضافية، أما المعتقل أو الأجير أو صاحب النفقة أو المواطن محدود الدخل فقد يصبح التأخير نفسه ضررًا لا يمكن تعويضه بالكامل.
ولهذا فإن الدفاع عن استقلال المحاماة يكتسب قوته الأخلاقية من حماية حقوق هؤلاء، لا من قدرتهم على تحمل كلفة الصراع من أجله.
المواطن لا ينبغي أن يتحول إلى أداة تفاوض
وهنا يظهر الطرف الذي وضعناه في مركز المقال منذ بدايته.
فالمواطن لا يملك قرار صياغة القانون، ولا يشارك في المفاوضات بين الوزارة والهيئات، ولا يستطيع تعديل المواد المختلف عليها. ومع ذلك قد يصبح هو مصدر الضغط الفعلي على الدولة عندما يؤدي توقف المحامين إلى اضطراب سير القضايا.
وهذه الوضعية تخلق مفارقة يصعب تجاهلها: المتقاضي يتحول من غاية لاستقلال المحاماة إلى وسيلة للدفاع عنه.
ولا يعني ذلك أن المسؤولية تقع كلها على المحامين. فقد تسهم طريقة تدبير الحكومة للحوار أو تمسكها بخيارات تشريعية محل اعتراض مشروع في إطالة الأزمة. لكن تعدد المسؤوليات لا يغير وضع الطرف الثالث: المواطن يتحمل ضرر خلاف لم يصنعه.
ولهذا كان من الممكن، ويظل من الممكن مستقبلًا، التفكير في وسائل احتجاج تحافظ على القوة التفاوضية للمهنة دون تعطيل الحقوق التي يتعذر إصلاح الضرر اللاحق بها: استثناء حالات الاعتقال، والملفات الاستعجالية، وقضايا النفقة، والإجراءات المرتبطة بآجال حاسمة، وغيرها من الحالات التي يؤدي توقف الدفاع فيها إلى نتائج غير قابلة للتدارك بسهولة.
فالغاية ليست تجريد المهنة من حقها في الضغط، وإنما منع تحويل أصحاب الحقوق الأساسية إلى أدوات لهذا الضغط.
استقلال المهنة قوة، والقوة تستدعي المسؤولية
وهنا نصل إلى نقطة تتجاوز الأزمة الحالية.
فالاستقلال يمنح المهنة قوة مؤسسية حقيقية: تنظيمًا ذاتيًا، وهيئات منتخبة، وقدرة جماعية على اتخاذ المواقف والدفاع عن المصالح المهنية. وهذه القوة ضرورية في مواجهة أي محاولة لإخضاع الدفاع للسلطة.
لكن كل استقلال مؤسسي ينتج سلطة ما، وكل سلطة تحتاج إلى مسؤولية تقابلها.
فكما نخشى أن تستعمل الدولة سلطتها للضغط على المحامي، ينبغي أن نسأل أيضًا كيف تستعمل المهنة القوة التي يمنحها لها موقعها داخل العدالة عندما تدخل في نزاع مع الدولة.
والميزان لا ينبغي أن يتغير بحسب الطرف الذي يمتلك القوة.
فالقاعدة التي طالبنا بها عند تنظيم التأديب والولوج والأتعاب تصلح هنا أيضًا: نبحث عن الوظيفة والحدود والتناسب، لا عن هوية الطرف الذي يمارس السلطة.
لا غالب ولا مغلوب
ومن هذه الزاوية، سيكون من الخطأ قراءة دخول القانون حيز التنفيذ باعتباره انتصارًا للحكومة وهزيمة للمحامين.
إذا كان القانون يتضمن مقتضيات تحسن شفافية المهنة وكفاءتها ومساءلتها، فتنفيذها مكسب للعدالة وليس انتصارًا على المحامين. وإذا كانت فيه مقتضيات تكشف الممارسة أنها تمس استقلال الدفاع أو لا تحقق الغاية التي شرعت من أجلها، فتعديلها مستقبلًا لن يكون هزيمة للدولة، وإنما تصحيحًا تشريعيًا طبيعيًا.
والمنطق نفسه ينبغي أن يحكم موقف الهيئات المهنية. فالتراجع عن وسيلة احتجاج أصبحت كلفتها مرتفعة على المواطنين لا يعني التخلي عن المطالب، مثلما أن تطبيق القانون النافذ لا يعني الموافقة السياسية أو المهنية على جميع مواده.
فالخروج السليم من الأزمة لا يحتاج إلى منتصر ومهزوم، وإنما إلى فصل واضح بين مستويين:
القانون يطبق ما دام نافذًا، والخلاف حوله يستمر بالوسائل القانونية والمؤسساتية إلى أن يعدل إذا ثبتت الحاجة إلى ذلك.
وهذه الصيغة تحمي هيبة القانون من جهة، وتحمي حق المجتمع المهني في الاعتراض من جهة أخرى، والأهم أنها تعيد المواطن من موقع الأداة إلى موقع الغاية.
بعد أكثر من مئة يوم: السؤال الذي بقي بلا جواب
وبعد احتجاج طويل، يصبح من المشروع أن ينتهي النقاش إلى السؤال الذي بدأ منه هذا المقال:
أين كان المتقاضي في كل ذلك؟
لقد تحدثت الحكومة عن تحديث المهنة والحكامة والشفافية، وتحدث المحامون عن الاستقلال والحصانة وحرية الدفاع. ولكل طرف حججه ومخاوفه ومصالحه المشروعة.
لكن العدالة لا توجد من أجل الوزارة، ولا من أجل الهيئات المهنية.
إنها توجد في النهاية من أجل المواطن.
ولهذا لا يحتاج نقد استمرار تعطيل الخدمات إلى وصفه بأنه «عصيان ملكي» حتى يكون قويًا. الحجة الأبسط والأدق هي أن حق المحامين في الاعتراض يظل قائمًا بعد دخول القانون حيز التنفيذ، لكن حق المتقاضي في الدفاع يجب أن يظل قائمًا أيضًا، ولا ينبغي أن يصبح أحد الحقين وسيلة لإلغاء الآخر.
وهذه النتيجة تعيدنا إلى الفكرة التي حكمت المقال كله: استقلال المحاماة ليس امتيازًا مستقلًا عن وظيفته، وإنما ضمانة وجدت حتى يستطيع المحامي حماية حق غيره.
وعندما يصبح المتقاضي هو الذي يتحمل كلفة الدفاع عن هذه الضمانة، يصبح من الضروري إعادة النظر في الوسيلة، لا في مشروعية الاستقلال نفسه.
خاتمة: استقلال من أجل العدالة
تكشف قراءة القانون رقم 66.23 والنقاش الذي رافق صدوره أن السؤال الحقيقي في إصلاح مهنة المحاماة لا يتعلق بالاختيار بين استقلال المحامي وسلطة الدولة، بقدر ما يتعلق بتحديد الوظيفة التي ينبغي أن يؤديها هذا الاستقلال داخل منظومة العدالة. فالمحاماة تحتاج إلى حماية قوية من كل تدخل يمكن أن يمس حرية الدفاع أو السر المهني أو قدرة المحامي على مواجهة السلطة والخصوم دون خوف، لكن هذه الحماية تستمد مشروعيتها، في النهاية، من الحق الذي وجدت لضمانه: حق المواطن في دفاع حر وكفء وعادل.
ومن هذه الزاوية، أظهر التحليل أن استقلال المحاماة لا يتعارض في ذاته مع التنظيم والشفافية والمساءلة. فثمة فارق جوهري بين تدخل يمس قرار المحامي في الدفاع، وتنظيم يهدف إلى ضمان كفاءته أو حماية أموال موكله أو توضيح أتعابه أو مساءلته عند التقصير. الأول قد يتحول إلى وصاية تهدد حق الدفاع، أما الثاني فيمكن أن يكون شرطًا لحماية هذا الحق نفسه.
وهذا هو الجانب الذي يمثل فيه القانون الجديد خطوة مهمة: فهو لا ينظر إلى المحاماة فقط باعتبارها مهنة ينبغي تنظيم مؤسساتها، وإنما يتجه في عدد من مقتضياته إلى تنظيم جودة العلاقة التي تربط المحامي بمن يلجأ إليه. غير أن هذه الخطوة، على أهميتها، لا تكفي للحكم بنجاح الإصلاح؛ لأن النص يستطيع فرض شروط الولوج والتكوين والتوثيق والمساءلة، لكنه لا يستطيع وحده إنتاج محام متخصص، ولا ضمان الوقت المبذول في كل ملف، ولا بناء الثقة، ولا تحويل القواعد المهنية إلى ممارسة يومية.
ولهذا ربما يكون أهم ما كشفه القانون هو أن إصلاح المحاماة لا ينتهي عند التشريع، بل يبدأ منه. فالمرحلة المقبلة ستضع الهيئات المهنية نفسها أمام مسؤولية أكبر في تطوير التخصص، وإنتاج المعلومة عن الكفاءات، وتوجيه التكوين المستمر، وترسيخ الشفافية، وضمان فعالية المساءلة. فالتنظيم الذاتي لا يكتسب قيمته من مقدار السلطة التي تحتفظ بها المهنة على شؤونها، وإنما من جودة المهنة التي ينتجها هذا التنظيم للمجتمع.
كما كشفت الأزمة أن المتقاضي لا يجوز أن يظل الطرف الغائب عن النقاش. فقد احتج المحامون دفاعًا عن استقلالهم، ودافعت الحكومة عن القانون باسم الإصلاح، بينما تحمل المواطن جزءًا من كلفة المواجهة. ومن هنا ينبغي أن تكون إحدى نتائج هذه التجربة أن الحق في الاحتجاج، على مشروعيته، يحتاج في المهن المرتبطة بالحقوق الأساسية إلى وسائل لا تجعل أصحاب تلك الحقوق أنفسهم أدوات للضغط.
أما دخول القانون حيز التنفيذ فلا يلغي الخلاف حوله. فاحترام القانون النافذ واجب، مثلما أن نقده والمطالبة بتعديله حق. وما ستكشفه الممارسة ينبغي أن يكون هو الحكم على مواده: فما ثبت أنه يحمي استقلال الدفاع ينبغي تحصينه، وما أثبت فعاليته في رفع الكفاءة والشفافية والمساءلة ينبغي تطويره، وما كشف التطبيق أنه يخل بالتوازن بين استقلال المحامي وحقوق المتقاضي ينبغي ألا يكون محصنًا من المراجعة.
وبذلك لا تقود هذه القراءة إلى انتصار مطلق لرواية الحكومة ولا إلى تبني كامل لموقف الهيئات المهنية. فالاستقلال الذي يطالب به المحامون ضرورة للعدالة، لكن الكفاءة والشفافية والمساءلة التي يحتاج إليها المواطن ضرورة أيضًا. ولا ينبغي بناء الأولى على حساب الثانية، كما لا يجوز استخدام الثانية ذريعة لإخضاع الأولى.
ومن هنا يصبح معيار نجاح القانون 66.23 بسيطًا في صياغته، وإن كان صعبًا في تحقيقه: هل سينتج عن تطبيقه محام أكثر حرية في دفاعه، وأكثر كفاءة في عمله، وأكثر شفافية في علاقته بموكله، وأكثر مسؤولية عن أدائه؟ وهل سيجد المواطن نتيجة لذلك دفاعًا أفضل وعدالة أكثر ثقة؟
إذا تحقق ذلك، يكون الإصلاح قد تجاوز إعادة تنظيم المهنة إلى تحسين وظيفتها. أما إذا تغيرت النصوص وبقيت علاقة المواطن بالمحاماة على حالها، فسيكون جزء أساسي من الإصلاح ما يزال مؤجلًا.
فالعدالة لا تحتاج إلى محام تابع للسلطة، كما لا تحتاج إلى محام مستقل عن المسؤولية. إنها تحتاج إلى محام حر في دفاعه، كفء في تخصصه، مسؤول أمام موكله، وملتزم تجاه المجتمع الذي منحه مكانته واستقلاله.
وعندئذ فقط يستعيد استقلال المحاماة معناه الكامل:
ليس استقلالًا عن المجتمع، وإنما استقلال من أجل العدالة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق