ميناء الناظور ورهان الانتقال من استيراد الطاقة إلى صناعة وظيفتها الإقليمية
تمهيد: عندما كشفت إسبانيا قيمة الاعتماد
لم يكن الجدل الذي أثارته أزمة سبتة الأخيرة محصورًا في الهجرة والحدود والعلاقات السياسية بين الرباط ومدريد. فقد ظهر في النقاش الإعلامي الإسباني عنصر أشد حساسية يتعلق بالطاقة، عندما جرى استحضار اعتماد المغرب على البنية الإسبانية في الغاز والكهرباء ضمن الحديث عن أوراق الضغط التي يمكن أن تمتلكها مدريد في مواجهة الرباط.
ولا تعني مناقشة هذه الورقة إعلاميًا أنها تحولت إلى قرار رسمي للحكومة الإسبانية، لكن مجرد طرحها من قبل التلفزيون الرسمي الإسباني يكشف حقيقة استراتيجية لا ينبغي التقليل منها: كل اعتماد على وظيفة حيوية يؤديها طرف خارجي يمكن، في ظروف الأزمة، أن يتحول من علاقة منفعة إلى مصدر للضغط.../...
وتكتسب المسألة أهميتها لأن المغرب وجد نفسه، منذ توقف تدفق الغاز الجزائري عبر أنبوب المغرب العربي–أوروبا في خريف 2021، أمام ضرورة إعادة بناء جزء من منظومة إمداده بالغاز. ومنذ 2022 أصبح يشتري الغاز الطبيعي المسال من الأسواق الدولية، ثم يعاد تحويله إلى حالته الغازية في محطات إسبانية قبل نقله إلى المغرب عبر الأنبوب نفسه بعد عكس اتجاه التدفق.
وهكذا نشأت مفارقة لافتة: الأنبوب الذي كان ينقل الغاز الجزائري عبر المغرب نحو إسبانيا أصبح يستخدم، في الاتجاه المعاكس، لنقل الغاز الذي يشتريه المغرب بعد مروره بالبنية التحتية الإسبانية.
لكن هذه الصورة لا تكشف إلا نصف التحول الجاري.
فعلى بعد كيلومترات من الساحل الإسباني، يستعد المغرب خلال 2026 لإدخال ميناء الناظور غرب المتوسط تدريجيًا إلى الخدمة ضمن مشروع بلغت الاستثمارات العمومية والخاصة التي استقطبها 51 مليار درهم. وعند انطلاقه ستبلغ قدرته السنوية خمسة ملايين حاوية و 35 مليون طن من البضائع السائلة والصلبة، مع إمكانية تطوير القدرة مستقبلًا إلى 12 مليون حاوية وإضافة 15 مليون طن من البضائع السائلة. كما يتضمن المشروع مركزًا للطاقة يضم أول محطة مغربية للغاز الطبيعي المسال بطاقة معلنة تبلغ خمسة مليارات متر مكعب سنويًا. واللافت أن البلاغ الرسمي المغربي نفسه يربط هذا المكون صراحة بمتطلبات «السيادة الطاقية» للمملكة.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي لهذا المقال.
فالمغرب ليس دولة منتجة للنفط، ولا يمتلك حتى الآن إنتاجًا كبيرًا من الغاز. فلماذا يبني بنية لاستقبال الطاقة وتخزينها وتحويلها وربطها بشبكات صناعية ولوجستية تتجاوز حاجته الراهنة؟
وهل يتعلق الأمر فقط بالتخلص من الاعتماد على البنية الإسبانية، أم أن الرباط تراهن على شيء أكبر: الانتقال من دولة تستورد الطاقة إلى دولة تؤدي وظيفة داخل شبكة توزيعها الإقليمية؟
هناك تجربة دولية تجعل هذا السؤال أقل افتراضية مما يبدو.
إنها سنغافورة.
سنغافورة: قوة طاقية بلا نفط
تكاد سنغافورة تقدم المثال المعاكس للتصور التقليدي للقوة الطاقية.
فهي لا تمتلك موارد هيدروكربونية، وتستورد النفط الخام الذي تحتاج إليه صناعاتها التكريرية والبتروكيماوية. ومع ذلك تحولت بفضل موقعها عند أحد أهم تقاطعات الملاحة العالمية، وبنيتها المينائية والصناعية والمالية، إلى واحد من أهم مراكز تجارة الطاقة وتكريرها في العالم.
والأرقام تكشف حجم المفارقة.
تقدر الطاقة التكريرية السنغافورية حاليًا بنحو 1.27 إلى 1.5 مليون برميل يوميًا بحسب اختلاف المصادر والمنشآت المحتسبة، وتبلغ قدرة مجمع ExxonMobil وحده نحو 592 ألف برميل يوميًا.
أما جزيرة جورونغ، التي تمثل القلب الصناعي لهذه المنظومة، فتضم أكثر من 100 شركة دولية تعمل في النفط والبتروكيماويات والكيماويات.
لكن الرقم الأكثر دلالة ربما لا يتعلق بالبراميل أصلًا.
فقد ارتفعت قيمة تجارة الطاقة المنجزة عبر سنغافورة من نحو 1.44 تريليون دولار سنة 2023 إلى 1.67 تريليون دولار سنة 2024.
وهنا تكمن حقيقة النموذج السنغافوري.
سنغافورة لا تنافس السعودية في حجم إنتاج النفط، ولا قطر في احتياطات الغاز، لكنها بنت نوعًا آخر من القوة. فالدولة التي تكاد تخلو من الموارد الطبيعية أصبحت واحدة من أكبر مراكز تجارة السلع عالميًا، ويمر عبرها قرابة خُمس تجارة الطاقة والمعادن في العالم. لم تأت هذه المكانة من امتلاك المورد، بل من امتلاك الوظائف التي يحتاج إليها المورد: التكرير والتخزين والمزج والتجارة والتمويل والخدمات وإعادة التوزيع.
لقد بنت نوعًا مختلفًا من القوة:
تستقبل، وتخزن، وتكرر، وتمزج، وتتاجر، وتمول، وتعيد التوزيع.
وبذلك أصبحت ضرورية داخل العلاقة بين المنتجين والأسواق الآسيوية.
فالنفط ليس سنغافوريًا، لكن جزءًا من الوظيفة التي يحتاج إليها النفط لكي يصل إلى المستهلك أصبح سنغافوريًا.
وهذا هو الفارق بين امتلاك المورد وامتلاك الوظيفة.
الناظور: خمسة مليارات متر مكعب لمغرب يستهلك أقل من مليار
ومن هنا يصبح أحد أرقام مشروع الناظور مثيرًا للإهتمام بصورة خاصة.
فالقدرة المعلنة لمحطة الغاز الطبيعي المسال تبلغ خمسة مليارات متر مكعب سنويًا. وفي المقابل، بلغ استهلاك المغرب من الغاز نحو 0.9 مليار متر مكعب في 2024 وفق تقديرات قطاعية؛ أي أن القدرة المخطط لها تعادل أكثر من خمسة أضعاف ذلك المستوى من الاستهلاك.
صحيح أن الطلب المغربي على الغاز مرشح للارتفاع بقوة خلال السنوات المقبلة مع التوسع الصناعي والتحول التدريجي من الفحم وزيادة مرونة النظام الكهربائي المتصل بالطاقات المتجددة. ولذلك لا يجوز اعتبار الفرق كله "فائضًا للتصدير".
لكن النسبة تظل لافتة.
فالمغرب لا يبني منشأة لتغطية استهلاكه الحالي فقط، وإنما قدرة تستبق نموًا كبيرًا في الطلب وتفتح في الوقت نفسه إمكانات وظيفية تتجاوز الاستهلاك الراهن إلى وظيفة التصدير.
وهذا هو بالضبط ما فعلته سنغافورة في مسار مختلف وسياق مختلف: لم تجعل حجم سوقها الداخلية الحد النهائي لحجم البنية التي تبنيها، وإنما ربطت هذه البنية بسوق إقليمية أكبر.
وهنا يصبح السؤال:
هل ينظر المغرب إلى سوقه باعتبارها 37 مليون مستهلك تقريبًا، أم إلى موقعه باعتباره نقطة اتصال بين أوروبا وشمال إفريقيا وغرب إفريقيا والأطلسي والمتوسط؟
إذا كان الثاني، فإن قراءة الناظور بوصفه مجرد محطة لاستيراد الغاز إلى السوق المغربية تصبح قراءة ناقصة.
51 مليار درهم: المشروع ليس محطة معالجة وتخزين للغاز فحسب
ويزداد هذا الاحتمال قوة عندما ننظر إلى المشروع كاملًا.
فميناء الناظور غرب المتوسط ليس محطة للغاز الطبيعي المسال منفصلة، بل مجمع مينائي وصناعي ولوجستي وطاقي متكامل. ولذلك فإن أثره المحتمل في إسبانيا لا يقتصر على تقليص حاجة المغرب إلى البنية الطاقية الإسبانية، بل الإستغناء عنها. فالصحافة الاقتصادية الإسبانية نفسها تقرأ المشروع باعتباره المنافس المغربي الثاني للموانئ الكبرى في الضفة الشمالية: فإذا كان طنجة المتوسط قد تجاوز الجزيرة الخضراء في حركة الحاويات، فإن الناظور غرب المتوسط يدخل بطاقة أولية تصل إلى خمسة ملايين حاوية سنويًا، في مواجهة فالنسيا الذي عالج 5.66 ملايين حاوية سنة 2025. وبذلك لا يبني المغرب ميناءً ثانيًا فحسب، بل يضيف قطبًا ثانيًا إلى منظومته المينائية في مواجهة قطبين إسبانيين رئيسيين: طنجة المتوسط في مواجهة الجزيرة الخضراء، والناظور غرب المتوسط في مجال المنافسة مع فالنسيا، أما ميناء الداخلة الأطلسي فله بُعد آخر يتجاوز الحسابات الإسبانية.
وتزداد دلالة المقارنة لأن الناظور لا يكرر نموذج طنجة المتوسط حرفيًا. فإلى جانب الحاويات، يدخل المشروع بوظيفة طاقية وصناعية واضحة تشمل الغاز الطبيعي المسال والمحروقات، مع قابلية مستقبلية للارتباط بالهيدروجين الأخضر. وهكذا يبدو أن الرهان المغربي يقوم على توزيع الوظائف بين قطبين متكاملين: طنجة المتوسط عقدة عالمية راسخة عند المضيق، والناظور غرب المتوسط قطب متوسطي شرقي ذي وظيفة صناعية وطاقية أكثر وضوحًا.
وتكشف الأرقام الرسمية عن حجم هذه البنية: 5.4 كيلومتر من كاسرات الأمواج، وأربعة كيلومترات من الأرصفة، وأربعة مرافق طاقية، إلى جانب محطتي الحاويات والمنصة الصناعية واللوجستية.
وعند التشغيل الأولي:
5 ملايين حاوية سنويًا.
35 مليون طن من البضائع السائلة والصلبة.
5 مليارات متر مكعب من قدرة LNG.
ومع التطوير المستقبلي:
12 مليون حاوية إضافية محتملة، و 15 مليون طن إضافية من البضائع السائلة.
هذه الأرقام لا تعني أن الناظور غرب المتوسط قد أصبح نظيرًا لسنغافورة، فالمقارنة بين تجربة راكمت عقودًا من التخصص وبين مشروع يدخل مرحلة التشغيل ستكون متعجلة. لكنها تكشف أن البنية التي يشيدها المغرب تتجه منذ البداية إلى ما يتجاوز وظيفة الميناء المحلي التقليدي. فالجمع بين الحاويات والبضائع السائلة والطاقة والصناعة والخدمات اللوجستية، ضمن قدرة صممت لخدمة سوق أوسع من الحاجة المحلية المباشرة، يمثل مؤشرًا أوليًا على أن المغرب يسير في اتجاه بناء نموذج وظيفي قريب في منطقه من التجربة السنغافورية: تحويل الموقع والبنية التحتية إلى منصة إقليمية تربط بين الإنتاج والأسواق وتستمد قيمتها من الوظائف التي تؤديها داخل الشبكة.
وتكتسب هذه المؤشرات دلالة أكبر عندما توضع إلى جانب تجربة طنجة المتوسط. فالمغرب لم يعد أمام مشروع مينائي منفرد، وإنما أمام قطبين كبيرين يؤديان وظائف متكاملة: طنجة المتوسط، الذي أصبح منافسًا مباشرًا للجزيرة الخضراء وتجاوزه في حركة الحاويات، والناظور غرب المتوسط، الذي يدخل بطاقة أولية تقارب حجم حركة فالنسيا، أكبر ميناء إسباني للحاويات حاليًا. وبذلك لا يبدأ الناظور من وظيفة محلية صغيرة يُنتظر أن تتوسع مستقبلًا، وإنما من قدرة صممت منذ البداية للعمل داخل سوق إقليمية ودولية. وهذا لا يثبت مسبقًا نجاح النموذج، لكنه يجعل فرضية تحول المغرب إلى منصة لوجستية وصناعية وطاقية لشمال إفريقيا وغرب المتوسط فرضية تستند إلى مؤشرات مادية قابلة للقياس، لا إلى مجرد طموح سياسي.
سنغافورة والناظور: التشابه الحقيقي ليس في الحجم
ومن الخطأ، مع ذلك، تحويل المقارنة إلى تشبيه سهل بين بلدين مختلفين جذريًا.
فسنغافورة راكمت أكثر من نصف قرن من الخبرة في التكرير والتجارة والتمويل والخدمات البحرية، وتتمركز فيها شركات الطاقة والتجارة العالمية، وتمتلك مؤسسات مالية وقانونية وتجارية جعلتها مركزًا لتسعير وتداول السلع وليس مجرد مكان لعبورها.
كما أن ميناء سنغافورة سجل في 2025 نحو 44.66 مليون حاوية، بينما يبدأ الناظور بطاقة خمسة ملايين.
الفارق هائل. ولذلك فالسؤال ليس:
هل أصبح المغرب سنغافورة؟
بل:
هل بدأ المغرب في بناء المنطق الاقتصادي والاستراتيجي نفسه الذي سمح لسنغافورة بتحويل غياب الموارد إلى وظيفة؟
وهنا تصبح المقارنة أكثر جدية.
سنغافورة لديها مضيق ملقا، والمغرب لديه مضيق جبل طارق.
سنغافورة تقع بين المحيط الهندي وبحار شرق آسيا. والمغرب يقع عند التقاء الأطلسي بالمتوسط، وعلى مسافة قريبة من السوق الأوروبية وبوابة إلى غرب إفريقيا.
سنغافورة استثمرت في الميناء والصناعة والتخزين والتكرير. والمغرب يجمع تدريجيًا بين طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط وعملاق الداخلة الأطلسي والمناطق الصناعية وشبكات النقل والطاقة.
لكن الموقع وحده لم يصنع سنغافورة، ولن يصنع وحده نموذجًا مماثلًا في المغرب. الرؤية السياسية لرئيس الدولة هي التي حولت الموقع إلى وظيفة.
هرمز: عندما ترفع الأزمة البعيدة قيمة الموقع المغربي
لا تقتصر أهمية التحول الجاري في الناظور على العلاقة المغربية الإسبانية. فاستمرار الاضطراب في مضيق هرمز، أو تعرضه لإغلاقات متكررة، يعيد طرح سؤال أكثر اتساعًا يتعلق بأمن الطاقة الأوروبي وبالحاجة إلى تنويع مصادر الإمداد ومساراته ومراكز تخزينه وإعادة توزيعه. ولا يستطيع المغرب، بطبيعة الحال، أن يكون بديلًا عن هرمز؛ فالمضيق تمر عبره كميات من النفط والغاز لا يمكن لميناء آخر أن يعوضها إذا تعذر خروجها أصلًا من منطقة الخليج (عشرون في المائة من الطاقة العالمية). لكن اضطراب هرمز يمكن أن يرفع قيمة المصادر والمسارات والعقد التي تعمل خارجه.
وهنا تظهر الأهمية المحتملة للموقع المغربي. فالناظور غرب المتوسط يقع على الضفة الجنوبية لأحد أكبر أسواق استهلاك الطاقة في العالم، ويمكنه استقبال إمدادات بحرية آتية من مصادر لا تحتاج إلى المرور عبر هرمز، ثم تخزينها وتحويلها وربطها بالأسواق المغربية والأوروبية. وإذا أضيف إلى ذلك الموقع الأطلسي للمغرب وصلاته المتنامية بغرب إفريقيا، فإن المملكة لا تقدم موردًا بديلًا في حد ذاته، وإنما تستطيع بناء منصة بديلة داخل شبكة الإمداد.
وهذا ما يفسر سعار إيران وتهديد مساعد قائد الحرس الثوري العميد محمد رضا نقدي، بضرب مضيق جبل طارق غرب المتوسط من خلال أدرعها في المنطقة.
وهنا تظهر أهمية هذا التمييز. فأزمات الطاقة لا ترفع قيمة المنتجين وحدهم؛ إنها ترفع كذلك قيمة الموانئ والمخازن والمصافي والأنابيب والممرات التي تمنح النظام قدرة أكبر على امتصاص الصدمات. وكلما ازدادت هشاشة عقدة مركزية مثل هرمز، ازدادت الحاجة إلى تعدد العقد والطرق والمخزونات خارجها.
ومن هذه الزاوية قد يكتسب الرهان المغربي بعدًا يتجاوز تأمين السوق الوطنية. فإذا نجح الناظور في الجمع بين استقبال الطاقة والتخزين والصناعة وإعادة التوزيع، فإن قيمته بالنسبة إلى أوروبا سترتفع تحديدًا عندما تصبح مرونة شبكة الإمداد أهم من مجرد البحث عن أرخص مسار في الظروف العادية.
وهنا تعود إسبانيا إلى الصورة
إذا نجح هذا التحول، تتغير دلالة النقاش الإسباني حول الطاقة.
فالمشكلة بالنسبة إلى المغرب ليست أن إسبانيا تمتلك بنية تحتية قوية. بل إن هذه البنية تؤدي حاليًا وظيفة يحتاج إليها المغرب.
ومن هنا تستمد جزءًا من قيمتها السياسية في العلاقة.
لكن إذا امتلك المغرب محطة LNG وقدرة مستقلة على استقبال الغاز وتخزينه وإعادة تحويله وربطه بشبكته الداخلية، فإن المنشآت الإسبانية لن تختفي ولن تصبح أقل تطورًا.
الذي سينخفض هو: درجة حاجة المغرب إليها. وهذا فرق جوهري.
فورقة الضغط لا تفقد قيمتها دائمًا لأن الطرف الذي يمتلكها أصبح أضعف؛ قد تفقدها لأن الطرف المقابل بنى بديلًا.
وعندئذ يمكن أن يحدث تحول أكثر إثارة.
فبدل أن تكون العلاقة: البنية الإسبانية الحاجة المغربية،
ويمكن أن تتطور العلاقة من اعتماد المغرب على البنية التحتية الإسبانية في بعض وظائف الطاقة إلى شبكة أكثر توازنًا وتعددًا، تتفاعل داخلها البنية الإسبانية والبنية المغربية مع الأسواق الأوروبية والإفريقية، بحيث لا يعود تدفق الطاقة والخدمات مرتبطًا بمسار واحد، وإنما بمجموعة من الوظائف والمسارات والبدائل المتبادلة.
أي الانتقال من علاقة غير متوازنة نسبيًا، يستمد فيها أحد الطرفين جزءًا من قوته من حاجة الطرف الآخر إلى بنيته التحتية، إلى شبكة أكثر تعقيدًا تتوزع داخلها الوظائف والحاجات والبدائل بين المغرب وإسبانيا والأسواق المحيطة بهما.
وعندئذ لا تختفي أهمية البنية الإسبانية، وإنما تتغير قيمتها داخل العلاقة؛ لأن المغرب لم يعد يعتمد عليها بالدرجة نفسها بعد أن أصبح يمتلك بنية بديلة ووظائف خاصة به، في حين يمكن للبنيتين معًا أن تتحولا إلى أجزاء متفاعلة داخل شبكة أوسع تربط أسواق الطاقة والتجارة في أوروبا وإفريقيا إذا اتخذت العلاقات بين البلدين مسارا تكامليًا.
لكن هل يستطيع المغرب فعلًا أن يصبح «سنغافورة شمال إفريقيا»؟
هذا هو الاختبار الحقيقي.
الميناء شرط، لكنه ليس كافيًا.
ومحطة الغاز شرط، لكنها ليست كافية.
والموقع الجغرافي الممتاز ليس كافيًا أيضًا.
فما صنع سنغافورة هو اجتماع الموقع بالموانئ والتكرير والتخزين والتجارة والتمويل والقانون والشركات الدولية والموارد البشرية والقدرة على تقديم خدمات موثوقة لعقود.
بل إن سنغافورة نفسها، رغم كل ذلك، تواجه اليوم منافسة متزايدة من قدرات تكريرية وبتروكيماوية جديدة في الصين وماليزيا وبروناي وغيرها.
ومن ثم، فإن نجاح الرهان المغربي لن يبدأ من الصفر بعد افتتاح الميناء؛ فعملية تحويل الناظور من بنية إلى سوق بدأت بالفعل بالتوازي مع استكمال المنشآت. فالإمارات دخلت في شراكة استثمارية تشمل الموانئ والطاقة، ومن بينها الناظور غرب المتوسط، بينما بدأت شركات صناعية صينية في الاستقرار داخل المنطقة الصناعية المحيطة بالميناء والإنتاج والتصدير منها. وبهذا لا يجري بناء الميناء أولًا ثم البحث لاحقًا عمن يستخدمه، وإنما يجري بناء البنية والمستثمر والشبكة الصناعية في وقت متقارب.
ولعل أكثر ما يقرب الناظور من المنطق الذي صنع تجربة سنغافورة هو أن المغرب لا يبني الميناء بمعزل عن الفاعلين الذين سيمنحونه وظيفته. فإلى جانب الاستثمارات العمومية، استقطب المركب نحو 20 مليار درهم من الاستثمارات الخاصة المؤكدة، وبدأت شركات صناعية صينية في الاستقرار بمنطقته الصناعية والإنتاج منها، بينما تشمل الشراكة الاستثمارية المغربية–الإماراتية الموانئ والطاقة والناظور غرب المتوسط بصورة صريحة. وفي النشاط البحري نفسه دخلت MSC شريكًا شبه مناصف في إحدى محطتي الحاويات، كما التزمت CMA CGM بتطوير محطة أخرى وبأحجام مهمة من الحركة. وبذلك لا يجري إنشاء أصل مينائي وانتظار السوق لكي تأتي إليه لاحقًا؛ بل يجري بناء الميناء والصناعة والمستثمر وشبكات الملاحة والطاقة في وقت واحد. وهذه هي النقلة التي تحول الموقع من بنية تحتية إلى عقدة اقتصادية يحتاج إليها الآخرون. وهذا بالضبط ما يقلق إسبانيا.
وهناك كذلك عنصر ينبغي التعامل معه بحذر: المناقصات المتعلقة بوحدة التخزين وإعادة التغويز العائمة وخطوط الغاز المرتبطة بها عُلقت مطلع 2026 بسبب «معطيات وافتراضات جديدة». ولذلك ينبغي التمييز بين التوجه الاستراتيجي الرسمي نحو مركز LNG بطاقة خمسة مليارات متر مكعب من الغاز، الذي أعيد تأكيده رسميًا، وبين الصيغة التقنية والتعاقدية النهائية التي ستُنفذ بها بعض مكونات الشبكة الغازية.
وهذا يجعل المشروع رهانًا قيد البناء، لا نتيجة مكتملة.
من يملك المورد ومن يملك الوظيفة؟
ربما تكون هذه هي المفارقة الأهم التي تكشفها المقارنة.
لسنوات طويلة ارتبط مفهوم القوة الطاقية بالدول التي تمتلك النفط والغاز. وما تزال ملكية الموارد تمنح الدول المنتجة قوة اقتصادية واستراتيجية ضخمة.
لكن الاقتصاد العالمي أوجد نوعًا آخر من الفاعلين.
دول لا تملك المورد، لكنها تملك: الميناء، والمصفاة، والمخزن، والأنبوب، والسوق، والتمويل، وشبكة التوزيع.
سنغافورة واحدة من أوضح هذه الحالات.
والرهان الذي يختبره المغرب اليوم هو ما إذا كان يستطيع أن يبني في شمال إفريقيا وغرب المتوسط نسخة خاصة به من هذا المنطق، لا نسخة من سنغافورة نفسها.
فإذا نجح الناظور في العمل إلى جانب طنجة المتوسط والداخلة الأطلسي ضمن منظومة صناعية ولوجستية وطاقية مترابطة، وإذا استطاع المغرب جذب الشركات والأسواق والتدفقات اللازمة إليها، فقد يتغير الخطاب المتعلق بالضغط على المغرب الذي طرحه النقاش الإسباني جذريًا.
لن يعود: إلى أي حد يعتمد المغرب على إسبانيا في الطاقة؟
بل ربما يصبح: ما الوظيفة التي أصبح المغرب يؤديها في أمن الطاقة والتجارة بين إفريقيا وأوروبا؟
والفرق بين السؤالين هو الفرق بين دولة تستهلك شبكة بناها الآخرون ودولة تحاول أن تصبح إحدى عقد الشبكة نفسها لتنتج وظيفة يحتاجها الآخرون.
وهنا تحديدًا تكمن دلالة تجربة سنغافورة: ليس ضروريًا أن تمتلك النفط لكي تصبح دولة طاقة؛ لكن عليك أن تمتلك الوظيفة التي تجعل مرور الطاقة عبرك ذا قيمة للآخرين.
وهذا هو الرهان الحقيقي للناظور غرب المتوسط، وهو أيضًا ما سيحدد في السنوات المقبلة ما إذا كان عنوان «سنغافورة شمال إفريقيا» مجرد استعارة جذابة، أم وصفًا مبكرًا لتحول استراتيجي بدأ بالفعل في المغرب.
خاتمة: من امتلاك الموقع إلى صناعة القيمة
لم يصبح المغرب بعد «سنغافورة شمال إفريقيا»، ولا تسمح المقارنة الجادة بالقفز من مشروع كبير قيد البناء والتشغيل إلى تجربة راكمت سنغافورة شروطها على مدى عقود. لكن السؤال لم يعد، في المقابل، مجرد استعارة جذابة. فما يتشكل على الساحلين المتوسطي والأطلسي للمغرب يكشف عن مسار يمكن قياس عناصره: طنجة المتوسط الذي رسخ موقعه بين الموانئ العالمية الكبرى، والناظور غرب المتوسط الذي يدخل بطاقة مينائية وصناعية وطاقية هائلة، وميناء الداخلة الأطلسي الذي يُراد له مستقبلًا أن يشكل بوابة بحرية ولوجستية نحو غرب إفريقيا ومنطقة الساحل، إلى جانب مناطق صناعية تستقطب الاستثمارات الأجنبية، وشركات ملاحة عالمية تدخل في تشغيل المحطات، وشراكات إماراتية تشمل الموانئ والطاقة، واستثمارات صينية بدأت تربط هذه المنظومة بسلاسل الإنتاج الدولية.
وبهذا تتضح تدريجيًا معالم شبكة ذات وظائف جغرافية متكاملة: طنجة المتوسط عند ملتقى الأطلسي بالمتوسط وفي مواجهة طرق التجارة الأوروبية، والناظور غرب المتوسط داخل الحوض المتوسطي وبوظيفة صناعية وطاقية متنامية، والداخلة الأطلسي باتجاه الواجهة الإفريقية وطرق التجارة والطاقة القادمة من الغرب والجنوب. فلا يتعلق الأمر، في هذه القراءة، بتجميع موانئ كبيرة منفصلة، وإنما بمحاولة توزيع الوظائف بينها وفق الموقع والأسواق والشبكات التي يستطيع كل ميناء الارتباط بها.
وهذا هو الجانب الذي يجعل المقارنة مع سنغافورة ذات معنى. فسنغافورة لم تصنع مكانتها لأنها امتلكت النفط أو الغاز، وإنما لأنها أدركت مبكرًا أن الموقع الجغرافي لا يصبح قيمة استراتيجية بمجرد وجوده بل بالوظيفة التي يكتسبها. لقد بنت حول الموقع الميناء والمصفاة والمخزن والصناعة والتجارة والتمويل والخدمات، حتى أصبحت عقدة يحتاج إليها المنتج والمستهلك والناقل والتاجر معًا.
والمغرب، مع اختلاف الحجم والجغرافيا والبيئة الاقتصادية والتاريخية، يبدو أنه يسير في اتجاه يقوم على المنطق نفسه: الانتقال من امتلاك الموقع إلى توظيفه، ومن بناء البنية التحتية إلى بناء الوظيفة، ومن استقبال التدفقات إلى محاولة المشاركة في تنظيمها وإعادة توزيعها.
ومن هذه الزاوية تكتسب ورقة الطاقة التي ظهرت في النقاش الإسباني دلالة مختلفة. فالاعتماد يمنح الطرف الذي يؤدي الوظيفة قدرة على الضغط بقدر حاجة الطرف الآخر إليها وندرة البدائل المتاحة أمامه. لكن بناء محطة مستقلة للغاز الطبيعي المسال، وتطوير قدرات التخزين والتوزيع، وإدماجها في مجمع مينائي وصناعي أكبر، لا يعني فقط تقليل الاعتماد على إسبانيا؛ إنه يعني محاولة تغيير بنية العلاقة نفسها، من حاجة أحادية إلى شبكة تتعدد فيها المسارات والبدائل.
وهذا بالضبط ما يقلق إسبانيا والجزائر ايضا.
وقد يكون التحول أوسع من الطاقة. فبعد أن أصبح طنجة المتوسط منافسًا مباشرًا للجزيرة الخضراء وتجاوزه في حركة الحاويات، يدخل الناظور غرب المتوسط بطاقة أولية تقارب حجم حركة فالنسيا، بينما تتجه الاستثمارات المحيطة به إلى الجمع بين الميناء والصناعة والطاقة واللوجستيك. ومن ثم، فإن ما يتشكل ليس بالضرورة ميناءً ثانيًا يكرر تجربة طنجة، وإنما قطبًا ثانيًا يمكن أن يكملها بوظائف مختلفة: طنجة عند عقدة الأطلسي والمتوسط، والناظور داخل غرب المتوسط وبوظيفة صناعية وطاقية بارزة.
غير أن نجاح هذا المسار لن تقرره أحجام الأرصفة أو مليارات الدراهم المستثمرة وحدها. فالاختبار الحقيقي يبدأ عندما تدخل المنشآت الخدمة: هل ستنجح في جذب تدفقات مستدامة من السفن والطاقة والبضائع؟ هل ستستقر حولها الصناعات ذات القيمة المضافة؟ هل تتكامل الاستثمارات الصينية والإماراتية والأوروبية وغيرها داخل منظومة إنتاج وتجارة، بدل بقائها مشروعات متجاورة؟ وهل يستطيع المغرب أن يحول ميزته الجغرافية إلى شبكة من الوظائف يصعب على الفاعلين المحيطين الاستغناء عنها؟
هنا فقط ستتحدد الإجابة النهائية عن السؤال الذي وضعناه عنوانًا للمقال.
لكن المؤشرات الأولى تسمح منذ الآن باستنتاج أكثر تحفظًا: المغرب بدأ يسلك مسارًا يحمل بعض السمات البنيوية التي صنعت النموذج السنغافوري، حتى وإن بقي بعيدًا عن بلوغ نتائجه وحجمه وتعقيده. وما يستحق المتابعة خلال السنوات المقبلة ليس ما إذا كان المغرب سينسخ سنغافورة، فهذا لا يحدث بين تجربتين مختلفتين، وإنما ما إذا كان سينجح في بناء نسخته الخاصة من الفكرة التي صنعت قوتها.
وهي فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في نتائجها:
ليس ضروريًا أن تمتلك المورد لكي تصبح ذا قيمة في شبكته؛ فقد تكون القيمة الأكبر في الوظيفة التي تبنيها حوله، وفي حاجة الآخرين إلى تلك الوظيفة.
وإذا نجح المغرب في ذلك، فقد لا يكون السؤال مستقبلًا: من يزود المغرب بالطاقة، ومن يستطيع الضغط عليه بقطعها؟ بل سؤالًا معكوسًا تمامًا:
ما الذي أصبحت تحتاجه شبكات التجارة والطاقة بين إفريقيا وأوروبا من المغرب؟
وعندها فقط يمكن القول إن الموقع الجغرافي لم يعد مجرد ثابت على الخريطة، بل تحول، بفعل الاستثمار والصناعة والعلاقات، إلى قيمة منتجة لوظيفة استراتيجية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق