هل تستعد أوروبا لمواجهة روسيا من دون أمريكا؟

 

الحرب الروسية الأوكرانية تدفع أوروبا إلى إعادة التسلح والاستعداد المدني

 في اختبار جديد للنظام الأمني الأطلسي


تمهيد: حين بدأت الحرب تقترب من حدود الناتو


حين اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية على نطاق واسع في فبراير 2022، بدا الخط الفاصل واضحًا نسبيًا بين ساحة الحرب ومجال حلف شمال الأطلسي. كانت أوكرانيا تخوض الحرب على أراضيها، فيما تدعمها الدول الغربية بالسلاح والمال والمعلومات والتدريب، مع حرص الناتو على تجنب الانتقال من دعم كييف إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع موسكو.


لكن استمرار الحرب واتساع وسائلها ومدياتها أخذا يضغطان تدريجيًا على هذا الفصل. فكلما ازدادت قدرة أوكرانيا على ضرب أهداف أعمق داخل روسيا، وتوسعت نوعية المساعدات الغربية، ازداد الاحتكاك بين موسكو ودول الحلف. ولم تعد آثار الحرب تتوقف عند الحدود الأوكرانية، بل ظهرت في أجواء بولندا ورومانيا ودول البلطيق، وفي البحر الأسود وبحر البلطيق، وفي الهجمات السيبرانية والعمليات الهجينة والتهديدات التي تطال البنى التحتية الحيوية.../...


ولا يعني ذلك أن الحرب الروسية الأوكرانية تحولت إلى حرب روسية أطلسية؛ فهذا الخط لم يُتجاوز حتى الآن. لكنه يعني أن المسافة الفاصلة بينهما أصبحت أكثر حساسية، وأن مجال سوء التقدير والاحتكاك غير المقصود والتصعيد المتبادل أخذ يتسع. ولهذا عزز الناتو جناحه الشرقي وأطلق عملية «الحارس الشرقي» بعد اختراقات للمجال الجوي لدول أعضاء فيه، بينما أصبحت قوات الدفاع الجوي والطائرات الأوروبية ترفع جاهزيتها كلما اقتربت العمليات الروسية من حدود الحلف.


وهنا تغير السؤال تدريجيًا: لم يعد مقتصرًا على كيفية دعم أوكرانيا ومنع روسيا من تحقيق أهدافها فيها، بل أصبح يشمل احتمال خروج أحد هذه الاحتكاكات عن السيطرة وانتقال المواجهة من دولة يدعمها الناتو إلى دولة يحميها الناتو.


وهذا التحول يفسر التغير الذي بدأ يظهر داخل أوروبا نفسها. فالحرب التي كانت تُدار بوصفها نزاعًا يقع خارج أراضي الحلف أصبحت تدخل في التخطيط الدفاعي والمدني باعتبارها خطرًا يمكن أن تمتد آثاره إلى المجتمعات والبنى التحتية الأوروبية.


وتقدم بريطانيا مثالًا واضحًا. فقد أعادت إحياء «كتب الحرب» التي تنظم استمرار مؤسسات الدولة في ظروف النزاع، وسرعت التخطيط الحكومي لحالات الصراع، وتستعد لتمرين وطني للدفاع الداخلي سنة 2027. وبالتوازي، عاد الاهتمام بقدرة الأسر والخدمات الأساسية والبنى المحلية على الصمود أمام اضطراب واسع.


وهكذا لم يعد الاستعداد للحرب يعني امتلاك الدبابات والطائرات والصواريخ وحدها، بل قدرة الدولة والمجتمع والاقتصاد والبنية التحتية على الاستمرار إذا فشل الردع.


لكن هذا التحول يحدث في لحظة أخرى لا تقل أهمية: الولايات المتحدة نفسها تعيد تحديد طبيعة حضورها ووظيفتها الأمنية في أوروبا، وتضغط على حلفائها لتحمل جزء أكبر من مسؤولية الدفاع عن القارة.


ومن هنا ينطلق السؤال المركزي لهذا المقال:


هل تستعد أوروبا لحرب مع روسيا، أم أنها تستعد، قبل ذلك، لمرحلة قد تضطر فيها إلى تحمل العبء الأكبر من مواجهة روسيا، بينما تعيد الولايات المتحدة تحديد وظيفتها داخل النظام الأمني الأوروبي؟



أولًا: من دعم أوكرانيا إلى إعادة تسليح أوروبا


لم يكن التحول الأوروبي وليد الحوادث الأخيرة وحدها. فمنذ أن اتضح أن الحرب الأوكرانية لن تكون مواجهة قصيرة، انتقل السؤال تدريجيًا من احتياجات أوكرانيا إلى احتياجات أوروبا نفسها إذا استمرت الحرب أو اتسعت آثارها.


ولهذا لم يعد ارتفاع الإنفاق الدفاعي استجابة مؤقتة لأزمة عابرة، بل أصبح جزءًا من إعادة بناء قدرات خفضتها الدول الأوروبية خلال العقود التي أعقبت الحرب الباردة. فقد عزز الناتو جناحه الشرقي، وطور خططه الدفاعية وقدراته في الدفاع الجوي والصاروخي واللوجستيك والأمن السيبراني وحماية البنى التحتية، ورفع مستوى التدريبات والاستعداد لنقل القوات وتعزيزها بسرعة.


وجاء التحول الأكثر دلالة في قمة لاهاي سنة 2025، عندما التزم أعضاء الناتو بالوصول بحلول 2035 إلى إنفاق يعادل 5 في المائة من الناتج الداخلي الخام على الدفاع والأمن المرتبط به: 3.5 في المائة للمتطلبات الدفاعية الأساسية، وما يصل إلى 1.5 في المائة للبنية التحتية الحيوية والشبكات والصمود والاستعداد المدني والابتكار والقاعدة الصناعية الدفاعية.


وهذا التقسيم يكشف أن مفهوم الدفاع نفسه قد اتسع. فالطرق والموانئ والطاقة والاتصالات والصناعة والمخزونات لم تعد مجرد خلفية مدنية للعمل العسكري، بل أصبحت جزءًا من القدرة على الاستمرار في الحرب.


ولم يبق التحول في مستوى الالتزامات المستقبلية. فبين 2024 و2025 ارتفع الإنفاق الدفاعي المجمع للحلفاء الأوروبيين وكندا بنحو 20 في المائة بالقيمة الحقيقية، بينما بدأ الاتحاد الأوروبي بدوره بناء إطار دفاعي أكثر تكاملًا من خلال «خارطة طريق الجاهزية الدفاعية 2030»، التي تشمل الدفاع ضد المسيّرات والدرع الجوي والفضائي ومراقبة الجناح الشرقي، إلى جانب زيادة المشتريات المشتركة وتقوية الصناعة الدفاعية.


وتكشف أوكرانيا سبب هذا التحول. فقد أصبحت الحرب مختبرًا عمليًا لما تتطلبه المواجهة عالية الشدة: ذخائر بكميات هائلة، ودفاعًا جويًا متعدد الطبقات، ومسيّرات وقدرات مضادة لها، وصواريخ بعيدة المدى، واستخبارات واتصالات، وصناعة قادرة على تعويض الاستهلاك، وبنية تحتية تستطيع الاستمرار تحت القصف والتخريب والهجمات السيبرانية.


ولهذا أصبح دعم أوكرانيا وإعادة بناء القدرة الدفاعية الأوروبية عمليتين مترابطتين. فالحرب تستهلك جزءًا من المخزونات الأوروبية، لكنها تدفع في الوقت نفسه إلى إعادة بناء المصانع وخطوط الإنتاج التي تقلصت بعد الحرب الباردة. وبذلك تؤدي أوكرانيا وظيفتين: جبهة تحاول أوروبا إبقاء الخطر الروسي عندها، وتجربة تكشف القدرات التي قد تحتاج إليها إذا وصل الخطر إلى أراضيها.


ومن هنا لا يمكن تفسير إعادة التسلح باعتبارها استجابة للضغط الأمريكي وحده. فالضغط موجود، لكن الحرب أنتجت إدراكًا أوروبيًا بأن البيئة الأمنية التي سمحت بخفض الإنفاق العسكري لعقود لم تعد قائمة بالصورة نفسها. ولذلك أصبح أمن أوكرانيا مرتبطًا، في وثائق الحلف نفسها، بأمن الناتو.


وهكذا انتقلت العلاقة من صيغة: أوروبا تدعم أوكرانيا لكي تدافع أوكرانيا عن نفسها،


إلى صيغة أكثر تركيبًا: أوروبا تدعم أوكرانيا، وتتعلم من حربها، وتعيد بناء قدراتها على ضوء تجربتها، لأن استمرار مقاومتها أصبح جزءًا من الطريقة التي تحمي بها أوروبا أمنها هي أيضًا.


لكن إعادة التسلح ليست سوى نصف التحول. فالحرب الطويلة لا تختبر ما يستطيع الجيش نشره في الجبهة فقط، وإنما ما يستطيع المجتمع الموجود خلفها تحمله.


ولهذا يتزامن شراء الصواريخ والطائرات والذخائر مع سؤال يبدو بعيدًا عن الحرب: كم يستطيع المواطن أن يعيش إذا انقطعت الكهرباء والمياه والاتصالات؟ وكيف تستمر الحكومة والمستشفيات وشبكات النقل والطاقة إذا تعرضت البنية التحتية لهجوم؟


فإذا كانت إعادة التسلح تستهدف منع الهجوم أو مواجهته، فإن الاستعداد المدني يستهدف تحمل آثاره إذا فشل الردع في منعه.


ومن هنا تبدأ الحلقة الثانية من التحول الأوروبي: عودة المجتمع نفسه إلى داخل منظومة الدفاع.



ثانيًا: عودة الجبهة الداخلية — حين يصبح المجتمع جزءًا من منظومة الدفاع


إذا كانت إعادة التسلح هي الوجه الأكثر ظهورًا للتحول الأمني الأوروبي، فإن تحولًا آخر يجري داخل المجتمعات نفسها. فبعد عقود بدا خلالها الدفاع شأنًا تتولاه الجيوش المحترفة، عادت مفاهيم الدفاع المدني والمخزونات المنزلية والملاجئ واستمرارية الخدمات وحماية شبكات الطاقة والاتصالات إلى السياسات الأمنية الأوروبية.


ولا يعني ذلك أن الحكومات تتوقع بالضرورة حربًا على أراضيها. فمعظم البرامج الجديدة تقوم على مقاربة «جميع الأخطار»، بحيث تصلح القدرات نفسها للحرب والهجمات السيبرانية والكوارث والأوبئة وانقطاع الطاقة. لكن الجديد هو أن الحرب عادت صراحة إلى قائمة الأخطار التي يُطلب من المجتمع الاستعداد لها.


وتقدم بريطانيا مثالًا واضحًا. فقد أعادت الحكومة إحياء «كتب الحرب»، وبدأت تحديث كيفية عمل الوزارات والمؤسسات أثناء النزاع، وتستعد لتمرين وطني للدفاع الداخلي سنة 2027، ضمن مقاربة «المجتمع بأكمله» التي توزع وظيفة الصمود بين الحكومة والسلطات المحلية والشركات والمرافق العامة والمجتمع المدني والأفراد. وهكذا لم يعد المواطن مجرد شخص تحميه الدولة، بل جزءًا من القدرة التي تسمح للدولة نفسها بالاستمرار.


وفي ألمانيا أدخلت السلطات الحرب ضمن الأخطار التي ينبغي للمواطن الاستعداد لها، وأوصت الأسر، قدر الإمكان، بالقدرة على إعالة نفسها عشرة أيام، مع اعتبار مخزون ثلاثة أيام بداية مفيدة. كما توسعت الإرشادات لتشمل أماكن الحماية والتهديدات الهجينة ونقص الطاقة والتضليل، بالتوازي مع اختبار شبكات الإنذار الوطنية.


والمنطق نفسه اعتمده الاتحاد الأوروبي في «استراتيجية اتحاد الاستعداد» التي تدعو، ضمن مقاربة أشمل للصمود، إلى قدرة الأسر على الاكتفاء الذاتي مدة لا تقل عن اثنتين وسبعين ساعة في حالات الطوارئ. ولا يعني الرقم توقع حرب تستمر ثلاثة أيام، بل منح السلطات هامشًا أوليًا لتقييم الأزمة وإعادة توزيع الموارد وإعطاء الأولوية للمستشفيات والبنى الحيوية والفئات الأكثر هشاشة.


ومن هنا تكتسب أشياء بسيطة، كالماء والبطارية والراديو والمخزون الغذائي، وظيفة استراتيجية. فكل أسرة تستطيع امتصاص الصدمة مؤقتًا تقلل الضغط على أجهزة الطوارئ، وكل شركة تحافظ على وظائفها الأساسية تمنح الدولة موارد ووقتًا إضافيين لإدارة الأزمة.


وبذلك تتوزع وظيفة الصمود بين مستويات مترابطة: الجيش يمنع الخصم من تحقيق أهدافه العسكرية، والدولة تحافظ على وظائفها الأساسية، والبنية التحتية توفر الطاقة والماء والاتصالات والنقل، والمجتمع يمتص جزءًا من الصدمة.


وهنا يظهر التحول الأهم: الجبهة الداخلية لم تعد تقع خلف الجبهة العسكرية بالمعنى الجغرافي القديم؛ فقد أصبحت جزءًا منها.


فالصاروخ والمسيّرة والهجوم السيبراني والتخريب واستهداف الطاقة والاتصالات والتضليل تستطيع جميعها التأثير في المجتمع من دون دخول قوات برية. ولذلك تصبح قدرة المجتمع على الاستمرار جزءًا من الردع نفسه.


ومن هذه الزاوية، تؤدي إعادة التسلح والاستعداد المدني وظيفتين متكاملتين: إعادة التسلح ترفع كلفة الهجوم على الخصم، بينما يخفض الصمود المدني القيمة الاستراتيجية للنتائج التي يستطيع تحقيقها من الهجوم.


لكن هذه العودة إلى الجبهة الداخلية تفتح سؤالًا آخر. فإذا كانت أوروبا تبني المصانع والمخزونات والدفاع المدني استعدادًا لاحتمال مواجهة طويلة، فمن يؤدي معها الوظائف العسكرية الحاسمة إذا فشل الردع؟


طوال عقود كان الجواب الأوروبي يقوم، بدرجات متفاوتة، على الولايات المتحدة. غير أن واشنطن تطالب الأوروبيين اليوم بتحمل مسؤولية أكبر عن دفاعهم، بينما تعيد ترتيب أولوياتها نحو الدفاع عن أراضيها ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.


وهكذا تتشكل المعضلة: كلما ازداد إدراك أوروبا للخطر الروسي، ازدادت في الوقت نفسه حاجتها إلى بناء جزء أكبر من قدرتها الدفاعية بنفسها.


لكن التطورات الأخيرة أضافت سؤالًا أشد تعقيدًا: ماذا لو لم تكن الحرب المستقبلية وحدها هي التي ينبغي الاستعداد لها؟ ماذا لو كانت بعض أدوات المواجهة تعمل بالفعل داخل المجال الأوروبي؟



ثالثًا: الحرب التي بدأت قبل إعلانها — فرنسا والانتقال من الاستعداد إلى الرد


في 18 سبتمبر 2026 جمع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قادة الأحزاب الممثلة في البرلمان ومسؤولين عن الاستخبارات والأمن والدفاع، وأعلن أن طبيعة التهديد الروسي في أوروبا تتغير وأن التهديد الهجين تجاه الأوروبيين وفرنسا اشتد خلال الأسابيع الأخيرة.


وكان يشير إلى وقائع متعددة داخل المجال الأوروبي، بينها عمليات تخريب ومحاولات هجوم وحوادث مسيّرات واختراقات للمجال الجوي. وبالنسبة إلى القراءة التي قدمها الرئيس الفرنسي، لم تعد المسألة مجرد حوادث منفصلة، بل تعبيرًا عن نمط من الأعمال العدائية يقع تحت عتبة الحرب العسكرية المباشرة.


وهنا تفقد الحدود التقليدية بين الحرب والسلم شيئًا من وضوحها. فالحرب الهجينة قد تستخدم الهجوم السيبراني أو التخريب أو العمليات السرية أو المسيّرات أو تعطيل الاتصالات أو التضليل، بحيث يقع الضرر داخل الدولة من دون إعلان حرب أو هجوم عسكري تقليدي يمكن تحديد مصدره والرد عليه بسهولة.


وتقدم أزمة سبتة الأخيرة مثالًا مختلفًا على المشكلة نفسها. فقد اتهمت الحكومة الإسبانية شبكات روسية باستغلال الأزمة وتغذيتها بالمعلومات المضللة، بينما كانت المؤسسات الأوروبية أكثر تحفظًا في تحديد العلاقة السببية. فلم تجد خدمة العمل الخارجي الأوروبي دليلًا حاسمًا على أن جهات أجنبية أطلقت أزمة العبور، لكنها رصدت نشاطًا روسيًا استغلها وضخمها في الفضاء المعلوماتي.


وتكشف الحالة تمييزًا ضروريًا بين صناعة الحدث واستغلاله وتضخيم نتائجه. فالخصم لا يحتاج دائمًا إلى إنشاء الأزمة حتى يستخدمها؛ قد تنشأ داخل علاقة مستقلة، ثم تدخل عليها قوة ثالثة لتمنحها وظيفة جديدة داخل صراع آخر. وهكذا يمكن للأزمة نفسها أن تكون حدثًا في العلاقة المغربية الإسبانية، ومادة للاستقطاب الإسباني الداخلي، وأداة في الصراع المعلوماتي الروسي الأوروبي.


وهذه أيضًا إحدى مشكلات الحرب الهجينة: الإسناد.


ففرنسا شهدت أخيرًا حوادث خطيرة، بينها خروج قطار إقليمي عن السكة بين كاين وروان وحرائق قرب منشأة تابعة لشركة Eurenco للصناعات العسكرية، لكن السلطات لم تنسب هذه الوقائع إلى روسيا. وفي المقابل، تقول باريس إنها وثقت عمليات سيبرانية ومعلوماتية أخرى ونسبت بعضها إلى جهات روسية.


وهذا التمييز أساسي؛ لأن ارتفاع التهديد لا يسمح بنسبة كل حادث إلى الخصم. بل إن صعوبة تحديد المسؤول هي نفسها جزء من قيمة العمل الهجين، لأنها تؤخر الانتقال من التحقيق الأمني إلى الرد السياسي أو السيبراني أو العسكري.


ولهذا تكتسب تصريحات ماكرون أهميتها. فقد أمر بإعداد خطة لحماية البنى التحتية الحيوية والمواقع الحساسة للصناعة الدفاعية من المسيّرات والهجمات السيبرانية، لكنه انتقل خطوة أبعد عندما أعلن أن استمرار هذه الأعمال «لن يبقى من دون رد»، من دون تحديد شكل ذلك الرد.


وهنا تنتقل أوروبا من الصمود أمام الحرب الهجينة إلى محاولة ردعها.


فالاستعداد المدني يقلل آثار الهجوم، والدفاع السيبراني يمنع جزءًا منه، والاستخبارات تكشف بعض عملياته؛ أما الردع فيسأل عن الكلفة التي ينبغي فرضها على الطرف المسؤول حتى يصبح تكرار الهجوم أقل فائدة.


وهنا تظهر مشكلة سلم التصعيد. فالرد السيبراني أو العقوبات أو تفكيك شبكات الاستخبارات يمكن أن يبقى تحت العتبة العسكرية. لكن ماذا يحدث إذا أدى عمل هجين إلى خسائر بشرية كبيرة أو تعطيل منشأة حيوية على نطاق واسع؟ أين تنتهي العملية الهجينة وتبدأ الحرب التي قد تستدعي ردًا عسكريًا؟


ولهذا طرحت المفوضية الأوروبية إعداد «دليل أوروبي لمواجهة التهديدات الهجينة» لتنسيق التعامل مع التخريب والحرق والمسيّرات وغيرها من الأعمال الواقعة تحت مستوى الحرب التقليدية. فالمطلوب لم يعد فقط بناء القدرة على صد هجوم عسكري، بل أيضًا وضع قواعد للتعامل مع الأعمال العدائية التي تسبقه.


وبذلك تكون الحرب الأوكرانية قد وسعت المجال المفاهيمي للمواجهة بقدر ما وسعت مجالها الجغرافي. فبين السلام الكامل والحرب المعلنة توجد مساحة تتصارع فيها الدول بالاستخبارات والسيبرانية والتخريب والمسيّرات والتدخل المعلوماتي، بينما يحاول كل طرف البقاء تحت العتبة التي تستدعي ردًا عسكريًا مباشرًا.


لكن هذا المنطق يحمل خطره في داخله: كلما تكاثرت الأعمال تحت عتبة الحرب، ازدادت إمكانية أن ينتج أحدها أثرًا يتجاوز تلك العتبة، سواء كان ذلك مقصودًا أم لا.


وعندها يصبح السؤال: ليس فقط: هل ستبدأ الحرب بين روسيا والناتو؟ بل: متى نعرف أن الحرب قد بدأت أصلًا؟


وهكذا تنتقل السلسلة من: الحرب في أوكرانيا - خطر انتقالها إلى أوروبا،


إلى: الحرب في أوكرانيا - عمليات هجينة داخل المجال الأوروبي - استعداد وصمود - ردع ورد محتمل - خطر التصعيد إلى مواجهة مباشرة.


لكن الوصول إلى هذه النقطة يعيدنا إلى العنصر الذي قام عليه الردع الأوروبي طوال تاريخ الناتو تقريبًا: القوة الأمريكية، بما تشمل عليه من ردع نووي واستخبارات وقيادة ولوجستيك وفضاء وقدرات عسكرية تقليدية.


والمفارقة أن أوروبا تواجه اتساع هذه المنطقة الرمادية في اللحظة نفسها التي تعيد فيها واشنطن النظر في حجم الوظيفة التي تريد أن تؤديها داخل أمن القارة.


ومن هنا يصبح السؤال التالي ضروريًا: هل تتخلى الولايات المتحدة عن أوروبا، أم أنها تعيد تحديد وظيفتها داخل النظام الأمني الأوروبي؟



رابعًا: أمريكا لا تغادر الناتو — لكنها تعيد تحديد وظيفتها


إذا كانت أوروبا تنتقل من دعم أوكرانيا إلى الاستعداد لمواجهة آثار الحرب داخل مجالها الأمني، فإن هذا التحول يتزامن مع آخر على الضفة المقابلة من الأطلسي. فالولايات المتحدة لا تعلن انسحابها من الناتو ولا تتخلى رسميًا عن الدفاع الجماعي، لكنها تقول للأوروبيين إن الوظيفة التي أدتها واشنطن في الدفاع عن القارة لا ينبغي أن تستمر بالشكل نفسه.


وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور: الانسحاب الأمريكي من أوروبا، وتقليص بعض أشكال الانتشار فيها، وإعادة توزيع الوظائف الدفاعية بين الولايات المتحدة وحلفائها.


ولا تشير الوثائق الرسمية إلى الأول. فقد أعاد إعلان قمة أنقرة في يوليوز 2026 تأكيد المادة الخامسة والرابطة عبر الأطلسي، لكنه أكد في الوقت نفسه تحمل الأوروبيين وكندا مسؤولية أكبر عن دفاع الحلف. أما استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2026 فتذهب أبعد، إذ تدعو أوروبا إلى تحمل المسؤولية الرئيسية عن دفاعها التقليدي، مع استمرار دعم أمريكي «حاسم، ولكنه أكثر محدودية»، في ظل تحول الأولويات الأمريكية نحو الدفاع عن الأراضي الأمريكية ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.


إذن، لا تقول واشنطن للأوروبيين: دافعوا عن أنفسكم لأننا سنغادر، بل تقول، بصورة أقرب إلى مضمون استراتيجيتها: تحملوا الوظيفة الرئيسية في الدفاع التقليدي عن أوروبا، بينما نحتفظ بوظائف حاسمة داخل المنظومة.


وقد بدأت بعض آثار ذلك تظهر. ففي قمة أنقرة أشار ماكرون إلى إعادة تموضع بعض القدرات الأمريكية وإلى اضطرار الأوروبيين لتعويض ما ينشأ من فجوات، وذكر أن فرنسا غطت 80 في المائة من بعض الاحتياجات البحرية التي ترتبت على إعادة التموضع الأمريكي.


وهذا المثال يكشف قاعدة أوسع: انتقال الوظيفة لا يستلزم انتقال الموقع.


فالولايات المتحدة تستطيع نقل جزء من وظائف الدفاع التقليدي إلى الأوروبيين من دون أن تفقد موقعها المركزي في الناتو، كما يستطيع الأوروبيون تحمل وظائف أكبر من دون أن يصبحوا مستقلين استراتيجيًا عنها.


فالقوة الأمريكية في أوروبا ليست عدد الجنود المنتشرين فيها فقط، بل شبكة تشمل الردع النووي والاستخبارات والإنذار المبكر والأقمار الاصطناعية والقيادة والسيطرة والنقل الاستراتيجي والقدرات الجوية والبحرية والدفاع الصاروخي والصناعة والتكنولوجيا والذخائر المتقدمة. ولذلك يمكن تخفيض وجود عسكري معين بينما تبقى وظائف أمريكية أخرى ضرورية لعمل المنظومة.


بل إن واشنطن تجمع بين تقليل العبء العسكري المباشر وتوسيع التعاون الصناعي الدفاعي عبر الأطلسي، بما في ذلك إنتاج أنظمة أمريكية داخل أوروبا. ولذلك فإن تقليل الاعتماد على القوات الأمريكية لا يعني بالضرورة تقليل الاعتماد على القوة الأمريكية بمختلف صورها.


ومن هنا تبدو السياسة الأمريكية أقرب إلى إعادة تركيب العلاقة منها إلى إنهائها: يتحمل الأوروبيون جزءًا أكبر من الدفاع التقليدي، فتتمكن واشنطن من تخصيص مزيد من الموارد لأولويات أخرى، مع الاحتفاظ بوظائف يصعب على أوروبا تعويضها سريعًا.


لكن هذا التحول يحمل مفارقة. فالولايات المتحدة تريد حلفاء أقدر على الدفاع عن أنفسهم وأقل حاجة إلى الحماية الأمريكية المباشرة، غير أن نجاح أوروبا في بناء هذه القدرات قد يمنحها، بمرور الوقت، هامشًا أوسع لاتخاذ القرار بصورة مستقلة.


ولا يعني ذلك أن أوروبا انفصلت عن الولايات المتحدة أو شرعت في بناء بديل للناتو. لكن العلاقة لم تعد ثابتة: فكل وظيفة تصبح أوروبا قادرة على أدائها بنفسها تقلل حاجتها الهامشية إلى وظيفة أمريكية مقابلة، وكل وظيفة أمريكية يجري تقليصها تدفع الأوروبيين إلى بناء بديل عنها.


وهنا تعود الحرب الأوكرانية إلى قلب التحليل. فالولايات المتحدة تطلب من أوروبا تحمل مسؤولية أكبر في اللحظة نفسها التي ترى فيها أوروبا التهديد الروسي أكثر حضورًا. ومن ثم تتحرك السلسلة كلها معًا:


الخوف من روسيا - الحاجة إلى قدرة أوروبية أكبر - بناء وظائف كانت أمريكا تؤدي جزءًا منها - ارتفاع القيمة الاستراتيجية للقدرة الأوروبية داخل الحلف.


ولهذا لا يكون السؤال الأدق: هل ستترك أمريكا أوروبا؟


بل: أي وظائف ستبقى أمريكية، وأي وظائف ستصبح أوروبية، وكيف سيغير انتقالها بنية النظام الأمني الأطلسي؟


وهذا السؤال يتجاوز امتلاك مزيد من الأسلحة. فإذا كانت أوروبا ستتحمل مسؤولية أكبر، فعليها أن تكون قادرة على اكتشاف الهجوم وتحديد مصدره واتخاذ قرار الرد وإدارة التصعيد والمحافظة على المواجهة مدة طويلة.


فامتلاك السلاح شيء، والقدرة على إدارة مواجهة ممتدة مع قوة نووية بحجم روسيا شيء آخر.


ومن هنا نصل إلى الاختبار الحقيقي: هل تستطيع أوروبا بالفعل أداء الوظائف التي تطلب منها الولايات المتحدة أن تتحملها؟



خامسًا: هل تستطيع أوروبا فعلًا الدفاع عن نفسها؟


قد يبدو الجواب إيجابيًا عند النظر إلى الموارد الإجمالية. فأوروبا تضم اقتصادات صناعية كبرى، وجيوشًا متقدمة، وقوتين نوويتين في فرنسا وبريطانيا، وقاعدة صناعية تنتج الطائرات والصواريخ والغواصات والمدرعات والرادارات والأقمار الاصطناعية.


لكن الحرب لا تخوضها الموارد وهي منفصلة بعضها عن بعض. فالقدرة العسكرية شبكة مترابطة: اكتشاف الخطر، وتحديد موقعه، ونقل المعلومات، واتخاذ القرار، وتحريك القوات وحمايتها وإمدادها، وتعويض خسائرها والمحافظة على الاتصالات وضرب الخصم، ثم استمرار كل ذلك أسابيع أو شهورًا.


ولهذا لا يمكن قياس استقلال أوروبا بإحصاء أسلحتها.


وتكشف «خارطة طريق الجاهزية الدفاعية 2030» مواضع النقص نفسها: الدفاع الجوي والصاروخي، والمُمكّنات الاستراتيجية، والحركية العسكرية، والمدفعية، والقدرات السيبرانية والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية، والصواريخ والذخائر، والمسيّرات ومضاداتها، والقتال البري والقدرات البحرية.


أي أن المشكلة ليست غياب القوة الأوروبية، بل الفجوات التي تمنع عناصرها المتعددة من العمل باعتبارها منظومة واحدة.


ويظهر ذلك أولًا في الدفاع الجوي. فامتلاك أنظمة الاعتراض لا يساوي امتلاك درع متكامل؛ إذ تحتاج القارة إلى ربط الرادارات وأجهزة الاستشعار والقيادة والصواريخ الاعتراضية والمخزونات والصناعة في شبكة تستطيع اكتشاف هجوم متعدد الوسائط وتوزيع أهدافه والرد عليه بسرعة. ولهذا لا يستهدف مشروع «الدرع الجوي الأوروبي» شراء المزيد من الصواريخ فقط، بل بناء التكامل بينها.


وتظهر المشكلة نفسها في الذخائر. فقد أثبتت أوكرانيا أن السؤال في الحرب عالية الشدة ليس فقط مقدار ما تملكه الدولة في اليوم الأول، وإنما مقدار ما تستطيع إنتاجه في اليوم المائة. فالمخزون يسمح ببدء القتال، أما الصناعة فتحدد القدرة على الاستمرار فيه. ومن هنا أصبحت المصانع والمواد الخام وسلاسل التوريد والعمالة المتخصصة جزءًا من القدرة العسكرية نفسها.


أما الحركية العسكرية فتكشف كيف تتحول البنية المدنية إلى وظيفة دفاعية. فوجود القوات في أوروبا لا يكفي إذا تعذر نقلها سريعًا إلى الجناح الشرقي؛ ولذلك تصبح الطرق والجسور والسكك الحديدية والموانئ والإجراءات العابرة للحدود جزءًا من القدرة على تحويل القوة الموجودة إلى قوة قابلة للاستخدام.


لكن موضع الاعتماد الأكثر حساسية يظهر في المُمكّنات الاستراتيجية: النقل الجوي، والتزود بالوقود، والاستطلاع والمراقبة، والإنذار المبكر، والقيادة والاتصالات والفضاء. وهنا يظل الوزن الأمريكي كبيرًا؛ لأن تعويض وحدة عسكرية أمريكية بقوة أوروبية أسهل بكثير من تعويض شبكة من الأقمار الاصطناعية والاستخبارات والنقل والقيادة واللوجستيك تجعل الوحدات المختلفة قادرة على العمل كقوة واحدة.


ولهذا اكتسب الفضاء أهمية مركزية. فالاتصالات والملاحة وتحديد المواقع والإنذار المبكر ومراقبة التحركات العسكرية أصبحت وظائف فضائية بقدر ما هي عسكرية. ومن هنا يستهدف مشروع «الدرع الفضائي الأوروبي» حماية هذه الخدمات وتقليل الاعتماد على بنى غير أوروبية.


وتكشف العبارة الأخيرة جوهر المسألة: الاستقلال الاستراتيجي ليس قرارًا سياسيًا يُعلن، بل نتيجة لبناء الوظائف التي تجعل القرار المستقل قابلًا للتنفيذ.


وتقود الوظائف كلها إلى الصناعة. فأوروبا تمتلك قاعدة صناعية متقدمة، لكنها موزعة بين أسواق ومشروعات ومشتريات وطنية متعددة. ولذلك تحاول الانتقال من زيادة الإنفاق فقط إلى تنسيق الطلب والإنتاج والمشتريات المشتركة، بما يسمح بإنتاج أكبر وأنظمة أكثر قابلية للعمل معًا.


غير أن التعاون المتزايد مع الشركات الأمريكية يخلق مفارقة أخرى: فقد تستطيع أوروبا إنتاج قدر أكبر من السلاح داخل أراضيها من دون أن تحقق القدر نفسه من الاستقلال التكنولوجي. فالاستقلال في مكان الإنتاج لا يساوي بالضرورة الاستقلال في أصل التكنولوجيا وشبكة تشغيلها.


ويبقى الردع النووي الحد الأقصى لهذا السؤال. ففرنسا وبريطانيا قوتان نوويتان مستقلتان، لكن ذلك لا يحسم ما إذا كان ردعهما الوطني يستطيع أن يؤدي الوظيفة السياسية والاستراتيجية التي يؤديها الردع الأمريكي الممتد على مستوى الحلف إذا تقلصت المظلة الأمريكية بصورة كبيرة.


وهكذا لا تظهر أمامنا أوروبا عاجزة ولا أوروبا مستقلة بالكامل. إنها تمتلك الموارد الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية التي تسمح لها بتحمل وظائف أكبر كثيرًا، لكنها ما تزال تعمل على سد فجوات تعترف مؤسساتها نفسها بوجودها.


وهنا يدخل الزمن في المعادلة.


فالولايات المتحدة تريد نقل جزء من العبء، وأوروبا تبني القدرة على استلامه، لكن البيئة الأمنية لا تنتظر اكتمال خطط 2030.


ولذلك ربما تكون الفجوة الأخطر ليست بين ما تمتلكه أوروبا وما تحتاج إليه فقط، بل بين السرعة التي تستطيع بها بناء وظائفها والسرعة التي يتغير بها الخطر من حولها.


غير أن القدرة على بناء هذه الوظائف تفتح سؤالًا آخر لا يقل أهمية: من أين تأتي الموارد اللازمة لها، وكم تستطيع الاقتصادات الأوروبية تحمل كلفة إعادة التسلح إذا تحولت من طفرة إنفاق قصيرة إلى التزام طويل؟



سادسًا: اقتصاد الحرب — هل تستطيع أوروبا تحمل كلفة المواجهة؟


حتى إذا استطاعت أوروبا سد فجواتها العسكرية، فإن ذلك لا يحسم قدرتها على تحمل مواجهة طويلة. فالجيوش لا تعمل خارج الاقتصاد؛ والصاروخ الذي يُطلق في دقائق يعتمد على سنوات من الاستثمار في المصانع والعمال والمهندسين والطاقة والنقل والضرائب. ولذلك لا تقاس القدرة على الحرب بحجم الإنفاق العسكري في سنة واحدة، بل بقدرة الاقتصاد على إعادة إنتاج القوة العسكرية باستمرار من دون تعطيل وظائف المجتمع الأخرى.


وتقدم ألمانيا حالة مهمة لاختبار هذه المعضلة، لأنها تجمع بين أكبر اقتصاد أوروبي وقاعدة صناعية واسعة، وبين آثار الضعف الذي أصاب النموذج الاقتصادي الأوروبي بعد الحرب الأوكرانية.


فبعد عامين من الانكماش ونمو ضعيف في 2025، جاءت مؤشرات 2026 أفضل من التوقعات الأولى. وفي بداية سبتمبر رفع معهد Ifo توقعه لنمو الاقتصاد الألماني إلى 1.4 في المائة، مدفوعًا بتحسن الصادرات والسياسة المالية والإنفاق على البنية التحتية والدفاع، بينما أكد البنك المركزي الألماني تحسن النشاط في النصف الأول من السنة.


ومن ثم فإن القول إن ألمانيا تعيد التسلح بينما ينهار اقتصادها سيكون غير دقيق. الأدق أنها تفعل ذلك وهي تحاول الخروج من مرحلة ضعف بنيوي، بل إن الإنفاق الدفاعي والبنية التحتية أصبحا من عوامل دعم التعافي.


وهنا تظهر المفارقة الأولى: إعادة التسلح ليست عبئًا اقتصاديًا صرفًا. فالطلب على الذخائر والعربات والرادارات والطائرات، والاستثمار في السكك والموانئ والبنى اللازمة لنقل القوات، يمكن أن يخلق استثمارًا وفرص عمل، ويوسع الإنتاج والبحث والتطوير.


وقد تعمل العلاقة في البداية هكذا: ارتفاع التهديد - زيادة الإنفاق الدفاعي - زيادة الطلب والاستثمار - توسع الإنتاج.


لكن استمرار الإنفاق المرتفع سنوات طويلة يكشف الوجه الآخر. فالعمال والمهندسون ورأس المال والطاقة والمواد الخام والائتمان موارد محدودة تتنافس عليها القطاعات المدنية والعسكرية. وهنا تتحول نقاط الضعف الاقتصادية إلى قيود أمنية: نقص المهندسين يؤثر في مصانع السلاح، وارتفاع أسعار الطاقة يصيب الصناعات الدفاعية كما يصيب المدنية، وضعف الاستثمار يحد من القدرة على توسيع الإنتاج العسكري.


ومن ثم تعكس إعادة التسلح الأوروبية انتقالًا تدريجيًا من «عائد السلام» الذي أعقب الحرب الباردة إلى كلفة جديدة للاستعداد. ولا يعني ذلك اقتطاع الإنفاق العسكري مباشرة من الصحة أو التعليم؛ فالحكومات تستطيع الاقتراض أو رفع الضرائب أو إعادة ترتيب الأولويات أو الاعتماد على نمو إضافي. لكن أي خيار منها له كلفة، ولا يجعل الموارد غير محدودة.


ولهذا فالعلاقة الأهم تصبح: الخوف يولد الحاجة إلى الأمن - الحاجة ترفع الإنفاق - الإنفاق يحتاج إلى موارد - الموارد تنافس وظائف أخرى للدولة.


ولا يعني ذلك أن الدفاع يناقض الدولة الاجتماعية بالضرورة. فإذا تحول الإنفاق إلى مصانع وبنية تحتية وتكنولوجيا وقدرة إنتاجية جديدة، فقد يولد موارد إضافية تعوض جزءًا من تكلفته. أما إذا ظل مجرد استهلاك متزايد للذخائر والمعدات، فإن أثره الاقتصادي يكون مختلفًا.


وتكشف الطاقة بوضوح هذا الترابط بين الاقتصاد والأمن. فقد قلصت أوروبا اعتمادها على روسيا بعد 2022 وأعادت بناء جزء مهم من شبكة إمداداتها، لكنها لم تلغ حساسية صناعتها لأسعار الطاقة أو للصدمات الخارجية. ولذلك لا تعني الاستقلالية انقطاع الاقتصاد عن الخارج، بل امتلاك بدائل كافية تمنع تعطل علاقة واحدة من شل النظام كله.


وفي المقابل، لا ينبغي أن يقود التركيز على نقاط الضعف إلى تصوير الاقتصاد الأوروبي باعتباره غير قادر على تحمل إعادة التسلح. فقد أظهر في 2026 قدرة على الصمود أكبر من بعض التوقعات السابقة، وأصبح الإنفاق على الدفاع والبنية التحتية نفسه عنصرًا من عناصر دعم الطلب والاستثمار.


لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تطول المواجهة.


فالإنفاق الدفاعي قد يدعم النمو، لكنه يستطيع أيضًا زيادة الضغوط على الأسعار والعمالة والطاقة. والاقتراض يمول المصانع والبنية التحتية، لكنه يرفع الدين وكلفة خدمته. ولذلك لا توجد علاقة بسيطة تقول:


زيادة الإنفاق الدفاعي = ضعف الاقتصاد، كما لا توجد علاقة معاكسة تقول: زيادة الإنفاق الدفاعي = قوة اقتصادية.


فالنتيجة تتوقف على قدرة الدولة على تحويل الإنفاق إلى قدرة إنتاجية دائمة.


ومن هنا يصبح السؤال الاقتصادي الحقيقي: هل تستطيع أوروبا تحويل إعادة التسلح من استهلاك متزايد للموارد إلى استثمار يوسع قدرتها على إنتاج القوة؟


فمصنع الذخيرة يختلف عن الذخيرة التي تُستهلك مرة واحدة، والطريق أو الميناء أو شبكة الطاقة التي تخدم الاقتصاد والجيش معًا تستطيع أن تجمع الوظيفة الاقتصادية والوظيفة الأمنية بدل أن تجعلهما متنافستين بالكامل.


لكن حتى نجاح ذلك لا يحسم قدرة أوروبا على تحمل مواجهة طويلة. فالدولة تستطيع زيادة الإنفاق سنة أو سنتين بسهولة أكبر من المحافظة عليه عقدًا كاملًا، والمجتمع يستطيع قبول الكلفة عندما يشعر بالخطر المباشر أكثر مما يستطيع قبولها إذا استمرت الضرائب والأسعار والضغوط على الخدمات سنوات.


ولهذا تقوم القدرة على الحرب الطويلة على شبكة مترابطة: قدرة عسكرية - قدرة صناعية - قدرة مالية - قدرة اقتصادية - قبول اجتماعي - شرعية سياسية.


وإذا تعطلت إحدى حلقاتها، انخفضت قيمة الحلقات الأخرى حتى لو بقيت موجودة ماديًا.


ومن هنا ينتقل الاختبار من الاقتصاد إلى المجتمع: إذا استطاعت أوروبا تمويل المواجهة، فهل تستطيع مجتمعاتها تحملها سياسيًا واجتماعيًا؟



سابعًا: الجبهة التي لا تظهر على الخرائط — هل تستطيع أوروبا الصمود من الداخل؟


إذا كانت المواجهة الطويلة تحتاج إلى السلاح والصناعة والمال، فإنها تحتاج أيضًا إلى عنصر يصعب قياسه بالأرقام: تماسك المجتمع الذي يتحمل كلفتها.


فزيادة الإنفاق العسكري، والضرائب أو الاقتراض، وتحمل أسعار الطاقة، وإعادة ترتيب الأولويات الاجتماعية، كلها قرارات تمر في النهاية عبر السياسة والمجتمع. وكلما طالت الأزمة ازدادت أهمية الثقة والشرعية ووجود حد أدنى من التوافق حول طبيعة الخطر والكلفة المقبولة لمواجهته.


وهنا تستطيع الحرب الهجينة أن تتقاطع مع نقاط الضعف الداخلية. فالخصم لا يحتاج إلى إنشاء الانقسامات من الصفر؛ قد يكفيه استغلال خلاف قائم وتضخيمه أو إعادة توجيهه بما يقلل الثقة في المؤسسات ويضعف القدرة على إنتاج قرار جماعي مستمر.


ولهذا وضعت استراتيجية الأمن القومي البريطانية لعام 2026 حماية الديمقراطية والتماسك المجتمعي ضمن عناصر الأمن الوطني، وحذرت من استغلال الجهات المعادية للانقسامات والتضليل والتدخل الأجنبي.


لكن بريطانيا تواجه أيضًا أسئلة دستورية داخلية، ولا سيما في اسكتلندا وإيرلندا الشمالية، حيث ما تزال قوى سياسية تطالب بتغيير العلاقة مع الدولة المركزية. ولا يعني ذلك أن المملكة المتحدة على وشك التفكك، كما لا يجوز تحويل المطالب الديمقراطية إلى تهديد أمني. لكن وجود سؤال دستوري مفتوح يصبح متغيرًا ذا صلة بالصمود عندما تتعرض الدولة لضغط خارجي طويل.


والسؤال هنا وظيفي لا سياسي: إلى أي حد تستطيع الدولة تعبئة المجتمع والموارد بصورة موحدة إذا لم يكن التوافق كاملًا حول شكل الدولة نفسها؟


وتختلف الحالة الفرنسية. فالمشكلة ليست حركة انفصالية وطنية مماثلة، وإنما استقطاب حزبي واجتماعي وبرلمان منقسم وصعوبة في بناء توافقات مستقرة حول الموازنة والسياسات العامة. ومن هذه الزاوية اكتسب اجتماع ماكرون مع قادة الأحزاب في 18 سبتمبر دلالة إضافية، إذ حاول إدخال قوى سياسية متباينة في تقييم مشترك لتهديد تقول الرئاسة إنه يمس الأمن الفرنسي.


أما إسبانيا فتجمع بين الاستقطاب الحزبي واستمرار السؤال الكاتالوني، وإن تغيرت حدته منذ أزمة 2017. وهنا أيضًا لا يعني وجود الخلاف ضعف الدولة تلقائيًا، وإنما يضيف متغيرًا ينبغي أخذه في الاعتبار إذا تزامن مع أزمة خارجية طويلة وكلفة اقتصادية مرتفعة.


فالمشكلة تبدأ خصوصًا عندما تجتمع ثلاثة عناصر: ضغط خارجي مرتفع + كلفة داخلية متزايدة + انخفاض في الثقة أو التوافق السياسي.


عندئذ يستطيع كل عنصر أن يضاعف أثر الآخر.


وهنا نفهم بصورة أفضل وظيفة الحرب المعلوماتية. فالهدف ليس بالضرورة إقناع المواطن الأوروبي بأن روسيا على حق؛ قد يكون أكثر فاعلية إقناعه بأن حكومته تكذب، أو أن المؤسسات عاجزة، أو أن كلفة دعم أوكرانيا لا تستحق، أو أن جماعة أخرى تحصل على الموارد على حسابه.


وبذلك يصبح التأثير الاستراتيجي الحقيقي هو إضعاف قدرة المجتمع على إنتاج قرار جماعي والمحافظة عليه.


وهنا تلتقي الجبهة الداخلية بالجبهة العسكرية. فإذا كان الردع يقوم على إقناع الخصم بأن الدولة تستطيع تحمل المواجهة وفرض كلفة عليه، فإن التماسك الداخلي يدخل بدوره في حساباته. وكلما اعتقد الخصم أن الضغط الاقتصادي والاجتماعي سيكسر الإرادة السياسية قبل استنفاد القدرة العسكرية، ازدادت قيمة أدوات الضغط غير العسكري.


لكن الصمود لا يعني إلغاء الاختلاف السياسي، ولا تحويل المعارضة إلى مشكلة أمنية. إنه يعني قدرة المؤسسات على إدارة الاختلاف من دون أن يتحول إلى عجز عن أداء الوظائف الأساسية للدولة.


وهكذا نعود إلى الفكرة التي ظهرت منذ بداية البحث: المجتمع ليس مجرد موضوع للحماية، بل جزء من القدرة الدفاعية نفسها.


غير أن أوروبا لا تحاول معالجة فجواتها داخل الاتحاد وحده. فبالتوازي مع إعادة توزيع الوظيفة الأمريكية، بدأت علاقات جديدة تتكثف بين دول أطلسية تبحث عن بدائل وشركاء إضافيين.


وهنا تظهر كندا بوصفها حالة ذات دلالة خاصة.


فإذا كانت الولايات المتحدة تدفع حلفاءها إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم، فهل يؤدي ذلك فقط إلى زيادة قدراتهم الوطنية، أم يدفعهم أيضًا إلى بناء علاقات أقوى فيما بينهم، بما يغير تدريجيًا شكل الشبكة الأطلسية نفسها؟



ثامنًا: حين تبدأ الأطراف في الاتصال ببعضها — كندا وإعادة تشكيل الشبكة الأطلسية


إذا كانت الولايات المتحدة تدفع حلفاءها الأوروبيين إلى تحمل جزء أكبر من وظيفة الدفاع عن أنفسهم، فإن النتيجة المباشرة هي زيادة قدراتهم الوطنية. لكن نتيجة أخرى قد تكون أبعد أثرًا: حين تقل الوظيفة التي يؤديها المركز، تبدأ الأطراف في بناء علاقات أقوى فيما بينها لتعويضها.


وتقدم كندا مثالًا واضحًا. فهي عضو مؤسس في الناتو وقوة أطلسية وقطبية ارتبط أمنها تاريخيًا بالولايات المتحدة، لكنها تتجه في عهد حكومة مارك كارني إلى تنويع شراكاتها وتعميق علاقتها بأوروبا.


ولا يعني ذلك أن كندا طلبت العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي؛ فهذا غير مطروح رسميًا. لكن العلاقة تجاوزت إطار التجارة التقليدية. ففي يونيو 2026 أصبحت كندا أول دولة غير أوروبية تشارك في أداة SAFE الأوروبية للمشتريات الدفاعية، بما يربط جزءًا من صناعتها الدفاعية مباشرة بعملية إعادة تسليح أوروبا.


وهنا تتغير طبيعة العلاقة. فلم تعد ببساطة: أوروبا تحتاج إلى السلاح → تشتريه من كندا،


بل أصبحت أقرب إلى: أوروبا وكندا → إنتاج وشراء مشترك → قدرة دفاعية مترابطة.


وفي سبتمبر اتجه الطرفان إلى توسيع التعاون نحو مجالات الدفاع والطاقة والمعادن الحرجة والذكاء الاصطناعي والفضاء، بالتوازي مع طرح فكرة صيغة «عضو منتسب» لكندا، وهي فكرة ما تزال غير محددة مؤسسيًا ولا تعني طلبًا كنديًا للعضوية الكاملة.


وتظهر الحركة نفسها أمنيًا. فقد طلبت كندا الانضمام إلى قوة التدخل المشتركة التي تقودها بريطانيا، بينما طُرحت فكرة مجلس أمني أوروبي يمكن أن يشمل بريطانيا والنرويج وأوكرانيا وكندا إلى جانب دول الاتحاد.


ولا تشكل هذه العلاقات تحالفًا بديلًا عن الناتو، ولا توجد مؤسسة واحدة تجمعها جميعًا بهذه الصورة. لكن أهميتها تكمن في تراكمها:


الاتحاد الأوروبي + بريطانيا + النرويج + كندا + أوكرانيا


شبكة من العلاقات الدفاعية والصناعية والسياسية المتزايدة حول حاجة مشتركة إلى قدرة أكبر على العمل والاستقلال الوظيفي.


فالأنظمة الدولية لا تتغير دائمًا بقرار يعلن نهاية مؤسسة وولادة أخرى. قد يبدأ التحول باتفاق صناعي، ثم مشتريات مشتركة، وقوة تدخل، وتعاون استخباراتي، وشبكات للطاقة والمعادن والفضاء، حتى تصبح العلاقات بين الأطراف أكثر كثافة من السابق من دون أن تختفي المؤسسة الأصلية.


ولهذا لا يكون السؤال ما إذا كان الناتو سينتهي؛ فلا توجد معطيات تسمح بهذه الخلاصة. السؤال الأدق هو: هل سيبقى يعمل بالطريقة نفسها إذا أصبحت العلاقات بين أعضائه وشركائه أكثر كثافة خارج العلاقة الثنائية مع الولايات المتحدة؟


وهنا تكشف كندا مفارقة السياسة الأمريكية. فإذا أدى الضغط على الحلفاء لتحمل مسؤولية أكبر إلى دفعهم نحو بناء علاقات مباشرة أقوى فيما بينهم، فقد تنتج عن ذلك نتيجة لم تكن بالضرورة هي الهدف الأصلي: تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة قد يؤدي إلى تقليل مركزيتها النسبية داخل الشبكة التي تقودها.


ولا يعني ذلك استبدال واشنطن. فالولايات المتحدة ما تزال تؤدي وظائف عسكرية ونووية واستخباراتية وتكنولوجية يصعب تعويضها. لكن التغيير العلائقي لا يحتاج إلى إزالة المركز حتى يصبح مهمًا.


فإذا كانت دولة تعتمد على علاقة واحدة في خمس وظائف، ثم بنت بدائل تؤدي وظيفتين منها، فإن العلاقة الأصلية لم تختف، لكن قيمتها النسبية تغيرت.


ومن هنا تظهر المفارقة: الولايات المتحدة تريد من حلفائها أن يصبحوا أقل اعتمادًا عليها أمنيًا، لكن القدرة على الاعتماد على النفس تمنحهم أيضًا قدرة أكبر على الاختيار.


والحركة متبادلة. فأوروبا توسع بدائلها بالاقتراب من كندا، بينما توسع كندا بدائلها بالاقتراب من أوروبا. ولا يحتاج أي منهما إلى قطع علاقته بالولايات المتحدة حتى تتغير قيمة تلك العلاقة داخل شبكته.


وهكذا نعود إلى الخيط الذي بدأ مع الحرب الأوكرانية: الخوف من روسيا - حاجة أوروبية أكبر إلى الأمن - بناء وظائف دفاعية جديدة - إعادة توزيع الوظيفة الأمريكية - البحث عن علاقات إضافية - شبكات جديدة تغير القيمة النسبية للعلاقات القديمة.


وبذلك لا تعيد الحرب تشكيل علاقة أوروبا بروسيا وحدها، بل تعيد أيضًا تشكيل العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة، وبين الأوروبيين أنفسهم، وبين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وكندا وشركاء آخرين.


ومن هنا يصبح سؤال العنوان أكثر دقة. فربما لا تستعد أوروبا لمواجهة روسيا من دون أمريكا بالمعنى الحرفي، بل تستعد لمواجهة محتملة داخل نظام أطلسي تبقى فيه أمريكا موجودة، ولكنها لا تؤدي الوظائف نفسها التي أدتها من قبل.



خاتمة: أوروبا بين حرب لم تبدأ وسلام لم يعد كاملًا


بدأ هذا البحث بسؤال: هل تستعد أوروبا لمواجهة روسيا من دون أمريكا؟


وتكشف التحولات التي أحدثتها الحرب الأوكرانية أن الجواب لا يقع بين خيارين بسيطين: وجود الولايات المتحدة أو غيابها، الحرب أو السلام، قدرة أوروبا أو عجزها.


فلا توجد معطيات تسمح بالقول إن أوروبا تستعد لحرب قررت خوضها ضد روسيا، أو إن المواجهة المباشرة بين روسيا والناتو أصبحت حتمية. لكن الحرب التي كانت تقع خارج أراضي الحلف أصبحت تدخل في التخطيط العسكري والمدني والاقتصادي للدول الأوروبية باعتبارها خطرًا ينبغي الاستعداد لاحتمال امتداد آثاره.


بدأ ذلك بدعم أوكرانيا، ثم تحول إلى إعادة بناء المخزونات والصناعات الدفاعية والدفاع الجوي والحركية العسكرية والقدرات الفضائية، وانتقل بعد ذلك إلى المجتمع نفسه: خطط استمرار الدولة، وحماية الطاقة والاتصالات، والاستعداد المدني، وقدرة الأسر والخدمات الأساسية على امتصاص الصدمة.


ثم جاءت الحرب الهجينة لتزيد الحدود بين الحرب والسلم غموضًا. فالتخريب والهجمات السيبرانية والمسيّرات والتدخل المعلوماتي تستطيع إحداث آثار استراتيجية من دون هجوم عسكري تقليدي. وتحذير فرنسا من أن استمرار بعض هذه الأعمال لن يبقى من دون رد يكشف انتقالًا من مجرد تحمل الضغط إلى التفكير في ردعه وفرض كلفة عليه.


وفي اللحظة نفسها تعيد الولايات المتحدة تحديد وظيفتها داخل الأمن الأوروبي. فهي لا تغادر الناتو، وما تزال تؤدي وظائف يصعب تعويضها في الردع النووي والاستخبارات والفضاء والقيادة والمُمكّنات الاستراتيجية، لكنها تطلب من أوروبا تحمل الجزء الأكبر من الدفاع التقليدي عن نفسها.


ومن هنا تظل القاعدة الأساسية: انتقال الوظيفة لا يستلزم انتقال الموقع.


يمكن لأمريكا أن تنقل وظائف إلى الأوروبيين وتبقى في مركز النظام الأطلسي، كما يمكن لأوروبا أن تكتسب وظائف جديدة من دون أن تصبح مستقلة عنها.


لكن انتقال الوظائف يغير العلاقات. فكل قدرة تبنيها أوروبا تقلل حاجتها إلى استيراد الوظيفة نفسها، وكل فجوة تتركها الولايات المتحدة تدفع الأوروبيين إلى البحث عن بديل، وكل علاقة جديدة تُبنى لهذا الغرض تغير القيمة النسبية للعلاقات القديمة.


غير أن الاختبار الأوروبي لا يتوقف عند السلاح. فالقدرة على المواجهة تحتاج إلى صناعة تعوض الاستهلاك، واقتصاد يمول الصناعة، وبنية تحتية تحرك القوة، ومجتمع يتحمل الكلفة، ونظام سياسي يحافظ على الشرعية والتماسك.


وهنا يمكن اختزال منطق التحول كله في السلسلة التي رافقت البحث: الخوف يولد الحاجة؛ والحاجة تستدعي الوظيفة؛ والقدرة على أداء الوظيفة تمنح العلاقة قيمتها الاستراتيجية.


فالخوف من روسيا رفع حاجة أوروبا إلى الأمن. والحاجة دفعتها إلى بناء وظائف عسكرية ومدنية وصناعية جديدة. وإعادة توزيع الوظيفة الأمريكية سرعت هذه العملية، بينما دفعت الفجوات الناتجة عنها الأوروبيين إلى توسيع علاقاتهم فيما بينهم ومع شركاء مثل بريطانيا وكندا.


ولهذا لا يبدو أن الجواب الأدق عن سؤال العنوان هو أن أوروبا تستعد لمواجهة روسيا من دون أمريكا.


الأقرب إلى ما تكشفه الوقائع حتى الآن أنها تستعد لاحتمال مواجهة روسيا بأمريكا مختلفة الوظيفة.


أمريكا أقل استعدادًا لتحمل العبء التقليدي الأكبر وحدها، وأوروبا أكثر اضطرارًا إلى بناء قدرتها الذاتية، وشبكة أطلسية تبدأ أطرافها في الاتصال بعضها ببعض بصورة أكثر كثافة.


ولذلك فإن السؤال الذي ستختبره السنوات المقبلة ليس فقط مقدار القوة التي تستطيع أوروبا بناءها، وإنما ما إذا كان انتقال الوظائف سيجعل النظام الأطلسي أكثر توازنًا وقدرة على الردع، أم سيكشف خلال مرحلة الانتقال فجوات جديدة في بنيته.


فالمشكلة الأوروبية اليوم ليست أنها دخلت حربًا مع روسيا، بل أنها أصبحت تعيش في منطقة أكثر غموضًا: حرب لم تبدأ بالمعنى التقليدي، وسلام لم يعد كاملًا كما كان.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق