كيف تعيد الصواريخ والمسيّرات والتصنيع العسكري وشبكات التحالف
رسم الجغرافيا الاستراتيجية لغرب المتوسط؟
تمهيد: حين انتقلت ساحة الحرب الافتراضية من سبتة إلى الأندلس وجزر الكناري
ظل التفكير في أي مواجهة عسكرية افتراضية بين المغرب وإسبانيا مرتبطًا، لعقود، بجغرافيا تبدو شبه ثابتة: سبتة ومليلية في الواجهة، وشمال المغرب والضفة الجنوبية للمضيق في مقابل جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية الذي يؤدي وظيفة العمق الخلفي للقوات الإسبانية. وضمن هذه الصورة، كان السؤال العسكري التقليدي يدور أساسًا حول قدرة المغرب على تهديد المدينتين أو الدفاع عن ساحله ومجاله الجوي، أكثر مما كان يتعلق بإمكان امتداد المواجهة إلى القواعد والمنشآت الموجودة داخل الأراضي الإسبانية نفسها.
غير أن هذا التصور بدأ يفقد شيئًا من صلابته مع التحول المتسارع في القدرات العسكرية المغربية. فالمسألة لم تعد مقتصرة على تحديث الطائرات المقاتلة أو اقتناء مدرعات ومدفعية أكثر تطورًا، وإنما أخذت تشمل الاستطلاع والمراقبة، والطائرات غير المأهولة، والدفاع الجوي، والنيران الدقيقة بعيدة المدى، وأنظمة القيادة والسيطرة، إلى جانب بداية بناء قاعدة صناعية عسكرية محلية وشبكة متزايدة من الشراكات الدفاعية والتكنولوجية.../...
وتقدم منظومة HIMARS مثالًا على هذا التحول. فقد وافقت الولايات المتحدة سنة 2023 على بيع للمغرب ما يصل إلى ثماني عشرة راجمة وصواريخ ATACMS وGMLRS، إلى جانب أنظمة القيادة والدعم المرتبطة بها، فيما أظهرت معطيات أمريكية سنة 2026 تقدم جزء من البرنامج إلى مرحلة التخطيط التعاقدي. ولا تكمن أهمية ذلك في الراجمة منفردة، وإنما في دخول النيران الدقيقة بعيدة المدى تدريجيًا إلى حسابات القدرة المغربية.
ومن هنا بدأ يظهر في النقاش العسكري الإسباني تحول لافت في زاوية النظر إلى الجغرافيا. فإذا كانت سبتة ومليلية تمثلان تقليديًا المجال الأكثر تعرضًا في سيناريو المواجهة، فإن دخول قدرات أبعد مدى يعني أن السؤال لم يعد ينتهي عند المدينتين. فالقواعد ومراكز القيادة والاتصالات واللوجستيك الموجودة في جنوب إسبانيا تدخل، من الناحية التقنية، في حسابات المدى والحماية والانتشار.
ولا يعني ذلك أن المغرب يعتزم استهدافها، ولا أن مواجهة بين البلدين أصبحت مرجحة؛ فالقدرة العسكرية شيء، والنية السياسية لاستخدامها شيء آخر. لكنه يعني أن المسافة التي كانت تمنح العمق الإسباني وظيفة وقائية لم تعد تؤدي الوظيفة نفسها بالدرجة ذاتها.
وتكتسب هذه الملاحظة دلالة إضافية عندما ننظر إلى الجانب الإسباني. فإسبانيا تعمل بدورها على استعادة قدرة المدفعية الصاروخية بعيدة المدى وتحديث منظومات الاستطلاع والقيادة والحماية في سياق إعادة بناء أوسع لقدراتها العسكرية. ولذلك فإن التحول لا يجري على الضفة الجنوبية للمضيق وحدها.
لكن الاقتصار على المضيق وسبتة ومليلية وجنوب إسبانيا يقود بدوره إلى قراءة ناقصة. فالعلاقة الجغرافية بين البلدين لا تقوم على واجهة متوسطية فقط، وإنما تمتد إلى واجهة أطلسية واسعة تصل إلى جزر الكناري والمجالات البحرية المحيطة بها. وهناك تتقاطع القدرات العسكرية مع المراقبة البحرية والجوية، والتحالفات، وقانون البحار، والموارد الاستراتيجية في قاع الأطلسي.
ومن هذه النقطة ينطلق هذا البحث. فهو لا يحاول الإجابة عن سؤال افتراضي من نوع: من سينتصر إذا اندلعت حرب بين المغرب وإسبانيا؟ كما لا يفترض أن البلدين يتجهان نحو مواجهة عسكرية حتمية، أو يخوضان بالضرورة سباق تسلح مباشرًا. فإسبانيا تبني جانبًا مهمًا من قدراتها داخل سياق أوروبي وأطلسي تغير منذ الحرب الروسية الأوكرانية، بينما يرتبط جانب مهم من التحديث العسكري المغربي ببيئته المغاربية، وبخاصة التنافس الاستراتيجي مع الجزائر.
لكن القدرة التي تُبنى داخل علاقة معينة لا تبقى بالضرورة محصورة فيها؛ فبمجرد دخولها البنية العسكرية للدولة تصبح جزءًا من شبكة قدراتها وتدخل، بدرجات مختلفة، في حساب علاقاتها الأخرى.
ولذلك فإن السؤال الأكثر دقة ليس ما إذا كان المغرب وإسبانيا يستعدان للحرب، وإنما: هل بدأت القدرات التي يبنيها كل منهما لأسباب تتجاوز علاقته بالآخر في تغيير شروط الردع بينهما؟
هذا السؤال ينقل التحليل من مقارنة أعداد الطائرات والصواريخ والسفن إلى مستوى مختلف: وظيفة القدرة العسكرية داخل شبكة العلاقات. فقيمة السلاح لا تتحدد بخصائصه التقنية وحدها، وإنما بالوظيفة التي يستطيع أداءها، وبالمنظومة التي يتكامل معها، وبالمجال الذي يعمل داخله، وبشبكة العلاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تحيط به.
ومن هنا تصبح التحولات الجارية على ضفتي المضيق جزءًا من ظاهرة أوسع: إعادة تشكيل تدريجية لجغرافيا الردع في غرب المتوسط والواجهة الأطلسية.
لم تتحرك سبتة ولا إشبيلية ولا طنطان ولا جزر الكناري من مواقعها، لكن المدى والاستشعار والدقة والربط الشبكي والصناعة العسكرية والعلاقات الدولية بدأت تغير ما تعنيه المسافة بين هذه المواقع.
وبذلك لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت الجغرافيا قد تغيرت، وإنما ما إذا كانت وظيفتها الاستراتيجية هي التي بدأت تتغير.
المبحث الأول: من سباق التسلح إلى تراكب سباقات الردع
قد يبدو التطور المتزامن للقدرات العسكرية المغربية والإسبانية مؤشرًا على نشوء سباق تسلح بين البلدين. غير أن هذا التوصيف يحتاج إلى الحذر؛ لأن ارتفاع الإنفاق العسكري أو اقتناء منظومات أكثر تطورًا على جانبي فضاء جغرافي واحد لا يكفي لإثبات وجود سباق تسلح ثنائي. فالسؤال الأهم ليس ما الذي يشتريه كل طرف، وإنما داخل أي بيئة أمنية يبني قدراته، وما الوظائف التي يريد منها أداءها؟
بالنسبة إلى إسبانيا، يصعب فصل عملية التحديث العسكري الجارية عن التحول الذي أصاب البيئة الأمنية الأوروبية منذ الحرب الروسية الأوكرانية. فقد أعادت الحرب إلى الواجهة الدفاع الجوي والصاروخي، والمخزونات والذخائر، والمدفعية بعيدة المدى، والطائرات غير المأهولة، والحرب الإلكترونية، والقدرة الصناعية على دعم صراع طويل. وتتحرك مدريد في هذا السياق ضمن إعادة بناء أوسع للقدرات الأوروبية والأطلسية، لا باعتبار المغرب مصدرًا وحيدًا أو رئيسيًا لهذا التحول.
أما المغرب، فيتحرك داخل بيئة أمنية مختلفة، يحتل فيها التنافس الاستراتيجي مع الجزائر موقعًا مهمًا. ولذلك لا يمكن تفسير تحديث المقاتلات والدفاع الجوي والطائرات غير المأهولة والنيران الدقيقة بعيدة المدى، أو توطين أجزاء من الصناعة الدفاعية، انطلاقًا من العلاقة مع إسبانيا وحدها.
لكن اختلاف دوافع بناء القدرة لا يمنع القدرات الناتجة من الالتقاء داخل علاقة أخرى.
فالقدرة العسكرية قد تُبنى استجابة إلى علاقة معينة، لكنها لا تبقى بعد امتلاكها حبيسة تلك العلاقة. فالصاروخ الذي اقتُني في سياق توازن إقليمي لا يفقد مداه إذا تغير اتجاه النظر على الخريطة، ومنظومة الاستطلاع أو الدفاع الجوي لا تفقد وظيفتها لأن الدولة التي تدخل في حساباتها لم تكن السبب الأصلي في اقتنائها.
وهنا ينبغي التمييز بين الدافع إلى بناء القدرة والقيمة التي تكتسبها القدرة بعد بنائها.
فالقدرات الإسبانية التي تتطور داخل شبكة الردع الأوروبية تصبح، بمجرد دخولها الخدمة، جزءًا من القوة التي تمتلكها إسبانيا في علاقاتها الأخرى. وبالمثل، فإن القدرات التي يبنيها المغرب في سياق بيئته المغاربية تصبح جزءًا من شبكة قوته في علاقته بإسبانيا، حتى إذا لم تكن إسبانيا الدافع الأصلي إلى بنائها.
ومن هنا يمكن فهم ما يجري على ضفتي المضيق بصورة أدق بوصفه تراكبًا لسباقات الردع أكثر منه سباق تسلح مغربيًا–إسبانيًا مباشرًا. ففي الشمال تدفع البيئة الأمنية الأوروبية إسبانيا إلى إعادة بناء قدراتها، وفي الجنوب يدفع التنافس المغاربي المغرب إلى تطوير قدراته. وعندما تتحسن قدرات الطرفين، تلتقي نتائج المسارين داخل فضاء جغرافي واحد هو غرب المتوسط والمجال الأطلسي المتصل به.
وهذا يفسر مفارقة مهمة: قد يرتفع مستوى الردع العسكري الموضوعي بين دولتين من دون أن تكون أي منهما قد بنت قدراتها أساسًا لمواجهة الأخرى. فلا يشترط وجود قرار سياسي بالدخول في سباق تسلح ثنائي حتى تبدأ القدرات المتراكمة على الجانبين في التأثير في الحسابات المتبادلة.
ومن هذه الزاوية، لا ينبغي أن يبدأ السؤال عن المغرب وإسبانيا من النيات، بل من الوظائف: ما الذي أصبح كل طرف قادرًا على رؤيته أو حمايته أو تعطيله أو الوصول إليه، ولم يكن يستطيع القيام به بالكفاءة نفسها من قبل؟ وكيف تؤثر هذه القدرات في قيمة المسافة والقواعد والممرات البحرية والمجالات الجوية التي قامت عليها معادلة الردع السابقة؟
لكن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تأتي من مقارنة الأسلحة منفردة. فالقوة العسكرية المعاصرة لا تتحدد بعدد الصواريخ أو الطائرات، وإنما بقدرة الدولة على اكتشاف الهدف، ونقل المعلومات عنه، واتخاذ القرار، وإحداث التأثير، وحماية الأدوات التي تؤدي هذه الوظائف، ثم المحافظة على استمرارها.
ومن هنا نصل إلى السؤال الذي يقود إلى المبحث التالي: هل بدأت الأسلحة التي يحصل عليها المغرب من مصادر متعددة تتحول من مجموعة منصات إلى منظومة عسكرية مترابطة؟
المبحث الثاني: من اقتناء السلاح إلى بناء المنظومة
إذا كان التمييز بين الدافع إلى بناء القدرة والقيمة التي تكتسبها بعد بنائها يسمح بفهم جانب من التحول الجاري في ميزان الردع، فإنه يقود إلى تمييز آخر لا يقل أهمية: امتلاك السلاح ليس هو امتلاك القدرة، وامتلاك مجموعة من القدرات لا يعني بالضرورة امتلاك منظومة عسكرية متكاملة.
فالسلاح هو الأداة التي تسمح بأداء وظيفة معينة، أما القدرة فتظهر عندما تستطيع الدولة تشغيل هذه الأداة بكفاءة لتحقيق أثر محدد. وتبدأ المنظومة عندما تصبح الوظائف المختلفة قادرة على العمل معًا؛ بحيث يكتشف المستشعر الهدف، وتنقل شبكة الاتصال المعلومة، وتتخذ منظومة القيادة القرار، وتنفذ منصة أخرى التأثير، بينما توفر منظومات مختلفة الحماية والاستدامة لهذا المسار.
ومن هذه الزاوية، لا تكمن أهمية التحول العسكري المغربي في عدد الصفقات أو تنوع مصادرها بقدر ما تكمن في السؤال عما إذا كانت هذه الأدوات بدأت تتجمع داخل بنية وظيفية يمكن اختصارها في خمس حلقات مترابطة:
الرؤية - القرار - التأثير - الحماية - الاستدامة.
الرؤية: من امتلاك السلاح إلى معرفة ما ينبغي استهدافه
لا يستطيع السلاح بعيد المدى أداء وظيفته لمجرد قدرته على الوصول إلى مسافة بعيدة. فكلما ازداد المدى ازدادت أهمية اكتشاف الهدف وتحديد موقعه ومتابعته وتحديث بياناته. ولذلك أصبحت الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع جزءًا من القدرة النيرانية نفسها، لا مجرد وظيفة مساعدة لها.
ويظهر هذا التحول في الاستخدام المتزايد للطائرات غير المأهولة داخل القوات المسلحة المغربية، ومن بينها منصات تركية أكثر قدرة على الاستطلاع والبقاء في الجو وحمل تجهيزات وذخائر متعددة. ولا تكمن أهميتها في مواصفاتها التقنية منفردة، وإنما في الوظيفة التي تستطيع إضافتها إلى الشبكة: مراقبة المجال، واكتساب الأهداف، ونقل المعلومات، وربط الاستطلاع بالتأثير.
وقد ظهر الاتجاه نفسه في مناورات African Lion 2026، التي تضمنت تدريبًا متعدد المجالات وتجارب هدفت إلى تقليص الزمن بين اكتشاف الهدف والتعامل معه. وهنا تتغير قيمة السلاح بعيد المدى؛ لأن المدى النظري لا يتحول إلى قدرة عملياتية إلا إذا استطاعت المنظومة أن تعرف أين يوجد الهدف، وأن تنقل المعلومة عنه في الوقت المناسب.
القرار: حين تصبح المعلومة جزءًا من السلاح
بين المستشعر والرامي توجد الحلقة التي تحدد ما إذا كانت الأدوات المختلفة ستتحول إلى منظومة: القيادة والسيطرة والاتصالات ومعالجة المعلومات.
وتكتسب هذه الحلقة أهمية خاصة في الحالة المغربية بسبب تنوع مصادر التسليح. فهذا التنوع يمنح بدائل متعددة ويحد من الاعتماد على مورد واحد، لكنه يخلق في الوقت نفسه تحديًا تقنيًا وعملياتيًا: كيف يمكن جعل منظومات صُنعت في بيئات مختلفة تعمل ضمن صورة عملياتية مشتركة؟
ومن هنا تتجاوز أهمية العلاقة العسكرية المغربية–الأمريكية توريد المعدات إلى التدريب والتشغيل البيني والقيادة والعمل المشترك. كما أن دخول الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية، ومن ذلك الاتفاق المعلن مع Harmattan AI سنة 2026، يضيف بعدًا جديدًا يتعلق بمعالجة المعلومات وربط المستشعرات بالمنصات المنفذة.
فالقدرة على جمع المعلومات لا تكفي إذا لم تستطع الدولة تحويلها بسرعة إلى قرار.
التأثير: عندما تتغير وظيفة المسافة
بعد الرؤية والقرار تأتي القدرة على إحداث الأثر. وهنا يظهر أحد أبرز التحولات في القوة المغربية: اتساع الوسائل التي تسمح بالتأثير خارج المجال التكتيكي المباشر.
وتقدم صفقة HIMARS الأمريكية مثالًا واضحًا؛ لأنها لا تتعلق بالراجمة وحدها، وإنما بحزمة تشمل ذخائر دقيقة بعيدة المدى وأنظمة مرتبطة بالقيادة والسيطرة على النيران. وتضاف إليها قدرات جوية ومدفعية ومنظومات غير مأهولة من مصادر مختلفة، بما يوسع الخيارات المتاحة للتأثير من مسافات متعددة.
لكن اتساع المدى لا ينبغي الخلط بينه وبين وجود نية لاستخدامه ضد دولة بعينها. فقيمة هذه القدرات في الردع تبدأ قبل الاستخدام؛ لأن وجودها يدخل في حسابات الانتشار وحماية القواعد وتوزيع المخزونات والدفاع الجوي لدى الطرف الآخر.
وهنا تتغير إحدى وظائف الجغرافيا العسكرية. ففي النموذج التقليدي كان العمق يوفر قدرًا من الحماية لأن الوصول إلى الأهداف الموجودة خلف الجبهة يتطلب اختراق المجال الفاصل. أما النيران الدقيقة بعيدة المدى والاستطلاع الشبكي فتسمح بالتأثير في جزء من هذا العمق دون السيطرة على المسافة التي تفصل عنه.
ومن ثم فإن المسافة لا تختفي، لكنها تتغير وظيفتها العسكرية.
الحماية: القدرة على الضرب لا تكفي
لكن القدرة على التأثير تولد المشكلة المقابلة: كيف تحافظ الدولة على الأدوات التي تسمح لها بالرؤية والقرار والتأثير؟
ومن هنا تصبح منظومات الدفاع الجوي والصاروخي والحرب الإلكترونية وحماية القواعد جزءًا من المنظومة نفسها. فالراجمة التي يمكن تعطيلها قبل الإطلاق، والطائرة التي لا تستطيع العمل من قاعدة محمية، وشبكة القيادة القابلة للشل، لا تنتج القيمة العملياتية نفسها مهما كانت مواصفاتها التقنية متقدمة.
وفي هذا السياق تدخل منظومات الدفاع الجوي التي عزز بها المغرب قدراته خلال السنوات الأخيرة ضمن وظيفة أوسع من مجرد اعتراض التهديدات: حماية الشبكة التي تنتج القدرة العسكرية.
وبذلك لا تكون العلاقة بين الهجوم والدفاع علاقة تجاور بين نوعين من السلاح، بل علاقة تكامل بين وظيفتين؛ فالحماية ترفع قيمة القدرة الهجومية عندما تزيد قدرتها على البقاء والاستمرار.
الاستدامة: من القدرة على البدء إلى القدرة على الاستمرار
تبقى الحلقة الخامسة، وهي الأقل ظهورًا في المقارنات التقليدية للقوة العسكرية: الاستدامة. فالطائرة تحتاج إلى الصيانة وقطع الغيار والذخائر، والمنظومات البرية تحتاج إلى الإصلاح والتعويض، والشبكات الإلكترونية تحتاج إلى الحماية والتحديث. ولذلك قد تمتلك دولتان قدرات متقاربة في بداية أزمة عسكرية، ثم تختلف قدرتهما على الاستمرار بحسب المخزون والصيانة والإنتاج وسلاسل الإمداد.
وهنا يبدأ التحول الصناعي المغربي في اكتساب معناه العسكري الحقيقي. فالمسألة لم تعد مقتصرة على تنويع الموردين، وإنما أخذت تشمل الذخائر والمدرعات والأنظمة غير المأهولة والصيانة والبحث والتطوير ومحاولات توطين المعرفة والتكنولوجيا.
ومن هنا يظهر التمييز الأساسي: امتلاك السلاح ≠ امتلاك القدرة ≠ امتلاك المنظومة.
السلاح هو الأداة، والقدرة هي إمكانية أداء وظيفة بها، أما المنظومة فهي قدرة الوظائف المختلفة على العمل معًا والمحافظة على هذا العمل بمرور الزمن.
وعند هذه النقطة يصبح السؤال عن التصنيع العسكري أكثر أهمية من السؤال عن الصفقة التالية. فإذا كانت الرؤية والقرار والتأثير والحماية تحدد ما تستطيع القوات المسلحة القيام به، فإن الاستدامة تحدد المدة التي تستطيع خلالها المحافظة على تلك الوظيفة.
ومن هنا ننتقل إلى السؤال التالي: هل بدأ المغرب ينتقل من استيراد القوة العسكرية إلى بناء جزء من القاعدة الصناعية القادرة على إنتاجها واستدامتها؟
المبحث الثالث: من استيراد القوة إلى إنتاجها — العمق الصناعي للردع
ولا يعني بلوغ مرحلة منها الانتقال تلقائيًا إلى المرحلة التالية، لكنه يسمح بقياس الاتجاه الذي تتحرك فيه القاعدة الصناعية.
وقد وفر المغرب خلال السنوات الأخيرة إطارًا قانونيًا ومؤسساتيًا لصناعة معدات الدفاع والأمن والأسلحة والذخائر، بالتوازي مع ظهور مشاريع فعلية في الذخائر والمدرعات والأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي الدفاعي. وتكمن أهمية هذه المشاريع في أنها تنقل النقاش من الرغبة في إنشاء صناعة عسكرية إلى اختبار ما أصبح ينتج أو يصان أو يطور فعلًا داخل البلاد.
الذخيرة: من المخزون إلى القدرة على التجديد
تمثل الذخيرة أحد أوضح الأمثلة على العلاقة بين الصناعة والاستدامة. فامتلاك المدفع أو المدرعة لا يكفي إذا ظلت الذخيرة اللازمة لتشغيله مرتبطة كليًا بخطوط إمداد خارجية.
وفي هذا المجال تنتج MMI Ammunition في المغرب ذخائر من عيارات مختلفة، من بينها قذائف مدفعية عيار 155 ملم، ضمن منشأة تشمل التصنيع والتجميع والاختبارات وضبط الجودة والبحث والتطوير.
ولا تجعل هذه القدرة المغرب مستقلًا في إنتاج الذخائر، كما أن البيانات العلنية لا تحدد نسبة المكونات المحلية في جميع المنتجات أو مصدر كل التقنيات المستخدمة. لكنها تدخل عنصرًا جديدًا في حساب القوة: القدرة على إنتاج جزء من المخزون بدل الاكتفاء باستهلاكه.
وهنا يظهر الفرق بين المخزون والقدرة على إعادة إنتاجه. فالمخزون يعبر عما تمتلكه الدولة في لحظة معينة، أما الصناعة فتدخل عنصر الزمن بما يعنيه من استدامة في حساب القوة.
المخزون يمنح الدولة قدرة على بدء العمليات، أما القاعدة الصناعية فتسهم في قدرتها على استمرار الوظيفة العسكرية عندما يطول زمنها.
المدرعات: من المنتج إلى سلسلة الموردين
يظهر مستوى آخر من التوطين في مصنع Tata Advanced Systems Maroc بمدينة برشيد لإنتاج مركبات WhAP 8×8. ولا تكمن أهمية المشروع في إنتاج المدرعة داخل المغرب فقط، بل في إدماج مكونات وموردين محليين ورفع نسبتهم تدريجيًا داخل سلسلة الإنتاج.
وهنا يتغير معيار تقييم المشروع. فالسؤال لا يعود فقط: كم مدرعة يستطيع المصنع إنتاجها؟ بل أيضًا: كم معرفة صناعية، وكم قدرة على الصيانة والتعديل، وكم جزءًا من سلسلة الموردين يبقى داخل الاقتصاد الوطني؟
فالسيادة الصناعية لا تبدأ بمجرد وضع اسم الدولة على المنتج النهائي، وإنما عندما تصبح أجزاء متزايدة من الوظائف اللازمة لإنتاجه وصيانته وتطويره موجودة داخلها.
الأنظمة غير المأهولة: درجات مختلفة من التوطين
يظهر المسار نفسه في قطاع الأنظمة غير المأهولة، وإن بدرجات متفاوتة. فقد أنشأت Baykar حضورًا صناعيًا في المغرب، بينما تشير المعطيات المنشورة إلى أنشطة مرتبطة بالصيانة والدعم التقني وإمكانات أوسع للتطوير الصناعي. لكن ذلك لا يسمح حتى الآن بالقول إن المغرب يصنع محليًا منظومات Akıncı أو TB2 كاملة.
كما أفادت تقارير عن توطين بعض أنشطة التجميع والصيانة والتكوين المرتبطة بأنظمة إسرائيلية غير مأهولة. وهذه التطورات مهمة، لكنها تؤكد في الوقت نفسه ضرورة التمييز بين التجميع المحلي، وتصنيع المكونات الحرجة، والسيطرة على سلسلة الإنتاج.
وتصبح هذه الدقة أكثر أهمية في مجال الصواريخ بعيدة المدى. فالحصول على منظومة أجنبية أو التعاقد عليها لا يعني امتلاك القدرة على تصنيع ذخائرها. وإنتاج الصواريخ المتقدمة يعتمد على سلسلة معقدة من التقنيات والمكونات، ولا توجد معطيات علنية كافية تسمح بالقول إن المغرب أصبح يمتلك سلسلة إنتاج محلية لمنظومات صاروخية استراتيجية بعيدة المدى.
من توطين الصناعة إلى توطين المعرفة
لكن التحول الصناعي لا يتوقف عند تصنيع منتج موجود أصلًا. ففي 2026 أعلنت Harmattan AI اتفاقًا مع القوات المسلحة الملكية يتضمن إنشاء قدرات تصنيع للأنظمة الدفاعية الذاتية داخل المغرب، إلى جانب مركز للبحث والتطوير في الذكاء الاصطناعي الدفاعي والتعاون مع مؤسسات البحث والتعليم المغربية.
وهنا ينتقل التوطين إلى مستوى مختلف. فالتصنيع يسمح بإنتاج الأداة، بينما يسمح تراكم المعرفة والبحث والتطوير، إذا تحقق فعليًا واستمر، بالمشاركة تدريجيًا في تطوير الحل نفسه.
وهذا هو الفرق بين توطين الصناعة وتوطين المعرفة.
ولا يبدو الهدف الواقعي أن يصنع المغرب كل ما تحتاجه قواته داخل حدوده، وإنما أن يقلل اعتماد بعض الوظائف الحرجة على الخارج، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بشبكة متنوعة من الموردين والشركاء.
ومن هنا يحتاج مفهوم الاستقلال العسكري نفسه إلى ضبط: الاستقلال العسكري لا يعني أن تصنع الدولة كل شيء، بل أن تخفض اعتماد الوظائف الحرجة على الخارج إلى المستوى الذي يسمح باستمرارها عند اضطراب شبكة الإمداد.
وعندئذ يصبح تنويع العلاقات جزءًا من الاستدامة أيضًا. فالولايات المتحدة لا تؤدي الوظيفة نفسها التي تؤديها إسرائيل أو تركيا أو الهند أو فرنسا، كما أن القاعدة الصناعية والتكنولوجية المدنية التي تتوسع فيها الاستثمارات الصينية تضيف نوعًا مختلفًا من العمق الاقتصادي والصناعي.
ومن هنا نصل إلى مستوى آخر من التحليل. فإذا كانت الدولة تحصل من علاقات مختلفة على وظائف مختلفة، فقد لا تكمن القيمة الكبرى في أي علاقة منفردة، وإنما في قدرتها على جعل هذه الوظائف تتكامل داخل شبكة واحدة.
وبذلك لا يعود السؤال: من هو المورد العسكري الرئيسي للمغرب؟
بل يصبح: كيف تتحول شبكة من العلاقات المختلفة إلى مصدر لقيمة استراتيجية تتجاوز قيمة كل علاقة منفردة؟
المبحث الرابع: شبكة الشركاء — عندما ترفع علاقة قيمة العلاقة الأخرى
قد يبدو تنوع مصادر التسليح والتكنولوجيا لدى المغرب مجرد سياسة لتجنب الارتهان لمورد واحد. غير أن التحولات الأخيرة تسمح بقراءة أعمق؛ لأن العلاقات التي نسجها المغرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا والهند وفرنسا لا توفر له القدرات نفسها، كما أن العلاقة الصناعية المتنامية مع الصين تؤدي وظيفة مختلفة عن العلاقات الدفاعية المباشرة.
ومن هنا ينبغي التمييز بين تنويع الموردين وتكامل العلاقات. ففي الحالة الأولى تحصل الدولة على بدائل متعددة للقدرة نفسها لتقليل التبعية، أما في الثانية فتحصل من علاقات مختلفة على وظائف مختلفة، ثم تحاول جعلها تعمل داخل بناء واحد.
الولايات المتحدة: العمود العملياتي للشبكة
تمثل العلاقة مع الولايات المتحدة أكثر العلاقات الدفاعية المغربية رسوخًا. وهي لا تقتصر على توريد المقاتلات والمروحيات والنيران الدقيقة، بل تشمل التدريب والمناورات والقيادة والسيطرة والتشغيل البيني. وقد أكدت خارطة طريق التعاون الدفاعي للفترة 2026–2036 استمرار هذا المسار وتوسيعه إلى مجالات جديدة.
وتكمن أهمية هذه العلاقة في أنها لا تضيف منصات إلى الترسانة فقط، وإنما تساعد أيضًا على بناء القدرة على تشغيلها ضمن عمليات مشتركة. وهذا مهم بصورة خاصة لدولة تعتمد على منظومات ذات أصول متعددة؛ لأن تنوع الموردين لا يتحول تلقائيًا إلى تكامل عسكري.
ومن ثم قد تكون إحدى أهم الوظائف التي تؤديها العلاقة الأمريكية هي المساهمة في تحويل مجموعة من القدرات المختلفة إلى شبكة أكثر قابلية للعمل المشترك.
إسرائيل وتركيا: وظائف مختلفة تتقاطع داخل المنظومة
تؤدي العلاقة الدفاعية مع إسرائيل وظيفة مختلفة، إذ امتدت إلى مجالات تشمل الدفاع الجوي والمدفعية والأنظمة غير المأهولة والذخائر الجوالة والتعاون التقني والصناعي. وتكمن أهميتها بالنسبة إلى بناء المنظومة في الوظائف المرتبطة بالحماية والاستشعار والنيران الدقيقة والتكنولوجيا الدفاعية.
أما تركيا، فقد أصبحت مصدرًا مهمًا للطائرات غير المأهولة، بالتوازي مع بداية حضور صناعي وتقني لشركة Baykar في المغرب. وبذلك أخذت العلاقة تتجاوز اقتناء المنصة نحو الصيانة والدعم وإمكانات أوسع للتوطين الصناعي.
لكن القيمة الأهم لا تظهر عند دراسة العلاقتين منفصلتين. فإذا ساهمت قدرة جاءت من علاقة في حماية أو توجيه أو دعم قدرة جاءت من علاقة أخرى، فإن القيمة التي أنتجتها العلاقة الأولى تنتقل جزئيًا إلى الثانية.
فمنظومة دفاع جوي من مصدر ما قد تحمي قاعدة تعمل منها طائرة من مصدر آخر، ومستشعر من علاقة ثالثة قد يوفر المعلومة لنيران حصلت عليها الدولة من علاقة رابعة.
وهنا تظهر وحدة تحليل لا تكشفها قوائم التسلح: العلاقة لا تنتج قيمة داخل حدودها فقط؛ فقد تنتقل القيمة التي تنتجها إلى علاقات أخرى داخل الشبكة.
الهند وفرنسا: الصناعة والمعرفة
تضيف العلاقات مع الهند وفرنسا وظائف أخرى. فإنتاج مركبات WhAP في المغرب في إطار الشراكة مع Tata لا يضيف مركبة عسكرية فقط، وإنما يربط العلاقة الخارجية بسلسلة موردين وقدرات إنتاج وصيانة داخلية.
وفي مستوى مختلف، يمثل التعاون مع Harmattan AI مثالًا على انتقال العلاقة مع فاعل تكنولوجي فرنسي نحو الأنظمة الذاتية والذكاء الاصطناعي والتصنيع والبحث والتطوير المحلي.
وبذلك لا تضيف العلاقة الخارجية بالضرورة «سلاحًا» جديدًا؛ فقد تضيف قدرة إنتاج، أو معرفة، أو صيانة، أو بحثًا وتطويرًا. وهذه وظائف ترفع بدورها قيمة المنظومات الموجودة أصلًا.
الصين: العمق الصناعي من خارج العلاقة الدفاعية
تكشف الصين بصورة أوضح لماذا لا ينبغي اختزال الشبكة الاستراتيجية في العلاقات العسكرية.
فبكين ليست حليفًا عسكريًا للمغرب، ولا توجد بين البلدين معاهدة دفاع مشترك. لكن الاستثمارات الصينية المتزايدة في السيارات الكهربائية والبطاريات وموادها وسلاسل الإنتاج المرتبطة بها توسع القاعدة الصناعية والتكنولوجية التي يعمل داخلها الاقتصاد المغربي.
ولا يجوز تحويل هذه الاستثمارات المدنية إلى قدرات عسكرية لمجرد أن بعض التقنيات أو المواد قد تكون ذات استخدام مزدوج. فقيمتها هنا مختلفة: توسيع البيئة الصناعية، وتكوين الموردين والمهندسين، وربط المغرب بسلاسل قيمة وتكنولوجيا واستثمارات خارج المجال الدفاعي المباشر.
وبذلك تؤدي الصين وظيفة مختلفة عن الولايات المتحدة أو إسرائيل أو تركيا. فهي لا تمنح المغرب ضمانًا عسكريًا، ولا يوجد ما يبرر افتراض دعم عسكري صيني في نزاع محتمل وإن كام المغرب قد اقتنى من الصين بعض الأسلحة الدقيقة، لكنها تضيف نوعًا آخر من العمق الاقتصادي والصناعي والتكنولوجي.
وهنا تظهر خاصية مهمة في الشبكة المغربية: تستطيع الدولة أن تربط علاقات دفاعية وثيقة بالولايات المتحدة وإسرائيل، وعلاقات صناعية وعسكرية مع تركيا والهند وفرنسا، وفي الوقت نفسه تستقطب استثمارات صينية واسعة، رغم أن هذه القوى لا تنتمي إلى شبكة تحالف واحدة، وبعضها يتنافس مع بعض على المستوى الدولي.
ولا تحتاج هذه القوى إلى أن تكون متحالفة فيما بينها حتى تؤدي علاقاتها مع المغرب وظائف متكاملة.
من شبكة الموردين إلى شبكة القيمة
وهنا نصل إلى الفرق الجوهري بين التنويع والتكامل.
فالتنويع يُقاس بعدد البدائل التي تمتلكها الدولة، أما التكامل فيظهر عندما ترفع الوظيفة التي تنتجها علاقة قيمة الوظائف التي جاءت من علاقات أخرى.
فإذا ساعد التدريب والتشغيل البيني على دمج منصة أجنبية في عمليات مشتركة، ارتفعت قيمة تلك المنصة بفعل علاقة أخرى. وإذا حمت منظومة دفاعية القواعد التي تعمل منها منصات مختلفة، انتقلت قيمة الحماية إلى بقية الشبكة. وإذا استطاعت الصناعة المحلية صيانة المعدات أو إنتاج جزء من الذخائر وقطع الغيار، ارتفعت قيمة العلاقات الخارجية لأنها أصبحت أكثر قابلية للاستمرار.
وبذلك لا تكون القيمة الاستراتيجية للدولة حاصل جمع بسيط لما تحصل عليه من كل شريك، وإنما نتيجة التفاعل بين الوظائف التي تنتجها هذه العلاقات.
ومن هنا يمكن صياغة القاعدة الأوسع: لا تتحدد قيمة العلاقة العسكرية بما تنقله من أسلحة فقط، بل بالوظائف التي تضيفها إلى شبكة القدرات القائمة، وبقدرتها على رفع قيمة العلاقات الأخرى داخل تلك الشبكة.
وهذه النتيجة تغير أيضًا طريقة فهم القوة. فالقوة لا تعود خاصية للأداة منفردة، ولا للعلاقة الثنائية منفردة، وإنما يمكن أن تصبح خاصية ناشئة عن الشبكة.
وعند هذه النقطة ينبغي إعادة هذه الشبكة إلى المجال الجغرافي الذي تعمل داخله. فحين تصبح الاستطلاع والقيادة والنيران والحماية والصناعة والعلاقات الخارجية وظائف مترابطة، لا يعود السؤال عن مدى صاروخ أو طائرة كافيًا.
السؤال يصبح: ما الوظائف التي كانت المسافة تؤديها في العلاقة المغربية–الإسبانية، وبدأت هذه الشبكة تغيرها؟
المبحث الخامس: من سبتة إلى إشبيلية والكناري — حين تتغير وظيفة المسافة
إذا كانت القوة العسكرية المعاصرة تتولد من تفاعل الاستطلاع والقيادة والنيران والحماية والاستدامة داخل شبكة واحدة، فإن أثر هذا التحول لا يظهر في نوعية السلاح فقط، بل في الجغرافيا التي يعمل داخلها.
وهنا تكتسب العلاقة المغربية–الإسبانية دلالة خاصة.
ففي التصور التقليدي لأي مواجهة افتراضية بين البلدين، كانت سبتة ومليلية تمثلان المجال الأكثر تعرضًا بحكم موقعهما على الساحل الإفريقي، بينما يؤدي جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية وظيفة العمق الخلفي الذي توجد فيه القواعد ومراكز القيادة والاتصالات والإمداد.
وكانت هذه الوظيفة تقوم، إلى حد بعيد، على المسافة.
فكلما ابتعد الهدف عن مجال المواجهة المباشرة ازدادت صعوبة الوصول إليه، وارتفعت كلفة استهدافه، وأصبح العمق الجغرافي نفسه جزءًا من الحماية.
لكن دخول النيران الدقيقة بعيدة المدى، وربطها بوسائل الاستطلاع والقيادة، بدأ يغير هذه المعادلة.
وتقدم صفقة HIMARS مثالًا واضحًا. فقد وافقت الولايات المتحدة سنة 2023 على بيع للمغرب يشمل ما يصل إلى ثماني عشرة راجمة، إلى جانب صواريخ ATACMS وذخائر موجهة أخرى. ولا تعني الموافقة الأمريكية أن جميع هذه المنظومات أصبحت في الخدمة المغربية حتى الأن بسبب آجال التصنيع والتسليم، لكنها تكشف عن اتجاه واضح نحو إدخال النيران الدقيقة بعيدة المدى ضمن بنية القوة المغربية.
ومن هنا ظهر في بعض النقاشات العسكرية والإعلامية الإسبانية سيناريو انتقلت فيه ساحة المواجهة الافتراضية من سبتة ومليلية إلى جنوب إسبانيا، ووصل التعبير في أحدها إلى أن «ساحة المعركة ستكون إشبيلية وجزر الكناري لا سبتة ومليلية».
ولا ينبغي قراءة هذه العبارة بوصفها وصفًا لخطة مغربية أو توقعًا لحرب قادمة. فهي تعبر عن تغير في إدراك الجغرافيا العسكرية أكثر مما تعبر عن نية سياسية محددة.
فالقدرة على الوصول إلى هدف لا تعني وجود قرار باستهدافه.
لكن مجرد دخول قواعد ومراكز لوجستية ومنشآت عسكرية كانت تعد جزءًا من العمق الآمن نسبيًا ضمن نطاق قدرات بعيدة المدى يفرض على التخطيط العسكري أخذها في الاعتبار. وعندئذ تتغير حسابات الانتشار والحماية والدفاع الجوي وتوزيع المخزونات واستمرارية القيادة.
وتظهر أهمية ذلك في قواعد مثل روتا ومورون والمنشآت العسكرية المحيطة بإشبيلية. فهذه المواقع لا تؤدي وظائف إسبانية فقط، بل يرتبط بعضها أيضًا بالتعاون العسكري مع الولايات المتحدة والبنية الأطلسية.
وهذا يمنحها قيمة استراتيجية أكبر، لكنه يرفع في الوقت نفسه كلفة أي سيناريو قد يمسها؛ لأن الهدف لا يوجد داخل علاقة مغربية–إسبانية معزولة، وإنما داخل شبكة علاقات أوسع.
وهنا تظهر مرة أخرى الطبيعة العلائقية للردع: كلما ارتبط المجال بشبكات عسكرية وسياسية أوسع، لم تعد قيمة استهدافه تتحدد بخصائصه العسكرية وحدها، بل أيضًا بالعلاقات التي تدخل معه في حساب التصعيد.
وفي المقابل، لا تقف إسبانيا أمام هذا التحول بقدرات ثابتة. فهي تعمل على استعادة وتحديث قدرتها في مجال المدفعية الصاروخية بعيدة المدى ضمن برنامج SILAM، إلى جانب تحديث أوسع لمنظومات الاستطلاع والقيادة والحماية.
ومن ثم لا يتعلق الأمر بزوال العمق الإسباني، وإنما بتغير الشروط التي كان يؤدي ضمنها وظيفته.
فالمسافة ما تزال مهمة؛ إذ تؤثر في زمن الوصول، ونوع الذخيرة المطلوبة، وقدرة الاستطلاع، والدفاع، والإمداد. لكنها لم تعد حاجزًا يؤدي وحده وظيفة الحماية التي كان يؤديها في بيئة عسكرية تعتمد بدرجة أكبر على الجبهة المتصلة والاشتباك قصير المدى.
المسافة لا تختفي، لكنها تتغير وظيفتها العسكرية.
وهذا يقود إلى نتيجة أكثر دقة من القول إن «إشبيلية أصبحت جبهة». فالجبهة نفسها لم تنتقل بالمعنى الجغرافي التقليدي، وإنما امتدت بعض وظائف المواجهة إلى العمق.
ومن هنا يمكن صياغة القاعدة: انتقال الوظيفة لا يستلزم انتقال الموقع؛ فقد تبقى المنصة في مكانها، بينما يمتد أثرها إلى علاقة أخرى لأن المدى والاستطلاع والربط الشبكي أعادوا تعريف المجال الذي تستطيع العمل داخله.
وعندئذ تصبح الخريطة التقليدية للمواجهة، التي تبدأ بسبتة ومليلية وتنتهي عند المضيق، غير كافية.
فإلى الغرب من هذا المسرح توجد واجهة أخرى لا تقل أهمية: الساحل الأطلسي المغربي، وجزر الكناري، والمجالات البحرية الممتدة بينهما وما وراءهما.
وهناك يصبح السؤال عن تغير وظيفة الجغرافيا أكثر تعقيدًا.
فإذا كانت المسافة بين سبتة وإشبيلية تختبر تحول العلاقة بين الجبهة والعمق الإسباني، فإن المسافة بين الساحل المغربي والكناري تختبر علاقة مختلفة تجمع بين المدى العسكري، والمجال البحري، والتحالفات، والموارد الاستراتيجية.
ومن هنا ننتقل من المضيق إلى المسرح الأطلسي.
المبحث السادس: المسرح الأطلسي — من طنطان إلى الكناري وTropic
إذا كان امتداد بعض وظائف المواجهة من سبتة إلى جنوب إسبانيا يكشف تغير العلاقة بين الجبهة والعمق كما أشرنا، فإن النظر غربًا يكشف تحولًا آخر لا يقل أهمية. فالعلاقة الجغرافية بين المغرب وإسبانيا لا تنتهي عند المضيق، بل تمتد إلى فضاء أطلسي توجد فيه جزر الكناري في مواجهة الساحل المغربي، وتتقاطع داخله القدرات العسكرية مع طرق الملاحة والمجالات البحرية والموارد الاستراتيجية.
طنطان: عندما يصبح الساحل منصة لاختبار المدى
برزت طنطان خلال السنوات الأخيرة بوصفها إحدى المناطق الرئيسية للمناورات العسكرية المغربية–الأمريكية. واكتسبت هذه الوظيفة بعدًا جديدًا سنة 2026 عندما شهدت المنطقة تجارب مرتبطة بالنيران الدقيقة بعيدة المدى.
فخلال مناورات African Lion جرى اختبار قدرات للضربات العميقة، ثم شهدت طنطان في أغسطس من السنة نفسها تجربة إطلاق حي بالتعاون بين القوات المغربية والأمريكية وشريك صناعي أمريكي، في إطار اختبار قدرة بعيدة المدى. وأظهرت المواد التي نشرتها القيادة الأمريكية في إفريقيا التحضير لإطلاق صاروخ جوال، من دون إعلان نوع المنظومة أو مداها الدقيق.
ولا ينبغي تحميل هذه التجارب أكثر مما تثبته الوقائع. فإجراء تجربة على الأراضي المغربية لا يعني أن المنظومة أصبحت ملكًا للمغرب، كما أن اختبار صاروخ بعيد المدى في طنطان لا يعني أن جزر الكناري هي الهدف المفترض له.
لكن أهمية الحدث تكمن في الوظيفة الجديدة التي يؤديها المجال نفسه.
فطنطان لم تعد مجرد موقع لمناورات برية تقليدية، بل أصبحت جزءًا من بيئة اختبار وتدريب متعددة المجالات تشمل الاستطلاع والقيادة والنيران الدقيقة والتعاون مع الولايات المتحدة والصناعة الدفاعية.
وهنا يتكرر المبدأ نفسه الذي ظهر في المبحث السابق: الموقع لم يتغير، لكن الوظيفة التي يستطيع أداءها تغيرت.
الكناري: المدى شيء وحرية الاستخدام شيء آخر
تكتسب هذه التحولات حساسية خاصة بسبب قرب جزر الكناري من الساحل المغربي. فحين تدخل قدرات بعيدة المدى إلى مسرح عمليات قريب نسبيًا من الأرخبيل، تصبح الجزر جزءًا من الحساب الجغرافي لهذه القدرات، بصرف النظر عن وجود نية لاستهدافها.
لكن جغرافيا المدى لا تكفي وحدها لفهم الردع.
فالكناري ليست مجرد جزر إسبانية تقع قبالة الساحل المغربي، وإنما تدخل كذلك ضمن المجال الجغرافي الذي يشمله نظام الدفاع الجماعي لحلف شمال الأطلسي. وبذلك تختلف وظيفتها الاستراتيجية عن أي مساحة لا ترتبط بالشبكة الأمنية نفسها.
ولا يعني ذلك أن كل أزمة تتعلق بالكناري تؤدي آليًا إلى حرب أطلسية؛ فآليات الدفاع الجماعي مرتبطة بشروط قانونية وسياسية محددة. لكن وجود الجزر داخل هذه الشبكة يدخل في حساب تكلفة التصعيد، ويضيف إلى الجغرافيا العسكرية علاقة سياسية وأمنية أوسع من العلاقة الثنائية المغربية–الإسبانية.
ومن هنا يظهر الفرق بين سؤالين كثيرًا ما يجري الخلط بينهما: إلى أين تستطيع القدرة العسكرية أن تصل؟
و: ما الكلفة السياسية والعسكرية لاستخدامها في ذلك المجال؟
الأول يجيب عنه المدى والاستطلاع والدقة.
أما الثاني فتدخل فيه شبكة العلاقات والتحالفات وطبيعة الهدف ومسار التصعيد.
ولذلك فإن زيادة القدرة على الوصول إلى مجال ما لا تعني بالضرورة زيادة حرية استخدام القوة ضده.
وبصيغة أكثر اختصارًا: المدى يحدد ما يمكن الوصول إليه، أما شبكة العلاقات فتدخل في تحديد تكلفة الوصول إليه.
جبل Tropic: عندما تدخل الموارد في قيمة المجال
ولا تنتهي أهمية المسرح الأطلسي عند الكناري. فإلى الجنوب الغربي من الأرخبيل يقع جبل Tropic البحري، في منطقة من قاع الأطلسي اكتسبت اهتمامًا متزايدًا بسبب ما تشير إليه الدراسات من وجود تركيزات مهمة من معادن استراتيجية، من بينها التيلوريوم والكوبالت والنيكل والفاناديوم وبعض العناصر الأرضية النادرة.
وتشير البيانات الجغرافية المنشورة إلى أن Tropic يقع قرب خط عرض 24 درجة شمالًا تقريبًا، وعلى مسافة تقارب 500 كيلومتر من جزيرة إل هييرو، كما تفصله مسافة أقل قليلا عن الساحل الصحراوي المغربي.
ولا تمنح هذه المسافات، في حد ذاتها، حقًا قانونيًا لأي طرف في موارده. فتحديد الحقوق المتعلقة بقاع البحر والجرف القاري يخضع لقواعد قانون البحار والإجراءات الدولية المختصة، وهي مسألة قانونية وفنية تتجاوز موضوع هذا البحث.
لكن وجود هذه الموارد مهم للتحليل الاستراتيجي لسبب آخر: المجال الذي يحتوي موردًا ذا قيمة لا يؤدي الوظيفة نفسها التي يؤديها المجال الخالي منه.
فالمسافة الجغرافية ثابتة، لكن اكتشاف مورد استراتيجي، أو تغير التكنولوجيا التي تسمح باستغلاله، أو ارتفاع الطلب العالمي عليه، يمكن أن يرفع قيمة المجال من دون أن يتحرك مترًا واحدًا.
وهنا تلتقي الجغرافيا العسكرية بالجغرافيا الاقتصادية.
فالمعادن المرتبطة بالبطاريات والإلكترونيات والطاقة والتقنيات المتقدمة أصبحت جزءًا من المنافسة الدولية على سلاسل الإمداد. ولذلك يضيف وجودها المحتمل في قاع الأطلسي وظيفة اقتصادية واستراتيجية إلى المجال البحري المحيط بالكناري والساحل المغربي الأطلسي.
ولا يعني ذلك أن التنافس على هذه الموارد يتحول بالضرورة إلى تنافس عسكري، كما لا يعني أن القدرات العسكرية المغربية أو الإسبانية بُنيت من أجلها. لكن تغير قيمة المجال الاقتصادي يحدث داخل الجغرافيا نفسها التي تتغير فيها قدرات المراقبة والوصول والحماية.
ومن هنا يصبح المسرح الأطلسي شبكة من الوظائف المتراكبة: مجالًا للمراقبة الجوية والبحرية، ومسرحًا للتعاون العسكري، وممرًا للملاحة، وفضاءً تحيط به تحالفات أمنية، ومجالًا توجد في قاعه موارد يمكن أن تكتسب قيمة استراتيجية متزايدة.
وهذا هو السبب في أن قراءة العلاقة المغربية–الإسبانية من خلال سبتة ومليلية وحدهما أصبحت غير كافية.
فالواجهة الشمالية تكشف تغير العلاقة بين الجبهة والعمق، بينما تكشف الواجهة الأطلسية شيئًا آخر: أن القيمة الاستراتيجية للجغرافيا لا تحددها المسافة وحدها، وإنما الوظائف التي تستطيع الدولة أداءها داخلها، والعلاقات والموارد التي تمنح ذلك المجال قيمته.
ولذلك فإن السؤال لم يعد: هل تستطيع منظومة معينة الوصول إلى سبتة أو إشبيلية أو جزر الكناري؟
بل أصبح: كيف أعادت شبكة القدرات والعلاقات الجديدة تشكيل القيمة الاستراتيجية للمجال نفسه؟
خاتمة: الردع لا تصنعه الصواريخ وحدها
انطلق هذا البحث من سؤال محدد: هل بدأت القدرات التي يبنيها المغرب وإسبانيا لأسباب تتجاوز علاقتهما المباشرة في تغيير شروط الردع بينهما؟
وتشير التحولات التي جرى تحليلها إلى أن الجواب لا يوجد في عدد الصواريخ أو الطائرات أو المدرعات التي يمتلكها كل طرف، ولا في مقارنة حسابية بين ترسانتين عسكريتين كما يفعل المحللون عادة، وإنما في التغير الذي أصاب الوظائف التي تستطيع هذه القدرات أداءها داخل المجال نفسه.
فإسبانيا تعيد بناء جزء من قدراتها في سياق أوروبي وأطلسي تغير منذ الحرب الروسية الأوكرانية، بينما يطور المغرب جزءًا مهمًا من قوته داخل بيئة مغاربية يشكل التنافس مع الجزائر أحد محدداتها الرئيسية. ومع ذلك، فإن القدرة التي تُبنى استجابة إلى علاقة معينة لا تبقى محصورة فيها بعد دخولها الخدمة، بل تصبح جزءًا من شبكة القوة التي تحملها الدولة إلى علاقاتها الأخرى.
ومن هنا لا يبدو ما يجري سباق تسلح مغربيًا–إسبانيًا مباشرًا بقدر ما يبدو تراكبًا لسباقات ردع مختلفة تلتقي نتائجها داخل فضاء جغرافي واحد.
لكن أهمية التحول المغربي لا تكمن في تراكم الأسلحة وحده. فالمسار الذي ظهر من خلال الاستطلاع والقيادة والسيطرة والنيران الدقيقة والدفاع الجوي والأنظمة غير المأهولة والصناعة العسكرية والذكاء الإصطناعي يشير إلى محاولة الانتقال من اقتناء المنصات إلى ربط وظائفها داخل بنية أكثر تكاملًا.
وهنا ظهر التمييز الذي رافق البحث كله: امتلاك السلاح ≠ امتلاك القدرة ≠ امتلاك المنظومة.
فالمنصة لا تنتج قيمتها الكاملة إلا عندما تستطيع الدولة رؤيتها داخل شبكة أوسع: مستشعر يكتشف، وقيادة تقرر، ووسيلة تؤثر، ودفاع يحمي، وقاعدة صناعية ولوجستية تسمح بالاستمرار.
ولهذا تدخل الصناعة نفسها في حساب الردع. فالمخزون يحدد جانبًا مما تستطيع الدولة فعله في بداية الأزمة، بينما تحدد الصيانة والإنتاج وسلاسل الإمداد والبحث والتطوير جانبًا مما تستطيع الاستمرار في فعله إذا طال أمدها.
وبالمثل، لا تعمل العلاقات الخارجية منفصلة بعضها عن بعض. فالولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا والهند وفرنسا والصين لا تؤدي الوظيفة نفسها داخل الشبكة المغربية، كما أنها لا تنتمي إلى منظومة تحالف واحدة. لكن الوظائف التي تنتجها هذه العلاقات يمكن أن تتفاعل داخل الدولة نفسها، بحيث ترفع علاقة قيمة قدرة جاءت من علاقة أخرى.
ومن هنا تصبح القوة، في جزء منها، خاصية ناشئة عن الشبكة.
وهذه النتيجة هي التي تعيدنا إلى الجغرافيا.
فسبتة لم تتحرك، وإشبيلية لم تقترب من الساحل المغربي، وطنطان لم تقترب من الكناري. الذي تغير هو أن الاستطلاع بعيد المدى، والنيران الدقيقة، والربط الشبكي، والدفاع الجوي، والقدرة الصناعية وشبكات التحالف بدأت تعيد تعريف الوظائف التي تؤديها المسافة بين هذه المواقع.
وبذلك لم يعد العمق الجغرافي يؤدي بالضرورة وظيفة الحماية نفسها التي كان يؤديها سابقًا، كما أن القدرة على الوصول إلى مجال معين لا تمنح بالضرورة حرية استخدام القوة داخله؛ لأن هذا المجال نفسه قد يكون محاطًا بعلاقات وتحالفات ترفع كلفة التصعيد.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية: كلما تقلصت بعض وظائف المسافة بفعل التكنولوجيا، ازدادت أهمية شبكة العلاقات التي تحيط بالمجال.
ومن ثم لا توجد في المعطيات التي تناولها هذا البحث قاعدة تسمح بالقول إن ميزان القوة بين المغرب وإسبانيا قد انقلب، ولا أنها تدل بذاتها على اقتراب مواجهة عسكرية بينهما. فالردع ليس نتيجة خطية لتزايد المدى، كما أن القدرة لا تكشف وحدها عن النية السياسية لاستخدامها.
لكن ما يمكن قوله هو أن الشروط التي يُنتج داخلها الردع لم تعد هي نفسها.
فالجبهة والعمق، والمخزون والصناعة، والمنصة والمنظومة، والمورد والتحالف، والمجال والموارد، لم تعد عناصر منفصلة يمكن تقييم كل منها بمعزل عن الآخر. لقد أصبحت قيمتها تتحدد بدرجة متزايدة من خلال العلاقات التي تربط بعضها ببعض.
وهنا يمكن تلخيص التحول الذي كشفته الحالة المغربية–الإسبانية في ثلاث انتقالات مترابطة:
من المنصة إلى المنظومة،
ومن العلاقة الثنائية إلى شبكة العلاقات،
ومن الجغرافيا بوصفها مسافة إلى الجغرافيا بوصفها وظيفة.
وبذلك نعود إلى السؤال الذي بدأ منه البحث، لكن بصيغة أكثر دقة. فالسؤال لم يعد: من يمتلك الصاروخ الأطول مدى؟ ولا: أي الطرفين يمتلك العدد الأكبر من الطائرات والمنصات الصاروخية؟
السؤال هو: أي شبكة من القدرات والعلاقات والوظائف تستطيع أن تحول ما تملكه الدولة إلى أثر استراتيجي قابل للحماية والاستمرار؟
لأن الصاروخ لا يرى هدفه بنفسه، والمنصة لا تحمي ذاتها، والمخزون لا يعيد إنتاج نفسه، والمسافة لا تحمل قيمة ثابتة، والعلاقة لا تعمل في فراغ.
الردع في النهاية قيمة ناشئة عن شبكة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق