مشروع مالية 2027: ماذا تموّل الحكومة؟

 


هل تبدأ الدولة الاجتماعية بتقليص المسافة بين المغربين؟


قراءة أولية

تعتمد هذه القراءة على المعطيات المنشورة عند تقديم المشروع، وعلى تصريحات وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية كما نقلتها التغطيات الصحافية. وبعد تعذر الاطلاع المباشر على الحزمة الرسمية كاملة، تبقى مطابقة الأرقام والمواد مع النص والجداول الأصلية مرحلة لازمة قبل اعتماد التحليل النهائي.


لا تكمن أهمية مشروع قانون المالية لسنة 2027 في أنه أول اختبار مالي للحكومة الجديدة فحسب، وإنما في أنه يضع العلاقة بين النمو والعدالة الاجتماعية أمام سؤال عملي: هل تستطيع الدولة أن تنقل سرعة إنجاز المشاريع إلى سرعة تحسن حياة المواطنين؟ فالميزانية تكشف ما تختاره الحكومة حين توزع الموارد، ومن تنتظر منه تمويل اختياراتها، ومن يستطيع أن ينتظر ثمارها ومن يحتاج إليها فورًا.../...


وفي المغرب الذي تتفاوت فيه وتيرة تحديث البنيات مع وتيرة تحسن الخدمات والدخل، لا يكفي أن ترتفع الاعتمادات حتى نحكم بأن المسافة تضيق. المطلوب أن نعرف أين ستُنفق الأموال، ومن سيصل إليه أثرها، وما الذي سيتغير في مدرسة وحي ومستشفى وقرية، وفي قدرة شاب على العثور على عمل مستقر.


ويقتضي تقييم هذه الاختيارات فحص الفرضيات التي تقوم عليها تقديرات الميزانية. فالموارد المنتظرة تتأثر بالنمو والأسعار والواردات وأرباح المقاولات، بينما تتأثر النفقات بكلفة الطاقة والتمويل والحاجات الاجتماعية. ولذلك ينبغي التمييز بين حصيلة سنة 2026، وفرضيات سنة 2027، والأهداف الممتدة إلى نهاية الولاية الحكومية، وعدم التعامل مع الأهداف المستقبلية بوصفها نتائج مضمونة في حسابات السنة المقبلة.


كما يحتاج التقييم إلى اختبار قدرة الميزانية على تحمل ظروف أقل ملاءمة: ماذا يحدث إذا تباطأ النشاط، أو ارتفعت كلفة الواردات والاقتراض، أو تراجعت الموارد المتوقعة؟ وأي النفقات ستُحمى عندئذ، وأي البرامج قد يتأخر تنفيذها؟ فمتانة الاختيارات تُقاس كذلك بقدرتها على حماية الالتزامات الأساسية حين تختلف النتائج عن التوقعات.


تظهر المعطيات المنشورة عن المشروع توجهًا اجتماعيًا يستحق الفحص: رفع الحد الأدنى للدعم المباشر إلى 600 درهم، ورفع المعاشات الدنيا إلى 1700 درهم، ومضاعفة نسبة معاش الأرامل من 50 إلى 100 في المائة، وتحمل فواتير كهرباء لا تتجاوز 100 درهم وفق شروط التطبيق. وتضاف إلى ذلك اعتمادات معلنة لدعم البوتان والسكر والدقيق قدرها 19.4 مليار درهم.


هذه الإجراءات تمس نفقات ودخولًا فعلية، ولذلك لا يصح التقليل من أثرها المحتمل على الأسر المعنية. لكن جمعها في عنوان واحد لا يجعل المستفيدين منها كتلة واحدة؛ فالموظف الخاضع للضريبة، والأسرة المستحقة للدعم، والمتقاعد، والعامل خارج الاقتصاد المنظم، يدخلون الميزانية من أبواب مختلفة. وقد تجمع أسرة بين أكثر من منفعة، بينما تبقى أخرى خارجها. هنا يبدأ سؤال العدالة من توزيع الأثر، لا من مجموع المبالغ المعلنة.


ويستحق الدعم الاجتماعي المباشر وقفة مستقلة؛ فرفع حده الأدنى من 500 إلى 600 درهم يعني زيادة شهرية قدرها مائة درهم، أي 20 في المائة، مع استهداف بلوغ ألف درهم تدريجيًا في أفق 2031. ووفق التصريحات المنشورة، يصاحب ذلك توجه نحو اعتماد الدخل الأسري بصورة أكبر في تحديد الاستحقاق، ومراجعة دور المؤشر الاجتماعي والاقتصادي في الاستهداف. وتحتاج تفاصيل هذا الانتقال وموعد تطبيقه إلى النصوص المنظمة.


ولا يتعلق الاختبار بقيمة التحويل وحدها، بل بعدالة الوصول إليه. فقياس دخل أسرة ذات موارد منتظمة يختلف عن تقدير دخل أسرة تعيش من العمل الموسمي أو النشاط غير المصرح به. ولذلك ينبغي أن يواكب تعديل الاستهداف حق واضح في التظلم وتصحيح المعطيات، ومعالجة سريعة للانقطاع غير المبرر. كما ينبغي ألا تؤدي بداية تحسن دخل الأسرة إلى فقدان مفاجئ للدعم يجعل انتقالها إلى العمل المنظم أكثر كلفة عليها.


أما إصلاح الضريبة على الدخل، فيفتح بابًا آخر لتحسين القدرة الشرائية. فبحسب تصريحات فوزي لقجع التي نقلها الإعلام، يشمل الإصلاح رفع الحد السنوي للدخل الصافي المعفى من 40 ألفًا إلى 60 ألف درهم، وتقليص عدد الأشطر الخاضعة للضريبة من خمسة إلى ثلاثة، بمعدلات تصاعدية تبلغ 10 و20 و30 في المائة، وخفض المعدل الهامشي الأقصى من 37 إلى 30 في المائة، ضمن مراجعة تدريجية تمتد من 2027 إلى 2031.


وفي ما يتعلق بالسنة الأولى، أعلن الوزير أن الأجور الشهرية الصافية التي تقل عن 10 آلاف درهم ستصبح معفاة ابتداء من فاتح يناير 2027، وأن نسبة المعفيين سترتفع إلى 87 في المائة من الأجراء، مقابل 13 في المائة سيستمرون في أداء الضريبة. كما قدّر المكسب الشهري لغالبية الأجراء المعنيين بنحو 500 درهم، والكلفة المالية للإجراء خلال سنة 2027 بنحو 5.5 مليارات درهم.


وتمنح هذه الأرقام الإصلاح معنى اجتماعيًا أوضح من الاكتفاء بإعلان تخفيض المعدلات. فمكسب شهري قدره 500 درهم يمكن أن يخفف جزءًا من أعباء النقل أو الغذاء أو التمدرس. لكنه يظل منفعة مرتبطة بمن كان يؤدي الضريبة وتغير مقدارها عليه؛ أما من كان معفى أصلًا، فلا يرتفع دخله مباشرة بهذا الإجراء وحده. ولذلك ينبغي تقييم التخفيف الجبائي إلى جانب الدعم والتشغيل والخدمات، حتى تشمل القراءة الفئات التي لا تصل إليها منفعة التخفيض الضريبي.


ويحتاج التقييم التفصيلي إلى أمثلة حسابية تربط الأجر بوعائه الضريبي بعد الخصومات المقررة، وتوضح كيفية تحقق الإعفاء المعلن. فآلية الانتقال من الأجر إلى صافي الدخل الخاضع للضريبة قائمة أصلًا؛ والمستجد الذي ينبغي قياسه هو أثر تعديل العتبة والأشطر والمعدلات، بمقارنة وضع الأجير نفسه قبل الإصلاح وبعده.


ولا تتوقف المراجعة عند سنة 2027. فقد قدم الوزير مثالين للمكاسب المنتظرة في أفق 2031: مكسب شهري يبلغ 1186 درهمًا لأجير يتقاضى 11 ألفًا و800 درهم، و3079 درهمًا لأجير يبلغ أجره 18 ألفًا و700 درهم. وهذه أمثلة على النتيجة المستهدفة في نهاية المسار، وليست مكاسب تتحقق جميعها منذ يناير المقبل. ومن ثم ينبغي قراءة الجدول سنة بسنة، لتحديد توزيع المنفعة وتوقيت تحققها.


وقدم لقجع مبررًا تقنيًا للتدرج، يتعلق بتجنب خلق فارق ضريبي يدفع بعض الفاعلين إلى الانتقال بين نظامي الضريبة على الشركات والضريبة على الدخل. واستند في شرحه إلى عبء فعلي يقارب 28 في المائة، باحتساب ضريبة بنسبة 20 في المائة على الربح، ثم ضريبة بنسبة 10 في المائة على الربح المتبقي عند توزيعه، وفق الفرض الذي عرضه. وهذا التفسير يربط الإصلاح بانسجام النظام الجبائي، لكنه يحتاج، عند دراسة المواد، إلى ضبط الفئات والعتبات المعنية ومدى تناسب التدرج مع هدف تخفيف العبء على الأجراء.


وفي جانب تعبئة الموارد، ينقل المشروع توجهًا لرفع الضريبة إلى 40 في المائة على بعض شركات استيراد المحروقات وتوزيعها التي تبلغ أرباحها الصافية العتبة المحددة، وإقرار تسبيق ضريبي بنسبة 5 في المائة على بعض الواردات المعدة لإعادة البيع. وتختلف وظيفة الإجراءين: فالأول يتعلق بالضريبة على الأرباح، والثاني بتوقيت التحصيل والسيولة، مع إمكان الاستنزال والاسترداد وفق الشروط المنقولة. لذلك لا يصح وصف التسبيق كله بأنه ضريبة نهائية إضافية، كما ينبغي دراسة أثره في تمويل أنشطة المستوردين.


وتمثل هذه التدابير اختبارًا للعلاقة بين العدالة الجبائية والقدرة الشرائية. فزيادة مساهمة قطاعات تحقق أرباحًا مرتفعة لا تثبت وحدها أن المستهلك سيدفع أقل. والسؤال الذي ينبغي تتبعه هو قدرة المنافسة والرقابة على منع تحويل الأعباء أو استغلالها لتبرير زيادات في الأسعار. ذلك احتمال اقتصادي يحتاج إلى متابعة، وليس نتيجة محسومة منذ إعلان الضريبة.


ولا تكتمل قراءة العدالة الجبائية بدراسة الضرائب التي تُفرض أو تُخفض؛ إذ تشمل كذلك الموارد التي تتخلى الدولة عن تحصيلها عبر الإعفاءات. ومن التدابير المنشورة نظام إعفاءات ضريبية وجمركية لفائدة «فيفا» وبعض الهيئات والشركات والعمليات المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030، تمتد بعض مقتضياته إلى نهاية 2032، بحسب الجهة والعملية المعنية.


ويستدعي ذلك بيان نطاق هذه الامتيازات وكلفتها التقديرية وضوابط الاستفادة منها، وما يقابلها من التزامات وعوائد منتظرة. فالإعفاء اختيار في توزيع الموارد، ويؤثر في إمكان توجيهها إلى استعمالات أخرى. ومن ثم ينبغي تقييمه بحسب الاستثمار والتشغيل ونقل الخبرة والنشاط الاقتصادي الذي يرجح أن يولده، مع منع امتداده إلى عمليات لا تخدم الغرض الذي أُقر من أجله. والسؤال هو مدى وضوح المنفعة العامة وقابليتها للقياس، خصوصًا حين تتسع دائرة المستفيدين إلى متعاقدين وشركاء تجاريين.


وفي ملف التقاعد، أعلن الوزير رفع الحد الأدنى الحالي، الذي يقارب ألف درهم، إلى 1700 درهم ابتداء من فاتح يناير 2027، في مسار يستهدف بلوغ ثلاثة آلاف درهم شهريًا بنهاية الولاية الحكومية. وقدّر المستفيدين من الخطوة الأولى بنحو 500 ألف متقاعد ومتقاعدة، بينهم أكثر من 150 ألف أرملة.


أما رفع نسبة معاش الأرامل من 50 إلى 100 في المائة، فقد أعلن أن تنزيله سيبدأ في التاريخ نفسه لفائدة 431 ألف أرملة، وأن الكلفة الإجمالية لإجراءي رفع الحد الأدنى ومضاعفة نسبة معاش الأرامل تبلغ عشرة مليارات درهم. ولا ينبغي جمع أعداد المستفيدين من الإجراءين تلقائيًا، لأن بعضهم قد يستفيد منهما معًا، كما يحتاج توزيع الكلفة بينهما إلى بيان تفصيلي.


ويمثل تحسين المعاشات استجابة مباشرة لفئة يصعب عليها تعويض ضعف دخلها بمورد مهني جديد. غير أن الانتقال من الإعلان إلى تحديد الحق يقتضي معرفة الأنظمة المعنية، وشروط تطبيق الحد الأدنى، وكيفية احتساب حقوق الأيتام، وشمول النساء والرجال وفق مقتضيات المساواة. ولذلك تبقى مسألة نطاق الاستفادة من مضاعفة معاش الأرامل معلقة إلى حين الاطلاع على النص المنظم والتوضيحات المطلوبة، دون استباق الحكم بوجود تمييز أو استبعاد.


وفي الصحة، تشير المعطيات المنشورة إلى رفع الاعتمادات من 42.4 إلى 45.4 مليار درهم، أي بزيادة اسمية تقارب 7.1 في المائة. وفي التربية الوطنية وحدها، تنقل معطيات أخرى الانتقال من 102.2 إلى 106.9 مليارات درهم، أي نحو 4.6 في المائة. ويحتاج تقييم هاتين الزيادتين إلى تفصيل الأجور والأسعار والاستثمار والتشغيل، مع التمييز بين ميزانية التربية الوطنية والمجموع الأوسع الذي يضم التعليم العالي والتكوين.


إن تحسن وضعية العاملين ضرورة لنجاح المرفق العام، لكن الحكم على أثر التمويل يحتاج إلى مؤشرات تمس المستفيدين: مدة انتظار المواعيد، وتوفر الدواء والأطر، وتكاليف العلاج التي تتحملها الأسرة، والاكتظاظ والتحكم في القراءة والحساب والهدر المدرسي. ويمكن أن تتسع التغطية الصحية أو ترتفع ميزانية المدرسة، ويبقى أثرهما محدودًا في منطقة لا يتوفر فيها العرض البشري والتجهيزي الكافي.


ويمثل الاستثمار والتشغيل الحلقة التي تصل بين تمويل الدولة الاجتماعية وتوسيع مواردها مستقبلًا. فبحسب الأرقام المنشورة، تبلغ اعتمادات الاستثمار في الميزانية العامة نحو 138 مليار درهم، وهو رقم ينبغي تمييزه عن مجموع الاستثمار العمومي الذي يشمل مكونات ومؤسسات أخرى. ولا تكفي ضخامة الغلاف للحكم على مردوديته؛ إذ يحتاج التقييم إلى توزيع المشروعات بين القطاعات والمجالات، ونسب تنفيذها، وما تستدعيه لاحقًا من نفقات تشغيل وصيانة.


وتكتسب استثمارات الماء والطاقة والنقل أهميتها من إسهامها المحتمل في حماية الإنتاج وفك العزلة وخفض كلفة النشاط الاقتصادي. لكن أثرها الاجتماعي يتوقف على صلتها بالمقاولة المحلية وسوق العمل والخدمات الأساسية. فقد ينجح مشروع كبير في تحقيق وظيفته التقنية، بينما تبقى استفادة محيطه من الشغل والتأهيل محدودة. ولذلك ينبغي تتبع حصة المقاولات الصغيرة والمتوسطة من الصفقات، واحترام آجال أدائها، ونصيب المكونات المحلية من التوريد والإنجاز.


وفي التشغيل، يجب الفصل بين عدد المستفيدين من التكوين أو المواكبة، وعدد من يحصلون على تجربة مهنية، وعدد فرص العمل الصافية والمستقرة الناتجة عن ذلك. فالتكوين لا يصبح تشغيلًا بمجرد التسجيل فيه، والتوظيف الإجمالي لا يكشف وحده عدد الوظائف التي فُقدت في الفترة نفسها. ويحتاج أي برنامج موجه إلى الشباب إلى نشر نتائج الإدماج واستمراره، ومستوى الأجور والتصريح والتغطية الاجتماعية، مع بيان نصيب النساء والعالم القروي والمناطق الأقل جذبًا للاستثمار. بهذه المؤشرات نعرف إن كان التمويل يفتح مسارًا مهنيًا أم يضيف محطة مؤقتة إلى انتظار طويل.


وتبرز التنمية الترابية بوصفها أحد الاختبارات المباشرة لأطروحة المغرب بسرعتين. فقد تضمنت التوجهات المعلنة تخصيص 25 مليار درهم للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة. لكن قيمة هذا الغلاف تتوقف على قواعد توزيعه: هل تُمنح الأولوية للخصاص في الماء والصحة والتعليم والنقل وفرص العمل، أم للجهات الأقدر على إعداد الملفات وجذب التمويل؟ ويحتاج التقييم أيضًا إلى تحديد ما إذا كانت الاعتمادات إضافية، وكيف تتصل بميزانيات القطاعات والجهات، حتى لا نحسب الموارد نفسها مرتين.


ويبرز الدفاع الوطني ضمن الاختيارات المالية والاستراتيجية للمشروع، الذي يرفع سقف النفقات المأذون بالالتزام بها مقدمًا خلال سنة 2027، على اعتمادات سنة 2028، إلى 190.5 مليار درهم، مقابل نحو 157.17 مليار درهم في قانون مالية 2026. ويتعلق هذا السقف باقتناء وإصلاح معدات القوات المسلحة الملكية ودعم تطوير صناعة الدفاع. ولذلك ينبغي التمييز بين قدرة التعاقد التي يتيحها هذا الترخيص وبين اعتمادات الأداء السنوية، فلا نقارنه مباشرة بميزانيتي الصحة والتعليم باعتباره مبلغًا سيُصرف كاملًا في السنة نفسها.


ومع ذلك، تكشف زيادة سقف الالتزام عن توجه لتوسيع القدرات الدفاعية، وتستدعي إدراج الالتزامات الناتجة عنها ضمن تقييم حاجات التمويل المستقبلية. ويصبح السؤال كيف توفّق الدولة بين متطلبات حماية السيادة وتمويل الحقوق الاجتماعية، وما الذي يمكن أن يحققه تطوير الصناعة الدفاعية المحلية من نقل للتكنولوجيا وتشغيل وقيمة مضافة. فاكتمال قراءة الأولويات يقتضي دراسة الإنفاق الدفاعي والاجتماعي معًا، مع حفظ الفروق المحاسبية بينهما.


وفي جانب الموارد، تتوقع المعطيات المنشورة مداخيل عادية بنحو 482.4 مليار درهم، منها 437.4 مليارًا من الموارد الضريبية، أي ما يقارب 91 في المائة. وتشمل التقديرات نحو 137.5 مليار درهم من الضريبة على القيمة المضافة، و126 مليارًا من الضريبة على الشركات، و71.5 مليارًا من الضريبة على الدخل. وتكشف هذه البنية أهمية النشاط الاقتصادي والتحصيل الجبائي في تمويل الالتزامات، كما تستدعي دراسة توزيع العبء الفعلي بين الأرباح والدخول والاستهلاك.


فحصيلة الضريبة على القيمة المضافة لا تبين وحدها أي الفئات تتحمل العبء الأكبر قياسًا إلى دخلها؛ ويحتاج ذلك إلى تحليل سلال الاستهلاك والإعفاءات والمعدلات. كذلك ينبغي تفصيل الموارد غير الضريبية بحسب انتظامها وقابليتها للتكرار، حتى لا تُموَّل التزامات دائمة بموارد استثنائية يصعب تعويضها لاحقًا.


وفي جانب النفقات، تبلغ الميزانية العامة، بحسب الأرقام المنشورة، نحو 640.5 مليار درهم، منها 115.32 مليار لخدمة الدين، موزعة بين 45.94 مليار للفوائد والعمولات و69.38 مليار لسداد الأصل. ويجب حفظ هذا الفرق: خدمة الدين ليست فوائد كلها، وسداد الأصل يدخل في حاجات التمويل ولا يعامل محاسبيًا معاملة الفوائد عند احتساب العجز.


وتنقل الأرقام المنشورة توقع تعبئة 120 مليار درهم من الاقتراضات المتوسطة والطويلة الأجل، موزعة بالتساوي بين السوق الداخلية والخارجية. وهذا يفرض تقييم كلفة الاقتراض وآجاله ومخاطر الصرف وإعادة التمويل، إلى جانب علاقته بعجز الميزانية وسداد الديون المستحقة. فلا يُعامل كامل الاقتراض باعتباره إنفاقًا جديدًا، ولا تُختزل سلامة التمويل في القدرة على الحصول عليه خلال سنة واحدة.


كما لا يصح جمع كلفة إصلاح ضريبة الدخل وكلفة إجراءات التقاعد وبقية الأغلفة المعلنة، ثم اعتبار الناتج تلقائيًا مقدار إنفاق إضافي صافٍ. فبعض الأرقام يتعلق بنقص في الإيرادات، وبعضها بنفقات أو تحويلات، وقد تتداخل الاعتمادات أو تختلف الجهات التي تتحملها. المطلوب جدول يبين الكلفة الإضافية لكل إجراء، ومصدر تمويله، وأثره السنوي والمتراكم.


ويتوقف تقييم استدامة التمويل كذلك على مردودية استخدامه: هل يوسع القدرة على الإنتاج والتشغيل والتحصيل مستقبلًا، أم ينشئ التزامات يصعب تمويلها؟ وتقتضي الإجابة مقارنة الأرقام على نطاق محاسبي واحد، والتمييز بين نفقات الميزانية العامة والاستثمار العمومي بمختلف مكوناته، وبين رصيد جدول التوازن والعجز المعلن كنسبة من الناتج.


تسمح هذه القراءة بفرضية أولية: يتجه المشروع، وفق المعطيات المتاحة، إلى الجمع بين تخفيف بعض الأعباء الاجتماعية والجبائية وتعبئة موارد لتمويلها. وتمنح الأرقام المعلنة هذا التوجه مضمونًا قابلًا للمساءلة، لكنها لا تثبت بمجرد إعلانها أنه سيقلص الفجوة بين سرعة الاقتصاد المنظم وسرعة الارتقاء الاجتماعي والمجالي. إثبات ذلك يحتاج إلى آجال ومسؤوليات ومؤشرات نتائج منشورة.


ومن هنا ينبغي أن تبدأ المناقشة البرلمانية: من يستفيد وبأي مقدار؟ ما الذي ينفذ في 2027 وما الذي يؤجل؟ كيف تتوزع المنافع بين مستويات الدخل والمجالات؟ وما مصادر التمويل وآليات تصحيح التعثر؟ وحين نعود إلى المشروع بعد المناقشة، نقيس ما أضافته من أجوبة وتعديلات إلى هذه الأسئلة. فالاختبار الذي يهم المواطن هو مقدار ما يختصره الإنفاق من انتظار للعلاج، أو تعثر في التعلم، أو بطالة، أو مسافة تفصله عن حقه.


وستكون لنا عودة لتقييم معمق لمشروع الميزانية بعد الاطلاع على بنوده التفصيلية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق