السياسة الخارجية بين المصلحة العليا للدولة والبعد الأخلاقي
تمهيد: حين يختلف منطق الدولة عن منطق الجماعة
أعاد قرار المغرب وإسرائيل الارتقاء بعلاقاتهما الدبلوماسية من مستوى مكتبي الاتصال إلى مستوى السفارتين وتبادل السفراء، في أعقاب الاجتماع الثلاثي الذي جمع في نيويورك وزيري خارجية البلدين برعاية أمريكية، سؤال التطبيع بقوة إلى واجهة النقاش السياسي المغربي. ولم يكن ذلك مستغربًا بالنظر إلى الظرف الإقليمي الذي جاء فيه القرار، وإلى ما خلفته الحرب في غزة والسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين من رفض واسع داخل المجتمع المغربي.
وسرعان ما انتقل الاعتراض من الشارع ووسائل التواصل الاجتماعي إلى التنظيمات السياسية والدعوية. فقد أعلنت جماعة العدل والإحسان رفضها للخطوة، وجدد حزب العدالة والتنمية موقفه الرافض للتطبيع، كما اعتبر تحالف اليسار أن الانتقال إلى تبادل السفراء يمثل تصعيدًا في مسار يرفضه من أساسه. وبذلك عاد إلى الواجهة خلاف لم يبدأ مع القرار الأخير، لكنه اكتسب هذه المرة أهمية إضافية بسبب تزامنه مع الانتخابات التشريعية وما رافقها من تنافس سياسي حاد.../...
غير أن اختزال المسألة في الانتخابات قد يحجب سؤالًا أعمق سيظل قائمًا بعد انتهائها: هل تخضع السياسة الخارجية للدولة للمنطق نفسه الذي يحكم الموقف الأخلاقي للفرد، أو الموقف العقدي للجماعة، أو البرنامج الأيديولوجي للحزب؟
ذلك أن للفرد الحق في أن يقاطع دولة يرفض سياساتها، وللجمعية أن تحتج، وللحزب السياسي أن يعارض علاقة دبلوماسية وأن يقترح قطعها، كما أن من حق المجتمع أن يسائل الدولة أخلاقيًا عن علاقاتها الخارجية. لكن الدولة لا تتحرك بوصفها فردًا، ولا جمعية، ولا جماعة عقدية، ولا حتى حزبًا سياسيًا؛ فهي مسؤولة في الوقت نفسه عن أمن ملايين المواطنين، وسلامة التراب الوطني، والدفاع والاقتصاد والاستثمار والطاقة والأسواق والتحالفات وموازين القوة والمخاطر التي تحيط بالبلاد.
ولا يعني ذلك أن «المصلحة الوطنية» عبارة سحرية تبرر كل ما تفعله الدولة، أو تعفي سياستها الخارجية من المساءلة الأخلاقية والقانونية. فالدولة قد تخطئ في تقدير مصالحها مثلما قد يصيب معارضوها في نقدها. لكن الانتقال من إدانة أخلاقية مشروعة لسلوك دولة أجنبية إلى مطالبة الدولة المغربية بقطع علاقتها بها يغير طبيعة السؤال: لم نعد أمام موقف أخلاقي فحسب، وإنما أمام اقتراح لسياسة خارجية بديلة ينبغي بدورها أن تخضع لاختبار النتائج والكلفة والمصلحة والبدائل.
وتزداد أهمية هذا التمييز في الحالة المغربية لأن العلاقة مع إسرائيل لم تعد منذ سنوات مجرد اتصال دبلوماسي محدود. فقد أُنشئ إطار رسمي للتعاون الدفاعي منذ سنة 2021، واستمر التعاون العسكري بعد ذلك، وصولًا إلى وضع برنامج عمل عسكري مشترك لسنة 2026. كما أن الاتفاق الثلاثي الأخير لم يفصل تطوير العلاقات المغربية الإسرائيلية عن الولايات المتحدة، بل جاء برعايتها، وأعاد في الوقت نفسه تأكيد الاعتراف الأمريكي والإسرائيلي بالسيادة المغربية على الصحراء ودعمهما لمقترح الحكم الذاتي، إلى جانب الحديث عن الأمن والتكنولوجيا والاستثمار والطاقة والزراعة والمياه وغيرها من مجالات التعاون. ومن ثم فإن المطالبة بقطع هذه العلاقة ليست مجرد تغيير اسم بعثة دبلوماسية، وإنما قرار يمكن أن تترتب عليه آثار داخل شبكة أوسع من العلاقات والمصالح المغربية.
وفي الاتجاه المقابل، لا ينبغي أن تتحول هذه المصالح إلى ذريعة لإسكات السؤال الأخلاقي. فما يتعرض له الفلسطينيون يظل موضوعًا مشروعًا للاحتجاج والمساءلة، كما أن إقامة علاقات مع إسرائيل لا تمنح الحكومة الإسرائيلية حصانة من النقد، ولا تلزم المغرب بتأييد سياساتها.
لكن هذا يقود إلى إشكال كثيرًا ما يضيع وسط التعبئة السياسية والعاطفية: هل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي صراع بين المسلمين واليهود أصلًا؟
إن الخلط بين اليهودية والصهيونية وإسرائيل والحكومة الإسرائيلية يجعل الإجابة تبدو بديهية، مع أنها ليست كذلك. ومن هنا ينبغي، قبل مناقشة التطبيع نفسه، تحرير طبيعة القضية التي يُستند إليها في رفضه.
أولًا: القضية الفلسطينية — من الصراع الديني إلى القضية الإنسانية والسياسية
ما طبيعة القضية الفلسطينية أصلًا؟ وهل نحن أمام صراع ديني بين المسلمين واليهود، بحيث تصبح العلاقة مع إسرائيل امتدادًا لموقف عقدي، أم أمام نزاع سياسي ووطني وحقوقي له أبعاده التاريخية والقانونية والإنسانية؟
تكمن أهمية السؤال في أن جزءًا من الخطاب المتداول حول التطبيع لا يفصل دائمًا بين مستويات مختلفة: اليهودية، والصهيونية، وإسرائيل، والحكومة الإسرائيلية. وحين تندمج هذه المستويات في صورة واحدة يصبح اليهودي صهيونيًا بالضرورة، والصهيوني إسرائيليًا، والإسرائيلي مؤيدًا لحكومته، ثم تتحول معارضة سياسات إسرائيل إلى موقف من اليهود بوصفهم جماعة دينية.
غير أن هذه المطابقات لا تصمد أمام التدقيق.
فاليهودية دين، والصهيونية أيديولوجيا قومية سياسية نشأت في سياق تاريخي محدد واتخذت داخلها اتجاهات متعددة، وإسرائيل دولة لها مؤسساتها ومصالحها وعلاقاتها الدولية، أما الحكومة الإسرائيلية فهي سلطة سياسية مؤقتة تتغير بتغير الانتخابات والتحالفات. ولا يجوز منهجيًا تحميل أحد هذه المستويات ما يخص المستوى الآخر.
ولذلك لا يصبح اليهودي صهيونيًا بمجرد انتمائه الديني، ولا يصبح الإسرائيلي مؤيدًا لجميع سياسات حكومته بمجرد حمله جنسيتها. والواقع نفسه يقدم أمثلة واضحة على ذلك؛ إذ توجد داخل إسرائيل وبين اليهود في العالم حركات وأفراد يعارضون الاحتلال والاستيطان والحرب ويدافعون عن حقوق الفلسطينيين. فمن داخل إسرائيل تبرز حركة «نقف معًا»، التي تعرف نفسها بوصفها حركة شعبية يهودية عربية تدافع عن السلام والمساواة وعن مستقبل يضمن الحرية والاستقلال للإسرائيليين والفلسطينيين. وخارج إسرائيل تنشط في بريطانيا حركات يهودية تتخذ مواقف صريحة ضد الاحتلال وتشارك في التضامن مع الفلسطينيين؛ من بينها حركة «نعامود» (Na’amod)، التي تسعى إلى إنهاء دعم الأوساط اليهودية البريطانية للاحتلال والدفاع عن الحرية والكرامة والمساواة للفلسطينيين والإسرائيليين، وشبكة «يهود من أجل العدالة للفلسطينيين»(Jews for Justice for Palestinians)، التي تضم يهودًا بريطانيين ومقيمين في بريطانيا وتدافع عن حق الفلسطينيين في تقرير المصير، بالتوازي مع حق الإسرائيليين في العيش في سلام وأمن.
وهذه الأمثلة لا تعني أن هذه الحركات تمثل اليهود جميعًا، وإنما تثبت ما هو أهم بالنسبة إلى موضوعنا: أن الهوية اليهودية لا تحدد بذاتها موقفًا سياسيًا واحدًا من إسرائيل أو من القضية الفلسطينية، وأن اليهودي والصهيوني والإسرائيلي والمؤيد للحكومة الإسرائيلية ليست أوصافًا مترادفة.
والتمييز نفسه ليس غريبًا عن القرآن. فعلى الرغم من نقده مواقف وأفعالًا صدرت عن جماعات من أهل الكتاب، فإنه يرفض معاملتهم بوصفهم كتلة أخلاقية واحدة، ويقرر بعبارة شديدة الوضوح: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾. وهي قاعدة تمنع نقل الحكم من الفعل إلى الهوية، ومن الفرد أو الجماعة التي ارتكبت فعلًا إلى جميع المنتمين إلى الدين نفسه.
وهذا التمييز مهم خصوصًا حين تتحول القضية الفلسطينية إلى قضية دينية. فالفلسطيني لا يحتاج إلى أن يكون مسلمًا حتى يكون له حق في الحياة والأمن والكرامة والأرض وتقرير المصير، كما أن من يدافع عنه لا يحتاج إلى أن يكون مسلمًا حتى يعترف بهذه الحقوق. بل إن التركيبة السكانية الفلسطينية نفسها تنقض اختزال الهوية الفلسطينية في الانتماء الإسلامي؛ فالفلسطينيون مسلمون ومسيحيون، والمسيحيون الفلسطينيون جزء أصيل من الشعب الفلسطيني وتاريخه ونضاله الوطني، وإن أصبحوا اليوم أقلية عددية نتيجة تحولات ديموغرافية وهجرات متراكمة.
كما أن فلسطين لا تختزل في قطاع غزة. فالمجتمع الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية يتوزع أساسًا بين الضفة الغربية وقطاع غزة، فضلًا عن الفلسطينيين داخل إسرائيل والشتات. وتشير تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن نحو 3.43 ملايين فلسطيني كانوا يعيشون في الضفة الغربية في نهاية سنة 2025، مقابل نحو 2.13 مليون في قطاع غزة. ومن ثم فإن تحويل غزة إلى مرادف لفلسطين لا يختزل المجال الجغرافي فحسب، وإنما يحجب أيضًا جانبًا كبيرًا من التعدد السياسي والاجتماعي والديني الفلسطيني.
وقد أسهمت الحرب التي اندلعت بعد السابع من أكتوبر 2023، وما احتلته غزة من مركزية استثنائية في الإعلام والتعبئة الشعبية، في تعزيز هذا الاختزال. ويظهر في بعض الخطابات الإسلاموية ميل إلى النظر إلى القضية الفلسطينية من خلال غزة أساسًا، ثم إلى النظر إلى غزة من خلال حركة حماس، بما يجعل القضية تبدو أحيانًا كما لو كانت مواجهة بين حركة إسلامية ودولة يهودية. غير أن القضية الفلسطينية أوسع من حماس، وغزة أوسع من حماس، وفلسطين أوسع من غزة، مثلما أن إسرائيل ليست مرادفًا لليهود في العالم.
ولهذا فإن إعادة القضية إلى طبيعتها الوطنية والإنسانية لا تنتقص من حقوق الفلسطينيين، بل توسع أساس الدفاع عنها. فالفلسطيني المسلم والمسيحي، والمتدين وغير المتدين، والفلسطيني في غزة أو الضفة أو الشتات، لا يستمد حقه في الوطن والأمن والكرامة من عقيدته، وإنما من كونه إنسانًا ومن انتمائه إلى شعب له حقوق سياسية ووطنية. وبالمعنى نفسه، فإن المدافعين عن هذه الحقوق لا ينتمون إلى دين واحد؛ فمن بينهم مسلمون ومسيحيون ويهود وغير مؤمنين، تجمعهم مواقف أخلاقية أو سياسية أو قانونية مختلفة، لا عقيدة دينية واحدة.
بل إن القانون الدولي يقدم أساسًا مستقلًا عن الانتماء الديني لهذه الحقوق. ففي رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليوز 2024، أكدت محكمة العدل الدولية حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، واعتبرت أن سياسات الاستيطان والضم والممارسات المرتبطة بها في الأراضي الفلسطينية المحتلة تعوق ممارسة هذا الحق، وأن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة على النحو الذي تناولته المحكمة غير قانوني.
وهذا مهم لأنه ينقل القضية من سؤال: من هو المسلم ومن هو اليهودي؟ إلى سؤال مختلف تمامًا: ما الحقوق؟ وما الالتزامات؟ ومن ينتهكها؟
وعند هذا المستوى يمكن إدانة الاستيطان أو التهجير أو الاعتداء على المدنيين من دون إدانة اليهودية، مثلما يمكن نقد الحكومة الإسرائيلية من دون تحميل كل إسرائيلي مسؤولية قراراتها. ويمكن، في المقابل، إدانة أي اعتداء يستهدف مدنيين إسرائيليين من دون أن يعني ذلك تأييد الاحتلال أو الاستيطان. فالمعيار هنا هو الفعل والمسؤولية عنه، لا الهوية الدينية أو القومية لمن ارتكبه أو وقع عليه.
ولعل هذا هو أحد الأخطار التي يحملها تحويل القضية الفلسطينية إلى صراع ديني: فهو لا يوسع دائرة الخصومة فقط، وإنما يجعل حل النزاع أكثر صعوبة. فالنزاع السياسي يمكن التفاوض بشأن الحدود والسيادة والأمن والحقوق التي يتنازع عليها أطرافه، أما إذا تحول إلى مواجهة بين «المسلمين» و«اليهود»، فإن موضوع النزاع يتغير من حقوق ومصالح قابلة للتسوية إلى هويات دينية لا يمكن مطالبة أحد الطرفين بالتخلي عنها.
ويزداد هذا الخطر حين يُربط النزاع المعاصر بتصورات دينية عن «معركة آخر الزمان»، استنادًا، من بين ما يُستند إليه، إلى الرواية الحديثية المشهورة: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود»، وما يتبعها من حديث الحجر والشجر. وهي رواية واردة في كتب الحديث التي يعتمدها جمهور المحدثين، ومنها صحيحا البخاري ومسلم، بصيغ متقاربة. ولسنا هنا بصدد دراسة سندها أو متنها أو اختبارها في ضوء القرآن، فذلك بحث آخر، وإنما يعنينا أثر نقلها من مجال التصورات الأخروية إلى مجال السياسة المعاصرة، وتحويلها من خبر عن حدث مفترض في آخر الزمان إلى عدسة يُقرأ من خلالها كل صراع بين الفلسطينيين وإسرائيل وكل علاقة بين المسلمين واليهود.
فإذا أصبحت المواجهة الحالية حلقة في حرب دينية مقدرة سلفًا بين «المسلمين» و«اليهود»، لم يعد اليهودي فردًا يمكن أن يؤيد الفلسطينيين أو يعارضهم، ولم يعد الإسرائيلي مواطنًا يمكن أن يرفض سياسة حكومته، ولم يعد الفلسطيني صاحب قضية وطنية يمكن أن يكون مسلمًا أو مسيحيًا أو علمانيًا، بل يعاد توزيع الجميع على معسكرين دينيين مغلقين. وعندئذ لا يعود المطلوب البحث عن تسوية سياسية تحقق للفلسطينيين حقوقهم وللإسرائيليين أمنهم، وإنما انتظار حسم ديني نهائي يفترض زوال أحد الطرفين أو هزيمته.
وهذا التصور لا ينفصل عن رؤية أوسع عرفها الفكر الفقهي والسياسي الإسلامي في مراحل مختلفة، تقوم على تقسيم العالم إلى مجال إسلامي ومجال غير إسلامي، ووجدت تعبيرًا فقهيًا قديمًا في ثنائية «دار الإسلام» و«دار الحرب»، وإن لم تكن هذه الثنائية من وضع ابن تيمية ولم تكن الصيغة الوحيدة التي عرفها الفقه الإسلامي في تنظيم العلاقة مع الآخر. غير أن بعض فتاوى ابن تيمية في الجهاد، التي صدرت أصلًا في سياق الصراع مع التتار وغزوهم بلاد المسلمين، أعيد توظيفها في العصر الحديث خارج سياقها التاريخي، واستند إليها منظرو العنف الجهادي، ومن بينهم تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن.
وتكمن المشكلة في الانتقال من التقسيم الفقهي التاريخي إلى الرؤية الأيديولوجية المعاصرة في أنه يستطيع إعادة بناء العالم كله على أساس ثنائية مغلقة: «نحن» و «هم»، المسلمون وغير المسلمين، دار الإسلام ودار الحرب. وحين تسقط هذه الثنائية على فلسطين، يصبح اليهودي جزءًا من المعسكر المقابل بحكم هويته قبل النظر إلى موقفه أو فعله، ويصبح الصراع مع إسرائيل جزءًا من مواجهة دينية أشمل، لا نزاعًا سياسيًا يمكن البحث له عن حل.
وهذا بالضبط ما تكشف خطورته الأمثلة التي سبقت الإشارة إليها: فكيف نضع اليهودي البريطاني الذي يتظاهر من أجل حقوق الفلسطينيين في «معسكر اليهود» المناقض للمسلمين؟ وكيف نصنف الفلسطيني المسيحي؟ وكيف نفهم اليهودي الإسرائيلي الذي يعارض الاحتلال، أو المسلم الذي يعتدي على مدني فلسطيني أو إسرائيلي؟ إن الواقع نفسه يكسر الثنائية بمجرد أن يصبح معيار الحكم هو الموقف والفعل لا الهوية.
ومن هنا فإن إعادة القضية الفلسطينية إلى مجال السياسة والقانون والأخلاق لا تعني نزع قيمتها الدينية عمن ينطلق في التضامن معها من إيمانه، وإنما تعني رفض تحويل الانتماء الديني إلى معيار لتحديد الصديق والعدو. فالدولة الحديثة لا تستطيع بناء علاقاتها الخارجية على تقسيم سكان العالم إلى مؤمنين وغير مؤمنين، وإنما تتعامل مع دول وشعوب ومصالح واتفاقيات وقواعد قانونية وموازين قوة، بصرف النظر عن عقائد مواطني تلك الدول.
وهنا تكمن خطورة إسقاط تصورات آخر الزمان على إدارة نزاع سياسي قائم: فهي تحول الممكن السياسي إلى قدر عقدي، والمنافس أو الخصم السياسي إلى عدو ديني دائم، وتجعل التسوية نفسها قابلة لأن تُفهم بوصفها تنازلًا عن العقيدة بدل أن تكون أداة لإنهاء الظلم وتحقيق الحقوق والأمن. وبذلك يصبح السلام أصعب، لا لأن الحدود أو الترتيبات الأمنية يستحيل التفاوض بشأنها، وإنما لأن الصراع أعيد تعريفه بحيث لم يعد يدور حول ما يفعله الإنسان، بل حول ما يكونه.
ولا يعني إخراج القضية من إطار الحرب الدينية إفراغها من بعدها الأخلاقي. بل العكس هو الصحيح. فعندما يصبح قتل المدني أو تهجيره أو حرمانه من حقوقه أمرًا مرفوضًا لأنه إنسان، لا لأننا نشترك معه في الدين، ينتقل الموقف الأخلاقي من التضامن الهوياتي إلى مبدأ قابل للتعميم: ما نرفضه حين يقع على الفلسطيني ينبغي أن نرفضه حين يقع على غيره، وما نطالب به للفلسطيني من كرامة وأمن وحقوق ينبغي أن نقبله مبدأ لغيره أيضًا.
وهنا يظهر الفرق بين التضامن مع الفلسطينيين والعداء لليهود. الأول موقف يمكن تأسيسه أخلاقيًا وقانونيًا وسياسيًا؛ أما الثاني فيحول مسؤولية محددة عن أفعال وسياسات محددة إلى إدانة جماعية لأناس لمجرد انتمائهم الديني.
ومن هنا يصبح من الضروري ضبط المصطلحات قبل الانتقال إلى قضية التطبيع. فالمغرب لا يقيم علاقات دبلوماسية مع «اليهودية»، وإنما مع دولة إسرائيل. وعندما ينتقد الاستيطان أو يدافع عن الدولة الفلسطينية، فهو لا يدخل بالضرورة في خصومة مع اليهود، وإنما يتخذ موقفًا من سياسات وممارسات محددة. والعلاقة بين الدول لا تعني التطابق بينها في العقائد أو القيم أو السياسات، مثلما أن الخلاف معها في قضية معينة لا يستوجب بالضرورة قطع كل علاقة بها.
وعند هذه النقطة تتغير طبيعة سؤال التطبيع نفسه. فإذا لم تكن العلاقة المغربية الإسرائيلية علاقة بين الإسلام واليهودية، ولم تكن القضية الفلسطينية حربًا دينية بين المسلمين واليهود، فإن الحكم على هذه العلاقة لا يمكن أن يستند إلى الموقف العقدي من الآخر.
هنا يصبح السؤال سياسيًا واستراتيجيًا وأخلاقيًا في آن واحد: ماذا تحقق هذه العلاقة للمغرب؟ وما كلفتها؟ وهل تقيده في موقفه من الحقوق الفلسطينية؟ وهل يستطيع استخدامها لخدمة مصالحه من دون أن يتحول ذلك إلى قبول بالانتهاكات التي يعترض عليها؟ ثم ماذا ستكون كلفة قطعها، وما البديل عنها، وما الذي سيستفيده الفلسطينيون أنفسهم من ذلك؟
وهنا نصل إلى التمييز الذي يقوم عليه هذا المقال كله: الدفاع الأخلاقي عن الفلسطيني لا يستلزم العداء الديني لليهود، ولا العداء السياسي الدائم لإسرائيل؛ كما أن العلاقة السياسية مع إسرائيل لا تستلزم الموافقة الأخلاقية على أفعال حكومتها.
وإذا كان الفرد أو الجماعة يستطيعان بناء موقفهما انطلاقًا من أحد هذه الأبعاد، فإن الدولة مطالبة بالتعامل معها مجتمعة. فهي لا تدير عقيدة، وإنما تدير مصالح وحقوقًا والتزامات ومخاطر وعلاقات متشابكة.
ومن هنا ننتقل إلى السؤال الأصعب: هل يمكن للدولة أن تتصرف في علاقاتها الخارجية بالمنطق نفسه الذي يتصرف به الفرد أو الحزب أو الجماعة؟
ثانيًا: منطق الفرد والجماعة ومنطق الدولة
إذا كانت القضية الفلسطينية لا تضع المسلمين في مواجهة دينية حتمية مع اليهود، فإن السؤال ينتقل من مجال العقيدة إلى مجال السياسة: بأي منطق ينبغي للدولة أن تحدد علاقاتها الخارجية؟ وهل يجوز أن نطالبها بأن تتصرف بالطريقة نفسها التي يتصرف بها الفرد أو الجماعة الدينية أو الحزب السياسي؟
المشكلة هنا ليست في مشروعية الموقف الأخلاقي. فمن حق المواطن المغربي أن يرى في السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين سببًا كافيًا لمقاطعة المنتجات الإسرائيلية، أو رفض السفر إلى إسرائيل، أو المشاركة في مظاهرة سلمية تطالب بقطع العلاقات معها. ومن حق جمعية مدنية أن تجعل التضامن مع فلسطين جزءًا من نشاطها، كما يحق لجماعة دينية أن تنظر إلى القضية من خلال مرجعيتها العقدية، ولحزب سياسي أن يضع إنهاء العلاقات مع إسرائيل ضمن برنامجه الانتخابي ويسعى إلى إقناع المواطنين به.
لكن ما يكون مشروعًا للفرد أو الجماعة لا يتحول، بمجرد مشروعيته الأخلاقية، إلى سياسة دولة ناجحة.
والسبب ليس أن الدولة ينبغي أن تكون بلا أخلاق، وإنما أن طبيعة مسؤوليتها مختلفة. فالفرد يتحمل، في المقام الأول، نتائج قراره على نفسه، والجماعة تدافع عن القيم والمصالح التي قامت من أجلها، والحزب يمثل تصورًا سياسيًا يسعى إلى عرضه على المجتمع؛ أما الدولة فمسؤولة عن مجتمع كامل باختلاف مشاربه وأفكاره وتوجهاته، لا يتفق أفراده بالضرورة في الدين أو الأيديولوجيا أو تقدير المصالح، ومن بينهم اليهود المغاربة. وهي مطالبة بحماية أمنهم وحدودهم واقتصادهم ومواردهم ومصالحهم الخارجية، وبالتعامل في الوقت نفسه مع دول قد تختلف معها جذريًا في القيم والسياسات.
وهذا الاختلاف في المسؤولية ينتج اختلافًا في معيار القرار.
فحين يقرر فرد مقاطعة دولة بسبب سلوك يراه غير أخلاقي، يستطيع أن يجعل موقفه الأخلاقي المعيار الحاسم في قراره. أما الدولة، فعندما تقرر قطع علاقة دبلوماسية أو أمنية أو اقتصادية، فإن قرارها لا يقف عند حدود التعبير عن موقف أخلاقي؛ بل يمكن أن يؤثر في التجارة والاستثمار والدفاع والأمن والاستخبارات والطاقة والتحالفات الدولية وموازين القوى وقدرتها على حماية مصالح مواطنيها.
ولهذا لا يكفي في السياسة الخارجية أن نسأل: هل سلوك الدولة الأخرى أخلاقي؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ما وظيفة العلاقة معها؟ وما الذي تحققه؟ وما كلفتها؟ وما البديل عنها؟ وما كلفة هذا البديل؟
فالسياسة الدولية لا تقوم أصلًا على إقامة العلاقات بين الدول المتطابقة أخلاقيًا أو أيديولوجيًا. ولو جعلت الدول الاتفاق الكامل في القيم شرطًا للعلاقات الدبلوماسية لما بقيت شبكة العلاقات الدولية بالشكل الذي نعرفه اليوم. فالدول تتعاون أحيانًا مع دول تختلف معها، وتتفاوض مع خصومها، وتشتري ممن تنتقده، وتحتاج إلى من ينافسها، وقد تجمعها بالدولة نفسها علاقات تعاون في مجال وخلاف حاد في مجال آخر.
ومن هنا يظهر الفارق بين العلاقة والموافقة. فوجود علاقة دبلوماسية مع دولة لا يعني المصادقة على جميع أفعالها، كما أن الخلاف معها لا يستوجب بالضرورة قطع العلاقة. بل قد تكون العلاقة نفسها أداة لإدارة الخلاف أو ممارسة التأثير أو حماية المصالح أو تجنب تحول التنافس إلى مواجهة.
لكن هذا يقود إلى الطرف المقابل من المسألة. فإذا كان من الخطأ مطالبة الدولة بأن تتصرف كما يتصرف الفرد الغاضب أخلاقيًا، فمن الخطأ أيضًا أن تستخدم الدولة عبارة «المصلحة الوطنية» لإغلاق النقاش كلما وُجه النقد إلى سياستها الخارجية.
فالمصلحة الوطنية ليست حقيقة جاهزة تعرفها الدولة ويجهلها المجتمع، وليست كل علاقة تقيمها الدولة مفيدة لمجرد أنها اختارت إقامتها. قد تخطئ الحكومات في تقدير التهديدات، وقد تبالغ في تقدير قيمة حليف، وقد تدخل في علاقة تصبح كلفتها أكبر من منفعتها، كما قد ترفض علاقة كان يمكن أن تحقق لها مكاسب مهمة.
ولذلك فإن الاختلاف الحقيقي بين منطق الدولة ومنطق الجماعة لا يعني أن الدولة على صواب والجماعة على خطأ، وإنما يعني أن عبء البرهنة مختلف.
فعندما تقول الدولة إن علاقتها بدولة أخرى تخدم المصلحة الوطنية، ينبغي أن يكون بالإمكان اختبار هذه الدعوى: ما الوظائف التي تؤديها العلاقة؟ وما المكاسب التي ترتبت عليها؟ وما المخاطر التي أنتجتها؟ وهل توجد بدائل أقل كلفة تحقق الوظائف نفسها؟
وبالمقابل، عندما يطالب حزب سياسي، كحزب العدالة والتنمية، يطمح إلى العودة لإدارة الدولة بقطع علاقة استراتيجية استؤنفت رسميًا مع إسرائيل وهو يقود الحكومة، فإنه ينتقل من مجال التعبير عن موقف أخلاقي إلى مجال اقتراح سياسة عامة بديلة. وتكتسب هذه الحالة دلالة خاصة لأن رئيس الحكومة والأمين العام للحزب آنذاك، سعد الدين العثماني، كان هو من وقع، في 22 دجنبر 2020، باسم المملكة المغربية، الإعلان المشترك مع الولايات المتحدة وإسرائيل الذي نص على استئناف الاتصالات الرسمية وإعادة فتح مكتبي الاتصال وتطوير التعاون بين البلدين، بعد أشهر قليلة من إعلانه، بصفته الحزبية، رفض التطبيع.
ولا تكمن أهمية هذه الواقعة في استخدامها لإدانة الحزب أو اتهامه بالتناقض، بل في أنها تكشف عمليًا المسافة التي قد تفصل بين منطق الحزب ومنطق الدولة. فما كان الحزب يرفضه انطلاقًا من مرجعيته وموقفه السياسي وجد نفسه، عندما كان مسؤولًا عن قيادة الحكومة، مشاركًا في تنزيله بوصفه قرارًا للدولة ارتبط آنذاك باعتبارات ومصالح وطنية أوسع.
ولذلك، عندما يعود الحزب نفسه اليوم إلى المطالبة بقطع هذه العلاقة، يصبح من المشروع أن يُطلب منه، بوصفه حزبًا يسعى إلى إدارة الحكومة لا مجرد حركة احتجاجية، أن يقدم السياسة البديلة التي يقترحها: ماذا ستكسب الدولة المغربية من القطع؟ وماذا ستخسر؟ وما البدائل المتاحة لتعويض الوظائف التي أصبحت تؤديها العلاقة؟ وكيف ستتأثر المصالح الدفاعية والدبلوماسية والاستراتيجية المرتبطة بها؟ ثم ما الأثر الفعلي الذي سيحدثه قطع العلاقات المغربية الإسرائيلية في وضع الفلسطينيين أنفسهم؟
فالمطلوب هنا ليس مطالبة الحزب بالتخلي عن موقفه الأخلاقي، وإنما مطالبته بإكماله بسياسة دولة. لأن الحزب الذي يطلب من المواطنين منحه مسؤولية الحكم لا يكفيه أن يحدد ما يرفضه؛ بل ينبغي أن يبين أيضًا ماذا سيفعل بدلًا منه، وما النتائج التي يتوقعها، وكيف سيدير كلفتها.
وهنا تظهر مشكلة المزايدة الأخلاقية في السياسة الخارجية. فرفع سقف الإدانة لا يثبت بذاته جودة السياسة المقترحة، مثلما أن الحديث عن المصلحة الوطنية لا يثبت بذاته جودة سياسة الدولة. المعيار في الحالتين هو القدرة على الانتقال من الشعار إلى النتيجة، ومن النية إلى الأثر.
وهذه النقطة تصبح أكثر وضوحًا عندما يتعلق الأمر بحزب سياسي. فالجماعة الدعوية تستطيع أن تقول إن مرجعيتها الدينية ترفض العلاقة مع إسرائيل وأن تدعو أتباعها إلى الاحتجاج عليها. لكن الحزب الذي يطلب أصوات المواطنين لكي يتولى إدارة الحكومة، سواء أكان إسلامويًا أم يساريًا، لا يستطيع الاكتفاء بالموقف نفسه؛ لأنه إذا وصل إلى السلطة أو شارك فيها، سيصبح مسؤولًا ليس عن التعبير عن موقف جماعته، وإنما عن إدارة الدولة بكل تعقيداتها والتزاماتها وعلاقاتها.
وهنا ينتقل السؤال من: ماذا نعتقد؟ إلى: ماذا سنفعل؟ وماذا سيحدث إذا فعلناه؟
ومن هذه الزاوية يصبح التمييز بين أخلاق الموقف وأخلاق المسؤولية مفيدًا، بشرط ألا يتحول هو الآخر إلى ذريعة لإعفاء الدولة من الأخلاق. فأخلاق الموقف تسأل الإنسان عن المبادئ التي يرفض التخلي عنها، بينما تضيف مسؤولية الحكم سؤالًا آخر: ما النتائج التي ستترتب على القرار الذي سأتخذه باسم هذه المبادئ؟
والدولة مسؤولة عن الاثنين معًا.
فلا يكفي أن تقول: «هذه مصلحتي» إذا كانت المصلحة تؤدي إلى تجاهل حقوق الآخرين بلا حدود، ولا يكفي أن تقول: «هذا موقفي الأخلاقي» إذا كان تطبيقه على مستوى الدولة قد يعرض مصالح مواطنيها وأمنهم للخطر من دون بديل محسوب. السياسة الخارجية الرشيدة تبدأ حين توضع القيمة والنتيجة معًا داخل عملية التقدير.
ومن هنا يمكن صياغة قاعدة لاختبار الجدل المغربي حول التطبيع: من حق المجتمع أن يسائل الدولة أخلاقيًا، ومن حق الأحزاب أن تعارض خياراتها الخارجية سياسيًا؛ لكن الانتقال من إدانة سلوك دولة أجنبية إلى إلزام الدولة المغربية بقطع علاقة استراتيجية معها يحتاج إلى أكثر من الموقف الأخلاقي: يحتاج إلى إثبات أن البديل المقترح أكثر خدمة لمصالح المغرب وأمنه ووحدته الترابية، أو على الأقل أن كلفة استمرار العلاقة أصبحت أكبر من قيمتها.
وهذه القاعدة لا تمنح العلاقة مع إسرائيل حكمًا مسبقًا بالبقاء، بل تضعها هي الأخرى تحت الاختبار.
فإذا كانت الدولة المغربية ترى في هذه العلاقة قيمة استراتيجية، فعلينا أن نسأل: أين توجد هذه القيمة تحديدًا؟ هل هي في التعاون العسكري والأمني؟ أم في التكنولوجيا والاستثمار؟ أم في علاقتها بالشراكة مع الولايات المتحدة؟ أم في الدعم المتعلق بقضية الصحراء؟ أم في مجموع هذه العناصر داخل شبكة واحدة؟ وهل تحققت منها نتائج قابلة للقياس، أم أن بعضها لا يزال مجرد توقعات سياسية؟
وبالمقابل، ما كلفة العلاقة؟ ماذا تفعل بصورة المغرب وموقفه من فلسطين؟ وما أثرها في الرأي العام الداخلي؟ وهل يمكن أن تتحول العلاقة من مصدر للقيمة إلى مصدر للكلفة إذا تجاوزت مستوى معينًا أو ارتبطت بسياسات إسرائيلية يرفضها المجتمع المغربي؟
عندئذ فقط نكون قد انتقلنا من السؤال الأيديولوجي: هل نحن مع التطبيع أم ضده؟ إلى السؤال الاستراتيجي الأكثر دقة: ما الوظيفة التي تؤديها العلاقة المغربية الإسرائيلية داخل شبكة المصالح المغربية، وما قيمتها وكلفتها وبدائلها؟
وهذا هو السؤال الذي ينبغي اختباره في الحالة المغربية نفسها.
ثالثًا: المغرب وإسرائيل — ماذا تريد الدولة من العلاقة؟
إذا كان الموقف من العلاقة مع إسرائيل ينبغي ألا يُحسم بمجرد الانتماء الديني أو الموقف الأخلاقي من سياسات حكومتها، فإن ذلك لا يعني الانتقال إلى الطرف المقابل والافتراض أن كل ما تفعله الدولة المغربية باسم «المصلحة الوطنية» صحيح بالضرورة. بل ينبغي إخضاع العلاقة نفسها للاختبار الذي وضعناه سابقًا: ما الحاجة التي دفعت إليها؟ وما الوظائف التي أصبحت تؤديها؟ وما القيمة التي أنتجتها؟ وما كلفتها؟ وهل توجد بدائل تستطيع تحقيق النتائج نفسها بكلفة أقل؟
وهنا ينبغي أولًا تصحيح صورة شائعة تختزل استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية سنة 2020 في «التطبيع» بمعناه الدبلوماسي. فما حدث لم يكن مجرد إعادة فتح قنوات الاتصال بين دولتين، بل جاء داخل ترتيب ثلاثي جمع المغرب وإسرائيل والولايات المتحدة، وأدخل العلاقة منذ البداية في شبكة أوسع من المصالح المغربية.
ولعل قضية الصحراء كانت أوضح عناصر هذه الشبكة. ففي دجنبر 2020 أعلنت الولايات المتحدة اعترافها بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية بالتزامن مع استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية. ثم أضافت إسرائيل، في يوليوز 2023، اعترافها الرسمي بما وصفته بالسيادة المغربية على الإقليم، وأبلغ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الملك محمد السادس بأن هذا الموقف سينعكس في الوثائق والأعمال الرسمية للحكومة الإسرائيلية وسيُنقل إلى الأمم المتحدة والمنظمات والدول التي تقيم إسرائيل علاقات معها. ومع ضرورة التذكير بأن الوضع القانوني الدولي للصحراء الغربية يظل محل نزاع وأن الأمم المتحدة ما زالت تتعامل معها في إطار عملية سياسية لم تُحسم نهائيًا، فإن الاعتراف الإسرائيلي مثّل، من منظور السياسة الخارجية المغربية، مكسبًا دبلوماسيًا في القضية التي تضعها الرباط في صدارة أولوياتها الوطنية.
وتظهر هنا الطبيعة العلائقية للقيمة الاستراتيجية. فإسرائيل ليست مهمة للمغرب فقط بما تستطيع أن تقدمه مباشرة، وإنما أيضًا بموقعها داخل شبكة علاقات أخرى، وفي مقدمتها علاقتها بالولايات المتحدة. ولذلك يصعب تحليل العلاقة المغربية الإسرائيلية بمعزل عن الضلع الأمريكي الذي كان حاضرًا عند استئناف العلاقات سنة 2020، وعاد ليكون حاضرًا في الارتقاء بها سنة 2026 إلى مستوى السفارات والسفراء.
لكن الصحراء ليست الوظيفة الوحيدة التي تطورت من خلالها العلاقة.
فبعد أقل من عام على استئناف العلاقات، وقع المغرب وإسرائيل في الرباط، في نونبر 2021، مذكرة تفاهم دفاعية أنشأت إطارًا رسميًا للتعاون العسكري بين البلدين. ولم تكن المذكرة عقدًا لشراء سلاح بعينه، وإنما إطارًا قانونيًا وتنظيميًا يتيح التعاون في مجالات الاستخبارات والصناعات الدفاعية والتدريب والمشتريات والمشاريع المشتركة. وبذلك انتقلت العلاقة من الدبلوماسية إلى بناء تعاون مؤسسي في أحد أكثر المجالات حساسية بالنسبة إلى الدولة: الدفاع والأمن.
وتكتسب هذه الوظيفة أهمية أكبر حين توضع داخل البيئة الإقليمية التي يتحرك فيها المغرب. فالرباط لا تبني قدراتها العسكرية في فراغ، وإنما في محيط يتسم بتوتر مزمن مع الجزائر، وحدود برية مغلقة منذ عقود، وقطيعة دبلوماسية أعلنتها الجزائر سنة 2021، ونزاع الصحراء الذي عاد إلى التوتر العسكري منذ انهيار وقف إطلاق النار بين المغرب وجبهة البوليساريو في أواخر 2020. ومن ثم فإن الأمن والدفاع لا يمثلان بالنسبة إلى الدولة المغربية مسألة نظرية، بل يدخلان في صميم تقديرها للمخاطر الإقليمية.
ولا يعني ذلك أن إسرائيل أصبحت الضامن لأمن المغرب، أو أن المغرب لم يكن قادرًا على تطوير قدراته الدفاعية من خلال شركائه التقليديين. فالولايات المتحدة وفرنسا وغيرهما ظلوا شركاء مهمين للمملكة، كما أن تنويع مصادر التسليح نفسه يمكن أن يكون جزءًا من استراتيجية تقليل الارتهان لمصدر واحد. لكن دخول التكنولوجيا والصناعات الدفاعية الإسرائيلية إلى هذه الشبكة أضاف مصدرًا جديدًا للقدرات والخبرة والتجهيزات، وهو ما يجعل قرار الاستغناء عنه قرارًا يحتاج بدوره إلى حساب ما يمكن تعويضه، ومن أي مصدر، وبأي كلفة.
وقد تجاوز التعاون مجرد الإطار القانوني. فخلال السنوات اللاحقة ظهرت صفقات ومشروعات مرتبطة بأنظمة دفاع ومراقبة وتقنيات عسكرية إسرائيلية. ومن أبرز الأمثلة ما أُعلن سنة 2024 عن عقد بقيمة تقارب مليار دولار لتزويد المغرب بقمر استطلاع من إنتاج الصناعات الجوية الإسرائيلية، وإن كانت هوية المشتري المغربي قد وردت آنذاك في تقارير إعلامية ولم يعلنها الطرفان رسميًا بالقدر نفسه من الوضوح. وهذه الملاحظة مهمة، لأنها تمنعنا من تحويل التقارير الصحفية إلى وقائع رسمية مكتملة، لكنها تكشف في الوقت نفسه الاتجاه الذي اتخذه التعاون الدفاعي منذ اتفاق 2021.
غير أن اختزال العلاقة بدورها في الصحراء والسلاح يعيد إنتاج الخطأ نفسه الذي وقعنا فيه حين اختزلنا القضية الفلسطينية في بعدها الديني. فالعلاقات بين الدول تكتسب قيمتها عادة من تراكم الوظائف، لا من وظيفة واحدة.
ولهذا شملت الترتيبات المعلنة بين البلدين مجالات التكنولوجيا والزراعة والمياه والطاقة والاستثمار والسياحة والتعاون الاقتصادي، وهي المجالات نفسها التي عاد الاتفاق الثلاثي الجديد سنة 2026 إلى التأكيد عليها إلى جانب الأمن. ورفع التمثيل من مكتبي اتصال إلى سفارتين لا يغير الاسم الدبلوماسي للبعثتين فحسب، وإنما يعكس إرادة سياسية في نقل العلاقة إلى مستوى مؤسسي أعلى.
وهنا ينبغي ألا نقع في المبالغة المقابلة. فتعدد اتفاقيات التعاون لا يعني أن كل مجال منها أنتج قيمة استراتيجية فعلية. فهناك فرق بين الاتفاق على التعاون وبين حجم التجارة والاستثمار والتكنولوجيا التي انتقلت بالفعل، كما أن الحرب في غزة والتوتر السياسي الذي أعقبها أثرا في إيقاع بعض أوجه العلاقة. ولذلك فإن تقييم القيمة الاقتصادية للتطبيع يحتاج إلى بيانات التجارة والاستثمار الفعلية، لا إلى عدد الاتفاقيات الموقعة.
لكن حتى قبل هذا القياس التفصيلي، تبدو بنية العلاقة واضحة بما يكفي لفهم سبب تعامل الدولة المغربية معها بصورة تختلف عن تعامل الجماعة أو الحزب معها. فهي بالنسبة إلى الدولة ليست ملفًا واحدًا يسمى «التطبيع»، وإنما مجموعة من العلاقات المتداخلة: علاقة بإسرائيل، وعلاقة بالولايات المتحدة، وملف الصحراء، وتعاون دفاعي وأمني، ومصادر للتكنولوجيا، وعلاقات اقتصادية محتملة، وتوازنات إقليمية تتصل بالجزائر وإسبانيا وأوروبا.
وهنا تحديدًا تصبح العلاقة مثالًا تطبيقيًا لما يمكن تسميته «القيمة العلائقية» في السياسة الخارجية: فالدولة لا تسأل فقط ماذا تعطيني هذه العلاقة مباشرة، وإنما ماذا تضيف إلى شبكة علاقاتي الأخرى، وما الذي تتيحه لي من وظائف، وما الذي يمكن أن أفقده في بقية الشبكة إذا ألغيتها.
لكن المنطق نفسه يعمل في الاتجاه المعاكس.
فكل علاقة استراتيجية تنتج قيمة يمكن أن تنتج كلفة أيضًا. والعلاقة مع إسرائيل تحمل بالنسبة إلى المغرب كلفة داخلية بسبب المكانة التي تحتلها فلسطين في الوجدان الشعبي المغربي، وهي كلفة ازدادت بعد الحرب في غزة وما خلفته من أعداد هائلة من الضحايا والدمار. كما يمكن أن تكون لها كلفة دبلوماسية في بعض البيئات العربية والإسلامية والأفريقية، وأن تجعل الرباط مطالبة باستمرار بتفسير كيفية الجمع بين تعاونها مع إسرائيل ورئاستها لجنة القدس ودعمها المعلن والعملي للدولة الفلسطينية.
بل إن العلاقة التي تحقق قيمة في مرحلة معينة يمكن أن تتغير قيمتها إذا تغيرت البيئة المحيطة بها. فإذا أصبحت كلفتها الداخلية أو الخارجية أعلى من الوظائف التي تحققها، أو ظهرت بدائل تؤدي الوظائف نفسها بكلفة أقل، فإن المصلحة الوطنية نفسها قد تقتضي إعادة تقييمها. فثبات المصلحة لا يعني ثبات الوسيلة، والعلاقة الدولية ليست غاية في ذاتها.
وهنا يقع الاختلاف الجوهري بين القول إن «إسرائيل حليف يجب الحفاظ عليه مهما فعلت»، والقول إن «العلاقة مع إسرائيل أداة ضمن أدوات السياسة الخارجية المغربية». الأول يحول الوسيلة إلى التزام أيديولوجي معاكس لأيديولوجية الرافضين، أما الثاني فيضع العلاقة تحت التقييم المستمر: نحتفظ منها بما يؤدي وظيفة تخدم المصلحة الوطنية، ونراجعها عندما تتغير الوظيفة أو الكلفة أو البدائل.
وبالمعيار نفسه، فإن المطالبة بقطع العلاقة تحتاج إلى اختبار شبكي، لا ثنائي فقط. فلا يكفي أن نحسب ما سيتوقف بين الرباط وتل أبيب، وإنما ينبغي أن نسأل أيضًا عن أثر القرار في التعاون الدفاعي، وفي الموقف الإسرائيلي من الصحراء، وفي العلاقة الثلاثية مع الولايات المتحدة، وفي صورة المغرب لدى شركائه، وفي قدرته على الحصول على التقنيات التي دخلت بالفعل في منظومته الدفاعية، ثم نقارن كل ذلك بما يمكن أن يكسبه سياسيًا وأخلاقيًا ودبلوماسيًا من القطع.
وعند هذه النقطة يظهر سؤال غالبًا ما يغيب عن الخطاب الاحتجاجي: ماذا سيكسب الفلسطينيون أنفسهم؟
فإذا كان الهدف الأخلاقي من قطع العلاقة هو نصرة الفلسطينيين، فإن تقييم السياسة المقترحة لا يكتمل بحساب ما سيخسره المغرب أو يكسبه، بل ينبغي أيضًا تقدير أثرها على الطرف الذي اتخذ القرار من أجله. هل يؤدي قطع العلاقات المغربية الإسرائيلية إلى تحسين وضع الفلسطينيين أو زيادة قدرة المغرب على مساعدتهم والضغط من أجل حقوقهم؟ أم يفقد المغرب قناة اتصال وتأثير من دون أن يغير شيئًا جوهريًا في موازين الصراع؟
ولا توجد إجابة مسبقة عن هذا السؤال. فقد يكون للعزلة والضغط الدبلوماسي أثر في ظروف معينة، مثلما يمكن أن تكون لقنوات الاتصال والتفاوض قيمة في ظروف أخرى. ولذلك ينبغي الحكم على كل أداة بنتائجها، لا باسمها.
ومن هنا فإن السؤال الأدق هو: ما القيمة الصافية لهذه العلاقة بالنسبة إلى المغرب بعد جمع وظائفها ومكاسبها وكلفتها وبدائلها، وما أثر استمرارها أو قطعها في الحقوق الفلسطينية التي يُستند إليها أخلاقيًا في المطالبة بإنهائها؟
وعند هذا الحد لا يعود كافيًا أن ندرس ما أخذ المغرب من العلاقة. ينبغي أن ندرس الطرف الآخر من المعادلة: هل أدت العلاقة مع إسرائيل إلى تخلي المغرب عن فلسطين، أم أن الدولة حاولت إدارة مسارين متوازيين: بناء علاقة استراتيجية مع إسرائيل والاستمرار في دعم الحقوق الفلسطينية؟
وهذا ما ينبغي أن تختبره الوقائع.
رابعًا: فلسطين في السياسة المغربية — هل ألغت العلاقة الموقف الأخلاقي؟
إذا كانت العلاقة مع إسرائيل قد اكتسبت بالنسبة إلى الدولة المغربية وظائف دبلوماسية وأمنية واستراتيجية متعددة، فإن السؤال المقابل يصبح ضروريًا: هل كان ثمن هذه العلاقة تخلي المغرب عن القضية الفلسطينية أو تراجعه عن دعم الحقوق الوطنية للفلسطينيين؟
هذا السؤال لا ينبغي أن تجيب عنه التصريحات العامة وحدها، وإنما السلوك الفعلي للدولة منذ استئناف العلاقات سنة 2020، وخصوصًا خلال السنوات التي تعرضت فيها العلاقة المغربية الإسرائيلية لأصعب اختبار لها بعد اندلاع الحرب في غزة.
والوقائع تكشف، حتى الآن، عن مسارين تحركا بالتوازي أكثر مما تكشف عن استبدال أحدهما بالآخر.
ففي الوقت الذي استمر فيه المغرب في تطوير علاقته مع إسرائيل، حافظ رسميًا على موقفه المؤيد لإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، تعيش إلى جانب دولة إسرائيل في سلام وأمن. وفي يوليوز 2025، أكد ممثل المغرب أمام مجلس الأمن أن الرباط تعتبر حل الدولتين الأساس لتحقيق تسوية عادلة وشاملة، وأن الفلسطينيين ينبغي أن يحصلوا على الحرية والكرامة والاستقلال، بالتوازي مع ضمان الأمن والاستقرار للإسرائيليين. وفي شتنبر من السنة نفسها، كرر رئيس الحكومة عزيز أخنوش أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الدعوة إلى وقف إطلاق النار في غزة، وإدخال المساعدات الإنسانية من دون شروط أو قيود، ودعم الأونروا، ووضع مسار زمني واضح يقود إلى دولة فلسطينية تكون غزة جزءًا لا يتجزأ منها.
والأهم أن هذا الموقف لم يقتصر على تأييد مجرد للدولة الفلسطينية، بل تضمن انتقادًا علنيًا لسياسات إسرائيلية محددة. ففي رسالة ملكية إلى لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الشعب الفلسطيني، حذر المغرب من الاستيطان المتوسع والاعتداءات على الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة الغربية، ومن السياسات التي يمكن أن تؤدي إلى التهجير والضم الفعلي أو القانوني وتقويض الأساس المادي لحل الدولتين. كما حذر من أن الممارسات الإسرائيلية في القدس يمكن أن تدفع المنطقة نحو صراع ديني.
وهذه المواقف مهمة في موضوعنا لأنها تكشف أن إقامة العلاقات الدبلوماسية لم تنتج، من حيث الموقف الرسمي المعلن على الأقل، معادلة تقول إن التعاون مع إسرائيل يقتضي الصمت عن سياساتها. فالمغرب استمر في التعامل مع إسرائيل بوصفها دولة يقيم معها علاقات، وفي الوقت نفسه استمر في الاعتراض على سياسات إسرائيلية يعتبرها مضرة بحقوق الفلسطينيين وبإمكان الوصول إلى تسوية سياسية.
لكن قيمة الموقف الأخلاقي لا تقاس بالبيانات وحدها. ولذلك ينبغي النظر أيضًا إلى ما حدث على الأرض.
فخلال سنة 2025 أرسلت المملكة مساعدات إنسانية وطبية إلى الفلسطينيين في غزة. وفي نهاية يوليوز من تلك السنة أُعلن عن إرسال نحو 180 طنًا من المواد الغذائية والأدوية والمعدات الجراحية والحليب والمواد المخصصة للأطفال والخيام والأغطية وغيرها من الاحتياجات الإنسانية. وبعد أقل من ثلاثة أسابيع، أُعلن عن مساعدات إضافية بنحو 100 طن من الأغذية والأدوية، مع تركيز خاص على الأطفال والرضع.
وبالتوازي مع ذلك، واصلت وكالة بيت مال القدس الشريف، التابعة للجنة القدس التي يرأسها الملك محمد السادس، العمل في القدس وغزة. ففي صيف 2025 نُفذت مراحل متعددة من حملة للمساعدات الإنسانية في قطاع غزة، شملت أسرًا نازحة في مناطق مختلفة من القطاع، بينما استمرت برامج الدعم الاجتماعي والصحي والتعليمي في القدس.
ولم يتوقف هذا المسار مع الانتقال إلى سنة 2026. ففي مارس أطلقت الوكالة، بتمويل مغربي، مبادرة طارئة لدعم قطاعي الصحة والتعليم في القدس، شملت تجهيزات تعليمية ومستلزمات للإسعافات الأولية. وفي أبريل أعلنت توسيع برنامج كفالة الأيتام ليشمل 350 طفلًا فلسطينيًا من المتضررين من الحرب في غزة، ثم بدأت في ماي صرف مخصصات الكفالة، مع إعلان نيتها دعم مئات الأطفال الذين تعرضوا للبتر متى توفرت الظروف اللازمة لذلك.
هذه الوقائع لا تعني أن السياسة المغربية تجاه فلسطين لا يمكن نقدها، ولا تثبت أن ما يقدمه المغرب يساوي حجم المأساة الإنسانية أو أنه استعمل كل ما يملكه من أدوات للضغط على إسرائيل. لكنها تسمح باستخلاص نتيجة أكثر تحديدًا: لا تدعم الوقائع القول بأن إقامة العلاقات مع إسرائيل أدت بذاتها إلى تخلي المغرب عن دعم الدولة الفلسطينية أو وقف مساعداته للفلسطينيين.
وهنا يظهر مرة أخرى الفرق بين العلاقة السياسية والموافقة السياسية.
فمن الممكن للدولة أن تقيم علاقة مع دولة أخرى، وأن تتعاون معها في مجالات تحقق لها مصالح، ثم تختلف معها في قضية أخرى وتنتقد سياساتها. والسؤال الحقيقي ليس هل توجد العلاقة، بل كيف تستخدمها الدولة، وما الحدود التي تضعها لها، وما الذي تستطيع تحقيقه من خلالها؟
ومن هذه الزاوية يمكن قلب السؤال الذي يطرحه معارضو التطبيع. فبدل أن يكون السؤال الوحيد: لماذا لم يقطع المغرب علاقاته بإسرائيل بسبب ما حدث في غزة؟ يمكن إضافة سؤال آخر لا يقل مشروعية: ماذا كان يمكن للمغرب أن يحقق للفلسطينيين لو قطع هذه العلاقات؟
وهذا ليس سؤالًا بلاغيًا يفترض أن القطع عديم الفائدة. فقد يكون للضغط الدبلوماسي وقطع العلاقات أثر سياسي ورمزي حقيقي في ظروف معينة. لكن إثبات ذلك يحتاج إلى بيان الأثر المتوقع، تمامًا كما تحتاج الدولة إلى إثبات الفائدة التي تحققها من استمرار العلاقة.
وفي الاتجاه المقابل ينبغي طرح سؤال أصعب على الدولة المغربية نفسها: إذا كانت الرباط تحتفظ بعلاقة مباشرة مع إسرائيل وتقدم هذه العلاقة بوصفها إحدى أدوات سياستها الخارجية، فهل استخدمت هذه القناة بما يكفي لخدمة الفلسطينيين؟
فالقيمة المحتملة للعلاقة لا تقتصر على السلاح والتكنولوجيا والدعم الدبلوماسي. العلاقة المباشرة تمنح الدولة، من حيث المبدأ، قناة اتصال لا يملكها من قطع العلاقة بالكامل. وبالتالي يصبح من المشروع تقييم ما إذا كان المغرب قد استعمل هذه القناة في الوساطة، أو تسهيل المساعدات، أو نقل مواقف الفلسطينيين، أو الضغط لوقف إجراءات يعارضها رسميًا. وإذا لم يكن للعلاقة أي أثر من هذا النوع، فإن أحد المبررات الممكنة للإبقاء عليها يصبح أضعف.
وهنا ينبغي التمييز بين الدليل على وجود القناة والدليل على فعاليتها. فوجود سفارة أو اتصال سياسي لا يثبت أن الدولة تستطيع تغيير قرارات الحكومة الإسرائيلية، ولا ينبغي المبالغة في قدرة المغرب على التأثير في صراع تتحكم فيه قوى أكبر وموازين داخلية وإقليمية معقدة. لكن وجود العلاقة يسمح على الأقل بالسؤال عن كيفية استخدامها.
والأمر نفسه ينطبق على رئاسة المغرب للجنة القدس. فهي تمنح المملكة مكانة رمزية ومؤسساتية خاصة، لكنها في الوقت نفسه ترفع مستوى المسؤولية الملقاة عليها. فلا يكفي الاحتفاظ برئاسة اللجنة بوصفها عنوانًا دبلوماسيًا؛ وإنما ينبغي تقييمها بما تنتجه من عمل سياسي وإنساني وميداني. وهنا تكتسب مشاريع وكالة بيت مال القدس أهميتها، لأنها تحول جزءًا من هذا الدور من الموقف السياسي إلى نشاط ملموس في حياة الفلسطينيين.
وتظهر بذلك صورة أكثر تعقيدًا من الثنائية التي يقدمها الجدل السياسي أحيانًا. فالمغرب لم يختر، في الممارسة، بين «إسرائيل» و«فلسطين»، وإنما حاول الجمع بين مسارين: بناء علاقة استراتيجية مع دولة إسرائيل، والمحافظة على دعم سياسي وإنساني للقضية الفلسطينية.
وقد يختلف المغاربة في تقييم نجاح هذه السياسة أو كلفتها الأخلاقية، وهذا اختلاف مشروع. لكن الحكم عليها ينبغي أن ينطلق مما تفعله فعلًا، لا من افتراض أن وجود أحد المسارين يلغي الآخر بالضرورة.
بل إن هذه الحالة تطرح سؤالًا أوسع يتجاوز المغرب: هل العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل دليل بذاتها على التخلي عن فلسطين؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن المعيار ينبغي أن يطبق على الجميع، لا على المغرب وحده. وهنا نصطدم بواقع إقليمي أكثر تركيبًا: فهناك دول تقيم علاقات رسمية مع إسرائيل وتنتقد سياساتها تجاه الفلسطينيين، وهناك السلطة الفلسطينية نفسها التي تجمع بين الصراع السياسي مع إسرائيل وبين علاقات واتفاقات وتنسيقات فرضها الإطار الذي نشأ منذ اتفاقات أوسلو.
وهذا يقود إلى مشكلة أخرى في الخطاب العربي حول التطبيع: هل نقيس الالتزام بالقضية الفلسطينية بوجود السفارة الإسرائيلية أو غيابها، أم بما تفعله الدولة فعليًا من أجل الفلسطينيين؟
خامسًا: التطبيع والتضامن — هل تقاس نصرة فلسطين بغياب العلاقات مع إسرائيل؟
تكشف المقارنة الإقليمية أن وجود العلاقات الدبلوماسية أو غيابها لا يكفي وحده للحكم على موقف دولة ما من فلسطين.
فمصر، مثلًا، تقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل منذ معاهدة السلام الموقعة سنة 1979، ومع ذلك ظلت القضية الفلسطينية جزءًا أساسيًا من سياستها الإقليمية، واستمرت في دعم حل الدولتين وانتقاد الاستيطان والتهجير والمشاركة في الوساطات بين إسرائيل والفلسطينيين. وخلال حرب غزة تحولت علاقتها بالطرفين وموقعها الجغرافي إلى إحدى الأدوات التي سمحت لها بالمشاركة المباشرة في التفاوض بشأن وقف إطلاق النار وتبادل المحتجزين وإدخال المساعدات.
وهذا المثال مهم لأن الدور المصري لا يمكن تفسيره من خلال وجود العلاقات الدبلوماسية وحده. فالعلاقة مع إسرائيل لم تمنع القاهرة من الاختلاف معها أو إدانة سياساتها، بل إن وجود قنوات اتصال رسمية معها أصبح، في بعض الظروف، جزءًا من قدرتها على أداء وظيفة الوسيط.
وتقدم تركيا حالة مختلفة ولكنها تقود إلى النتيجة المنهجية نفسها. فهي دولة ذات أغلبية مسلمة، ولها تاريخ طويل من العلاقات الرسمية مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه تعترف بدولة فلسطين منذ سنة 1988 وتعلن تأييدها إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. كما شاركت، إلى جانب مصر وقطر، في جهود الوساطة المتعلقة بغزة، بالتوازي مع مواقف سياسية شديدة الانتقاد للسياسات الإسرائيلية.
ولا يعني ذلك أن السياسة المصرية أو التركية تجاه إسرائيل وفلسطين فوق النقد، ولا أن وجود العلاقات أثبت في كل حالة أنه أكثر فاعلية من القطيعة. وإنما تكشف الحالتان شيئًا أكثر تحديدًا: لا توجد علاقة منطقية ضرورية بين وجود علاقات مع إسرائيل والتخلي عن فلسطين.
لكن الحالة الأكثر دلالة ربما توجد عند الفلسطينيين أنفسهم.
فالسلطة الفلسطينية لم تنشأ أصلًا في فراغ، وإنما داخل المسار التفاوضي الذي بدأ باتفاقات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل. وقد أنشأت تلك الاتفاقات منظومة من العلاقات المدنية والأمنية والاقتصادية والمؤسسات المشتركة بين الجانبين، ونص اتفاق أوسلو الثاني على آليات للتنسيق والتعاون في الشؤون المدنية والأمنية.
أي أن الفلسطيني الذي يطالب بدولته وحقوقه الوطنية وجد نفسه، من خلال سلطته ومؤسساته، مضطرًا إلى التعامل مع الدولة التي ينازعها الأرض والسيادة، ليس لأنه تخلى عن حقوقه، وإنما لأن إدارة حياة السكان والنزاع نفسه فرضت شبكة من العلاقات والاتصالات والتنسيقات.
وقد يكون للفلسطينيين أنفسهم اعتراضات عميقة على هذه الترتيبات، وعلى أوسلو والتنسيق الأمني والنتائج التي انتهى إليها المسار برمته، وهذه قضية أخرى مشروعة تمامًا. لكن ما يعنينا هنا هو المبدأ: التعامل مع الخصم لا يعني بالضرورة الموافقة عليه، والتفاوض معه لا يعني اعتناق سياسته، ووجود قناة اتصال معه لا يلغي النزاع القائم بين الطرفين.
ومن هنا تظهر مفارقة تستحق التأمل في الخطاب العربي حول التطبيع. فإذا كان الفلسطيني نفسه يحتاج، بحكم الواقع الذي يعيش فيه، إلى التعامل مع مؤسسات إسرائيلية في قضايا الأمن والحدود والحركة والتجارة والتصاريح والضرائب وغيرها، فمن الصعب جعل مجرد وجود علاقة دبلوماسية بين دولة عربية وإسرائيل معيارًا وحيدًا للحكم على مقدار التزام تلك الدولة بحقوق الفلسطينيين.
ولا يعني ذلك أن كل أشكال العلاقات متساوية. فهناك فرق بين اتصال ضروري لإدارة نزاع، وعلاقة دبلوماسية عادية، وتحالف أمني، وتعاون اقتصادي، ودعم سياسي غير مشروط. كما أن حجم العلاقة وطبيعتها والظرف الذي تتطور فيه كلها عناصر ينبغي أن تدخل في التقييم.
وهنا تحديدًا تصبح كلمة «التطبيع» نفسها بحاجة إلى شيء من التفكيك. فهي تجمع أحيانًا تحت تسمية واحدة أفعالًا مختلفة جذريًا: فتح قناة دبلوماسية، وتبادل السفراء، والتجارة، والتعاون الأمني، والسياحة، والتعاون الثقافي، وصولًا إلى تأييد السياسات الإسرائيلية نفسها. لكن هذه المستويات ليست شيئًا واحدًا، ولا ينبغي أن يترتب عليها حكم سياسي أو أخلاقي واحد بصورة آلية.
والأدق لذلك أن نسأل عن مضمون العلاقة بدل الاكتفاء باسمها.
هل تستخدم الدولة علاقتها بإسرائيل لتأييد سياساتها، أم تحتفظ باستقلال موقفها منها؟ هل توفر العلاقة وظائف تخدم مصالح مواطنيها؟ هل تمنع الدولة من إدانة انتهاكات حقوق الفلسطينيين؟ هل تستخدم قنواتها للمساعدة أو الوساطة أو الضغط؟ وما الذي تقدمه للفلسطينيين فعليًا، سياسيًا وإنسانيًا ودبلوماسيًا؟
عند تطبيق هذه الأسئلة على المغرب، يصبح وجود السفارة الإسرائيلية أو غيابها مجرد عنصر واحد داخل تقييم أوسع، وليس الحكم النهائي على سياسته تجاه فلسطين.
وبالمعيار نفسه ينبغي تقييم الدول التي لا تقيم علاقات مع إسرائيل. فالقطيعة الدبلوماسية تحمل موقفًا سياسيًا ورمزيًا واضحًا، لكنها لا تخبرنا وحدها بما قدمته الدولة للفلسطينيين، ولا بقدرتها على التأثير في مسار النزاع. كما أن وجود العلاقة لا يخبرنا وحده بعكس ذلك.
وهنا تصبح المقارنة أكثر إنصافًا: لا نقيس نصرة فلسطين بعدد السفارات المغلقة أو المفتوحة، وإنما بما تفعله الدولة فعليًا تجاه حقوق الفلسطينيين، وبما تحققه سياستها من أثر.
وهذا المعيار يحمينا من نوعين متقابلين من التبسيط: أن تصبح القطيعة شهادة أخلاقية كافية بصرف النظر عن نتائجها، أو أن تتحول «المصلحة الوطنية» إلى مبرر كاف لأي مستوى من العلاقات بصرف النظر عن كلفته الأخلاقية والسياسية.
فالأولى تجعل الرمز بديلًا عن النتيجة، والثانية تجعل النتيجة المفترضة ذريعة لإسقاط القيمة.
والسياسة الخارجية أكثر تعقيدًا من الاثنين.
غير أن النقاش المغربي الراهن يضيف إلى هذه المسألة بعدًا آخر. فنحن لا نناقش التطبيع في فراغ، وإنما قبل انتخابات تشريعية بأيام، وفي مناخ تتنافس فيه الأحزاب على تعريف ما يمثل «الموقف المغربي» الصحيح من فلسطين وإسرائيل. وهنا يمكن أن تنتقل القضية بسهولة من مساءلة السياسة الخارجية إلى أداة للحكم على وطنية الخصم السياسي أو أخلاقه.
وعندما يحدث ذلك، لا يعود السؤال: هل العلاقة المغربية الإسرائيلية تخدم المصلحة الوطنية أم تضر بها؟ بل يصبح: من هو مع فلسطين ومن هو ضدها؟ ومن هو مع إسرائيل ومن هو ضدها؟
وهذا انتقال بالغ الأهمية؛ لأنه يحول خلافًا مشروعًا حول السياسة الخارجية إلى تصنيف أخلاقي للأشخاص والأحزاب.
ومن هنا ينبغي أن نعود إلى الجدل المغربي نفسه، وإلى السؤال الذي أثاره تصريح عبد الإله بنكيران بشأن فاطمة الزهراء المنصوري: متى يكون الاعتراض على التطبيع نقدًا مشروعًا لسياسة الدولة، ومتى يتحول إلى أداة في الصراع السياسي الداخلي؟
سادسًا: من الاعتراض على السياسة إلى تصنيف الخصوم
إذا كان من حق الأحزاب والجماعات السياسية والمدنية أن تعارض العلاقات المغربية الإسرائيلية، فإن هذا الحق لا يطرح مشكلة في ذاته. فالاختلاف حول السياسة الخارجية جزء طبيعي من الاختلاف السياسي، ولا يمكن مطالبة حزب أو حركة بالتخلي عن موقفها الأخلاقي أو الأيديولوجي لمجرد أن الدولة اختارت سياسة مختلفة.
لكن المشكلة تبدأ عندما ينتقل النقاش من تقييم السياسة إلى تصنيف الأشخاص، ومن السؤال عن نتائج القرار إلى السؤال عن ولاء من يؤيده أو يرفضه.
وقد ظهر هذا الانتقال بوضوح خلال الحملة الانتخابية الحالية، عندما دخلت العلاقة مع إسرائيل إلى قلب السجال بين حزب العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة. ففي مهرجان انتخابي يوم 19 شتنبر، استحضر عبد الإله بنكيران مقالًا سابقًا للإعلامي والناشر أحمد الشرعي بعنوان «كلنا إسرائيليون»، وربط بين مواقف صاحبه المؤيدة للعلاقة مع إسرائيل وبين دعمه السياسي والإعلامي لحزب الأصالة والمعاصرة وفاطمة الزهراء المنصوري، ثم طالبها باتخاذ موقف منه، معتبرًا أنه إذا لم تفعل فسيفهم من ذلك أنها «مرشحة إسرائيل» لرئاسة الحكومة.
وردت المنصوري بأنها لا تعرف الشرعي ولا تتبنى مواقفه، وأن حزبها لا يمكن أن يتحمل مسؤولية مواقف أشخاص يعلنون تأييدهم له، معتبرة أن المرجع في الحكم على موقف الأصالة والمعاصرة من القضية الفلسطينية هو بيانات الحزب ومواقفه الرسمية.
ومن حق بنكيران أن يسائل المنصوري عن موقفها من التطبيع، مثلما يحق له أن ينتقد أحمد الشرعي أو حزب الأصالة والمعاصرة أو السياسة التي تنتهجها الدولة تجاه إسرائيل. ومن حق المنصوري بدورها أن تعلن موقفها أو ترفض تحميلها مواقف شخص آخر. لكن هذه الواقعة تكشف مشكلة أوسع من الأشخاص الثلاثة أنفسهم: هل يصبح تأييد العلاقة مع إسرائيل قرينة على الارتباط بإسرائيل، وهل يتحول دعم شخص مؤيد لإسرائيل لمرشح سياسي إلى دليل على أن ذلك المرشح يمثل إسرائيل؟
فالانتقال هنا كبير. هناك فرق بين أن يقال إن مرشحًا يؤيد سياسة خارجية يراها خصمه مضرة بالمغرب أو بالفلسطينيين، وبين أن يوصف بأنه «مرشح إسرائيل». الأولى مساءلة لموقف سياسي يمكن إثباته ومناقشة نتائجه؛ أما الثانية فتربط الشخص بدولة أجنبية، وهو ادعاء مختلف يحتاج إلى دليل يتجاوز مجرد تأييد شخص ثالث له.
وتزداد أهمية هذه المسألة عندما نلاحظ أن السياسة موضوع الخلاف ليست سياسة حزب الأصالة والمعاصرة وحده، بل سياسة للدولة المغربية بدأت رسميًا باستئناف العلاقات سنة 2020، عندما كان حزب العدالة والتنمية نفسه يقود الحكومة وكان أمينه العام سعد الدين العثماني رئيسًا لها وموقعًا على الإعلان الثلاثي.
وهنا تظهر المفارقة: الحزب الذي شارك، عندما كان في موقع المسؤولية الحكومية، في تنفيذ قرار استئناف العلاقات، يعود وهو ينافس على السلطة إلى تقديم رفض تلك العلاقات بوصفه أحد عناصر تمايزه السياسي.
ولا يعني ذلك أن الحزب فقد حقه في تغيير موقفه. فالأحزاب تستطيع مراجعة سياساتها، والظروف نفسها تغيرت جذريًا بعد حرب غزة وما ترتب عليها. بل يمكن للحزب أن يقول إن التجربة منذ 2020 أثبتت له أن استئناف العلاقات كان خطأ، أو أن ما حدث بعد ذلك جعل استمرارها غير مقبول. لكن هذا التحول، إذا أريد له أن يصبح سياسة دولة، يحتاج إلى تفسير وبرنامج بديل، لا إلى الاكتفاء برفع مستوى الإدانة.
فالسؤال الذي ينبغي توجيهه إلى حزب العدالة والتنمية ليس: لماذا تغير موقفكم؟ بل: ماذا تعلمتم من التجربة التي شاركتم فيها، وما السياسة التي تقترحونها الآن بدلًا منها؟
وهذا السؤال أكثر فائدة من البحث عن التناقض، لأنه يعيد الحزب من موقع الدفاع عن ماضيه إلى موقع تقديم بديل للمستقبل.
فإذا كان اقتراحه قطع العلاقات، فمن المشروع أن يشرح للمواطن المغربي أثر ذلك في التعاون الدفاعي، وفي الموقف الإسرائيلي من الصحراء، وفي العلاقة الثلاثية التي نشأت مع الولايات المتحدة، وفي المصالح الاقتصادية والتكنولوجية القائمة أو المنتظرة. ومن المشروع في المقابل أن يشرح ما الذي سيكسبه المغرب والفلسطينيون من هذا القرار، ولماذا يرى أن هذه المكاسب أصبحت أكبر من كلفة القطع.
والقاعدة نفسها ينبغي أن تطبق على حزب الأصالة والمعاصرة أو أي حزب يدافع عن استمرار العلاقة. فلا يكفيه الرد بأن التطبيع «قرار دولة»، لأن الحزب الذي يطلب إدارة الحكومة ينبغي أن تكون له قدرة على تفسير السياسة التي سيديرها: ما الذي حققته العلاقة للمغرب؟ وما حدودها؟ وكيف سيتصرف إذا تعارض التعاون مع إسرائيل مع موقف المغرب المعلن من الحقوق الفلسطينية؟ وما المستوى الذي تصبح عنده الكلفة الأخلاقية أو السياسية للعلاقة أعلى من فائدتها الاستراتيجية؟
وبهذا المعنى لا ينبغي أن يتحول النقاش إلى امتحان في الوطنية. فالذي يطالب بقطع العلاقات ليس أقل وطنية بالضرورة ممن يريد استمرارها، والذي يدافع عن استمرارها ليس بالضرورة أقل تضامنًا مع الفلسطينيين ممن يطالب بقطعها. كلاهما يقدم، أو ينبغي أن يقدم، تصورًا لما يعتقد أنه يخدم المصلحة العليا للمغرب ويحقق موقفًا مسؤولًا تجاه فلسطين.
وتصبح المسألة أكثر حساسية عندما تدخل الجماعات الدينية على الخط. فمن حق جماعة العدل والإحسان، مثلًا، أن ترفض التطبيع انطلاقًا من مرجعيتها وأن تدعو إلى الاحتجاج عليه. لكنها ليست في الموقع المؤسسي نفسه الذي يوجد فيه حزب يطلب من المواطنين منحه مسؤولية الحكومة. فالجماعة تستطيع أن تركز على الموقف المبدئي الذي تعتقد أنه واجب، بينما الحزب المرشح للحكم مطالب بتحويل المبدأ إلى سياسة عامة قابلة للتنفيذ وتحمل نتائجها.
وهنا نعود إلى الفرق الذي يقوم عليه المقال كله: منطق الجماعة يسأل أولًا عن سلامة الموقف، أما منطق الدولة فعليه أن يسأل عن سلامة الموقف ونتائج القرار معًا.
ولا يعني ذلك أن الدولة أرقى أخلاقيًا من الجماعة، أو أن الجماعة أقل فهمًا للمصلحة الوطنية. إنهما ببساطة موقعان مختلفان ومسؤوليتان مختلفتان. ويمكن للجماعة أن تنبه الدولة إلى بعد أخلاقي أغفلته، مثلما يمكن لمسؤولية الدولة أن تكشف للجماعة كلفة قرار لم تضطر هي إلى تحمل نتائجه.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو إلغاء هذه المسافة وتحويل السياسة الخارجية إلى اختبار للهوية: من يرفض العلاقة «وطني» أو «مناصر لفلسطين»، ومن يقبلها «صهيوني» أو «مرشح إسرائيل»؛ أو، في الاتجاه المعاكس، من ينتقدها «عاطفي» لا يفهم مصالح الدولة، ومن يؤيدها وحده «واقعي» يدرك السياسة الدولية.
كلا التصنيفين يغلق النقاش بدل أن يفتحه.
فالسؤال الذي يحتاجه المغرب ليس من يستطيع إطلاق الوصف الأقسى على خصمه، وإنما أي سياسة تحقق أكبر قدر ممكن من المصالح الوطنية بأقل كلفة ممكنة، من دون أن تجعل المصلحة الوطنية ذريعة لإلغاء البعد الأخلاقي، أو تجعل البعد الأخلاقي ذريعة لإعفاء البدائل السياسية من حساب النتائج.
وعند هذه النقطة نكون قد عدنا إلى السؤال الذي بدأ منه المقال: ليست المشكلة في أن يكون للمواطن أو الجماعة أو الحزب موقف أخلاقي من إسرائيل، بل في الطريقة التي يتحول بها هذا الموقف إلى سياسة دولة.
ومن هنا يبقى سؤال أخير: كيف يمكن للدولة أن تجمع بين المصلحة والأخلاق من دون أن تضحي بإحداهما باسم الأخرى؟
خاتمة: بين مصلحة المغرب وحقوق الفلسطينيين
بدأ هذا المقال من خلاف سياسي راهن حول رفع مستوى العلاقات المغربية الإسرائيلية، لكنه قادنا إلى سؤال يتجاوز إسرائيل وفلسطين والتطبيع نفسه: بأي منطق تُبنى السياسة الخارجية للدولة عندما تتقاطع المصلحة الوطنية مع الاعتبارات الأخلاقية؟
وقد ظهر من خلال هذا النقاش أن المشكلة تبدأ حين نضع الأمر في صورة اختيارات ثنائية مغلقة: إما المغرب وإما فلسطين، إما المصلحة وإما الأخلاق، إما التطبيع وإما التضامن، إما أن تكون مع إسرائيل وإما أن تكون ضدها.
فالسياسة الدولية أكثر تركيبًا من هذه الثنائيات.
وأولى الخطوات للخروج منها هي تحرير القضية الفلسطينية نفسها من تحويلها إلى حرب دينية. فاليهودية دين، والصهيونية أيديولوجيا قومية سياسية متعددة الاتجاهات، وإسرائيل دولة، والحكومة الإسرائيلية سلطة سياسية تتغير. ولا اليهودي صهيوني بالضرورة، ولا الإسرائيلي مؤيد لحكومته بالضرورة، مثلما أن الفلسطيني ليس بالضرورة مسلمًا ولا ينتمي بالضرورة إلى حماس أو إلى أي تنظيم سياسي آخر.
وحين نفصل بين هذه المستويات، تصبح القضية الفلسطينية في جوهرها قضية شعب يطالب بحقوقه الوطنية والإنسانية، ويصبح الاعتراض على الاحتلال والاستيطان والتهجير وقتل المدنيين موقفًا يمكن تأسيسه على القانون والأخلاق وحقوق الإنسان، من دون الحاجة إلى تحويل اليهود إلى خصم ديني للمسلمين أو انتظار معركة أخروية مفترضة تحسم نزاعًا سياسيًا معاصرًا.
وعندئذ تتغير أيضًا طبيعة السؤال الموجه إلى المغرب.
فالمملكة لا تقيم علاقة مع اليهودية أو الصهيونية، وإنما مع دولة إسرائيل. وهذه العلاقة لا ينبغي أن تقاس بموقف عقدي من اليهود، ولا بمجرد المشاعر التي تثيرها سياسات الحكومة الإسرائيلية، وإنما بالوظائف التي تؤديها داخل شبكة المصالح المغربية وبالكلفة التي تنتجها.
وقد رأينا أن هذه الشبكة أصبحت تشمل قضية الصحراء، والعلاقة مع الولايات المتحدة، والتعاون الدفاعي والأمني، والتكنولوجيا والاستثمار ومجالات أخرى. وهي مصالح لا يجوز إنكارها لمجرد رفض السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، مثلما لا يجوز تحويلها إلى ذريعة تبرر للمغرب كل ما يمكن أن تفعله إسرائيل.
فهنا تقع الحدود بين منطقين لا ينبغي أن يلغي أحدهما الآخر: المصلحة الوطنية ليست نقيضًا للأخلاق، والأخلاق ليست بديلًا عن حساب المصلحة.
فالدولة مسؤولة أخلاقيًا عن احترام القيم والحقوق التي تعلن التزامها بها، لكنها مسؤولة أيضًا عن أمن مواطنيها وسلامة أراضيها وقدراتها الدفاعية واقتصادها وموقعها الدولي. وإذا تعارضت هذه المسؤوليات، فإن مهمتها ليست الهروب إلى أحد الطرفين، وإنما البحث عن السياسة التي تحقق أكبر قدر ممكن منها بأقل كلفة ممكنة.
ولهذا لا يكفي أن تقول الدولة إن علاقتها بإسرائيل تحقق «المصلحة الوطنية». عليها أن تبين أين توجد هذه المصلحة، وما الوظائف التي تؤديها العلاقة، وما الذي تحقق منها فعلًا، وما حدودها، ومتى تصبح كلفتها أعلى من قيمتها.
وفي المقابل، لا يكفي أن يقول الحزب أو الجماعة إن قطع العلاقات واجب أخلاقي. فمن يريد تحويل هذا الموقف إلى سياسة دولة عليه أن يبين ما الذي سيحدث في اليوم التالي للقطع: ما الذي سيكسبه المغرب؟ وما الذي سيخسره؟ وما البدائل المتاحة؟ وكيف ستتأثر قدراته وعلاقاته ومصالحه؟ والأهم: ماذا سيكسب الفلسطينيون أنفسهم من القرار؟
وهنا يظهر الفرق الذي حاول هذا المقال تأسيسه بين منطق الجماعة ومنطق الدولة.
فالجماعة تستطيع أن تبني موقفها على منظومة قيم تعتقد بصحتها وتدعو المجتمع إليها. والحزب يستطيع أن يحول تلك القيم إلى برنامج سياسي ويعرضه على الناخبين. أما الدولة، فعندما تتخذ القرار، تصبح مسؤولة عن نتائجه على مجتمع كامل، بمن فيه من يوافق القرار ومن يعارضه.
وهذا لا يجعل الدولة معصومة، ولا يجعل الجماعة قاصرة. فقد ترى الجماعة بوضوح خللًا أخلاقيًا تتجاهله حسابات الدولة، وقد تكشف مسؤولية الحكم كلفة عملية لا تظهر لمن ينظر إلى المسألة من خارجها. ولهذا تحتاج الدولة إلى النقد الأخلاقي بقدر ما يحتاج النقد الأخلاقي، حين يريد أن يصبح سياسة عامة، إلى اختبار النتائج.
وتكشف التجربة المغربية نفسها عن إمكان الجمع بين المسارين، وإن بقي تقييم نجاح هذا الجمع مفتوحًا للنقاش. فالمغرب طور علاقاته مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه حافظ رسميًا على دعمه للدولة الفلسطينية، وانتقد الاستيطان والتهجير، وقدم مساعدات للفلسطينيين، واستمر في العمل عبر لجنة القدس ووكالة بيت مال القدس. وهذه الوقائع لا تثبت أن سياسته مثالية، لكنها تنفي على الأقل أن العلاقة مع إسرائيل تعني، بحكم تعريفها، التخلي عن فلسطين.
كما أن المقارنة مع مصر وتركيا، بل ومع السلطة الفلسطينية نفسها، تبين أن العلاقة والتفاوض والتعامل مع إسرائيل لا تلغي بالضرورة الخلاف معها أو المطالبة بحقوق الفلسطينيين. والعكس صحيح أيضًا: غياب العلاقات لا يكفي وحده لإثبات مقدار ما تقدمه دولة ما للفلسطينيين أو قدرتها على التأثير في واقعهم.
ولهذا ربما يكون السؤال الذي يهيمن على جزء من النقاش العربي: «من يطبّع ومن لا يطبّع؟» أقل فائدة من سؤال آخر: ماذا تقدم كل دولة للفلسطينيين، وما النتائج التي تحققها سياستها لهم ولمصالح شعبها في الوقت نفسه؟
وهذا المعيار نفسه ينبغي أن يحكم النقاش السياسي المغربي.
فمن حق العدالة والتنمية واليسار والعدل والإحسان وغيرها أن تعارض العلاقات مع إسرائيل وأن تحشد ضدها، ومن حق الأصالة والمعاصرة أو غيره أن يتبنى موقفًا مختلفًا. لكن الخلاف يفقد قيمته عندما يتحول من مناقشة السياسة إلى توزيع شهادات الوطنية والخيانة، أو من تقييم المصالح إلى وصف المنافس بأنه «مرشح إسرائيل».
فالذي يطالب بقطع العلاقة ليس أقل وطنية بالضرورة، والذي يدافع عن استمرارها ليس أقل تضامنًا مع الفلسطينيين بالضرورة. وما ينبغي أن يميز بين السياسات ليس مقدار ارتفاع الصوت الأخلاقي ولا مقدار التذرع بالمصلحة الوطنية، وإنما قوة الحجة، ووضوح البديل، وحساب الكلفة، والنتيجة التي يمكن تحقيقها.
ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي تكشفه قضية التطبيع بالنسبة إلى السياسة الخارجية عمومًا: العلاقات الدولية ليست امتحانًا في نقاء العقيدة، كما أنها ليست سوقًا للمصالح المجردة من القيم. إنها مجال لإدارة حاجات الدولة ومخاطرها ومصالحها داخل عالم لا تختار فيه الدول دائمًا شركاء يشبهونها أو يوافقونها.
ولهذا فإن المغرب ليس مضطرًا، من حيث المبدأ، إلى الاختيار بين مصالحه الوطنية وحقوق الفلسطينيين. التحدي الحقيقي أصعب من هذا الاختيار السهل: أن يبني من علاقاته ما يحمي أمنه ووحدته الترابية ومصالح مواطنيه، من دون أن يجعل هذه المصالح مبررًا للصمت عن الظلم، وأن يدافع عن حقوق الفلسطينيين من دون أن يحول قضيتهم إلى حرب دينية أو يجعل التضامن معهم سببًا للتخلي عن مصالح وطنية يمكن حمايتها من دون التضحية بحقوقهم.
وبهذا المعنى، لا يكون السؤال المسؤول: هل نختار المغرب أم فلسطين؟
بل: كيف يدافع المغرب عن مصالحه من دون أن يتخلى عن قيمه، وكيف يدافع عن فلسطين من دون أن يتخلى عن مصالحه؟
بين هذين السؤالين تقع مسؤولية الدولة، وهناك تحديدًا ينبغي أن تبدأ السياسة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق