أين تبدأ المرجعية وأين تنتهي السياسة؟
تمهيد
يطرح النقاش المتجدد حول الديمقراطية والإسلام السياسي في المغرب، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، سؤالًا يتجاوز التنافس بين الأحزاب والبرامج والمرشحين إلى طبيعة الشرعية نفسها التي يقوم عليها النظام السياسي: من أين تستمد السلطة مشروعيتها؟ وأين تنتهي الشرعية السياسية التي تمنحها المؤسسات والدستور وصندوق الاقتراع، وأين تبدأ الشرعية الدينية؟ وهل يمكن الجمع بينهما داخل نظام واحد من دون أن تتحول إحداهما إلى أداة لمنازعة الأخرى أو احتكارها؟
يكتسب هذا السؤال خصوصيته في المغرب لأن النظام الدستوري لم يفصل الدين عن الدولة على الطريقة التي عرفتها بعض التجارب العلمانية، كما أنه لم يؤسس دولة دينية تحتكر فيها مرجعية دينية السلطة السياسية. فقد حافظ على مؤسسة إمارة المؤمنين بوصفها جزءًا من البناء التاريخي والدستوري للملكية، وفي الوقت نفسه أقر التعددية الحزبية والانتخابات والتداول الديمقراطي، وجعل الأحزاب مؤسسات سياسية تتنافس على تمثيل المواطنين والمشاركة في ممارسة السلطة.../...
ويكشف هذا البناء عن وجود مستويين ينبغي التمييز بينهما. هناك مجال ديني تتولى فيه إمارة المؤمنين وظيفة مرجعية جامعة، وهناك مجال سياسي تتعدد داخله الأحزاب والبرامج والمصالح، ويحتكم فيه المتنافسون إلى إرادة الناخبين. ولذلك يستطيع الحزب أن يفوز أو يخسر، وأن ينتقل من الحكومة إلى المعارضة، وأن تتغير قوته من انتخابات إلى أخرى، بينما لا تخضع إمارة المؤمنين لهذه المنافسة ولا تستمد وظيفتها الدينية من عدد الأصوات التي تحصل عليها.
غير أن هذا التمييز يصبح أكثر تعقيدًا عندما يدخل إلى المجال الانتخابي حزب يستند إلى مرجعية إسلامية، ويستعمل في خطابه مفردات ومفاهيم مستمدة من الدين في مخاطبة مجتمع يشكل الإسلام أحد أهم مكونات هويته. فوجود قيم دينية في المجال السياسي ليس في ذاته أمرًا استثنائيًا؛ إذ يصعب أصلًا فصل المواقف السياسية للإنسان عن منظومته الأخلاقية والثقافية والدينية. لكن السؤال يبدأ عندما تتحول المرجعية من مصدر للقيم إلى مصدر للشرعية، ومن استلهام الإسلام في البرنامج السياسي إلى إضفاء قيمة دينية على الحزب نفسه أو على اختيار الناخب له.
وهنا تظهر المشكلة التي لا تخص حزبًا بعينه بقدر ما تتعلق ببنية المجال السياسي: هل يستطيع حزب، وهو بطبيعته يمثل جزءًا من المواطنين وينافس أحزابًا أخرى على السلطة، أن ينتج لنفسه شرعية دينية داخل نظام توجد فيه أصلًا مؤسسة دستورية تحمل صفة إمارة المؤمنين؟ وإذا كان ذلك ممكنًا، فما الحدود الفاصلة بين المرجعية الإسلامية للحزب والمرجعية الدينية الجامعة؟ وإذا لم يكن ممكنًا، فأين ينبغي رسم الحد بين حق السياسي في التعبير عن معتقده وبين تحويل المشترك الديني إلى مورد انتخابي؟
ولا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة بالاحتكام إلى الدستور وحده، لأن المسألة تتصل كذلك بالسؤال الأسبق عن العلاقة بين الدين والسلطة في المرجعية القرآنية نفسها. فالقرآن لا يقدم، في ذاته، تصميمًا مؤسسيًا مغلقًا لنظام الحكم، ولا يجعل اسم النظام السياسي معيارًا وحيدًا لمشروعيته؛ فقد عرض تجارب مختلفة للسلطة، وامتدح العدل والحكمة والشورى، وأدان الاستعلاء والظلم والإفساد. ولذلك يصبح من الضروري التمييز بين شكل الحكم والقيم التي تحكم ممارسته، وبين الانتساب إلى الدين وتحقيق المبادئ التي يجعلها القرآن معيارًا للصلاح.
وتزداد المسألة عمقًا عندما ننتقل من مفهوم الحكم إلى مفهوم الإيمان نفسه. فالآية 62 من سورة البقرة تذكر الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين، ثم تربط الأجر بالإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح. وفي القراءة التي ينطلق منها هذا المقال، يفتح ذلك مفهوم الإيمان على أفق أوسع من الانتماء الحزبي أو المذهبي الضيق، ويجعل احتكار جماعة سياسية لتمثيل «المسلمين» أو منح اختيارها السياسي قيمة دينية خاصة أمرًا يحتاج إلى مساءلة من داخل المرجعية الدينية نفسها، لا من خارجها فقط.
ومن هنا لن ينطلق هذا المقال من عبد الإله بنكيران أو حزب العدالة والتنمية، ولن يفترض مسبقًا أن وجود حزب ذي مرجعية إسلامية يتعارض مع النظام المغربي. بل سيبدأ من سؤال أسبق: كيف تنتظم الشرعية الدينية والشرعية السياسية في المغرب، وما الحدود التي تفصل بينهما؟ ثم سينتقل إلى القرآن للبحث في علاقة الحكم بالشورى والعدل والصلاح، وفي حدود احتكار الإيمان والتمثيل الديني، قبل أن يضع تجربة العدالة والتنمية وخطاب أمينه العام أمام هذا المعيار.
وعندئذ فقط يصبح ممكنًا أن نسأل بصورة أكثر دقة: عندما يربط زعيم سياسي التصويت لحزبه بنزول الرحمة الإلهية، أو يستدعي المرجعية الإسلامية وفلسطين والقيم الدينية في المنافسة الانتخابية، فهل ما يزال يمارس حقه في التعبير عن مرجعيته، أم ينتقل من الشرعية السياسية التي يمنحها المواطن إلى شرعية دينية يُطلب من المواطن التسليم بها؟
وبين هذين المستويين تقع إحدى أكثر المسائل حساسية في مستقبل التجربة الديمقراطية المغربية: كيف نحمي حق الدين في الحضور داخل المجتمع، وحق المؤمن في أن تكون لقيمه الدينية آثار في اختياراته السياسية، من دون أن يتحول الله أو الإسلام أو الرحمة أو الإيمان إلى رأسمال انتخابي يحتكره حزب في مواجهة بقية المواطنين؟
أولًا: البنية الدستورية للشرعية في المغرب
لا يمكن فهم العلاقة بين الدين والسياسة في المغرب من خلال وضع الملكية والأحزاب في مستوى واحد من الشرعية؛ فالدستور نفسه يميز بين وظيفتين مختلفتين، وإن اجتمعتا داخل النظام السياسي العام. فالملك يمارس اختصاصات دستورية بوصفه رئيس الدولة، ويحمل في الوقت نفسه صفة أمير المؤمنين بما يرتبط بها من وظائف دينية، بينما تعمل الأحزاب داخل مجال التعددية السياسية وتتنافس على تمثيل المواطنين والمشاركة في ممارسة السلطة.
ويظهر هذا التمييز بوضوح عند قراءة الفصلين 41 و42 من الدستور. فالفصل 41 ينص على أن «الملك، أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية»، ويربط بهذه الصفة رئاسة المجلس العلمي الأعلى والاختصاصات الدينية التي يمارسها الملك. أما الفصل 42 فيقدمه بصفته «رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة»، ويحدد الوظائف الدستورية والسياسية المرتبطة بهذه الصفة. وبذلك يميز النص نفسه، داخل المؤسسة الملكية، بين الوظيفة الدينية لإمارة المؤمنين والوظيفة السياسية والدستورية لرئاسة الدولة.
ولا يعني هذا الفصل الوظيفي وجود سلطتين منفصلتين داخل الملكية، وإنما يكشف أن مصادر الشرعية ووظائفها ليست متماثلة. فالسلطة السياسية تعمل داخل مؤسسات دستورية تتوزع بينها الاختصاصات، بينما ترتبط إمارة المؤمنين بمجال ديني لا يخضع للمنافسة الانتخابية ولا يتغير بتغير الأغلبية الحكومية. ولذلك لا يصبح الملك أميرًا للمؤمنين نتيجة انتخابات، كما لا تفقد إمارة المؤمنين وظيفتها عندما تتغير الأغلبية أو ينتقل حزب من الحكومة إلى المعارضة.
وفي الجهة المقابلة، يضع الفصل السابع الأحزاب داخل مجال مختلف تمامًا. فهي تعمل على «تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، وفي تدبير الشأن العام»، وتسهم في التعبير عن إرادة الناخبين والمشاركة في ممارسة السلطة «على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية، وفي نطاق المؤسسات الدستورية». والأهم بالنسبة إلى موضوعنا أن الفصل نفسه ينص صراحة على أنه «لا يجوز أن تؤسس الأحزاب السياسية على أساس ديني».
ولا ينبغي فهم هذا المنع باعتباره إخراجًا للدين من المجتمع أو منعًا للمتدينين من العمل السياسي. فذلك لا يقوله النص، ولا يستقيم أصلًا مع مجتمع يشكل الدين أحد مكونات هويته التاريخية والثقافية. وإنما يكشف، في أحد أبعاده، عن رفض تحويل الانتماء الديني نفسه إلى أساس قانوني لتكوين الحزب والتمييز السياسي بين المواطنين.
وهنا يظهر فارق جوهري بين المرجعية الدينية والشرعية الدينية. فقد يستلهم حزب في مواقفه قيمًا يعتبرها إسلامية، مثلما يستلهم حزب آخر قيمًا اشتراكية أو محافظة أو ليبرالية، وتبقى جميعها تصورات بشرية قابلة للنقاش والمراجعة والمحاسبة. لكن الأمر يتغير عندما ينتقل الحزب من القول إن برنامجه يستلهم فهمًا معينًا للإسلام إلى الإيحاء بأنه يتمتع، بسبب ذلك، بصفة دينية تميزه عن منافسيه أو تجعل التصويت له أقرب إلى مقتضيات الدين.
فالشرعية التي يمنحها الدستور للحزب سياسية وليست دينية. والحزب، مهما بلغت شعبيته، يظل تنظيمًا جزئيًا؛ قد يحصل على أغلبية الأصوات، وقد يحصل على أقلية منها، وقد يفقد معظم ناخبيه في اقتراع لاحق. ولا يترتب على أي من هذه النتائج أن المواطنين الذين صوتوا له أصبحوا أكثر إيمانًا، أو أن الذين رفضوه أصبحوا أقل انتماء إلى دينهم.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم خصوصية البناء المغربي بصورة أدق. فالدين، من خلال إمارة المؤمنين، موضوع في مستوى يراد له أن يكون جامعًا، بينما السياسة الحزبية موضوعة في مستوى تعددي وتنافسي. الجامع لا يدخل الانتخابات، والمتنافس لا يستطيع أن يدعي تمثيل الجامع.
لكن المسألة تصبح أكثر تعقيدًا عندما ننتقل من النص إلى الممارسة. فالحزب قد لا يكون مؤسسًا قانونًا «على أساس ديني»، ومع ذلك يستطيع خطابه السياسي أن يستثمر الرموز والمفاهيم الدينية في بناء شرعيته الانتخابية. وهنا لا تعود المسألة متعلقة بالاسم أو بالنظام الأساسي للحزب، وإنما بالطريقة التي يقدم بها نفسه إلى المواطنين: هل يطلب أصواتهم باعتباره حاملًا لبرنامج سياسي مستلهم من منظومة قيمية معينة، أم يربط اختيارهم له بعلاقتهم بالدين وبالله وبالرحمة والبركة والموقف من قضايا تُمنح دلالة عقدية وأخلاقية؟
وهذا التمييز يسمح كذلك بتجنب خطأ مقابل، هو اعتبار إمارة المؤمنين نفسها دليلًا على أن المغرب يقوم على نظام حكم فرضه القرآن. فالدستور يقرر وجود إمارة المؤمنين داخل النظام المغربي، لكن ذلك لا يعني أن القرآن حدد الملكية أو الجمهورية أو أي صيغة مؤسسية أخرى بوصفها الشكل الوحيد للحكم المشروع.
ومن هنا نصل إلى مستوى أسبق من السؤال الدستوري. فإذا كان الدستور المغربي قد نظم العلاقة بين إمارة المؤمنين والتعددية السياسية بهذه الصورة، فماذا يقول القرآن نفسه عن مصدر شرعية الحكم وطريقة ممارسته؟ وهل يمنح الشرعية لشكل معين من أشكال الدولة، أم يضع معايير تحكم السلطة أيًا كان شكلها؟
والإجابة عن هذا السؤال تقتضي العودة إلى مفهوم قرآني مركزي:
«وأمرهم شورى بينهم».
ومن هذه العبارة يبدأ انتقالنا من الشرعية التي ينظمها الدستور إلى المعيار الذي يقدمه القرآن للحكم؛ وهناك ستصبح تجربة بلقيس، إلى جانب داوود وسليمان ونقيضهم الفرعوني، مهمة للغاية، لأنها ستسمح لنا بالتمييز بين شكل السلطة والقيمة التي تنتجها طريقة ممارستها.
ثانيًا: المرجعية القرآنية للحكم — الشورى قبل شكل النظام
إذا كان الدستور المغربي يحدد البنية القانونية القائمة للعلاقة بين إمارة المؤمنين والمؤسسات السياسية، فإن الانتقال إلى القرآن يطرح سؤالًا مختلفًا وأسبق: هل حدد القرآن للمجتمع شكلًا بعينه لنظام الحكم، أم وضع مبادئ وقيمًا ينبغي أن تحكم ممارسة السلطة أيا كان الشكل الذي تتخذه؟
لا يقدم القرآن نموذجًا دستوريًا تفصيليًا للدولة، ولا يقرر أن الملكية أو الجمهورية أو الخلافة أو أي صيغة مؤسسية أخرى هي النظام الديني الواجب اتباعه. كما لا يجعل اسم الحاكم أو شكل انتقال السلطة إليه معيارًا كافيًا للحكم على مشروعية النظام. وبدل ذلك، تبرز في خطابه مجموعة من القيم التي تتصل بكيفية إدارة الشأن العام، وفي مقدمتها الشورى والعدل وعدم الاستعلاء والإفساد وأداء الأمانة وتحمل المسؤولية وقبول المحاسبة.
وتأتي قاعدة «وأمرهم شورى بينهم» (الشورى: 38) في هذا السياق بصياغة لافتة. فالآية لا تقول إن الشورى شأن الحاكم مع مستشاريه فحسب، وإنما تنسب الأمر إلى الجماعة: «أمرهم»، وتجعل تدبيره واقعًا «بينهم». ومن ثم فإن المبدأ يتجاوز مجرد استشارة اختيارية يجريها صاحب السلطة إلى تصور يجعل الأمر العام متعلقًا بالجماعة التي يقع عليها أثره.
ولا يحدد النص الشكل المؤسسي الذي ينبغي أن تتجسد فيه هذه الشورى. وهذا أمر مهم؛ لأن آليات التعبير عن إرادة المجتمع يمكن أن تتغير بتغير الأزمنة والمجتمعات، بينما يبقى المبدأ الذي ينبغي تحقيقه هو عدم احتكار الأمر العام وإقصاء الجماعة التي يتعلق بها.
بلقيس: ملكية تمارس الشورى
تقدم قصة ملكة سبأ مثالًا بالغ الدلالة على هذا التمييز بين شكل الحكم وكيفية ممارسته. فالقرآن يقدمها ملكة:
{إني وجدت امرأة تملكهم} (النمل: 23)،
لكنه عندما يعرض طريقة اتخاذها لقرار بالغ الخطورة يتعلق بمواجهة قوة خارجية يمثلها سليمان، لا يصورها حاكمة مستبدة بالقرار.
فبعد تلقيها كتاب سليمان، جمعت الملأ وقالت:
{يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرًا حتى تشهدون} (النمل: 32)
والعبارة شديدة الأهمية؛ لأنها تجمع بين وجود الملك وبين الامتناع عن الانفراد بالقرار. بل إن قومها، بعد أن ذكروها بما يمتلكونه من قوة، أعادوا القرار إليها:
{والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين} (النمل: 33).
ومع ذلك لم تندفع إلى الحرب، وإنما قدّرت الموقف واختبرت نيات سليمان قبل اتخاذ القرار.
واللافت أن بلقيس نفسها تقول بعد ذلك:
{إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون} (النمل: 34).
فالقرآن ينقل حكمها على سلوك الملوك، ثم يعقبه بعبارة «وكذلك يفعلون». لكن السياق لا يسمح بتحويل ذلك إلى إدانة للملكية في ذاتها؛ لأن المتحدثة نفسها ملكة، ولأن القرآن يعرض في مواضع أخرى داوود وسليمان في موقع الملك والحكم دون أن يجعل الملك في ذاته موضع الإدانة.
وهنا يظهر التمييز الأساسي: المشكلة ليست في اسم النظام، وإنما في العلاقات التي ينتجها استعمال السلطة. فالملك الذي يدخل البلاد مفسدًا ويذل أهلها شيء، والملكة التي تشاور قومها وتقدر عواقب الحرب شيء آخر.
داوود وسليمان: السلطة لا تُدان لمجرد كونها مُلكًا
وتؤكد تجربتا داوود وسليمان المعنى نفسه. فالقرآن يذكر الملك والسلطة والقوة في سياقهما من غير أن يجعل امتلاكها فسادًا في ذاته. وفي شأن داوود يقول:
{يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى} (ص: 26).
والدلالة هنا مهمة بالنسبة إلى موضوع الشرعية: امتلاك السلطة لا يعفي صاحبها من المعيار، بل يجعله خاضعًا له. المطلوب ليس مجرد أن يكون حاكمًا ذا صفة دينية، وإنما أن يحكم بالحق ولا يتبع الهوى.
والأمر نفسه يظهر في تجربة سليمان؛ فالملك الواسع والقدرة الكبيرة لا يمنحانه قيمة لمجرد امتلاكهما. بل يصبح السؤال متعلقًا بكيفية استخدام هذه القدرة والغاية التي توجهها. ومن ثم لا تنتج الصفة الدينية للحاكم، في ذاتها، شرعية مطلقة لممارسته السياسية.
وفي الجهة المقابلة: فرعون
وتصبح الصورة أوضح عند مقارنتها بالنموذج الفرعوني:
{إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا يستضعف طائفة منهم} (القصص: 4).
هنا تتجمع عناصر النموذج المضاد: العلو، وتقسيم المجتمع، والاستضعاف، والفساد. ولذلك لا تتعلق الإدانة باسم النظام السياسي، وإنما بما أنتجته السلطة من علاقات داخل المجتمع.
وهكذا نجد أمامنا ملكة تشاور، وملكين نبيين عادلين، وحاكمًا مستبدًا مفسدًا. ولو كان شكل النظام هو معيار الشرعية في ذاته لما احتاج القرآن إلى هذا التنوع في عرض تجارب الحكم.
القرآن لا يمنح النظام السياسي قداسة باسمه
ومن هذه النماذج يمكن استخلاص نتيجة مهمة بالنسبة إلى موضوعنا: القرآن لا يمنح الشرعية السياسية لمجرد الاسم الذي يحمله النظام أو الصفة الدينية التي يحملها الحاكم أو التنظيم السياسي. فالسلطة تُختبر بممارستها: بالشورى والعدل والحق والصلاح من جهة، وبالاستعلاء والاستضعاف والفساد من جهة مقابلة.
وهذا يعني أيضًا أن القول بوجود «نظام إسلامي» لمجرد أن حاكمه أو حزبه أو دستوره يستعمل صفة إسلامية لا يكفي لإثبات مطابقته للقيم القرآنية. كما أن نظامًا لا يحمل هذه الصفة لا يصبح بالضرورة مناقضًا لها إذا حقق في تنظيم الشأن العام قيم الشورى والعدل وحفظ الحقوق ومنع الظلم والفساد.
وهنا تبرز نتيجة شديدة الأهمية عندما نعود إلى المغرب: إمارة المؤمنين ليست مشروعة قرآنيًا لمجرد الاسم، كما أن الحزب الذي يتخذ المرجعية الإسلامية لا يكتسب شرعية قرآنية لمجرد المرجعية. كلاهما، عند الانتقال من الوصف الدستوري إلى المعيار القرآني، يصبح موضوعًا للتقويم وفق الوظيفة والممارسة والقيم والنتائج التي تنتجها ممارسة السلطة.
لكن هذا يقود إلى سؤال آخر لا يقل أهمية. فإذا كان القرآن لا يحتكر الشرعية السياسية في شكل واحد للحكم، فهل يحتكر الإيمان نفسه داخل جماعة دينية أو سياسية واحدة؟
هنا تصبح الآية 62 من سورة البقرة مفتاحًا للانتقال إلى المستوى التالي؛ لأنها ستنقلنا من سؤال: من يملك شرعية الحكم؟
إلى سؤال أعمق: من يملك أصلًا حق تمثيل المؤمنين والتحدث باسم الدين؟
وعند الإجابة عن هذا السؤال ستصبح حدود العلاقة بين إمارة المؤمنين والمرجعية الإسلامية الحزبية أكثر وضوحًا، قبل أن نضع حالة عبد الإله بنكيران وحزب العدالة والتنمية أمام هذا المعيار.
ثالثًا: من يملك حق تمثيل المؤمنين؟
إذا كان القرآن لا يجعل شرعية الحكم رهينة بشكل مؤسسي واحد، فإنه لا يجعل الإيمان كذلك ملكًا حصريًا لجماعة أو تنظيم أو هوية سياسية بعينها. وهنا تكتسب الآية 62 من سورة البقرة أهمية مركزية، لأنها تخرج النقاش من دائرة الانتماء الاسمي الضيق إلى معيار أوسع يقوم على الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح.
يقول تعالى:
{إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (البقرة: 62).
فالآية لا تلغي الفوارق بين الجماعات الدينية، لكنها ترفض اختزال القيمة الدينية في مجرد الانتساب الجماعي. وبهذا المعنى يصبح الإيمان أوسع من أن يحتكره حزب، أو أن يتحول إلى علامة انتخابية تفصل بين مواطنين ينتمون جميعًا إلى المجال الديني نفسه باختلاف الرسل والرسالات، أو إلى الوطن نفسه.
ومن هنا يظهر أن مفهوم أمير المؤمنين، في القراءة القرآنية التي ينطلق منها هذا المقال، لا ينبغي اختزاله في إمارة أتباع المعتقد المحمدي وحدهم، ما دام مفهوم الإيمان نفسه في القرآن أوسع من هذا الحصر. وهذه قراءة قرآنية لا ينبغي خلطها بالنص الدستوري ذاته؛ فالدستور لا يشرح مدلول «المؤمنين» بالآية 62. لكن وضع المفهومين إلى جانب بعضهما يسمح بطرح سؤال مهم حول الوظيفة الجامعة لإمارة المؤمنين: هل يُفترض أن تكون مرجعية لفئة دينية معينة، أم إطارًا يتجاوز التنافس بين المعتقدات الطائفية والاختيارات السياسية؟
وهذا التمييز يصبح أكثر أهمية في مجتمع حديث تتعدد داخله المواقف السياسية والاجتماعية، بينما يظل الانتماء الديني بالنسبة إلى أغلبية المواطنين جزءًا من هويتهم المشتركة. فالمغربي الذي يصوت لحزب يساري أو ليبرالي أو محافظ لا يفقد إسلامه بمجرد اختياره السياسي، كما أن المغربي الذي لا يصوت أصلًا لا يخرج من المجال الديني بسبب موقفه من الانتخابات. ومن ثم لا يمكن لأي حزب أن يحول نتيجة الصندوق إلى معيار ضمني لدرجة قرب المواطن من الدين.
وهنا يظهر الفرق بين تمثيل المواطنين سياسيًا وتمثيل المؤمنين دينيًا. الحزب يستطيع أن يدعي، إذا فاز، أنه حصل على تفويض سياسي من نسبة معينة من الناخبين، لكنه لا يستطيع تحويل هذه النسبة إلى تفويض ديني. فإذا حصل حزب ما على 20 أو 30 أو حتى 50 في المئة من الأصوات، فإن النسبة الباقية لا تصبح أقل إيمانًا ولا أقل استحقاقًا للرحمة أو الانتماء إلى الجماعة الوطنية والدينية.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم منع تأسيس الأحزاب على أساس ديني بصورة أعمق من مجرد المنع القانوني. فالمشكلة ليست فقط في الشكل التنظيمي، وإنما في حماية المجال الديني المشترك من أن يتحول إلى رأسمال خاص تستثمر فيه جماعة سياسية ضد جماعة أخرى.
وهنا ينبغي التفريق بدقة بين ثلاثة مستويات كثيرًا ما تختلط في النقاش.
- الأول هو المرجعية القيمية. فمن الطبيعي أن يستلهم السياسي المسلم قيمًا من القرآن أو من فهمه للدين، كما يستلهم غيره مبادئ أخلاقية وفلسفية من مصادر أخرى سماوية أو بشرية.
- الثاني هو البرنامج السياسي. وهذا اجتهاد بشري قابل للصواب والخطأ، ويمكن تقييمه من خلال نتائجه في الاقتصاد والتعليم والصحة والعدل والحريات وغيرها.
- أما الثالث فهو الشرعية الدينية الحزبية، وتبدأ عندما يتحول الحزب من القول إن برنامجه مستلهم من الإسلام إلى الإيحاء بأن اختياره هو الأقرب إلى الإسلام، أو أن التصويت له يرتبط بالرحمة أو البركة أو رضا الله.
وهنا يصبح الخلط خطيرًا، لأن الحزب ينتقل من المجال الذي يمكن فيه للناخب أن يناقشه ويحاكمه إلى مجال لا يمكن إخضاعه للأدوات نفسها. فلا يمكن قياس الرحمة الإلهية بعد انتهاء الولاية الحكومية، ولا يمكن مقارنة نسب البركة بين الأحزاب، ولا يستطيع المنافس السياسي أن يقدم برنامجًا بديلًا لـ«رضا الله» كما يقدم بديلًا اقتصاديًا أو اجتماعيًا.
ومن هنا يمكن صياغة قاعدة مركزية مفادها: إن كل ما يخضع للمحاسبة السياسية يجوز أن يدخل المنافسة الانتخابية، أما العلاقة بالله والإيمان والرحمة والثواب فلا يجوز تحويلها إلى امتياز حزبي.
وهذا لا يعني إقصاء الدين من المجال العام، بل العكس: يعني حمايته من الاختزال في التنظيمات السياسية المتغيرة. فالحزب يتغير قادته، وتتبدل برامجه، وينقسم أعضاؤه، ويخسر الانتخابات، بينما لا يمكن أن تتغير مكانة الدين مع كل دورة انتخابية.
وعند هذه النقطة فقط يصبح الانتقال إلى تجربة حزب العدالة والتنمية مشروعًا منهجيًا. فالسؤال لم يعد: هل الحزب إسلامي أم غير إسلامي؟ بل: كيف استخدم الحزب المرجعية الإسلامية في بناء شرعيته السياسية، وهل بقي داخل حدود الاستلهام القيمي أم انتقل في بعض لحظاته إلى منح اختياره الانتخابي قيمة دينية خاصة؟
وهنا يصبح تصريح عبد الإله بنكيران الذي ربط فيه التصويت له أو لحزب العدالة والتنمية بنزول الرحمة الإلهية مثالًا شديد الدلالة، لا لأنه وحده يكفي للحكم على الحزب، وإنما لأنه يكشف الحد الذي يمكن عنده أن تنتقل المرجعية من قيم توجه السياسة إلى قداسة تمنح للسياسة.
ومن هذا المثال سننتقل في القسم التالي إلى اختبار أوسع: ماذا يحدث عندما يدخل هذا الحزب نفسه الحكومة ويصبح مسؤولًا عن قرارات اقتصادية واجتماعية واستراتيجية واقعية؟ وهل تظل خصوصيته «الإسلامية» قابلة للتمييز في الممارسة، أم أن تجربة الحكم تكشف أنه يتحرك، مثل بقية الأحزاب، داخل ضرورات الدولة ومؤسساتها وموازينها؟
رابعًا: العدالة والتنمية أمام اختبار الحكم
إذا كان التمييز بين المرجعية القيمية والشرعية الدينية يبدو واضحًا على المستوى النظري، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما ينتقل الحزب من المعارضة والخطاب إلى ممارسة السلطة. فقد قاد حزب العدالة والتنمية الحكومة المغربية لعقد كامل تقريبًا، أولًا برئاسة عبد الإله بنكيران، ثم برئاسة سعد الدين العثماني. وهذه التجربة تتيح سؤالًا لا يتعلق بنوايا الحزب أو بتدين أعضائه، وإنما بطبيعة الممارسة نفسها: ما الذي ميز تجربة الحزب في الحكم باعتبارها تطبيقًا سياسيًا لمرجعية إسلامية؟
ينبغي منذ البداية تجنب جواب تبسيطي. فعدم تطبيق الحزب لما يسمى في الخطاب الإسلامي التقليدي «الشريعة» لا يشكل في ذاته إدانة له. فرئيس الحكومة في النظام المغربي لا يمتلك سلطة مطلقة لإعادة بناء النظام القانوني والدستوري وفق تصور حزبه، كما أن العدالة والتنمية وصل إلى الحكومة من خلال دستور قائم، وقبل قواعده ومؤسساته وتوزيع الاختصاصات داخله. ولذلك ليس من الإنصاف مطالبته، بعد وصوله إلى الحكم، بأن يتصرف كما لو أنه تسلم دولة ليعيد تأسيسها دينيا وسياسيا من الصفر.
لكن هذا الجواب نفسه يولد سؤالًا أكثر إحراجًا بالنسبة إلى الشرعية الدينية الحزبية.
فإذا كان الحزب حين يصل إلى السلطة يصبح حزبًا سياسيًا يدير الشأن العام داخل الدولة القائمة، ويخضع لميزانيتها ومؤسساتها والتزاماتها ومصالحها وتحالفاتها، فما الذي يبقى من صفته الإسلامية بما يسمح بتحويلها عند الانتخابات إلى عنصر يمنحه أفضلية دينية على منافسيه؟
لم تمنع حكومتا العدالة والتنمية اليانصيب، ولم تمنعا بيع الخمور، ولم تلغيا النظام المصرفي القائم على الفائدة الربوية، ولم تعيدا صياغة القانون المغربي باعتباره تطبيقًا حزبيًا للشريعة وخاصة الحدود. وليس المقصود هنا المطالبة بأي من ذلك، بل العكس تمامًا: هذه الوقائع تكشف أن الحزب نفسه، عندما مارس السلطة، قبل الفصل العملي بين مرجعيته الدينية وبين ضرورات إدارة دولة حديثة متعددة المؤسسات والمصالح.
بل إن القرارات الكبرى التي ارتبطت بحكومة بنكيران كانت في معظمها قرارات في السياسة العامة والاقتصاد والاجتماع يمكن أن تتخذها حكومة ذات مرجعية مختلفة. ومن أبرزها إصلاح نظام المقاصة وإخراج المحروقات من منظومة الدعم. وبنكيران نفسه لا يتنصل اليوم من هذا القرار، بل يدافع عنه ويفتخر به، وقد وصفه في أكثر من مناسبة بأنه من أهم القرارات الاقتصادية التي اتخذت في المغرب، مؤكدًا مسؤوليته عن تحرير المحروقات من المقاصة.
وهنا ينبغي أيضًا تجنب الاختزال المقابل. فمن غير الدقيق تحميل ذلك القرار وحده مسؤولية غلاء المعيشة الذي يعرفه المغرب اليوم؛ فقد مرت سنوات وتدخلت عوامل دولية ومحلية عديدة في تطور الأسعار. كما أن إصلاح المقاصة يمكن الدفاع عنه اقتصاديًا من زاوية استهداف الدعم وحماية المالية العمومية، ويمكن انتقاده اجتماعيًا من زاوية آثاره وتوقيت تطبيقه وآليات ضبط السوق بعد التحرير. لكن هذه المناقشة، أيًا كان الموقف منها، تظل مناقشة سياسية واقتصادية بشرية وليست مناقشة حول إسلام الحزب.
وهذه بالضبط هي نقطة الفصل الأساسية بين ما هو ديني وما هو سياسي.
فالناخب يستطيع أن يسأل بنكيران: هل كان تحرير المحروقات قرارًا صائبًا؟ من استفاد منه؟ هل وفرت الحكومة آليات كافية لحماية المستهلك؟ وهل كانت السياسات الاجتماعية المصاحبة كافية؟ ويستطيع بنكيران أن يجيب ويدافع عن حصيلته، وهو ما يزال يفعله حتى اليوم.
لكن لا يستطيع أي من الطرفين أن يحسم هذه المناقشة بالقول إن موقفًا بعينه هو «الإسلام»، لأن المسألة تتعلق باجتهاد في تدبير الاقتصاد والمالية العامة وتوزيع الكلفة الاجتماعية، وهو اجتهاد قابل للنقاش والتقويم.
الاختبار الأصعب: العثماني وإسرائيل
وتظهر حدود التمييز بين المرجعية الدينية وممارسة الدولة بصورة أكثر وضوحًا في ملف العلاقات مع إسرائيل.
ففي 22 ديسمبر 2020 كان سعد الدين العثماني يجمع بين صفتين شديدتي الدلالة بالنسبة إلى موضوعنا: رئيس الحكومة المغربية والأمين العام لحزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية. ومع ذلك كان هو الذي وقع باسم المغرب الإعلان الثلاثي مع الولايات المتحدة وإسرائيل، والذي ارتبط باستئناف العلاقات الرسمية بين الرباط وتل أبيب.
وقد أحدث الأمر اضطرابًا داخل البيئة السياسية للحزب، لكن موقف بنكيران نفسه آنذاك بالغ الأهمية لفهم المسألة؛ إذ رفض المطالبة بإقالة العثماني، وميز عمليًا بين موقف الحزب وبين مسؤولية الدولة، معتبرًا أن الاختلاف مع القرار لا ينبغي أن يصل إلى خذلان الدولة في لحظة حساسة.
وهذه واقعة تستحق التوقف عندها، لأنها تكشف أن بنكيران نفسه اعترف، عندما كان حزبه في الحكم، بوجود مستوى من مصلحة الدولة العليا يتجاوز الموقف الأيديولوجي للحزب.
لكن بعد انتقال العدالة والتنمية إلى المعارضة عاد موقفه المناهض للتطبيع إلى الواجهة. ففي 2022 أكد أن موقف الحزب الرافض للتطبيع «لم يتغير»، مع قوله في الوقت نفسه إن الحزب يتفهم موقف الدولة؛ وفي 2024 ذهب أبعد من ذلك وطالب بإعادة النظر في الاتفاقات مع إسرائيل، معتبرًا أنها لم يعد لها مبرر أخلاقي، وكأن العلاقات الدولية في المجال السياسي تقوم على الأخلاق لا المصالح.
ولا ينبغي استخدام هذه الوقائع لإثبات «نفاق» الحزب؛ فهذا وصف أخلاقي لا يحتاج إليه تحليلنا أصلًا. فقد يكون هناك تفسير سياسي مفهوم تمامًا: الحزب حين يرأس الحكومة يتحمل مسؤوليات الدولة، وحين يعود إلى المعارضة يستعيد حرية أكبر في التعبير عن مواقفه الأيديولوجية.
لكن قبول هذا التفسير يقود إلى نتيجة أهم.
فإذا كانت مصلحة الدولة تستطيع أن تقيد المرجعية الحزبية عندما يكون الحزب في الحكم، فإن المرجعية الإسلامية لا تستطيع في المقابل أن تمنح الحزب بعد خروجه من الحكم احتكارًا أخلاقيًا للموقف الذي لم يستطع تطبيقه عندما كان مسؤولًا عن الدولة.
وهنا يظهر الفارق بين أمرين كثيرًا ما يختلطان: من حق العدالة والتنمية أن يقول إنه يعارض التطبيع، ومن حقه أن يطالب الدولة بمراجعته، ومن حق الناخب أن يصوت له لهذا السبب. لكن تحويل القضية إلى معيار ضمني يميز «الموقف الإسلامي» عن مواقف بقية القوى السياسية يصبح أكثر إشكالًا عندما يكون الحزب نفسه قد قاد الحكومة التي وقع رئيسها وأمينه العام الإعلان الثلاثي.
من حصيلة الحكم إلى «نزول الرحمة»
وهنا نستطيع العودة إلى تصريح بنكيران الذي ربط فيه التصويت له أو للعدالة والتنمية بنزول الرحمة الإلهية.
فبعد تجربة الحزب في الحكم يصبح السؤال مختلفًا تمامًا. لم يعد الأمر نقاشًا نظريًا حول جواز استخدام مفردة دينية في خطاب شعبي، وإنما أصبح من الممكن وضع الشرعية المدعاة أمام سجل قابل للمحاسبة.
إذا كان التصويت للعدالة والتنمية يؤدي، ولو في خطاب مجازي، إلى «نزول الرحمة الإلهية»، فما الذي يجعل الاختيار الانتخابي لهذا الحزب تحديدًا حاملًا لهذه القيمة الدينية؟
هل تحرير المحروقات قرار إسلامي؟
هل إصلاح التقاعد إسلامي؟
هل توقيع الإعلان الثلاثي إسلامي؟
أم أنها جميعًا قرارات سياسية واقتصادية واستراتيجية اتخذتها حكومة داخل دولة لها مؤسساتها وقيودها ومصالحها وإكراهاتها، ويمكن للمواطن أن يقبلها أو يرفضها دون أن يتغير شيء في علاقته بالله؟
هذه الأسئلة لا تهدف إلى السخرية من المرجعية الإسلامية، بل تؤدي وظيفة معاكسة: فصل المقدس عن القرار البشري القابل للصواب والخطأ.
فإذا كان برنامج الحزب بشريًا، وحصيلته بشرية، وقراراته الاقتصادية اجتهادات بشرية، وتسوياته الحكومية بشرية، وحتى موقفه من قرار استراتيجي كبير مثل العلاقة مع إسرائيل يخضع لموازنة بين قناعة الحزب ومصلحة الدولة، فلا يوجد سبب يسمح بتحويل التصويت لهذا البرنامج البشري إلى اختيار ذي مردود غيبي.
وهنا نصل إلى نتيجة أكثر دقة من القول إن العدالة والتنمية «لم يطبق الإسلام»:
المشكلة ليست أن الحزب الإسلامي لم يطبق الإسلام عندما حكم؛ بل أن تجربته في الحكم أثبتت بنفسها أن إدارة الدولة مجال للاجتهاد السياسي البشري، بينما يستطيع خطابه الانتخابي أن يعود بعد ذلك إلى استدعاء المقدس لمنح هذا الاجتهاد البشري قيمة لا يستطيع البرنامج السياسي وحده إنتاجها.
ومن هنا يصبح خطاب عبد الإله بنكيران الحالي، على أبواب انتخابات 2026، أكثر أهمية. فبعد تجربة الحكم ثم الهزيمة الانتخابية والعودة إلى المعارضة، لا يقدم الرجل مجرد برنامج بديل، وإنما يعيد تركيب مجموعة من الموارد في خطاب واحد: الدين والأخلاق، والفقر والغلاء، والفساد والافتراس، وفلسطين والتطبيع، ونزاهة الانتخابات، واحتجاجات الشباب، واستحضار 2011، والتحذير من الاحتقان واضطراب الاستقرار.
والسؤال الذي ينبغي أن ننتقل إليه الآن ليس ما إذا كانت كل واحدة من هذه القضايا مشروعة في ذاتها؛ فأغلبها كذلك. وإنما:
كيف تجتمع هذه العناصر داخل خطاب واحد لإعادة بناء الشرعية السياسية للإسلام الحزبي بعد تجربة عشر سنوات في الحكم؟
وهنا سندخل إلى الحالة الراهنة لبنكيران، لا من باب الحكم على الرجل، وإنما من خلال تفكيك آليات الخطاب الذي يسعى به حزب العدالة والتنمية إلى العودة إلى مركز المنافسة السياسية في انتخابات 2026.
خامسًا: بنكيران والعودة إلى المنافسة — حين يجتمع الديني والاجتماعي والتحذير السياسي
لا يمكن قراءة الخطاب الأخير لعبد الإله بنكيران في الناظور باعتباره مجرد خطاب انتخابي مبكر يهدف إلى مهاجمة الحكومة واستعادة الناخبين الذين فقدهم حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2021. فالعناصر التي جمعها الخطاب تكشف محاولة أوسع لإعادة بناء موقع الحزب داخل المجال السياسي بعد تجربة الحكم والهزيمة والانتقال إلى المعارضة.
واللافت أن هذه العودة لا تقوم على المرجعية الدينية وحدها، ولا على الحصيلة الحكومية السابقة، وإنما على الجمع بين مصادر متعددة للشرعية: الأخلاق والاستقامة، والدفاع عن الفئات المتضررة، ومواجهة ما يصفه بالافتراس الاقتصادي، والدفاع عن فلسطين، وانتقاد التطبيع، والمطالبة بانتخابات نزيهة، واستحضار احتجاجات الشباب، ثم التحذير من أن استمرار الاختلالات قد يعرض الاستقرار نفسه للخطر.
وكل عنصر من هذه العناصر مشروع في ذاته داخل المنافسة الديمقراطية. فمن حق حزب معارض أن ينتقد الحكومة، ومن حقه أن يناقش توزيع الثروة والعدالة الاجتماعية، وأن يعارض السياسة الخارجية للدولة في الحدود التي يسمح بها النظام الدستوري، وأن يطالب بنزاهة الانتخابات، وأن يحذر من الاحتقان الاجتماعي. ولذلك فإن المشكلة التي نناقشها لا توجد في أي من هذه المواقف منفردًا، وإنما في القيمة التي يكتسبها اجتماعها داخل خطاب حزب يقدم نفسه تاريخيًا من خلال مرجعية إسلامية.
من «الاستقامة» إلى الشرعية الأخلاقية
يبدأ جزء مهم من خطاب بنكيران من مفردة تبدو سياسية وأخلاقية في الوقت نفسه: الاستقامة. ففي حديثه عن الانتخابات والتنمية ربط بين «الاستقامة على المستوى الديمقراطي» وبين قدرة البلاد على التقدم، وجعل نزاهة الانتخابات مدخلًا لاستعادة الثقة.
وهذا خطاب يمكن فهمه سياسيًا دون أي حمولة دينية ضرورية؛ فالاستقامة والنزاهة قيمتان عامتان. لكنهما داخل الخطاب المتراكم للإسلام السياسي تكتسبان دلالة إضافية، لأن المنافسة لا تعود بين برامج اقتصادية مختلفة فقط، وإنما يمكن أن تتحول إلى مقابلة بين السياسة النظيفة والسياسة الفاسدة، وبين الاستقامة والافتراس، وبين من يمثل القيم ومن خانها.
ولا توجد مشكلة ديمقراطية في هذا التقابل ما دام قابلًا للإثبات والمحاسبة. فإذا اتهم الحزب الحكومة بالفساد أو تضارب المصالح فعليه أن يقدم الوقائع، وللحكومة حق الرد، وللمؤسسات والقضاء والرأي العام تقييم الادعاء. لكن المشكلة تبدأ إذا انضمت إلى هذا التفوق الأخلاقي أفضلية دينية تجعل الحزب لا يقدم نفسه باعتباره أنزه من منافسيه فحسب، وإنما أقرب ضمنيًا إلى المرجعية الدينية للمجتمع.
وهنا تكتسب العبارة السابقة لبنكيران التي ربط فيها التصويت له أو للعدالة والتنمية بنزول الرحمة أهميتها. فهي لا تحتاج إلى أن تكون برنامجًا عقديًا مكتوبًا للحزب حتى تكشف إمكانية الانتقال من القول: نحن أصلح سياسيًا إلى الإيحاء: اختيارنا يحمل قيمة دينية أيضًا.
القضية الفلسطينية: بين الموقف السياسي والرأسمال الرمزي
وتحتل فلسطين موقعًا بالغ الحساسية في هذا البناء؛ لأنها ليست بالنسبة إلى المغاربة قضية خارجية مجردة، وإنما تحمل أبعادًا إنسانية ودينية تراثية وتاريخية قوية. ولذلك فإن استدعاءها انتخابيًا يوفر موردًا رمزيًا بالغ التأثير.
ومن حق العدالة والتنمية، شأنه شأن أي حزب مغربي، أن يتخذ الموقف الذي يراه من العلاقات مع إسرائيل. لكن تجربته الحكومية تجعل استخدام الملف أكثر تعقيدًا، لأن رئيس الحكومة والأمين العام للحزب سعد الدين العثماني كان أحد الموقعين على الإعلان الثلاثي في ديسمبر 2020.
وهذا لا يسقط حق الحزب في تغيير موقفه أو المطالبة بمراجعة سياسة الدولة؛ فالسياسة ليست التزامًا أبديًا بالمواقف السابقة. لكنه يفرض عليه عبئًا إضافيًا من الاتساق والتفسير. فإذا كان التوقيع في مرحلة الحكم ضرورة اقتضتها مصلحة الدولة، ينبغي تفسير ما الذي تغير بعد ذلك بحيث أصبح الموقف الذي تعايش معه الحزب في الحكومة عنصرًا أساسيًا في خطابه المعارض. وإذا كان التوقيع خطأ أخلاقيًا وسياسيًا من الأصل، يصبح من المشروع سؤال الحزب عن مسؤوليته عندما كان يقود الحكومة التي شاركت فيه.
وبذلك ينبغي ألا تتحول فلسطين إلى وسيلة لإغلاق النقاش، بحيث يصبح الاعتراض على موقف الحزب اعتراضًا على فلسطين نفسها. فالقضية إنسانية أوسع من أي حزب، تمامًا كما أن الإسلام أوسع من أي حزب.
من أزمة سبتة إلى أزمة الثقة
ويضيف خطاب الناظور عنصرًا آخر أكثر حساسية عندما يربط أحداث سبتة بالأوضاع الاجتماعية والسياسية الداخلية. فبنكيران لا يكتفي بالسؤال عن ملابسات ما حدث، وإنما ينتقل إلى السؤال عن الأسباب التي تدفع مواطنين إلى المخاطرة بحياتهم بحثًا عن مستقبل خارج البلاد، ويربط ذلك بأزمة الثقة والاحتقان الاجتماعي.
وهذا سؤال مشروع بل وضروري. فحجم المأساة يفرض مساءلة السياسات الاجتماعية والاقتصادية، كما يفرض معرفة ملابسات الحدث والمسؤوليات المرتبطة به.
لكن الخطاب ينتقل بعد ذلك إلى مستوى مختلف عندما يستحضر الأمن والاستقرار، ويشير إلى أن صبر المواطنين لا يمكن افتراض استمراره إلى ما لا نهاية، ويربط ذلك بما يسميه الإشارة الأولى التي ظهرت مع احتجاجات «جيل زد».
وهنا يتغير مستوى الخطاب من المحاسبة إلى التحذير.
فالقول إن السياسات السيئة قد تنتج احتجاجًا اجتماعيًا تحليل سياسي طبيعي. أما استدعاء تجربة 2011، وربط أزمة الثقة بالاحتقان وإمكان اضطراب الاستقرار، فيضع الحزب في موقع مزدوج: فهو ينافس على السلطة، لكنه يقدم نفسه في الوقت نفسه باعتباره قادرًا على قراءة الغضب الاجتماعي واحتوائه قبل أن يتحول إلى أزمة أكبر.
استدعاء 2011: الذاكرة التي صنعت الصعود
ولذلك ليس استحضار «نَفَس 2011» تفصيلًا عابرًا.
فالسنة التي يستدعيها بنكيران ليست مجرد تاريخ في مسار الديمقراطية المغربية؛ إنها اللحظة التي وفرت البيئة السياسية التي أوصلت العدالة والتنمية إلى رئاسة الحكومة. وبالتالي فإن العودة إليها تستحضر ضمنيًا ذاكرة سياسية محددة: ضغط اجتماعي واسع، إصلاح دستوري، انتخابات، ثم وصول الحزب إلى قيادة الحكومة.
لكن المغرب في 2026 ليس مغرب 2011، والعدالة والتنمية نفسه ليس الحزب الذي دخل تجربة الحكم للمرة الأولى. فقد أصبح جزءًا من التاريخ الحكومي الذي ينتقد نتائجه اليوم، وقاد السلطة التنفيذية قرابة عقد، واتخذ قرارات اقتصادية واجتماعية كبرى، ثم تعرض لهزيمة انتخابية قاسية.
ومن ثم لا يستطيع استعادة شرعية 2011 كما لو أن السنوات التي قضاها في الحكومة لم تقع.
وهنا يمكن صياغة السؤال الأكثر عدلًا للحزب:
هل يقدم العدالة والتنمية اليوم مشروعًا سياسيًا جديدًا يستحق به العودة إلى الحكم، أم يعيد بناء شرعيته – في غياب برنامج سياسي واضح - من خلال استحضار الظروف التي حملته إلى السلطة أول مرة؟
عندما يتحول التحذير إلى مورد سياسي
وهنا ينبغي التعامل بحذر شديد مع الحديث عن احتمال الاضطراب أو الانفجار الاجتماعي. فلا يجوز أن ننسب إلى بنكيران الدعوة إلى الفوضى ما لم يقل ذلك صراحة؛ فالتحذير من نتيجة ليس بالضرورة دعوة إليها وإن كان الخطاب يحيل ضمنيا إلى إمكانية حدوثها، وفق قراءة بنكيران للوضع السياسي الحالي.
لكن توجد مسافة ينبغي الحفاظ عليها بين أن يقول السياسي للدولة: هناك احتقان اجتماعي ينبغي علاجه، وبين أن تتشكل رسالة ضمنية مفادها: وجودنا داخل اللعبة السياسية يساعد على احتواء هذا الاحتقان، بينما إقصاؤنا قد يجعل النتائج أقل قابلية للسيطرة. هذا ابتزاز سياسي واضح.
لأنه إذا أمكن إثبات هذا النمط من خلال مجموعة متكررة من التصريحات، فسنكون أمام وظيفة سياسية معروفة في بعض تجارب الإسلام السياسي: تقديم التنظيم نفسه في الوقت ذاته باعتباره قوة معارضة للنظام القائم ووسيطًا قادرًا على حماية النظام من غضب اجتماعي أشد. الأمر الذي يمثل قمة النفاق السياسي.
وهنا تحديدًا ينبغي أن نكون صارمين في التوثيق قبل إصدار الحكم، لأن الفرق كبير بين التحذير الديمقراطي المشروع وبين تحويل احتمال الاضطراب إلى ابتزاز وورقة تفاوض سياسية.
ثلاثة مصادر للشرعية في خطاب واحد
عند جمع هذه العناصر، يمكن تمييز ثلاثة مستويات يحاول خطاب العودة أن يجمع بينها.
- هناك أولًا الشرعية السياسية: الانتخابات النزيهة، المشاركة الشعبية، المحاسبة، وانتقاد الحكومة.
- وهناك ثانيًا الشرعية الاجتماعية والأخلاقية: الدفاع عن المتضررين، مواجهة الغلاء والافتراس، واستعادة الثقة.
- ثم توجد المرجعية الدينية والرمزية: الإسلام، والرحمة الإلهية، وفلسطين، واللغة الأخلاقية التي صاحبت تاريخ الحزب "التقوى والأيادي النظيفة".
ولا تكمن قوة خطاب بنكيران في أي مستوى منفرد، وإنما في قدرته على الانتقال بينها بحيث يعزز بعضها بعضًا. المواطن الغاضب اقتصاديًا يجد خطابًا اجتماعيًا؛ والناخب المعارض للحكومة يجد خطابًا سياسيًا؛ والمتدين يجد مرجعية مألوفة؛ والمتعاطف مع فلسطين يجد موقفًا قويًا من إسرائيل؛ والخائف من اضطراب البلاد يجد زعيمًا يقدم المشاركة السياسية وسيلة لاستعادة الثقة.
وهذا يفسر جانبًا من الفاعلية الشعبوية لخطاب بنكيران، لكنه يكشف في الوقت نفسه المشكلة التي بدأ منها مقالنا.
فحين تتداخل هذه المستويات، يصبح من الصعب معرفة أين تنتهي المنافسة السياسية وأين تبدأ الشرعية الدينية. وإذا أصبح الحزب حاملًا في آن واحد لمظلومية الفقير، ونزاهة الديمقراطي، وأخلاق المتدين، والدفاع عن فلسطين، والتحذير من غضب الشارع، فإن المنافس السياسي لا يواجه برنامجًا انتخابيًا فقط، وإنما بناءً رمزيًا متعدد الطبقات للشرعية، بناء يزرع الخوف في المجتمع ويبشر بالخلاص المشروط بوصول الحزب إلى السلطة.
وهنا ينبغي العودة إلى القاعدة الدستورية والقرآنية التي أسسناها في بداية المقال: التعدد السياسي مشروع وضروري، والمرجعية الأخلاقية حق لكل فاعل، والدين حاضر في المجتمع ولا يمكن عزله عن ضمير أفراده؛ لكن المشترك الديني لا ينبغي أن يتحول إلى ملكية حزبية، كما لا ينبغي أن تصبح العلاقة بالله وسيلة لترجيح ورقة انتخابية على أخرى.
وهذا يقودنا إلى السؤال الأخير، وربما الأصعب في المقال كله:
هل المشكلة إذن في حزب العدالة والتنمية، أم في مفهوم «الحزب الإسلامي» نفسه داخل دولة تجعل إمارة المؤمنين مرجعيتها الدينية الجامعة؟
فإذا كان الحزب، عندما يصل إلى الحكم، يمارس السياسة باعتبارها اجتهادًا بشريًا خاضعًا لمؤسسات الدولة ومصالحها وقيودها، وإذا كان المواطن يستطيع محاسبته على قراراته مثل أي حزب آخر، فقد يكون السؤال الذي ينبغي طرحه على الإسلام السياسي المغربي بعد تجربته الطويلة في الحكم ليس كيف يستعيد السلطة، وإنما ما الذي بقي من الحاجة السياسية إلى الصفة الدينية للحزب أصلًا؟
سادسًا: من أزمة الحزب الإسلامي إلى سؤال الحاجة إليه
يقود تحليل تجربة العدالة والتنمية إلى سؤال يتجاوز الحزب نفسه وعبد الإله بنكيران وشخصيته السياسية: ما الوظيفة التي يؤديها وصف حزب سياسي بأنه «إسلامي» داخل دولة مسلمة، يجعل دستورها الإسلام دين الدولة، ويضع تدبير المجال الديني في إطار إمارة المؤمنين، ثم يفتح المجال السياسي أمام أحزاب متعددة تتنافس على أساس البرامج والانتخابات؟
لا يتعلق السؤال بحق المواطنين المتدينين في التنظيم السياسي، فهذا حق لا ينبغي أن يكون موضع نقاش. كما لا يتعلق بحقهم في استلهام القرآن أو قيمهم الدينية عند صياغة مواقفهم من العدالة أو الاقتصاد أو الأسرة أو التضامن أو العلاقات الدولية. فالإنسان لا يدخل المجال السياسي بعد أن يتجرد من منظومته الأخلاقية.
إنما يتعلق السؤال بشيء آخر: ما الذي تضيفه الصفة الدينية إلى الحزب بوصفه حزبًا؟
إذا كانت الإضافة تعني منظومة قيم يسترشد بها أعضاؤه، فلا توجد مشكلة مبدئية؛ لأن الأحزاب جميعًا تنطلق بدرجات مختلفة من تصورات فلسفية وأخلاقية حول الإنسان والمجتمع والدولة.
أما إذا كانت الصفة تعني أن الحزب أقرب من غيره إلى تمثيل الإسلام سياسيًا، فإن المشكلة تعود من جديد: من منحه هذا التفويض؟ وبأي معيار يمكن إثباته؟ وماذا يكون الموقع الديني للمسلمين الذين يرفضون برنامجه ويصوتون لمنافسيه؟
الدولة المسلمة لا تحتاج بالضرورة إلى حزب يمثل الإسلام
تكشف التجربة المغربية عن مفارقة تستحق التأمل. فالإسلام لم يدخل المجال العام مع تأسيس العدالة والتنمية، ولن يخرج منه إذا اختفى الحزب. فهو حاضر في الدستور والمؤسسات والثقافة والمجتمع وحياة المواطنين، وتوجد مؤسسة إمارة المؤمنين والمجالس العلمية ووزارة الأوقاف والمساجد ومختلف أشكال التدين الفردي والجماعي.
وبالتالي لا يستطيع حزب سياسي أن يجعل وجود الإسلام في الدولة متعلقًا بوجوده هو.
وهنا يظهر الفرق بين حزب للمسلمين وحزب من المسلمين.
الأول يحمل ضمنًا ادعاء تمثيل جماعة دينية؛ أما الثاني فهو تنظيم سياسي أسسه مواطنون مسلمون، مثلما يمكن أن يكون أعضاء أحزاب أخرى مسلمين أيضًا، ويقدم برنامجًا بشريًا للمجتمع يخضع للنقد والانتخابات والمحاسبة.
وهذا الفرق قد يبدو لغويًا، لكنه سياسي عميق. فالحزب «من المسلمين» لا يحتاج إلى إثبات إسلام منافسيه أو نفيه، ولا يكتسب صوته قيمة دينية خاصة، ولا تتحول هزيمته الانتخابية إلى هزيمة للإسلام. أما الحزب الذي يربط هويته السياسية بتمثيل الدين فإنه يواجه باستمرار صعوبة الفصل بين مصير التنظيم ومصير المرجعية التي يستند إليها.
تجربة الحكم نزعت القداسة عن السياسة
وربما كان أهم ما قدمته عشر سنوات من مشاركة العدالة والتنمية في قيادة الحكومة المغربية أنها كشفت عمليًا، بصرف النظر عن تقييم حصيلتها، أن السياسة مجال للاجتهاد البشري.
فالحزب تفاوض لتشكيل الأغلبية، وتحالف مع أحزاب تختلف عنه أيديولوجيًا، وأدار الميزانية، واتخذ قرارات اقتصادية واجتماعية، ودافع عن بعضها وتراجع عن بعضها، ودخل في خلافات داخلية، وأُعفي بنكيران من تشكيل الحكومة بعد تعثر المشاورات سنة 2017، ثم تولى العثماني القيادة، وانتهت التجربة بهزيمة انتخابية كبيرة سنة 2021.
لا شيء في هذه العمليات يحتاج إلى تفسير ديني. إنها السياسة بما تتضمنه من مصالح وموازين قوى وتسويات ونجاحات وإخفاقات.
وهذه ليست حجة ضد العدالة والتنمية؛ بل يمكن النظر إليها بوصفها أحد أهم آثار تجربته السياسية: لقد أثبت الحزب بالممارسة أن الإسلاميين، عندما يدخلون مؤسسات الدولة، يصبحون سياسيين يمكن محاسبتهم مثل غيرهم.
لكن هذه النتيجة تخلق مأزقًا عندما يراد بعد ذلك استعادة أفضلية دينية في المنافسة الانتخابية. فإذا كانت الممارسة بشرية عندما يُحاسب الحزب على حصيلته، فلا يمكن أن تصبح دينية عندما يطلب أصوات المواطنين.
الإسلام لا يدخل المعارضة عندما يخسر الحزب الانتخابات
وتكشف هزيمة العدالة والتنمية في انتخابات 2021 هذه المسألة بصورة أوضح.
فقد خسر الحزب موقعه في الحكومة وتراجع تمثيله البرلماني بصورة حادة، لكن الإسلام لم يخسر الانتخابات؛ الذي خسرها حزب سياسي. ولم يصبح الناخبون الذين صوتوا لأحزاب أخرى أقل إسلامًا بسبب اختيارهم.
وهذه حقيقة تبدو بديهية، لكنها تقوض أحد أخطر الالتباسات التي يمكن أن ينتجها الإسلام الحزبي: الخلط بين الدفاع عن التنظيم والدفاع عن الدين.
فالناخب يستطيع أن يعاقب الحزب بسبب الأسعار أو التقاعد أو التعليم أو البطالة أو تدبير الحكومة أو حتى بسبب أسباب غير موضوعية، من دون أن يكون موقفه حكمًا على الإسلام. كما يستطيع أن يعيد الحزب إلى السلطة في انتخابات لاحقة من دون أن يعني ذلك أن المجتمع أصبح أكثر تدينًا.
الصندوق يقيس القوة الانتخابية للأحزاب، لا درجة إيمان المجتمع.
المشكلة ليست في المرجعية بل في الاحتكار
ومن هنا لا تقودنا المناقشة إلى ضرورة إلغاء الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، ولا إلى إخراج الدين من السياسة. فهذا سيكون انتقالًا من احتكار إلى احتكار مقابل.
المطلوب أدق من ذلك: نزع الاحتكار السياسي عن الدين.
فمن حق العدالة والتنمية أن يستلهم القرآن، لكن من حق عضو حزب آخر أن يفعل الشيء نفسه. ومن حق بنكيران أن يتحدث عن العدل والفساد من منطلق ديني وفلسطين من منطلق أخلاقي وإنساني، لكن لا يصبح موقفه لهذا السبب الموقف الإسلامي الوحيد الممكن.
بل قد يختلف مسلمان حول سياسة الدعم أو الضرائب أو العلاقات الدولية أو إصلاح التقاعد، ويستند كل منهما إلى تصور أخلاقي يراه أقرب إلى العدل، دون أن يمنح الاختلاف أحدهما حق إخراج الآخر من المرجعية الدينية المشتركة.
وهنا يصبح مبدأ «وأمرهم شورى بينهم» أكثر من قاعدة في تنظيم الحكم؛ فهو يقتضي، في المجال السياسي، الاعتراف بأن تدبير الشأن العام لا يحتكره من يدعي امتلاك تفسير ديني نهائي له. فالشورى لا تكون ذات معنى إذا كان أحد أطرافها يدخل النقاش وهو يمتلك مسبقًا جواب الله الذي ينبغي على الآخرين اتباعه.
إمارة المؤمنين وحماية المشترك من التحزب
ومن هذه الزاوية يمكن إعادة النظر في الوظيفة السياسية غير المباشرة لإمارة المؤمنين داخل النموذج المغربي.
فإذا بقيت المرجعية الدينية في مستوى جامع خارج المنافسة الانتخابية، فإن ذلك يمكن أن يؤدي وظيفة تتجاوز تنظيم الحقل الديني: منع أي حزب من احتكار الإسلام وتحويله إلى مورد في الصراع على السلطة.
وهنا ينبغي مرة أخرى الفصل بين ما يقرره الدستور وبين القراءة التي نقدمها له. فالدستور لا يقول بهذه العبارة إن وظيفة إمارة المؤمنين هي منع الإسلام السياسي. لكن الجمع بين الفصل الذي يمنح الملك الاختصاص الديني والفصل الذي يمنع تأسيس الأحزاب على أساس ديني يسمح بقراءة بنيوية مفادها أن النظام المغربي يفصل بين المشترك الديني والتعدد السياسي.
وبهذا المعنى لا يكون التحدي في وجود حزب ذي مرجعية إسلامية، وإنما في احترام الحدود بين المجالين.
يمكن للحزب أن يقول: نحن مسلمون ونفهم العدل بهذه الطريقة.
لكن يصعب قبول انتقاله إلى: هذه هي السياسة الإسلامية، ومن ثم فإن اختيارنا يحمل قيمة دينية خاصة.
لأن العبارة الثانية لا تنافس برنامجًا ببرنامج، وإنما تضع أحد المتنافسين في موقع يمتلك فيه مصدرًا للشرعية لا يستطيع الآخرون منازعته سياسيًا؛ إذ يصبح الاعتراض عليه معرضًا لأن يُقرأ اعتراضًا على المرجعية التي يدعي تمثيلها.
وربما يكون مستقبل الإسلام السياسي في التخلي عن «احتكار الإسلامي»
وهنا يمكن قلب السؤال الذي يطرح عادة حول مستقبل العدالة والتنمية.
فبدل السؤال: هل يستطيع الحزب الإسلامي العودة إلى الحكم في انتخابات 2026؟
يمكن طرح سؤال أعمق:
هل يحتاج العدالة والتنمية إلى أن يبقى «الحزب الإسلامي» لكي يعود إلى الحكم؟
قد تكون تجربته السياسية نفسها قد تجاوزت هذا الوصف.
فبعد سنوات الحكم والمعارضة أصبح لديه سجل سياسي يمكن أن يدافع عنه: تجربة في إدارة الحكومة، ومواقف اقتصادية واجتماعية، وكوادر، وقاعدة انتخابية، وتصور للدولة، وموقف من الفساد وتوزيع الثروة والسياسة الخارجية. وكل ذلك يكفي ليقدم نفسه إلى الناخب بوصفه حزبًا سياسيًا.
وإذا كان يعتقد أنه أدار الدولة أفضل من خصومه، فليبرهن على ذلك بالأرقام والنتائج. وإذا كان يعتقد أن تحرير المحروقات كان إصلاحًا ناجحًا، فليدافع عنه اقتصاديًا. وإذا كان يرى أن الحكومة الحالية أخفقت اجتماعيًا، فليقدم بديلًا. وإذا كان يعارض العلاقات مع إسرائيل، فليوضح كيف سيؤثر ذلك على المصلحة العليا للوطن وكيف سيتعامل معها إذا عاد إلى رئاسة الحكومة.
كل هذه أسئلة يستطيع المواطن أن يحكم عليها.
أما السؤال الذي لا ينبغي أن يدخل صندوق الاقتراع فهو:
أي حزب أقرب إلى الله؟
لأن الديمقراطية تستطيع عد الأصوات، لكنها لا تستطيع عد المؤمنين، ولا قياس الرحمة، ولا توزيع البركة بين اللوائح الانتخابية.
ومن هنا ربما نصل إلى المفارقة الأعمق في تجربة الإسلام السياسي المغربي: كلما نضج الحزب سياسيًا، قلت حاجته إلى احتكار الصفة الإسلامية؛ وكلما احتاج إلى استدعاء هذه الصفة لمنح نفسه أفضلية انتخابية، كشف عن ضعف ما يقدمه بوصفه حزبًا سياسيًا قابلًا للمحاسبة مثل غيره.
وهذا يعيدنا إلى نقطة البداية، لكن بعد أن أصبح السؤال أكثر وضوحًا. فالمغرب لا يواجه بالضرورة صراعًا بين الإسلام والديمقراطية، ولا بين الملكية والحزب الإسلامي. المسألة الأدق هي كيفية توزيع الشرعية داخل نظام يجمع مرجعية دينية جامعة وتعددية سياسية تنافسية.
وعند هذه النقطة يمكن أن تأتي الخاتمة لتجمع الخيوط كلها: الدستور، والقرآن، وإمارة المؤمنين، والشورى، وتجربة العدالة والتنمية، وخطاب بنكيران، ثم تنتهي إلى السؤال الذي يهم انتخابات 2026: هل يتنافس المغاربة على البرامج التي تدير دولتهم، أم على من يملك حق الحديث باسم دينهم؟
خاتمة: الدين مشترك جامع والسياسة مجال للاختيار
يكشف النقاش حول موقع الإسلام السياسي في المغرب أن المسألة أعمق من التنافس بين حزب العدالة والتنمية وخصومه، وأبعد من الجدل حول عبد الإله بنكيران وخطابه السياسي. فالسؤال في جوهره يتعلق بطبيعة الشرعية داخل النظام المغربي، وبالحدود التي تفصل بين ما هو ديني جامع وما هو سياسي تنافسي.
لقد بنى الدستور المغربي معادلة خاصة لا تقوم على إقصاء الدين من الدولة، ولا على تحويل الدولة إلى سلطة دينية تدير السياسة باسم المقدس. فالملك يمارس، بصفته أمير المؤمنين، وظائف دينية محددة دستوريًا، بينما يقوم المجال السياسي على التعددية الحزبية والانتخابات والتنافس على ممارسة السلطة. وفي الوقت نفسه يمنع الدستور تأسيس الأحزاب على أساس ديني، بما يرسم حدًا بين المرجعية الدينية المشتركة وبين التنظيم السياسي الذي لا يمثل، مهما اتسعت قاعدته الانتخابية، إلا جزءًا من المواطنين.
لكن العودة إلى القرآن تكشف أن المسألة أعمق من هذا التنظيم الدستوري. فالقرآن لا يقدم نظامًا سياسيًا واحدًا باعتباره الشكل الإلهي للحكم، ولا يمنح الملكية أو غيرها شرعية لمجرد الاسم. لقد عرض داوود وسليمان في موقع الملك، وقدم ملكة سبأ وهي تشاور قومها ولا تستبد بالقرار، وفي المقابل أدان نموذج فرعون القائم على العلو وتقسيم المجتمع والاستضعاف والإفساد.
وبذلك ينتقل المعيار من اسم النظام إلى كيفية ممارسة السلطة، ومن هوية الحاكم إلى ما ينتجه حكمه من عدل أو ظلم، وصلاح أو فساد، وشورى أو استبداد.
وتؤكد الآية 62 من سورة البقرة، وفق القراءة التي اعتمدها هذا المقال، مبدأ آخر لا يقل أهمية: أن العلاقة بالله لا تختزل في الانتساب إلى جماعة مغلقة، وأن الإيمان والعمل الصالح لا يمكن تحويلهما إلى ملكية سياسية خاصة. ومن هنا يصبح الدين أوسع من الحزب، والإيمان أوسع من الصندوق، والرحمة الإلهية أوسع من أن ترتبط بلائحة انتخابية.
وهذا بالضبط ما يجعل تجربة حزب العدالة والتنمية ذات أهمية خاصة. فقد أتاحت سنوات وجوده في رئاسة الحكومة اختبار الفارق بين المرجعية والممارسة. فعندما انتقل الحزب من المعارضة إلى إدارة الدولة، وجد نفسه أمام الاقتصاد والميزانية والتقاعد والمقاصة والمحروقات والتحالفات الحكومية والسياسة الخارجية ومصالح الدولة. وأصبحت قراراته، مثل قرارات غيره، اجتهادات سياسية يمكن الدفاع عنها أو نقدها وقياس نتائجها.
وليس في ذلك ما ينتقص من الحزب؛ بل ربما كانت هذه إحدى أهم نتائج تجربته التاريخية. فقد أثبتت مشاركته في الحكم أن السياسي ذا المرجعية الإسلامية، عندما يتحمل مسؤولية الدولة، يواجه القيود والمصالح والموازنات نفسها التي يواجهها غيره، وأن التدين الشخصي أو المرجعية الفكرية لا يقدمان إجابات جاهزة عن سعر المحروقات أو إصلاح التقاعد أو السياسة الضريبية أو العلاقات الدولية.
لكن هذا النجاح في تطبيع الإسلاميين مع السياسة يولد في المقابل سؤالًا عن مشروعية إعادة إضفاء القداسة على الحزب عندما يعود إلى الانتخابات.
فإذا كانت القرارات بشرية عندما يُحاسب الحزب عليها، فلا يمكن أن تصبح دينية عندما يطلب أصوات المواطنين.
وإذا كان من حق العدالة والتنمية الدفاع عن حصيلته وانتقاد الحكومة والمطالبة بانتخابات نزيهة ومعارضة التطبيع والدفاع عن فلسطين، فإن هذه كلها مواقف سياسية مشروعة ينبغي أن تواجه بمواقف سياسية مضادة. أما ربط التصويت للحزب بنزول الرحمة الإلهية فينقل المنافسة إلى مستوى آخر، لأن المواطن لا يعود أمام برنامج يمكن قياسه، وإنما أمام قيمة غيبية لا يستطيع منافس سياسي مناقشتها ولا يستطيع الناخب محاسبة الحزب عليها.
وهنا تكمن الحدود التي ينبغي ألا تضيع.
ليس المطلوب إخراج الدين من السياسة، وإنما منع استغلال الدين سياسيًا.
فمن حق بنكيران أن يستلهم القرآن، ومن حق خصمه السياسي المسلم أن يستلهمه أيضًا. ومن حق العدالة والتنمية أن يعتبر العدالة قيمة إسلامية، لكن لا يترتب على ذلك أن يصبح فهمه للعدالة هو الإسلام نفسه. ومن حق الحزب أن يعارض التطبيع انطلاقًا من مرجعيته، لكن فلسطين لا تصبح ملكًا سياسيًا له، كما أن توقيع أمينه العام السابق ورئيس الحكومة سعد الدين العثماني على الإعلان الثلاثي يذكر بأن مقتضيات الدولة قد تختلف عن المواقف التي يستطيع الحزب اتخاذها من موقع المعارضة.
وبالمثل، فإن المطالبة بانتخابات نزيهة ليست امتيازًا للعدالة والتنمية، بل حق لجميع المغاربة وشرط لصحة العملية الديمقراطية نفسها. وانتقاد الفساد والافتراس والغلاء والبطالة واختلال توزيع الثروة لا يحتاج إلى شرعية دينية؛ تكفيه شرعية المواطن الذي يطالب بحكم أفضل.
ومن هنا ينبغي التعامل كذلك بجدية مع تحذيرات بنكيران من الاحتقان واستحضاره 2011. فمن حق السياسي أن ينبه إلى مخاطر فقدان الثقة، بل قد يكون من واجبه فعل ذلك. لكن المسؤولية تقتضي في المقابل ألا يتحول الخوف من الاضطراب إلى رأسمال سياسي، وألا تنشأ معادلة ضمنية تجعل وجود حزب بعينه شرطًا للاستقرار أو إقصاءه مقدمة للفوضى. الديمقراطية لا تكون سليمة إلا عندما يستطيع أي حزب أن يخسر دون أن يخسر معه النظام، وأن يفوز دون أن تصبح الدولة ملكًا له.
وهنا تظهر القيمة الأعمق لإمارة المؤمنين إذا قرئت باعتبارها مؤسسة دينية جامعة خارج المنافسة الحزبية. فوظيفتها، بهذا المعنى، لا ينبغي أن تكون منح أفضلية سياسية لحزب أو تيار، بل حماية المجال الديني من الانقسام الحزبي نفسه، بحيث يبقى المواطن حرًا في اختيار من يدبر شؤونه السياسية دون أن يتحول اختياره إلى امتحان في إيمانه.
وهذا ينسجم مع مفهوم أوسع للمؤمنين لا يحول الدين إلى هوية حزبية مغلقة، ومع مبدأ الشورى الذي يجعل «أمرهم» واقعًا «بينهم»، لا محتكرًا من جماعة تزعم أنها تعرف مسبقًا الخيار الذي يريده الدين من الجميع.
وربما تكون هذه هي المسألة التي سيواجهها الإسلام السياسي المغربي مع اقتراب انتخابات 2026. فبعد تجربة طويلة في المعارضة ثم عقد تقريبًا في رئاسة الحكومة ثم العودة إلى المعارضة، لم يعد كافيًا أن يسأل حزب العدالة والتنمية المغاربة إن كانوا يريدون عودة «الإسلاميين». الأجدر أن يقدم لهم ما يقدمه أي حزب يسعى إلى الحكم: ماذا تعلم من تجربته؟ أين أخطأ؟ أين أصاب؟ ماذا سيغير؟ وما البرنامج الذي يقترحه لمعالجة مشكلات المغرب المقبلة؟
وعندئذ يستطيع المواطن أن يختار.
يصوت للعدالة والتنمية أو ضده، للأحرار أو ضده، لليسار أو للمحافظين، أو يرفض جميع العروض السياسية المتاحة. وكلها اختيارات بشرية قابلة للمراجعة في الانتخابات التالية.
أما إيمانه فلا يدخل صندوق الاقتراع.
ورحمة الله لا توزعها صناديق الانتخابات.
والدين، إذا كان مشتركًا جامعًا، لا يفوز حزب باسمه ولا يخسر بخسارته.
وهنا ربما تكمن المعادلة التي يحتاج إليها المغرب أكثر من البحث عن شرعيتين متنافستين: مرجعية دينية لا تتحزب، وسياسة لا تتقدس، وديمقراطية تجعل الحكم للشورى والمحاسبة، وتترك الإيمان بين الإنسان وربه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق