هل بدأ المغرب معركة إجبار إسبانيا على التفاوض حول سبتة؟

 

قراءة في تصعيد الرسائل السياسية بين الرباط ومدريد


لم تعد أزمة سبتة التي اندلعت في 30 و31 يوليو 2026 مجرد أزمة هجرة جماعية على حدود مدينة تديرها إسبانيا ويطالب بها المغرب. فخلال أقل من شهر، انتقلت القضية من السياج الحدودي إلى تصريحات الوزراء، ومنها إلى النقاش حول الضغط السياسي عن طريق الطاقة والكهرباء والمصالح الاقتصادية، ثم إلى مجلس الأمن القومي الإسباني، قبل أن تصل إلى مجلس ديني يرأسه الملك محمد السادس، حيث استُحضرت سبتة وعلماؤها وذاكرة تعبئة المغاربة لتحرير المدن المحتلة.


هذا التتابع هو الذي يمنح الأزمة دلالتها السياسية الحقيقية.


فلو تعلق الأمر فقط بعشرات الآلاف الذين تحركوا نحو سبتة في نهاية يوليو، لكان من الممكن قراءة ما حدث باعتباره أزمة حدودية ضخمة انتهت بمجرد استعادة المغرب السيطرة على حدوده وتشديد المراقبة ومنع موجات جديدة. لكن الذي وقع بعد ذلك كان مختلفًا: انتهت الموجة البشرية تقريبًا، بينما استمر التصعيد السياسي.../...


وهنا يبدأ السؤال:


إذا كان الهدف المغربي هو مجرد الضغط من أجل تحسين شروط التعاون في ملف الهجرة، فلماذا عاد ملف السيادة على سبتة ومليلية إلى الخطاب الرسمي؟ ولماذا تحدث وزير العدل عبد اللطيف وهبي عن الحقوق التاريخية والجغرافية للمغرب وعن الحوار و«النفس الطويل»؟ ولماذا جاء الرد الإسباني بهذه الحدة؟ ثم لماذا، بعد إغلاق مدريد باب التفاوض، تظهر سبتة مرة أخرى، لكن هذه المرة داخل خطاب ديني أمام الملك، مقرونة بذاكرة «تعبئة» المغاربة لتحرير المدن المحتلة؟


ربما لا نستطيع حتى الآن إثبات وجود خطة مغربية متكاملة بمراحل محددة. لكن يصعب، في المقابل، قراءة كل محطة منفصلة عن التي سبقتها. والأكثر أهمية أن إسبانيا نفسها لم تتعامل معها بهذه الطريقة.



حين تكلمت الحدود: كانت الرسالة الأولى غير مكتوبة


عندما اندفعت أعداد ضخمة من المهاجرين نحو سبتة، ظهر خلال ساعات شيء تعرفه مدريد وبروكسل منذ سنوات، لكن الأزمة جعلته محسوسًا بصورة غير مسبوقة: الحدود الإسبانية في شمال إفريقيا لا تستطيع إسبانيا حمايتها من جانب واحد.


تستطيع مدريد نشر الشرطة والحرس المدني والجيش داخل سبتة، وتستطيع حماية السياج والميناء والمرافق، لكنها لا تستطيع من داخل المدينة التحكم في المجال الموجود على الجانب الآخر من الحدود. فجزء أساسي من أمن سبتة يبدأ قبل الوصول إلى السياج، أي داخل المجال الذي لا تسيطر عليه إسبانيا.


ومن هنا كانت الوظيفة المغربية واضحة: عندما تعمل أجهزة المراقبة والأمن المغربية بكامل قدرتها، تصل إلى الحدود أعداد يمكن احتواؤها؛ وعندما تختل هذه الوظيفة أو تنخفض فعاليتها، تتحول المشكلة بسرعة إلى أزمة إسبانية ثم أوروبية.


وهذه ليست مسألة نظرية. فالتحركات الإسبانية والأوروبية التي أعقبت الأزمة أظهرت أن التعاون المغربي أصبح جزءًا من معادلة أمن الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي.


لكن هنا ظهر خلاف أعمق من مسألة من يدفع كلفة الحراسة.


فالمقاربة الأوروبية التقليدية تميل إلى التعامل مع الهجرة من خلال التمويل والتجهيز والتعاون واتفاقات الإعادة. أما بالنسبة إلى المغرب، فإن اختزال المسألة في علاقة مالية يثير مشكلة مختلفة: إذا أصبحت الوظيفة الأمنية التي ينتجها المغرب ذات قيمة استراتيجية لأوروبا، فهل من مصلحته تحويلها ببساطة إلى خدمة حدودية مدفوعة الثمن؟


وهنا ينبغي الحذر. لا توجد لدينا حتى الآن معطيات كافية تسمح بالقول إن بروكسل قدمت للمغرب «صفقة مالية» محددة فرفضها المغرب رسميًا. لكن النقاش الأوروبي حول زيادة أدوات الضغط والحوافز والتعاون كان حاضرًا بقوة بعد الأزمة. ولذلك فإن القضية الأهم ليست وجود عرض مالي بعينه، وإنما اختلاف النظرة إلى طبيعة الوظيفة نفسها: أوروبا تريد حدودًا مستقرة؛ والمغرب لا يريد أن تختزل علاقته بأوروبا في صورة "دركي الحدود".


وكان يمكن أن تنتهي الأزمة عند هذا المستوى.


لكن ما حدث غير القراءة لأن الوزير وهبي تكلم.



عندما انتقلت الأزمة من المهاجرين إلى السيادة


هنا وقعت النقلة السياسية الأولى.


لم يعد الحديث عن ضبط الحدود ولا عن إعادة المهاجرين ولا عن التعويضات الأوروبية، وإنما عن سبتة ومليلية نفسيهما.


أعاد وزير العدل عبد اللطيف وهبي طرح الحقوق التاريخية والجغرافية المغربية، وتحدث عن الحوار وضرورة معالجة الملف، وعن نفس طويل في التعامل معه. ولم تكن أهمية كلامه في أن المغرب طالب بالمدينتين لأول مرة؛ فالموقف المغربي التاريخي معروف. الجديد كان التوقيت.


جاء الكلام بعد أزمة أعادت سبتة إلى قلب العلاقة المغربية الإسبانية، وفي لحظة كانت مدريد تحاول فيها إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل 30 يوليو.


والأكثر إثارة أن من أطلق الرسالة لم يكن وزير الخارجية.


وهذا يفتح سؤالًا مشروعًا، من دون أن يسمح لنا بالجزم بجوابه: لماذا تولى وزير العدل فتح ملف بهذه الحساسية السيادية؟


وقد يكون من الممكن، لو تعلق الأمر بتصريح منفرد في قضية سياسية عادية، التعامل مع كلام وهبي باعتباره موقفًا لوزير يرأس حزبًا ويتمتع بهامش في التعبير. غير أن هذا الاحتمال يصبح أضعف عندما يتعلق الأمر بسبتة ومليلية. فمسألة السيادة والوحدة الترابية والعلاقات الاستراتيجية مع إسبانيا تقع في صميم الملفات السيادية التي يحتل فيها الملك موقعًا مركزيًا في بنية القرار المغربي، ولا يبدو من السهل تصور أن يقدم وزير في الحكومة، ومن خارج وزارة الخارجية، على إعادة فتح ملف بهذه الحساسية والدعوة إلى التفاوض بشأنه باعتباره حقًا تاريخيًا وجغرافيًا للمغرب، من دون أن يكون ذلك منسجمًا، على الأقل، مع التوجه الذي تتحرك داخله الدولة.


وتزداد هذه القراءة قوة عندما لا ننظر إلى تصريح وهبي منفردًا. فالوزير كان قد لوح قبل ذلك بإمكانية تعليق اتفاقية تسليم المطلوبين مع إسبانيا، ثم انتقل إلى الحديث عن الحقوق المغربية في سبتة ومليلية و«النفس الطويل» والحوار بشأنهما. وبعد الرفض الإسباني القاطع لم يتراجع الموضوع أو يختف من المجال الرسمي المغربي، وإنما ظهر من قناة أكثر رمزية: وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية يتحدث أمام الملك نفسه عن سبتة وعلمائها، ثم يستحضر ذاكرة تعبئة المغاربة لتحرير المدن المحتلة.


ولا يثبت هذا التسلسل أن هناك تعليمات ملكية مباشرة أو غير مباشرة لكل تصريح، وهي معلومة لا تتوافر في المجال العام. لكنه يجعل فرضية المصادفة أو المبادرات الوزارية المنفصلة أقل قدرة على تفسير ما جرى، ويفتح بدلًا منها احتمالًا أكثر اتساقًا مع تتابع الأحداث: أننا أمام توزيع للرسائل داخل تصعيد سياسي مضبوط السقف، بدأ بأدوات قانونية وسياسية، ثم انتقل بعد الرفض الإسباني إلى المجال التاريخي والديني والرمزي.


والأهم أن إسبانيا نفسها لم تتعامل مع كلام وهبي باعتباره رأيًا حزبيًا عابرًا.


ردت مدريد سياسيًا وبصورة حاسمة من خلال وزير خارجيتها: "سبتة ومليلية إسبانيتان، والسيادة ليست موضوعًا للتفاوض".


وهنا تغير موضوع المواجهة مرة أخرى.


لم يعد الخلاف في تلك اللحظة يدور حول الجواب عن سؤال: لمن ينبغي أن تعود سبتة؟


بل أصبح يدور حول سؤال أسبق منه:


هل توجد أصلًا قضية سبتة يمكن التفاوض بشأنها؟


الموقف الإسباني يقول: لا.


والموقف الذي بدأ يظهر في الخطاب المغربي يقول: نعم.


وهذه نقطة مركزية لفهم كل ما سيأتي بعدها.



عندما بدأت إسبانيا تبحث عن أوراق الرد


لم يقتصر النقاش الإسباني بعد أزمة يوليو على الحدود. فقد ظهرت داخل المجال الإعلامي والسياسي مقترحات باستخدام المصالح الاقتصادية والطاقة والكهرباء للضغط على المغرب.


وهنا ينبغي الفصل بين الدولة والإعلام. لم تعلن الحكومة الإسبانية، وفق ما توفر من معطيات، قرارًا بقطع الكهرباء عن المغرب، كما ظهرت لاحقًا مواقف تنفي وجود خطة حكومية من هذا النوع. لكن مجرد دخول الكابل الكهربائي والعلاقات الاقتصادية إلى النقاش يكشف شيئًا مهمًا: بدأ جزء من النخبة الإسبانية يبحث عن نقاط الاعتماد المغربية على إسبانيا باعتبارها أدوات ردع محتملة.


وهذه لحظة شديدة الدلالة.


فأزمة بدأت بحركة بشرية نحو الحدود أخذت تتحول إلى سؤال عن أوراق القوة المتبادلة: ماذا يستطيع المغرب أن يفعل؟ وماذا تستطيع إسبانيا أن تفعل في المقابل؟


ومن هنا خرج النقاش من السياج الحدودي إلى شبكة أوسع من المصالح.


لكن مدريد قامت بخطوة أكثر أهمية من السجال الإعلامي.


لقد نقلت الأزمة إلى الأمن القومي.


فبعد الاجتماعات الحكومية التي عقدت خلال أغسطس، وصل الملف إلى مجلس الأمن القومي، أعلى هيئة إسبانية مختصة بمساعدة الحكومة في قضايا الأمن القومي. ثم اتجهت الحكومة إلى إعلان وضع سبتة ذا أهمية للأمن القومي وتوحيد إدارة الأزمة، مع تعبئة موارد إضافية لمعالجة الوضع الذي خلفته موجة يوليو. وتشير التغطية الإسبانية الحالية إلى أن التدبير يمتد حتى نهاية ديسمبر 2026، مع إمكانية تعديله.


وهذه الخطوة لا تعني أن إسبانيا تستعد لمواجهة عسكرية مع المغرب، ولا ينبغي تحميلها ما لا تحتمله.


لكنها تعني شيئًا سياسيًا واضحًا: أزمة سبتة لم تعد في نظر مدريد مشكلة شرطة حدودية فقط.


لقد صعدت في سلم القرار حتى أصبحت مسألة أمن قومي.


وهنا يصبح التسلسل لافتًا:


بدأت الأزمة بحشود عند الحدود.


ثم ظهر السؤال عن وظيفة المغرب في حمايتها.


ثم عاد ملف السيادة إلى الخطاب المغربي.


ثم رفضت مدريد التفاوض.


ثم دخلت أدوات الضغط الاقتصادي والطاقي إلى النقاش الإسباني.


ثم صعدت سبتة إلى مجلس الأمن القومي.


وكان يمكن، مرة أخرى، أن تتوقف الرسائل عند هذا الحد.


لكنها لم تتوقف.


لأن الرسالة المغربية التالية لم تأت هذه المرة من وزير سياسي يتحدث عن القانون والجغرافيا والتاريخ.


بل جاءت من وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أمام الملك، وفي ليلة دينية شديدة الرمزية.


وهنا دخلت الأزمة مرحلة أخرى تمامًا.



من السياسة إلى الذاكرة


في مساء 24 أغسطس، وخلال المجلس الديني الذي ترأسه الملك محمد السادس بمناسبة المولد النبوي الشريف، لم يكن أحمد التوفيق يتحدث في اجتماع حكومي، ولا في ندوة سياسية، ولا أمام الصحافة. كان وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية يتحدث في فضاء مختلف تمامًا، تحضر فيه المؤسسة الملكية بصفتها الدينية، ويكتسب فيه التاريخ والرمز والذاكرة معنى يتجاوز لغة البيانات الدبلوماسية.


وفي هذا السياق استحضر التوفيق سبتة من باب تاريخها العلمي والديني، فذكر القاضي عياض والعزفي، وهما من أبرز العلماء الذين ارتبطوا بالمدينة، قبل أن ينتقل إلى الإمام الجزولي وكتابه «دلائل الخيرات»، ويصفه بأنه كان شعار المغاربة في تعبئتهم لتحرير المدن المحتلة على المحيط الأطلسي في بداية العصر الحديث.


لم يقل الوزير إن المغرب قرر تنظيم مسيرة نحو سبتة. ولم يدعُ المغاربة إلى التوجه إليها، ولم يعلن تغييرًا رسميًا في سياسة الدولة تجاه المدينتين. ولذلك سيكون من الخطأ تحميل كلماته ما لم تقله صراحة.


لكن السياسة لا تُقرأ بالكلمات المجردة وحدها.


هناك أيضًا من يتكلم، وأين يتكلم، وأمام من، وفي أي توقيت، وما الذي سبق كلامه.


وهذه العناصر مجتمعة هي التي جعلت خطاب التوفيق مختلفًا.


فسبتة لم تُستدعَ في درس تاريخي منعزل عن الحاضر، وإنما بعد أقل من شهر على أكبر أزمة عرفتها المدينة منذ عقود، وبعد أن أعاد وزير العدل المغربي ملف السيادة إلى التداول العلني، وبعد أن ردت مدريد برفض قاطع لأي تفاوض بشأنها، وفي اللحظة نفسها تقريبًا التي كانت فيها إسبانيا ترفع معالجة الأزمة إلى مستوى مجلس الأمن القومي.


ثم إن الكلام لم يصدر عن مؤرخ أو واعظ مستقل، وإنما عن وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، وفي مجلس يرأسه الملك الذي يحمل، دستوريًا وتاريخيًا، صفة أمير المؤمنين.


وهنا تحديدًا تتغير دلالة الكلمات.


فعندما يتحدث وزير العدل عن «الحقوق التاريخية والجغرافية» وعن الحوار، تكون الرسالة سياسية وقانونية في المقام الأول. أما عندما يُستدعى، بعد ذلك، تاريخ سبتة الديني وعلماؤها وذاكرة تعبئة المغاربة لتحرير المدن المحتلة، فإن القضية تخرج من المجال الدبلوماسي الضيق لتلامس مجالًا آخر أكثر اتساعًا: الذاكرة الجماعية.


وقد يكون هذا هو الجانب الذي أقلق جزءًا من الإعلام الإسباني أكثر من الكلمات نفسها.


لأن النزاع بين حكومتين يمكن احتواؤه داخل القنوات الدبلوماسية. يمكن استدعاء سفير، وإصدار بيان، وعقد اجتماع، وتأجيل ملف، ثم انتظار تغير الظروف. لكن القضية تصبح أكثر تعقيدًا عندما تبدأ في الانتقال من ملف تديره المؤسسات إلى قضية تتصل في الوعي العام بالتاريخ والهوية والاحتلال والتحرير.


وليس معنى ذلك أن هذا الانتقال قد وقع بالفعل، ولا أن المغاربة أصبحوا أمام تعبئة شعبية وشيكة. لكن إمكانية الانتقال نفسها تصبح جزءًا من الحساب السياسي عندما تستحضر الرموز القادرة تاريخيًا على إنتاجه.


وهنا ربما نفهم لماذا التقط الإعلام الإسباني الإشارة بهذه السرعة.



ما قاله التوفيق... وما سمعته إسبانيا


كان لافتًا أن بعض العناوين الإسبانية ذهبت أبعد من الصياغة الحرفية للوزير المغربي. فالتوفيق لم يصدر دعوة مباشرة إلى «تحرير سبتة ومليلية»، لكن تغطيات إسبانية ربطت بين ذكر سبتة وبين حديثه اللاحق عن تعبئة المغاربة لتحرير المدن المحتلة، وقدمت الاثنين باعتبارهما رسالة سياسية واحدة.


وهذه المسافة بين ما قيل حرفيًا وما فهمه المتلقي ليست تفصيلًا صحفيًا.


إنها جزء من الأزمة نفسها.


فإذا كان المقصود من الرسائل السياسية هو التأثير في إدراك الطرف الآخر، فإن رد فعل مدريد وإعلامها يصبح عنصرًا مهمًا في قياس أثر الرسالة، بصرف النظر عن مقدار ما نستطيع إثباته بشأن النية الأصلية وراءها.


واللافت أكثر أن القراءة الإسبانية لم تبدأ مع التوفيق. فقد سبق لمدريد أن تعاملت بجدية مع تصريحات وهبي، وردت عليها رسميًا، ثم تابعت المؤسسات الإسبانية تطورات الأزمة باعتبارها مسألة تتجاوز إدارة تدفقات المهاجرين. وعندما جاء خطاب التوفيق، لم تستقبله الصحافة الإسبانية باعتباره حديثًا دينيًا منفصلًا، وإنما وضعته بجانب تصريحات وزير العدل وأزمة يوليو والنزاع على سبتة ومليلية.


وهنا بدأت الصورة تتشكل بصورة مختلفة.


فمن وجهة النظر الإسبانية لم يعد أمام مدريد تصريح واحد يمكن عزله، وإنما تتابع من الإشارات: أزمة حدودية غير مسبوقة، ثم خلاف حول أدوات التعاون، ثم تلويح وزير العدل باتفاقية تسليم المطلوبين، ثم إعادة طرح الحقوق التاريخية والجغرافية، ثم رفض إسباني للتفاوض، ثم اجتماع لمجلس الأمن القومي، وأخيرًا استحضار سبتة وذاكرة تحرير المدن المحتلة في خطاب ديني أمام الملك.


كل حلقة، إذا أخذت منفردة، يمكن تفسيرها بطريقة مختلفة.


لكن المشكلة تبدأ عندما توضع الحلقات بعضها بجانب بعض.


عندها يصبح السؤال الذي يفرض نفسه على مدريد، وعلى المراقب أيضًا: هل نحن أمام أحداث متفرقة جمعتها المصادفة في أسابيع قليلة، أم أمام ارتفاع تدريجي ومحسوب لسقف الرسائل المغربية؟


لا نملك حتى الآن دليلًا مباشرًا يسمح بالجزم بالجواب الثاني. لكن لدينا ما يكفي لاعتبار السؤال مشروعًا، خصوصًا أن ملف السيادة على سبتة ومليلية يقع في قلب المجال السيادي للدولة المغربية، وأن الرسالة الثانية لم تصدر في مكان هامشي، وإنما في حضرة رأس الدولة نفسه.


والأهم أن التصعيد، إذا صحت هذه القراءة، ظل حتى الآن مضبوطًا بعناية.


لم تسحب الرباط سفيرها.


لم تعلن قطع العلاقات.


لم تعلن حصارًا اقتصاديًا.


لم تدعُ إلى تحرك شعبي نحو الحدود.


ولم يصدر إعلان رسمي يقول إن المغرب انتقل إلى سياسة استعادة المدينتين بالقوة أو بالإكراه.


لكن الخطاب تغير. وهذه نقطة ربما تكون أكثر أهمية في المرحلة الحالية من تغير الإجراءات نفسها.


فالمغرب لا يحتاج، في هذه اللحظة، إلى إعلان ما سيفعله في نهاية الطريق. يكفي أن يجعل الطرف المقابل يعيد حساب ما يمكن أن يحدث إذا ظل الباب مغلقًا.


ومن هنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية في هذه الأزمة:


لماذا استُدعيت ذاكرة التعبئة الشعبية تحديدًا بعد أن قالت إسبانيا إن السيادة ليست موضوعًا للتفاوض؟


الإجابة المحتملة تعيدنا إلى تجربة يعرفها المغرب، وتعرفها إسبانيا جيدًا، ولا تزال حاضرة بقوة في الذاكرة السياسية للمنطقة:



المسيرة الخضراء: عندما أصبح رفض التفاوض أكثر كلفة


لا يعني استحضار المسيرة الخضراء أن المغرب يستعد لتكرار تجربة 1975 في سبتة، ولا أن الظروف القانونية والسياسية والاستراتيجية التي أحاطت بالصحراء آنذاك تشبه الظروف التي تحيط بالمدينة اليوم. فالفارق بين الحالتين كبير، سواء من حيث السياق الدولي، أو الوضع القانوني، أو طبيعة الوجود الإسباني، أو موقع إسبانيا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، أو طبيعة العلاقات المغربية الإسبانية نفسها.


ولذلك فإن قيمة المقارنة لا تكمن في البحث عن تطابق بين الحالتين، وإنما في فهم منطق سياسي سبق للمغرب أن استخدمه في إدارة نزاع ترابي مع إسبانيا: ماذا تفعل الدولة عندما تعتبر أن لها حقًا في إقليم، بينما يرفض الطرف الذي يسيطر عليه الانتقال من تثبيت الوضع القائم إلى التفاوض حول تغييره؟


قبل المسيرة الخضراء، لم تكن المشكلة المغربية في إثبات وجود الصحراء على الخريطة، وإنما في تحويل إنهاء الوجود الإسباني فيها من مطلب يمكن لمدريد تأجيل التعامل معه إلى مسألة أصبح استمرار تأجيلها أكثر صعوبة وكلفة.


ولم يتحقق ذلك بأداة واحدة.


كانت هناك الدبلوماسية، والتحرك داخل الأمم المتحدة، واللجوء إلى محكمة العدل الدولية، واستحضار الروابط التاريخية، ثم جاءت التعبئة الشعبية باعتبارها عنصرًا إضافيًا غيّر البيئة السياسية التي كانت إسبانيا تتخذ داخلها قرارها.


وهنا تكمن النقطة التي تجعل استحضار تلك التجربة في أزمة سبتة الحالية ذا دلالة، من دون أن يعني ذلك أن المغرب بصدد إعادة إنتاجها.


فالمشكلة التي ظهرت بوضوح بعد تصريحات عبد اللطيف وهبي لم تكن أن المغرب وإسبانيا يختلفان حول الحل المناسب لقضية سبتة.


المشكلة أسبق من ذلك.


المغرب بدأ يتحدث عن الحوار حول حقوقه التاريخية والجغرافية، بينما ردت إسبانيا بأن السيادة ليست موضوعًا للتفاوض.


أي إن الطرفين لا يختلفان حتى الآن داخل المفاوضات. إنهما يختلفان حول وجود المفاوضات نفسها.


وهذا يجعل المعركة السياسية، إذا كان المغرب قد قرر بالفعل فتحها، مختلفة في مرحلتها الأولى عن معركة استعادة السيادة.


فالهدف الأول لن يكون بالضرورة إقناع إسبانيا منذ الآن بالتخلي عن سبتة، وإنما جعل الموقف القائل إن «لا شيء يوجد للتفاوض بشأنه» أكثر صعوبة في الاستمرار.


ومن هذه الزاوية تحديدًا تصبح الرسائل التي ظهرت منذ نهاية يوليو قابلة للقراءة داخل سياق واحد:


أزمة الحدود كشفت أن أمن سبتة لا ينتج داخل سبتة وحدها.


وتصريحات وهبي أعادت إدخال السيادة إلى النقاش.


والرد الإسباني أغلق باب التفاوض.


ثم جاء استحضار سبتة وعلمائها وذاكرة تعبئة المغاربة لتحرير المدن المحتلة في خطاب وزير الأوقاف أمام الملك.


ولا تسمح هذه الوقائع وحدها بالقول إن الدولة المغربية قررت الانتقال إلى تعبئة شعبية شبيهة بالمسيرة الخضراء. لكن استحضار ذاكرة التعبئة في هذه اللحظة يؤدي وظيفة سياسية حتى من دون أن تتحول الذاكرة إلى فعل.


إنه يذكّر بوجود مستوى من مستويات القوة لا يوجد داخل قاعات التفاوض وحدها.


يتعلق الأمر بحق وإرادة الأمة المغربية في تحرير البلاد من جيوب الاستعمار.


وهنا تصبح المسألة أكثر حساسية بالنسبة إلى إسبانيا.


فالحكومات تستطيع ضبط الخلافات الدبلوماسية وإدارتها على مدى سنوات. أما انتقال قضية ترابية إلى الوعي الشعبي للطرف الآخر، وربطها بالذاكرة التاريخية وبمفاهيم الاحتلال والتحرير، فيضيف إلى النزاع متغيرًا يصعب التحكم في تطوره بالطريقة نفسها.


وهذا لا يعني أن المغرب يريد هذا الانتقال بالضرورة.


لكنه يعني أن مجرد التلويح الرمزي بإمكانه يمكن أن يدخل في حسابات الطرف المقابل.


ومن هنا ربما تكون المقارنة الدقيقة مع المسيرة الخضراء في الوظيفة السياسية لا في شكل الأداة.


فالمسيرة الخضراء لم تكن غاية في ذاتها. كانت أداة داخل مسار أوسع هدفه تغيير شروط العلاقة مع إسبانيا.


وإذا كانت الرباط قد بدأت اليوم بالفعل مسارًا جديدًا بشأن سبتة، فمن غير الضروري أن تستخدم الأداة نفسها لكي تبحث عن النتيجة السياسية الأولية نفسها:


نقل إسبانيا من رفض مناقشة الملف إلى إدراك أن استمرار رفض مناقشته له كلفة.


لكن هذه الكلفة، في عالم 2026، لا تنتج بالطريقة التي كانت تنتج بها سنة 1975.


إسبانيا اليوم عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وسبتة جزء من نظام سياسي واقتصادي وأمني أوروبي أكثر تعقيدًا. وفي المقابل، لم يعد المغرب نفسه يتحرك فقط من خلال علاقته الثنائية بإسبانيا، بل أصبح جزءًا من شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية تمتد إلى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وفرنسا وإفريقيا والخليج وإسرائيل والصين.


ولذلك فإن السؤال عن أدوات الضغط لا ينبغي أن يبحث فقط عما يستطيع المغرب فعله مباشرة بإسبانيا.


ينبغي أن يبحث أيضًا فيما يمكن أن يحدث لإسبانيا عندما تتحرك العلاقات الأخرى المحيطة بها.


وهنا ظهر خلال الأزمة تطور لم يكن مصدره الرباط أصلًا.


عندما خرجت سبتة من العلاقة المغربية الإسبانية، كان الخلاف بين إسبانيا وإسرائيل يدور حول قضية أخرى تمامًا: فلسطين. لكن في خضم ذلك الخلاف، استُدعيت الأراضي الإسبانية في شمال إفريقيا في خطاب دبلوماسي إسرائيلي ينتقد مدريد ويتحدث عن استمرار «جيوب استعمارية» إسبانية في إفريقيا.


وتحتاج هذه الواقعة إلى قدر كبير من الدقة. فلا يجوز تحويل تصريح لمسؤول إسرائيلي إلى اعتراف رسمي من إسرائيل بمغربية سبتة ومليلية، ولا إلى تحول ثابت في السياسة الإسرائيلية تجاه السيادة عليهما، خصوصًا في ظل التوضيحات التي أعقبت التصريح بشأن الموقف الرسمي الإسرائيلي.


لكن أهمية الواقعة تقع في مكان آخر:


للمرة الأولى في هذه الأزمة، لم تعد سبتة تُستدعى فقط داخل العلاقة بين المغرب وإسبانيا.


لقد أصبحت قابلة للاستخدام داخل علاقة بين إسبانيا ودولة ثالثة هي إسرائيل. وهذا تحول يستحق الانتباه. فالخلاف الإسرائيلي الإسباني لم يكن سببه سبتة، والمغرب لم يكن الطرف المباشر فيه، ومع ذلك استطاعت قضية الوجود الإسباني في شمال إفريقيا أن تنتقل إلى داخله وتتحول إلى أداة في السجال. وهنا تظهر خاصية مختلفة للقضية.


كلما بقي ملف سبتة محصورًا بين المغرب وإسبانيا، استطاعت مدريد أن تتمسك بصيغة بسيطة نسبيًا: السيادة إسبانية، ولا يوجد نزاع قابل للتفاوض.


لكن عندما يبدأ فاعلون من خارج العلاقة الثنائية في طرح أسئلة حول الطبيعة الاستعمارية للوجود الإسباني في إفريقيا، فإن المشكلة تتغير تدريجيًا.


ليس لأن هؤلاء الفاعلين أصبحوا بالضرورة مؤيدين للموقف المغربي.


بل لأن احتكار إسبانيا لتعريف القضية يبدأ في التعرض للاختبار. وهذا فارق جوهري.


فالمعارك الدبلوماسية حول النزاعات الترابية لا تدور فقط حول السيطرة على الأرض.


إنها تدور أيضًا حول السيطرة على تعريف المشكلة.


إسبانيا تريد تعريف سبتة باعتبارها مدينة إسبانية لا توجد حول سيادتها قضية دولية قابلة للتفاوض.


أما المغرب، إذا كان الاتجاه الذي ظهر خلال الأسابيع الماضية يعكس سياسة تتجاوز التصريحات الفردية، فيحتاج قبل الوصول إلى أي تفاوض حول السيادة إلى كسر هذا التعريف.


أي إلى الانتقال من: "سبتة مدينة إسبانية ولا توجد قضية"


إلى: "هناك خلاف حول سبتة، وهناك طرف يطالب بها، وهناك تاريخ ووضع استعماري محل نقاش، وبالتالي توجد قضية يمكن السؤال عن مستقبلها".


وهذه النقلة لا تعيد الأرض إلى المغرب. لكنها تغير طبيعة المعركة حولها:


من «ماذا فعل المغرب؟» إلى «ماذا تفعل إسبانيا؟»


وهنا يكتسب مقال Howard W. French أهمية تتجاوز كونه رأيًا صحفيًا في الأزمة.


فالسؤال الذي سيطر على النقاش الإسباني بعد 30 يوليو كان مفهومًا: ماذا فعل المغرب؟ لماذا تحركت هذه الأعداد نحو سبتة؟ هل قصرت السلطات المغربية في حماية الحدود؟ وهل استخدمت الهجرة أداة للضغط؟


وهي أسئلة مشروعة ولا ينبغي تجاوزها.


لكن الاقتصار عليها يجعل سبتة مجرد مكان وقعت عنده الأزمة.


أما السؤال الآخر فيعيد المدينة نفسها إلى مركز التحليل:


لماذا توجد إسبانيا في سبتة؟


وما الأساس التاريخي والسياسي والاستراتيجي لاستمرار سيادتها عليها؟


وما الوظيفة التي تؤديها المدينة لإسبانيا اليوم؟


وهل بقيت المصلحة الإسبانية في الاحتفاظ بها كما كانت في مراحل تاريخية سابقة؟


بهذا المعنى، ينتقل السؤال من: ماذا فعل المغرب في سبتة؟ إلى: ماذا تفعل إسبانيا في سبتة؟


والفارق بين السؤالين أكبر مما يبدو. الأول يبحث في الحدث. أما الثاني فيضع البنية التي وقع داخلها الحدث موضع المساءلة. 


وهذا بالضبط ما لا تريده مدريد في المرحلة الحالية.


لأن النقاش حول مسؤولية المغرب في أزمة حدودية يمكن أن ينتهي بتحسين المراقبة، أو باتفاق أمني، أو بزيادة التمويل الأوروبي، أو بإعادة المهاجرين.


أما النقاش حول سبب استمرار السيادة الإسبانية على مدينة في الساحل الإفريقي يطالب بها المغرب، فإنه يفتح سؤالًا لا تستطيع الإجراءات الأمنية إغلاقه.


ومن هنا يصبح اجتماع هذه التطورات في فترة زمنية قصيرة ذا معنى أكبر من كل واحدة منها منفردة.


وزير مغربي يعيد طرح الحوار حول الحقوق التاريخية والجغرافية.


إسبانيا ترفض وجود موضوع قابل للتفاوض.


وزير الأوقاف المغربي يستحضر سبتة وذاكرة تحرير المدن المحتلة أمام الملك.


مسؤول إسرائيلي يستدعي «الجيوب الاستعمارية» الإسبانية في إفريقيا داخل خلاف لا يتعلق أصلًا بالمغرب.


وكاتب دولي بارز يعيد طرح السؤال التاريخي والسياسي حول استمرار وضع سبتة نفسه.


لا يثبت هذا وجود حملة دولية منسقة لصالح المغرب.


ولا يوجد ما يسمح بالقول إن الرباط تقف وراء هذه المواقف أو تتحكم فيها.


لكن هذا ليس ضروريًا لكي تكون لها قيمة سياسية.


فالأهم أن السؤال الذي تريد إسبانيا إغلاقه بدأ يظهر خارج المكان الذي تستطيع إغلاقه فيه.


وهنا ربما نكون أمام التحول الأكثر أهمية منذ بداية أزمة 30 يوليو.


فالمعركة، إذا كانت قد بدأت فعلًا، ليست بعد معركة تغيير السيادة على سبتة.


إنها معركة أسبق: هل تستطيع إسبانيا الاستمرار في جعل مستقبل سبتة موضوعًا غير قابل للنقاش؟



خاتمة: هل بدأت معركة التفاوض؟


بعد أقل من شهر على أحداث 30 و31 يوليو، سيكون من المبكر القول إن المغرب أطلق استراتيجية معلنة ومتكاملة لإجبار إسبانيا على التفاوض حول سبتة. فلا توجد وثيقة رسمية تعلن ذلك، ولا جدول زمني معروف، ولا إجراءات تسمح بالقول إن الرباط انتقلت بالفعل إلى مواجهة مفتوحة هدفها تغيير وضع المدينة.


لكن من الصعب، في المقابل، القول إن كل ما جرى لا يتجاوز أزمة هجرة انتهت عند السياج الحدودي.


فالموجة البشرية توقفت، بينما بقيت القضية تتحرك. انتقلت من أمن الحدود إلى السيادة، ومن السيادة إلى رفض التفاوض، ومن السياسة إلى الأمن القومي الإسباني، ثم إلى التاريخ والذاكرة والرمز في الخطاب المغربي. وفي الوقت نفسه، بدأت سبتة تظهر خارج العلاقة الثنائية نفسها، سواء في السجال الدبلوماسي الذي استدعى «الجيوب الاستعمارية» الإسبانية في إفريقيا، أو في الأسئلة التي أخذت تعيد النظر في الأساس التاريخي والسياسي لاستمرار الوضع القائم.


وهذا ربما يكون أهم ما تغير منذ 30 يوليو.


فالمغرب لا يحتاج، في المرحلة الأولى، إلى أن يجعل إسبانيا توافق على مغربية سبتة. ذلك هدف مختلف وأبعد بكثير. ما يحتاج إليه، إذا كان ما نشهده بالفعل بداية استراتيجية جديدة، هو أن يجعل مدريد تنتقل من موقف يقول إن «لا قضية توجد أصلًا» إلى وضع تضطر فيه إلى التعامل مع وجود قضية، حتى وإن استمرت في رفض المطلب المغربي.


وبهذا المعنى، قد لا تكون المعركة التي بدأت هي معركة استعادة سبتة، وإنما معركة الاعتراف بوجود ملف سبتة.


وهنا تظهر أهمية التدرج الذي شهدناه. فالحدود كشفت اعتماد أمن المدينة على التعاون المغربي. وتصريحات وهبي أعادت الحقوق التاريخية والجغرافية إلى المجال السياسي. والرفض الإسباني حدد بوضوح موضع الاشتباك: مدريد لا ترفض حلًا مغربيًا فحسب، وإنما ترفض التفاوض نفسه. ثم جاء استحضار سبتة وذاكرة تحرير المدن المحتلة ليضيف إلى القضية بعدًا دينيا يتجاوز اللغة الدبلوماسية المباشرة.


ومع ذلك، ينبغي ألا نقفز من تتابع الرسائل إلى افتراض وجود خطة لا نملك دليلًا عليها. فقد تكون بعض هذه التطورات متزامنة أكثر مما هي منسقة، وقد يكون لبعض الفاعلين حساباتهم الخاصة التي لا علاقة لها بالاستراتيجية المغربية. كما أن انتقال قضية إلى النقاش لا يعني أن ميزان القوى أصبح كافيًا لتغيير وضعها القانوني أو السياسي.


لكن السياسة لا تبدأ دائمًا بتغيير الواقع. أحيانًا تبدأ بتغيير السؤال الذي يُطرح حول الواقع.


قبل أزمة يوليو كان السؤال الذي تفضله إسبانيا بسيطًا: كيف نحمي حدود سبتة؟


أما السؤال الذي أخذ يظهر بعد الأزمة فهو مختلف: لماذا بقيت سبتة خارج أي تفاوض أصلًا؟


وبين السؤالين تقع المسافة التي ربما يحاول المغرب، عن قصد أو نتيجة لتراكم الأحداث، أن يفتحها.


ولهذا فإن الجواب الأكثر دقة عن سؤال عنوان هذا المقال هو: ربما بدأت المعركة، ولكن ليس بعد بالشكل الذي يوحي به مفهوم المعركة عادة.


لم تبدأ باستدعاء السفراء، ولا بقطع العلاقات، ولا بإجراءات اقتصادية، ولا بتحريك السكان نحو الحدود. وإذا كان هناك مسار جديد فعلًا، فإنه بدأ بشيء أقل صخبًا وأكثر أولية: إعادة سبتة إلى السؤال السياسي، واختبار قدرة إسبانيا على إبقائها خارجه.


وإذا استمرت الأشهر المقبلة في إنتاج رسائل من النوع نفسه، وانتقل الملف من التصريحات والرموز إلى مبادرات دبلوماسية واضحة تطالب بفتح حوار حول المستقبل، فسيصبح من الممكن القول إن ما بدأ في يوليو لم يكن أزمة عابرة، وإنما لحظة انتقال في طريقة إدارة المغرب لملف سبتة.


أما الآن، فربما يكون الاستنتاج الأكثر انضباطًا هو أن المغرب لم يُجبر إسبانيا على التفاوض، لكنه بدأ، على الأقل، في جعل رفض التفاوض نفسه موضوعًا للنقاش.


وقد تكون تلك هي المعركة التي تسبق كل تفاوض.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق