الهجرة في الاتجاه المعاكس

 

كيف نجعل الوطن بيئةً للحق والثقة والاستحقاق؟


لماذا يستطيع الإنسان أن يلتزم في بلد الهجرة بقواعد قد يتساهل في احترامها داخل وطنه؟ وكيف يصبح أكثر حرصًا على الموعد، وانضباطًا في العمل، واحترامًا للطابور والمجال العام، من دون أن تتغير قدراته أو يُستبدل تكوينه؟ يفتح هذا السؤال بابًا لفهم العلاقة بين الفرد والمؤسسة، لكنه يضعنا أيضًا أمام سؤال يخص أوطاننا: إذا كان تغيير البيئة قادرًا على تعديل السلوك، فلماذا يظل الرحيل إحدى الوسائل التي يبحث بها الإنسان عن شروط أفضل لحياته؟ ولماذا لا نعمل على بناء هذه الشروط حيث وُلد المواطن وحيث يرغب في البقاء؟


بهذا المعنى، يمكن التفكير في «الهجرة في الاتجاه المعاكس»: أي أن نجعل المؤسسات والخدمات والفرص التي يقصدها الناس بالهجرة قابلةً للتحقق داخل الوطن. فبقاء المواطن في وطنه أو عودته من ديار المهجر، على أهميتها، لا تكفي إذا عاد إلى شروط تُعطل كفاءاته وتستنزف وقته وتضعف ثقته. أما حين يتقدم الحق على الامتياز، وتصبح الكفاءة طريقًا فعليًا إلى الفرصة، فإن البقاء بدل الرحيل يكتسب معنى جديدًا، وتصبح الهجرة داخل الوطن كما العودة بالنسبة للمهاجر من بلاد الغربة اختيارًا يمكن أن يسنده الواقع إلى جانب الحنين.../...


ولا تفترض هذه المقاربة أن المهاجرين يتصرفون جميعًا بالطريقة نفسها، أو أن المجتمعات المستقبلة بلغت العدل الكامل. إنها تنطلق من ملاحظة قابلة للفحص: يتأثر السلوك بوضوح القواعد، واتساق تطبيقها، وطبيعة الحوافز، وإمكان حماية الحق. ولذلك لا يصح تفسير الفارق بين السلوك هنا وهناك بفضيلة ثابتة في شعب أو عيب متأصل في آخر. فالإنسان يحمل تربيته وقيمه، لكنه يتعلم كذلك من النتائج التي تترتب على أفعاله، ومن الطريقة التي يعامله بها محيطه.


حين يجد الفرد أن احترام الدور يحفظ حقه، تقل حاجته إلى تجاوزه. وحين يعرف أن المعاملة تُنجز بشروط معلنة وفي أجل معلوم، تتراجع جدوى البحث عن وسيط. وحين يرى أن المخالفة تُحاسب بصرف النظر عن موقع صاحبها، يصبح الالتزام أكثر معقولية. أما إذا كانت التجربة تعلمه أن المسطرة تعطل، والعلاقة تسرّع، والنفوذ يعفي من الجزاء، فإنه يتلقى تعليمًا عمليًا يناقض الخطاب الرسمي عن المساواة والاستحقاق.


هنا تظهر الوظيفة التربوية للمؤسسة. فهي تعلم الناس من خلال الممارسة اليومية: ماذا يكافأ؟ وما الذي يمر من دون مساءلة؟ ومن يستطيع الاعتراض؟ وما مصير من يحترم القاعدة؟ وقد تنشر الإدارة ثقافة الحق حين تخدم الجميع وفق شروط متساوية، كما قد تنشر ثقافة الامتياز حين تجعل الخدمة رهينة القرب والتدخل والاسترضاء. ويتعلم المواطن من هذه الخبرة المتكررة أكثر مما يتعلم من الشعارات المعلقة على جدرانها.


وتبرز خطورة الاختلال حين يصبح التحايل سلوكًا مقبولًا اجتماعيًا. فقد يُنظر إلى من يتجاوز المسطرة باعتباره قادرًا على تدبير أموره، بينما يبدو الملتزم بها عاجزًا عن حماية مصالحه. ويتحول الحصول على الخدمة من ممارسة حق إلى اختبار للعلاقات. وفي هذه الحالة، لا يعود الفساد مجرد فعل يقع خارج النظام؛ فقد يتسلل إلى طريقة اشتغاله، فيصبح الاستثناء أكثر فاعلية من القاعدة.


ولا يعفي هذا الفرد من مسؤوليته. فتعثر الإدارة لا يبرر الاعتداء على حقوق الآخرين، وانتشار الرشوة لا يمنحها مشروعية، والإحباط لا يجعل إهمال العمل أو تخريب المجال العام فعلًا مقبولًا. لكن توزيع المسؤولية يقتضي النظر إلى تفاوت القدرة على التأثير. فالمواطن مسؤول عن اختياراته، بينما يتحمل من يضع القواعد ويدير الموارد ويملك سلطة المحاسبة مسؤولية أوسع عن البيئة التي تتكون فيها تلك الاختيارات.


ولذلك يصعب بناء ثقافة عامة للنزاهة إذا ظلت النزاهة مخاطرة يتحملها صاحبها وحده. فالموظف الذي يرفض التدخل غير المشروع يحتاج إلى حماية، والمواطن الذي يبلغ عن الرشوة يحتاج إلى مسار موثوق، والمقاول الذي يحترم التزاماته يحتاج إلى منافسة لا تمنح المتحايل أفضلية. وتصبح الدعوة الأخلاقية أكثر إقناعًا حين تسندها مؤسسة تجعل الالتزام ممكنًا وتحمي صاحبه من أن يدفع ثمنه مضاعفًا.


ومع ذلك، يظل هناك فرق بين تعديل السلوك وتغير القناعة. فقد يمتنع الإنسان عن المخالفة خوفًا من الغرامة، ثم يعود إليها حين تغيب الرقابة. وقد يحترم حرية غيره في المجال العام، لكنه يمارس الوصاية داخل أسرته. وقد يقبل المساواة في مكان العمل، ثم يرفض مقتضاها عندما تمس امتيازاته الشخصية. وتكشف هذه الحالات أن الانضباط الخارجي يمكن أن يسبق التحول الأخلاقي، وقد يستمر منفصلًا عنه.


يبدأ التحول الأعمق حين يدرك الفرد أن تجاوز الطابور اعتداء على وقت الآخرين، وأن إتقان العمل وفاء بحقوقهم، وأن صيانة الشارع مسؤولية تجاه ملك مشترك. لكن انتقال القانون إلى الضمير يحتاج بدوره إلى خبرة تسنده. فمن الصعب ترسيخ احترام قاعدة يراها الناس انتقائية، أو مطالبتهم بالثقة في مؤسسة لا تعلل قراراتها، أو إقناعهم بقيمة الاستحقاق حين يشاهدون الفرص توزع بمعايير لا يستطيعون معرفتها أو مناقشتها.


ومن هنا يتصل إصلاح المؤسسة بإصلاح المعنى. فالقانون يكتسب شرعيته العملية حين يحمي ويقيد السلطة ويتيح التظلم، إلى جانب ردع المخالفة. والخدمة العمومية تكتسب قيمتها حين يستطيع المواطن الوصول إليها بكرامة. أما المواطنة، فتتعمق حين يشعر الفرد أنه شريك في المجال المشترك، وأن واجباته تقابلها حقوق يمكن المطالبة بها، وقرارات يستطيع مساءلتها.


وتكتسب هذه العلاقة أهمية خاصة في المغرب، حيث يطرح بناء القدرات الاقتصادية والبنيات الكبرى سؤالًا موازيًا عن تجربة المواطن اليومية. فنجاح المشروع الوطني يحتاج إلى إدارة تنجز، ومدرسة تفتح إمكان الترقي، وخدمة صحية تحترم الحاجة، وعدالة تحمي الحقوق. ومن خلال هذه الصلات يتبين كيف تتحول الإمكانات الوطنية إلى فرص محسوسة، وكيف يستطيع المواطن أن يرى مكانه داخل مسار التنمية.

ويُعد الزمن أحد أوضح مقاييس هذه التجربة. فتأخر المعاملة قد يعطل استثمارًا، وتأخر الموعد الطبي قد يفاقم معاناة، وتأخر الفصل في نزاع قد يطيل حالة من عدم اليقين. ولذلك فإن احترام الآجال حق يرتبط بحياة الناس وأرزاقهم. وكل إصلاح إداري لا يقيس الزمن الذي يوفره للمرتفق، وعدد الإجراءات التي يختصرها، ومدى وضوح قراراته، يبقى معرضًا لأن يحسن شكل الخدمة دون أن يغير كلفتها الفعلية.


وينطبق الأمر على الرقمنة. فقد تختصر التنقل وتقلل الاحتكاك الذي يتيح الابتزاز، لكنها تحتاج إلى مساطر مفهومة، ومسؤوليات محددة، وإمكان للطعن والتصحيح. فإذا انتقل الغموض نفسه إلى المنصة، وجد المواطن نفسه أمام انتظار إلكتروني بدل الانتظار في الممر. وتتحقق قيمة التقنية حين يستطيع تتبع طلبه، ومعرفة سبب رفضه، والحصول على جواب يمكن مساءلة الجهة المسؤولة عنه.


أما العمل، فيحتاج إلى معالجة تجمع قيمته الأخلاقية وشروطه المادية. فالدعوة إلى الإتقان تصبح أقوى حين يقترن الجهد بأجر منصف، وحماية، واعتراف بالكفاءة، وفرصة للتقدم. وقد يقبل الإنسان مهنة في الخارج كان يتردد في قبولها داخل وطنه لأن شروط ممارستها تمنحه استقلالًا وأجرا معقولا واحترامًا أكبر. ومن ثم فإن تغيير النظرة إلى المهن يمر أيضًا بتحسين أوضاع من يمارسونها، حتى يجد خطاب كرامة العمل ما يؤكده في الواقع.


وفي هذا المسار، يستطيع مغاربة العالم الإسهام بخبرات تتجاوز التحويلات المالية والاستثمار. فقد راكموا تجارب في تنظيم العمل، وتدبير الوقت، وتقييم الأداء، والوصول إلى الخدمات، والمطالبة بالحقوق. وتزداد فائدة هذه الخبرات حين تجد مؤسسات تستقبلها وتتيح اختبارها وتكييفها مع الحاجات المحلية. كما أن الاستفادة منها تقتضي تقدير الكفاءات الموجودة داخل المغرب، وبناء تعاون يقوم على المعرفة والنتائج، بعيدًا عن افتراض أفضلية تلقائية لمن عاش خارج البلاد.


وتحتاج المقارنة إلى القدر نفسه من الإنصاف تجاه بلدان الهجرة. فالمهاجر قد يواجه التمييز والاستغلال والهشاشة، وقد تضيق حقوقه أو فرصه بسبب أصله أو وضعه القانوني. ولهذا لا يُستخلص الدرس من صورة مثالية عن الخارج، وإنما من دراسة الآليات التي تسمح بحماية الحق وكشف الخطأ وتصحيحه. وتصبح المقارنة مفيدة حين تتحول إلى معرفة قابلة للاستعمال، بدل أن تستقر في تمجيد الآخرين أو جلد الذات.


أما الخوف، الذي يرافق كثيرًا من العلاقات المختلة، فيستحق أن يكون موضوعًا للإصلاح نفسه. فهناك فرق بين احترام المؤسسة والخشية من مزاج من يمثلها. وحين يضطر المواطن إلى استرضاء الموظف، أو يخشى الاعتراض على قرار، أو يتردد في المطالبة بحقه، فإن انتظام المعاملة الظاهر قد يخفي علاقة من الخضوع. والمؤسسة العادلة تخفف هذا الخوف بتحديد الصلاحيات، وتعليل القرارات، وضمان الشكوى، وحماية صاحبها.


بهذا المعنى، تبدأ الهجرة في الاتجاه المعاكس حين يصبح الوطن أقدر على الاحتفاظ بكفاءاته، واستقبال العائدين، ومنح من بقوا فيه أسبابًا للثقة. ويقاس تقدمها بما يستطيع الناس إنجازه دون وساطة، وما يحصلون عليه دون إذلال، وما يمكنهم الاعتراض عليه دون خوف. وعندها تتسع حرية الاختيار: يسافر الإنسان للتعلم أو العمل أو الاكتشاف، ويعود حين يرغب، ويجد في البقاء إمكانًا لحياة جديرة به.


فالإنسان يصنع المؤسسة باختياراته وعمله ومطالبته، ثم تؤثر المؤسسة في عاداته وتوقعاته وثقته بنفسه وبغيره. ومن هذه العلاقة يمكن أن يبدأ التحول: قواعد أكثر عدلًا تسند سلوكًا أكثر مسؤولية، ومواطنون أكثر مشاركة يدفعون مؤسساتهم إلى التحسن. وحين يكتسب هذا المسار استمراره، يصبح الوطن مكانًا يستطيع الإنسان أن يبني فيه مستقبله، إلى جانب كونه المكان الذي يحمل ماضيه وذاكرته ومستقبل عياله.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق