حرية النقد ومسؤولية الكلمة في المجال العام المغربي
لم يعد النقاش العمومي يجري عبر المؤسسات السياسية والصحافة المسؤولة وحدهما؛ فقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي للأفراد التعبير والنشر والتعليق، وكشف مشكلات قد لا تجد طريقها إلى القنوات التقليدية. وهذه الإمكانية توسع المشاركة، لكنها تطرح سؤالًا عن شروطها: كيف نميز بين المعلومة والادعاء، وبين النقد والتشهير، وبين الدعوة إلى التغيير والتحريض على الاعتداء؟ وكيف نحافظ على حرية التعبير حين تصبح الكلمة قادرة على إلحاق ضرر يتجاوز صاحبها ومخاطَبيه المباشرين؟
تكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة في المجال المغربي، حيث تتجاور انتظارات اجتماعية مشروعة وخلافات سياسية وفكرية مع تنافس على التأثير وجذب الجمهور. وفي هذا السياق، يحتاج تقييم الخطاب الرقمي إلى معيار يتيح مساءلة السياسات والمسؤولين، ويكشف في الوقت نفسه اختلاق الوقائع وتحريف الأقوال واستعمال الإهانة والتخوين بدل الحجة. فحق الاعتراض لا يمنح صاحبه حصانة من النقد، كما أن حماية الاستقرار لا تعفي المؤسسات من تقديم المعلومة والإجابة عن الأسئلة وتحمل المسؤولية.../...
وتبدأ المعالجة بالتمييز بين خطأ يمكن تصحيحه، وادعاء يُنشر دون تحقق، وتضليل تتوافر شواهد على تعمده. كذلك يختلف التعبير الغاضب عن دعوة محددة إلى العنف، ويختلف الاحتجاج السلمي عن الاعتداء على الأشخاص والممتلكات. ومن دون هذه الفروق، قد يتحول اتهام الناس بالتحريض إلى وسيلة لإسكاتهم، أو تتحول حرية التعبير إلى ذريعة لإنكار الضرر الذي تُحدثه بعض الممارسات.
ولا تنحصر المشكلة في صحة الأخبار؛ إذ تشمل نوعية العلاقة التي يبنيها المحتوى مع جمهوره. فعندما يقوم الخطاب على السباب والتشهير وإثارة الخصومات، يصبح السؤال عن مقدار ما يضيفه إلى فهم القضايا، وما يتركه من أثر في احترام الآخرين وقبول الاختلاف. أما الترفيه والمزاح وتنوع الأذواق، فهي مجالات مشروعة لا يصح جمعها تحت حكم أخلاقي واحد؛ وإنما يستحق النقد تحويل الإذلال والاستغلال والكذب والخداع إلى وسائل للكسب والتأثير.
وهنا تدخل مسؤولية المنصات نفسها. فثمة فرق بين إتاحة منشور، والتوصية به لجمهور واسع، وتيسير تحقيق دخل منه. ولذلك ينبغي أن يتناول النقاش قواعد الانتشار والحوافز المالية وآليات التبليغ والطعن، إلى جانب مسؤولية الناشر. وتزداد الحاجة إلى الوضوح حين يكون المتلقون أطفالًا أو مراهقين، أو حين يتعرض أشخاص لحملات متكررة يصعب عليهم دفع أذاها.
ينطلق هذا المقال من أن حماية النقاش العام تحتاج إلى حرية ومسؤولية ومعرفة يمكن التحقق منها. ومن ثم نسائل صانع المحتوى عن دليله وطريقة عرضه واستعداده للتصحيح، والمنصة عن دورها في الانتشار والحماية، والمؤسسات عن شفافية تواصلها، والمتلقي عن مساهمته في إعادة النشر. فالغاية أن يبقى الاختلاف طريقًا إلى الفهم والإصلاح، وأن تخضع الكلمة المؤثرة للمساءلة دون أن يصبح الخوف من المساءلة سببًا للصمت.
من النقد إلى التضليل: أين يقع الفارق؟
يبدأ النقد من واقعة أو قرار أو ممارسة، ثم يقدم تفسيرًا وحجة وحكمًا قابلًا للمناقشة. وقد يكون حادًا أو ساخرًا أو مزعجًا للمسؤول، دون أن يفقد مشروعيته لهذا السبب. فالسؤال هو مدى صحة ما يستند إليه، ووضوح الفصل بين الوقائع والاستنتاجات، وقدرته على الإجابة عن الاعتراضات.
أما التضليل، فقد يستعمل معلومة صحيحة بعد نزعها من سياقها، أو يربط وقائع متزامنة بعلاقة سببية لم تُثبت، أو يعرض صورة قديمة بوصفها حدثًا جديدًا. وقد يصنع العنوان انطباعًا لا يسنده المتن، أو يُجتزأ تصريح بما يغير مقصده. ولهذا يحتاج التحقق إلى فحص المصدر والتاريخ والسياق وما حُذف، إلى جانب صحة العبارة أو الصورة في ذاتها.
ومن أخطر صور الخلط تقديم التأويل في هيئة خبر. فالقول إن قرارًا قد يخدم مصلحة معينة تحليل يحتاج إلى شواهد، أما الجزم بأنه اتُّخذ تنفيذًا لتوجيه سري فهو ادعاء مختلف يتطلب دليلًا على تلك العلاقة. وحين تُملأ الفجوات بتصورات عن نوايا خفية، يصبح من السهل بناء رواية متماسكة ظاهريًا، لكنها تستمد قوتها من تكرار الاتهام أكثر مما تستمدها من الوقائع.
ويظهر الخلل نفسه حين يتحول نقد التدبير إلى نزعٍ شامل للأهلية الأخلاقية عن صاحبه. فاتهام مسؤول بسوء اختيار اقتصادي يتيح مناقشة القرار وبدائله، بينما وصفه بالخيانة أو العمالة ينقل النقاش إلى اتهام جسيم يحتاج إلى إثبات مستقل. كما أن موقفًا سياسيًا مخالفًا لا يكفي لإسناد أجندة أجنبية إلى صاحبه، سواء صدر الاتهام عن معارض للسلطة أو مدافع عنها. والمعيار الذي لا يطبق على الطرفين يفقد قيمته النقدية ويتحول إلى أداة اصطفاف.
ولا يعني ذلك إخراج المصالح والعلاقات من التحليل؛ فهي عناصر ضرورية لفهم القرار والتأثير. لكن البحث فيها يقتضي بيان الروابط التي يمكن إثباتها، والتمييز بين تقاطع المواقف ووجود تنسيق، وبين الاستفادة من حدث والمشاركة في صنعه. فقد ينتفع طرف من نتيجة لم يخطط لها، وقد يلتقي فاعلان في موقف لأسباب مختلفة. ومن ثم لا يصح تحويل التشابه إلى دليل تلقائي على التبعية.
وتبرز مسؤولية الناشر في الطريقة التي يتعامل بها مع حدود معرفته. فمن حقه أن يسأل ويشكك ويقترح تفسيرًا، لكن عليه أن يبين ما يعرفه وما يرجحه وما لم يتحقق منه. فالسؤال الذي يفتح البحث يختلف عن سؤال صيغ ليزرع اتهامًا ثم يتنصل صاحبه من مسؤوليته بحجة أنه لم يجزم بشيء. ويمكن للصيغة الاستفهامية أن تحمل إيحاءً مضللًا إذا أخفت معطيات حاسمة أو كررت شبهة بلا سند.
ويشكل التصحيح اختبارًا لهذه المسؤولية. فقد يقع الخطأ رغم بذل جهد في التحقق، لكن اكتشافه يقتضي تصويبه بوضوح وفي موضع يتيح للجمهور ملاحظته. وحين يستمر تداول الادعاء بعد ظهور ما يدحضه، أو يُحذف المنشور دون بيان يحمي المتضرر ويصحح معرفة المتلقين، تبقى آثار الخطأ أوسع من أثر التراجع عنه. لذلك يُقاس احترام الجمهور أيضًا بالاستعداد لمراجعة ما نُشر، حتى حين يكون التصحيح مكلفًا لصورة الناشر أو لموقفه السياسي.
وعلى هذا الأساس، لا يُحسم وصف المحتوى من هوية صاحبه أو الجهة التي ينتقدها. فقد يصدر التضليل عن حساب معارض أو مؤيد، وعن فرد أو جهة منظمة، كما قد يصدر النقد الجاد من مواقع مختلفة. والفارق هو صدق الوقائع، وسلامة الاستدلال، ووضوح حدود المعرفة، والاستعداد للتصحيح. ومن هنا ننتقل إلى السؤال عن الحوافز التي قد تجعل التسرع والاتهام والإثارة أكثر جاذبية للناشر من التحقق والنقاش المتأني.
اقتصاد الانتباه: حين تصبح الإثارة مصدرًا للمكافأة
لفهم انتشار المحتوى المضلل والمسيء، ينبغي النظر إلى الحوافز المحيطة بإنتاجه وتداوله. فصانع المحتوى الذي يتابع باستمرار عدد المشاهدات والتعليقات والمشاركات قد يعيد تشكيل خطابه تبعًا لما يجذب الجمهور. وإذا وجد أن الاتهام المثير يحقق تفاعلًا أسرع من الشرح المتأني، فقد يميل إلى تكراره، خصوصًا حين ترتبط مكانته أو موارده باستمرار هذا التفاعل.
وهنا يمكن أن تنشأ دائرة تعزز نفسها: يجذب المحتوى الغاضب جمهورًا يتوقع مزيدًا منه، ويصبح التراجع عن الاتهام أو الاعتراف بتعقيد القضية معرضًا لأن يُفهم ضعفًا أو تبدلًا في الولاء. ومع الوقت، قد يتحول الناشر من صاحب رأي يخاطب جمهوره إلى شخص يخشى مخالفة توقعاته. وعندئذ تتقلص مساحة المراجعة، ويصبح التصعيد وسيلة للاحتفاظ بالانتباه.
ولا يقتضي هذا المسار أن يكون كل ناشر مخططًا للخداع. فقد يبدأ بتبسيط مفرط أو عنوان مثير أو مبالغ فيه، ثم يتعلم من النتائج أن الحدة والإثارة تمنحه حضورًا أكبر. لكن فهم الحافز لا يلغي المسؤولية؛ إذ يظل مطالبًا بمراجعة ما ينشره، وبألا يجعل نجاحه الرقمي مبررًا للإضرار بسمعة الآخرين أو تقديم ادعاءات لا يستطيع إثباتها.
كما أن سرعة التفاعل تختلف عن قيمة المحتوى. فقد يعلّق المتلقي اعتراضًا أو غضبًا، ويشارك المنشور استنكارًا له، بينما تسهم هذه الأفعال في توسيع حضوره. لذلك لا تكشف أرقام التفاعل وحدها مقدار الثقة أو الفائدة أو القبول. ومن الخطأ تحويل الانتشار إلى شهادة على صحة القول، أو اعتبار ضعف المشاهدات دليلًا على ضعف المعرفة التي يقدمها صاحبه.
وفي هذا السياق، يكتسب السباب وظيفة تتجاوز التعبير عن الانفعال؛ فقد يصبح أداة لصناعة المشهد. فالإهانة تستدعي ردًا، والرد يفتح حلقة جديدة من الخصومة، ثم تتحول العلاقة بين الأطراف إلى مادة متجددة للنشر. ويجد الجمهور نفسه متابعًا لصراع حول الأشخاص، بينما تتراجع القضية أو الأفكار التي كان يفترض أن تكون موضوع النقاش. وقد تتوزع المكاسب بين المتخاصمين من حيث الحضور، فيما يتحمل المجال العام كلفة التطبيع مع الإذلال وسوء الظن.
ويحتاج نقد «التفاهة» هنا إلى معيار أدق من تفضيل شخصي لنوع معين من المحتوى. فالضحك والفنون والحياة اليومية يمكن أن تمنح المتلقي متعة ومعرفة وصلة بالآخرين. أما المشكلة فتظهر حين يقوم الجذب على إذلال شخص، أو استغلال ضعفه، أو انتهاك خصوصيته، أو تقديم الخداع نموذجًا للنجاح. ويكون السؤال عما يفعله المحتوى بالناس، وبالقيم التي يشجع على ممارستها، وبالضرر الذي قد يرتبه على من يتحولون إلى مادته.
كما أن تبسيط المعرفة يختلف عن إفراغها من شروطها. فالمحتوى الجاد يستطيع أن يكون واضحًا وجذابًا وقصيرًا، بشرط أن يحافظ على ما يلزم لفهم المسألة. أما حذف المعطيات التي تغير الحكم، وتقديم اليقين حيث لا يوجد دليل كافٍ، واستبدال تفسير المشكلة بتعيين شخص يُحمّل كل أسبابها، فهي طرق تمنح المتلقي جوابًا سهلًا على حساب قدرته على الفهم.
وتتصل بهذه الحوافز مسؤولية المنصات عن قرارات التوصية والترويج وتحقيق الدخل. فإتاحة التعبير لا تعني أن كل محتوى يستحق الدعم المالي أو الانتشار المقترح. ومن ثم ينبغي مساءلتها عن المعايير التي تستعملها، وكيف توازن بين التفاعل وجودة المحتوى وسلامة المستخدمين، وما تتيحه للباحثين والجمهور من معلومات تسمح بتقييم هذه الموازنة.
فالمشكلة لا تُعالج بمطالبة المتلقي وحده بأن يكون أكثر وعيًا؛ إنها تستدعي أيضًا بيئة لا تجعل الإهانة والخداع طريقًا سهلًا إلى المكافأة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تحديد ما تتحمله المنصات عمليًا، وكيف يمكن مساءلتها دون منحها سلطة غامضة تتحكم بها في الآراء والاختلافات المشروعة.
مسؤولية المنصات: من إتاحة النشر إلى إدارة الانتشار
تتفاوت مسؤولية المنصة بحسب الدور الذي تؤديه في تداول المحتوى. فهناك فرق بين استضافة منشور يصل إليه من يبحث عنه أو يتابع صاحبه، وبين اقتراحه على مستخدمين لم يطلبوه، أو ترويجه بإعلان، أو تمكين ناشره من تحقيق دخل بواسطته. وفي هذه الحالات تتدخل اختيارات المنصة في تحديد ما يظهر ولمن يظهر، ويصبح من المشروع مساءلتها عن نتائج هذا التدخل.
ولا تعني المساءلة مطالبتها بحسم الحقيقة في كل خلاف سياسي أو فكري. لكنها تقتضي قواعد واضحة للتعامل مع التهديد والتشهير وانتهاك الخصوصية وانتحال الهوية والمحتوى الذي يستغل الأطفال أو يدعو إلى الاعتداء. كما تحتاج إلى تمييز الخطأ القابل للتصحيح من السلوك المتكرر الذي يستهدف الإضرار، مع ضمان إمكان الاعتراض على القرار حتى لا تتحول الحماية إلى حجب تعسفي.
وتبدأ فعالية هذه القواعد من قابليتها للفهم والتطبيق. فالمستخدم يحتاج إلى معرفة سبب إزالة منشوره أو تقييد وصوله أو تعليق حسابه، والمقتضى الذي استند إليه القرار، وطريقة الطعن فيه. وفي المقابل، يحتاج المتضرر إلى قناة تبليغ تتيح شرح الواقعة وتقديم ما يسندها، والحصول على جواب يمكن متابعته، خصوصًا حين يتعلق الأمر بتهديد مباشر أو كشف بيانات شخصية.
وتزداد أهمية ذلك في المحتوى العربي والدارجة المغربية، حيث قد يتوقف فهم الإساءة أو التهديد أو السخرية على السياق اللغوي والاجتماعي. فقد تكون العبارة ظاهرًا عادية لكنها تحمل دلالة مؤذية في استعمال محدد، وقد يُفهم اقتباس لتوثيق اعتداء كما لو كان تأييدًا له. ولهذا ينبغي تقييم قدرة المراجعة على فهم السياق، وإتاحة تدخل بشري في الحالات التي قد تترتب عليها آثار جسيمة.
كما يستوجب تحقيق الدخل مسؤولية مستقلة. فمن الممكن أن يكون محتوى قابلًا للبقاء ضمن مجال التعبير، دون أن يكون مناسبًا للتوصية الواسعة أو المكافأة المالية. لكن هذا التدرج يحتاج بدوره إلى معايير معلنة ومتناسبة؛ حتى لا يُحرم محتوى نقدي من موارده لمجرد إزعاجه جهة نافذة، أو يُكافأ محتوى مسيء لأنه يحقق تفاعلًا مرتفعًا.
وفي الحملات المتكررة، لا يكفي النظر إلى كل منشور منعزلًا. فقد تتوزع الإساءة على حسابات متعددة، أو تتكرر بيانات شخص وصوره في سياقات تدفع إلى استهدافه. ويصبح التقييم مطالبًا بالنظر إلى نمط السلوك وتراكم أثره، مع تجنب اعتبار تشابه المواقف أو استعمال الوسم نفسه دليلًا تلقائيًا على وجود تنسيق منظم. فإثبات الحملة المصطنعة يحتاج إلى قرائن تتجاوز الاتفاق السياسي بين المشاركين.
ويحتاج الحد من الضرر إلى مراعاة سرعة الانتشار. فقد يقع الأذى خلال ساعات، بينما يأتي القرار بعد أن تكون الصور أو الاتهامات قد نُسخت وتداولت على نطاق واسع. لذلك تبرز أهمية إجراءات استجابة متدرجة تناسب خطورة الحالة، وتتيح المراجعة اللاحقة. وفي الادعاءات القابلة للفحص، يمكن أن يشمل التصحيح إظهار سياق موثق أو تنبيه واضح، بدل ترك الانطباع الأول قائمًا بعد ثبوت خطئه.
أما الأطفال، فيستحقون حماية لا تتوقف على حذف المحتوى الأشد ضررًا؛ بل تشمل طبيعة التوصيات، وإعدادات الخصوصية، والاتصال بالغرباء، والاستغلال التجاري لصورهم وتجاربهم. كما ينبغي أن تكون أدوات الحماية مفهومة لهم ولأسرهم، وألا يصبح تقديم بيانات إضافية عنهم ثمنًا للحصول على الأمان.
وتكتمل المساءلة بإتاحة معلومات عن تطبيق القواعد: حجم البلاغات، وآجال معالجتها، ونتائج الطعون، وأنواع الأخطاء التي جرى تصحيحها. فهذه المؤشرات تساعد على تقييم الإنصاف والفعالية، وتمنع الاكتفاء بإعلانات عامة عن الالتزام بالسلامة لا يستطيع الجمهور اختبارها.
وهكذا تُقاس مسؤولية المنصة بما تمنحه للمستخدم من وضوح وحماية وإنصاف، وبكيفية إدارتها للانتشار والمكافأة. لكن هذه المسؤولية تتصل أيضًا بأداء المؤسسات العامة؛ فكلما تعذر الوصول إلى المعلومة أو تأخر الجواب عن سؤال مشروع، اتسع المجال أمام ترويج الإشاعات ونسج روايات تملأ الفراغ وتستثمر القلق.
المعلومة العمومية: كيف يُملأ الفراغ الذي تستثمره الشائعة؟
لا يمكن مساءلة الخطاب الرقمي دون النظر إلى البيئة التي يبحث الناس فيها عن المعلومة. فحين يمس قرارٌ الأسعار أو الدراسة أو العلاج أو فرص العمل، يحتاج المعنيون إلى معرفة مضمونه وأسبابه وشروط تطبيقه. وإذا تعذر الجواب، بقي السؤال قائمًا، وبدأت التأويلات تتنافس على تفسير ما يحدث. وقد تستند بعضها إلى تجارب سابقة أو مخاوف مفهومة، بينما يستثمر بعضها الآخر الغموض لتقديم ادعاءات لا يسندها دليل.
ولا يجعل نقص المعلومة اختلاق الوقائع مقبولًا، لكنه يكشف موضعًا تستطيع المؤسسة إصلاحه. فالمواجهة الفعالة للتضليل تشمل إتاحة الوقائع قبل أن تستقر الروايات البديلة، وتفسير القرار بلغة يفهمها المتأثرون به، وبيان ما حُسم وما يزال قيد الدراسة. كما تقتضي الاعتراف بحدود المعرفة حين لا تكون المعطيات قد اكتملت، مع تحديد موعد للتحديث بدل ترك الانتظار مفتوحًا.
وتتوقف قيمة التواصل على مقدار ما يجيب عنه من أسئلة. فقد يصدر بلاغ طويل دون أن يوضح من سيستفيد من إجراء، أو كيف سيُمول، أو أين يتظلم من استُبعد منه. وقد تُعلن حصيلة بأرقام إجمالية دون تعريف مؤشراتها أو إتاحة ما يسمح بمقارنتها. وعندئذ يبقى المجال مفتوحًا للتشكيك، لأن كثرة المعلومات المنشورة لا تضمن قابليتها للفهم والتحقق.
ولهذا يحتاج التواصل العمومي إلى الانتقال من عرض الإنجاز إلى شرح أثره وحدوده. فالمواطن يريد أن يعرف ما الذي تغير بالنسبة إليه، وما الذي لم يتغير، وما سبب التأخر، ومن يتحمل المسؤولية. وتكتسب المؤسسة صدقيتها حين تستطيع الحديث عن التعثر بالوضوح نفسه الذي تتحدث به عن النجاح، وتربط الاعتراف بالمشكلة بمسار معلوم لمعالجتها.
كما أن الرد على الشائعة يستوجب تحديد الادعاء وتصحيح عناصره. فالاكتفاء بوصف خبر بأنه كاذب، دون تقديم الوقائع التي تكشف موضع الخطأ، قد يترك المتلقي بين روايتين متعارضتين. أما الجواب الذي يوضح التاريخ والسياق والمصدر والإجراء، فيمنحه أدوات للفحص، ويساعد الصحافة والباحثين على أداء دورهم بصورة مستقلة.
وتبرز أهمية التصحيح حين يتبين أن مصدر الخطأ جهة رسمية نفسها. فالمؤسسة قد تخطئ في رقم أو تقدير أو صياغة، وتحتاج إلى تصويب واضح يحدد ما تغير وسببه. وإذا طُلب من الأفراد الاعتراف بأخطائهم، فإن الالتزام نفسه ينبغي أن يظهر في التواصل العمومي. فالمصداقية تُبنى من طريقة معالجة الخطأ، إلى جانب الحرص على تجنبه.
ولا يعني ذلك أن كل ما يتعلق بعمل الدولة قابل للنشر دون قيد؛ فقد توجد مقتضيات لحماية المعطيات الشخصية وسلامة الأشخاص وسير بعض الإجراءات. لكن تقييد الإتاحة يحتاج إلى أساس واضح ونطاق محدد، مع توفير ما يمكن نشره من معلومات. كما ينبغي أن يظل الامتناع عن الجواب قابلًا للتفسير والمراجعة، حتى لا يصبح الغموض قاعدة دائمة.
ومن شروط الثقة أيضًا احترام السؤال وصاحبه. فاعتبار الاستفسار تشكيكًا عدائيًا، أو مواجهة النقد بالوصم، قد يدفع النقاش بعيدًا عن مضمونه. وفي المقابل، لا تُلزم المؤسسة بتبني تأويل الناقد، بل بتقديم ما يسمح بمناقشة الوقائع والقرار. وبهذا يصبح الاختلاف قابلًا للإدارة بالحجة بدل تحويله إلى اختبار للولاء.
وتستدعي هذه المهمة قنوات تواصل منتظمة، ومتحدثين قادرين على الشرح، ووثائق يسهل العثور عليها، وبيانات قابلة للاستعمال. كما تحتاج إلى متابعة الأسئلة المتكررة، وتنسيق الأجوبة بين الجهات، حتى لا تؤدي تصريحات متناقضة إلى زيادة الالتباس. فالتواصل جزء من تنفيذ السياسة، لأن فهم الناس لحقوقهم والتزاماتهم يؤثر في قدرتهم على الاستفادة والامتثال والمساءلة.
وحين تصبح المعلومة متاحة وقابلة للتحقق، يضيق المجال أمام الشائعة، دون أن يختفي الخلاف أو الخطأ. وتبقى مسؤولية الناشر والمتلقي قائمة؛ فالوصول إلى المعلومة يتيح التثبت، لكنه لا يغني عن تعلم كيفية فحصها، أو عن تحمل تبعات تحويل ادعاء غير متحقق منه إلى اتهام متداول.
من البلاغ إلى الحوار: منصة وطنية للمساءلة والتفاعل
للحد من فوضى النشر وانتشار الشائعات والاتهامات التي تفتقر إلى سند، يمكن تنظيم التواصل بين المواطنين والحكومة عبر منصة وطنية تفاعلية، تتوزع فضاءاتها بحسب القطاعات والقضايا. وتتيح هذه المنصة للمهتمين طرح أسئلتهم وتلقي أجوبة موثقة من المسؤولين المختصين داخل آجال معلنة، مع متابعة ما يترتب عليها من إجراءات. وبذلك يتوفر مرجع عمومي لفحص الادعاءات وتصحيح المعلومات ومساءلة القرارات، فيضيق مجال التضليل، ويتجه النقد إلى وقائع واضحة وحجج قابلة للمناقشة، مع صون حق المواطنين في الاعتراض وكشف الاختلالات.
وتتولى الوزارة المكلفة بالرقمنة والذكاء الاصطناعي تطوير البنية التقنية وتيسير الاستعمال، بينما يعين كل قطاع فريقًا مسؤولًا عن تقديم أجوبة موثقة داخل آجال معلنة. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تصنيف الأسئلة المتشابهة وترجمتها والبحث في الوثائق المنشورة، على أن تظل الأجوبة التي تتعلق بالحقوق والالتزامات والقرارات تحت مسؤولية بشرية واضحة، مع تمييزها عن الإجابات الآلية.
وتحتاج المنصة إلى الفصل بين السؤال العام والتظلم الشخصي. فالأول يُجاب عنه علنًا ليستفيد الجميع، أما الثاني فيُعالج عبر مسار يحمي البيانات ويتيح لصاحبه تتبع الملف بشكل شخصي. كما ينبغي توفير إحالة واضحة بين الإدارات، حتى لا يجد المواطن نفسه مضطرًا إلى إعادة تقديم طلبه كلما تبين أن الاختصاص يعود إلى جهة أخرى.
وتزداد قيمة هذا الفضاء حين ينشر مؤشرات عن آجال الإجابة والأسئلة المتأخرة والمشكلات التي عولجت، ويحتفظ بأرشيف قابل للبحث يوضح ما تغير في القرارات والأجوبة. كما يستوجب إنصاف المشاركة إعلان معايير ترتيب الأسئلة، حتى لا تُختار الأسئلة المريحة وحدها، أو يُقاس الاهتمام بعدد المتابعين والقدرة على التعبئة.
ولا يتحقق ذلك دون ضمان حق النقد داخل المنصة. فتُضبط الإهانة والتهديد وكشف البيانات الشخصية بقواعد معلنة وإمكان للطعن، بينما تبقى الأسئلة المحرجة والاعتراضات المشروعة متاحة. وتحتاج الخدمة أيضًا إلى لغات ووسائل ولوج ومساعدة تراعي من يصعب عليهم استعمال الأدوات الرقمية.
بهذه الشروط، تصبح المنصة أداة لتحسين القرار والخدمة وبناء الثقة، وتوفر مرجعًا يمكن الرجوع إليه لفحص الادعاءات وتصحيح الشائعات. أما نقد السياسات، فيظل قائمًا؛ وما يتغير هو امتلاك الجميع وقائع أوضح وأجوبة يمكن مساءلة أصحابها عنها.
بهذه الشروط، تصبح المنصة أداة لتحسين القرار والخدمة وبناء الثقة، ومرجعًا لفحص الادعاءات وتصحيح الشائعات. ويمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أن تساعد في تحليل المعطيات المنشورة، ورصد مدى تجاوب القطاعات والمسؤولين، وآجال إجاباتهم، وما نُفذ من التزاماتهم. ويحتاج هذا التقييم إلى معايير معلنة تراعي تعقيد الملفات، وتميز بين مجرد الرد وحل المشكلة، مع إتاحة مراجعة النتائج وتصحيحها.
وبذلك تتوفر للمواطنين معلومات قابلة للتحقق يستندون إليها في مساءلة الأداء الحكومي، وتكوين اختياراتهم الانتخابية بشأن تجديد الثقة في الأحزاب المكونة للحكومة أو سحبها منها. وتظل أدوات التحليل وسيلةً لدعم الحكم البشري، بينما يبقى القرار السياسي والانتخابي للمواطنين.
الاحتجاج والتحريض: حماية الحق وتحديد المسؤولية
يصبح التمييز بين الاحتجاج والتحريض ضروريًا حين يتصل الخطاب الرقمي بالدعوة إلى التحرك في المجال العام. فالاعتراض على قرار، والمطالبة بتغييره، وتنظيم احتجاج سلمي، أفعال تختلف عن الدعوة إلى الاعتداء أو التخريب أو استهداف الأشخاص. ولا تكفي حدة الشعارات أو إحراجها للمسؤولين لجعلها تحريضًا؛ إذ ينبغي فحص مضمون القول، وسياقه، والفعل الذي يدعو إليه.
وتظهر الخطورة حين تُحدد أهداف للاعتداء، أو تُنشر بيانات أشخاص بقصد تعريضهم للأذى، أو تُقدم إرشادات لتنفيذ أعمال عنف، أو يُمارس الضغط على الآخرين للمشاركة فيها. كما تستحق المساءلة المنشورات التي تعرض وقائع مختلقة لدفع الجمهور إلى مهاجمة شخص أو مؤسسة. ففي هذه الحالات، تتصل مسؤولية الكلمة بالفعل الذي تحث عليه، وبما يمكن إثباته من دور في إحداث الضرر.
لكن تحديد المسؤولية يقتضي تجنب التعميم. فوجود اعتداء أثناء احتجاج لا يثبت أن جميع المشاركين دعوا إليه أو وافقوا عليه، كما أن الدعوة إلى التجمع لا تعني تلقائيًا تبني كل ما يقع خلاله. وينبغي التمييز بين المنظم والمشارك والمحرض ومرتكب الاعتداء، وإسناد كل فعل إلى صاحبه وفق الأدلة، مع حماية من يمارس حقه سلمًا.
ويظل الاحتجاج نفسه مجالًا للمساءلة عن وسائله وأثرها. فمن يطلب حماية الحقوق مطالب باحترام سلامة الآخرين وكرامتهم، وبالانتباه إلى أثر فعله في وصولهم إلى العلاج والعمل والخدمات الأساسية. كما أن مشروعية المطلب لا تعفي من مناقشة جدوى الوسيلة وكلفتها، ولا تجعل الاعتداء مقبولًا لمجرد اقترانه بقضية عادلة.
وفي المقابل، تحتاج استجابة المؤسسات إلى الدقة والتناسب وحماية الحقوق، وإلى الفصل بين معالجة المطالب ومواجهة الاعتداءات. فوجود سلوك عنيف لا يلغي السؤال الاجتماعي أو السياسي الذي أخرجه إلى الواجهة، كما أن الاستماع إلى المطالب لا يمنع محاسبة من يثبت ارتكابه اعتداء. ويتيح الجمع بين المسارين حماية النظام العام دون إغلاق باب التصحيح.
وتتسع المسؤولية لتشمل من ينشرون أخبار الاحتجاجات وصورها. فمقطع مبتور أو صورة من مكان آخر قد يغيران فهم الواقعة ويدفعان إلى التصعيد. ولذلك يقتضي النشر التثبت من التاريخ والمكان والسياق، وتجنب كشف هويات أشخاص بلا ضرورة، وتصحيح الخطأ فور اكتشافه. كما ينبغي توخي الدقة عند وصف المشاركين أو نسبة نوايا جماعية إليهم.
مسؤولية الكلمة وشروط الثقة
تكشف هذه القراءة أن مواجهة التضليل والتحريض تحتاج إلى عمل متكامل. فصانع المحتوى مسؤول عن صحة ما ينسبه إلى الآخرين، وعن الفصل بين الخبر والتأويل، والاستعداد للتصحيح. والمنصة مسؤولة عن قواعد الانتشار والمكافأة والحماية، وعن إنصاف المستخدمين عند تطبيقها. والمؤسسة مطالبة بإتاحة المعلومة وتفسير القرار ومعالجة الاختلال، بينما يتحمل المتلقي نصيبه من مسؤولية التثبت قبل إعادة النشر.
وتوفر المنصة الوطنية المقترحة وسيلة لتنظيم جانب من هذه العلاقة: بيانات واضحة، وأسئلة معلومة، وأجوبة موثقة، والتزامات يمكن تتبعها، ومعطيات تساعد على تقييم الأداء، وتوصيات لتحسين المردودية. وتزداد فائدتها حين تبقى مفتوحة للنقد، وتتصل بمسارات فعلية للمعالجة، وتتكامل مع الصحافة المستقلة والجمعيات وبقية قنوات المشاركة والمساءلة.
أما الثقة، فتتراكم حين يجد المواطن أن السؤال يُسمع، والخطأ يُصحح، والحق يُحمى، والمسؤولية تُحدد بمعيار يسري على الجميع. وعندئذ يكتسب الخطاب الموثوق قوة من الواقع الذي يسنده، ويصبح كشف التضليل أكثر إقناعًا من مجرد إدانته.
فالحرية التي نحتاج إليها تتيح الاعتراض والفحص والتصحيح، والمسؤولية التي تحميها تمنع تحويل الاختلاف إلى إهانة أو استهداف أو اعتداء. ومن اجتماع هذين الشرطين يمكن أن يصبح المجال الرقمي مساحةً أوسع للمعرفة والمشاركة والإصلاح، وأن تتراجع فيه مكافأة الخداع والخصومة على حساب حقوق الناس وكرامتهم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق