مفهوم الربوبية في القرآن


من الإقرار بأن الله رب إلى العيش بمقتضى ربوبيته


يفتتح القرآن فاتحته، ويفتتح المؤمن قراءته بقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الفاتحة: 2). وقد تبدو هذه العبارة، لكثرة تردادها، تقريرًا إيمانيًا مألوفًا لا يحتاج إلى مزيد من التأمل. غير أن موقعها في فاتحة الكتاب يكشف عن معنى أعمق؛ فالقرآن لا يقدم الله ابتداءً بوصفه رب جماعة أو أمة أو مجال مخصوص من الحياة، وإنما بوصفه ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.


لكن هذه العبارة التي تبدو واضحة تضعنا أمام سؤال سابق على البحث في معنى الربوبية نفسها: من هم ﴿الْعَالَمِينَ﴾؟ 


فإذا كنا نريد أن نفهم معنى أن يكون الله رب العالمين، فلا يكفي أن نبحث في معنى «الرب»، بل ينبغي أن نحدد أيضًا نطاق «المربوب» الذي تتعلق به هذه الربوبية. وهنا قد يكون المألوف الديني نفسه حجابًا يحول دون رؤية اتساع المفهوم القرآني.../...



رب العالمين: حين تتجاوز الربوبية عالم الإنسان


اعتاد الوعي الديني أن يمر بعبارة ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ بوصف معناها معلومًا سلفًا. ومن التصورات الشائعة في فهم «العالمين» ربطها بعالمي الإنس والجن، أو النظر إلى العالم باعتباره المجال الذي يعيش فيه الإنسان ومعه بقية المخلوقات المعروفة له. وقد توسعت بعض أقوال المفسرين في مدلول اللفظ، لكن صورة الإنسان والجن ظلت حاضرة بقوة في تصور كثير من المؤمنين لمعنى «رب العالمين».


غير أن القراءة المفاهيمية لا تستطيع أن تبدأ من هذا التصور ثم تجعله حاكمًا على القرآن. فإذا كان القرآن هو الذي استعمل «العالمين»، فإن السؤال ينبغي أن يكون: ماذا يكشف القرآن نفسه عن نطاق هؤلاء العالمين؟


ولعل المدخل الأوضح إلى الجواب يوجد في حوار موسى مع فرعون. فقد سأل فرعون:


﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (الشعراء: 23).


فأجابه موسى:


﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ (الشعراء: 24).


وهذا الجواب بالغ الأهمية؛ لأن القرآن لم يفسر «رب العالمين» هنا برب الإنس والجن، وإنما نقل السؤال مباشرة إلى نطاق كوني: 


﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾.


ولا يقف القرآن عند ذكر هذه المجالات بوصفها فضاءات مخلوقة خالية، بل يتحدث عمن يوجد فيها:


﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (الإسراء: 44).


فثمة سماوات وأرض، وثمة ﴿مَنْ فِيهِنَّ﴾، ثم يوسع النص الدائرة أكثر بقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾. وبذلك لا يعود الإنسان هو المركز الذي ينبغي أن نقيس عليه نطاق الربوبية، وإنما يصبح واحدًا من الموجودات الداخلة في نظام أوسع من الخلق والخضوع والتسبيح الذي يشمل الوجود كله.


ويأتي القرآن بتعبير أكثر إثارة للتأمل:


﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ (الشورى: 29).


فالآية لا تتحدث عن خلق السماوات والأرض فقط، وإنما عما بث فيهما من دابة. ومفهوم الدابة في القرآن لا ينحصر في الحيوان الذي يمشي على أربع، بل يكشف القرآن نفسه عن سعته:


﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (النور: 45).


نحن إذن أمام مخلوقات تدب بأشكال متعددة: منها ما يمشي على بطنه، ومنها ما يمشي على رجلين، ومنها ما يمشي على أربع، ثم يترك النص مجال الخلق مفتوحًا بقوله: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾.


لكن آية الشورى لا تقف عند الخلق والبث، بل تضيف معنى آخر بالغ الدلالة:


﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾.


ولا ينبغي أن يحمل هذا الجمع تلقائيًا على جمع القيامة؛ فالقرآن حين يتحدث عن الجمع الأخروي يقدمه بوصفه أمرًا مقضيًا لا ريب في وقوعه، بينما تعلق الآية هنا الجمع بالمشيئة: ﴿إِذَا يَشَاءُ﴾. كما أن السياق نفسه يتحدث عن خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة. فنحن أمام بث تتوزع به المخلوقات في مجالات الخلق، يقابله إمكان لجمع ما بثه الله إذا شاء.


ولا تخبرنا الآية أين يقع هذا الجمع، ولا متى، ولا كيف، ولا أي المخلوقات يجتمع بغيره؛ ولذلك لا يجوز تحويل هذا الإمكان القرآني إلى تقرير عن لقاء مخلوقات عوالم مختلفة، أو إلى نبوءة بحدث كوني محدد. لكنها في المقابل تترك إمكان الجمع مفتوحًا داخل المشيئة الإلهية، وهو معنى سنعود إلى دلالاته في موضع آخر عند دراسة مفهوم المشيئة وعلاقته بالتقدير والسنن.


وتزداد صورة العالمين اتساعًا مع قوله تعالى:


﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (الطلاق: 12).


فالقرآن يتحدث عن سبع سماوات، وعن الأرض ﴿مِثْلَهُنَّ﴾، ثم لا يترك هذه البنية عند مستوى الخلق، بل يقول: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾. أي إننا لا نرى مجرد تعدد في الخلق، وإنما نرى أيضًا أمرًا يجري داخل هذا البناء.


وعندما توضع هذه الآيات بعضها إلى جانب بعض، تتغير دلالة ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تغيرًا عميقًا. فلدينا السماوات والأرض وما بينهما، ومن فيهن، وما بث فيهما من دابة، وسبع سماوات ومن الأرض مثلهن، وأمر يتنزل بينهن، ورب تحيط قدرته وعلمه بهذا الوجود كله.


ولا يتيح لنا ذلك أن نحدد ماهية تلك المخلوقات، ولا أن نصف أشكال حياتها، ولا أن نزعم أن القرآن يتحدث عن حضارات مماثلة للحضارة الإنسانية؛ فذلك كله يتجاوز ما يقوله النص. لكن ما يسمح به البناء القرآني نفسه واضح بما يكفي: نطاق الربوبية أوسع من عالم الإنسان، وأوسع من الحياة الأرضية التي يعرفها الإنسان معرفة مباشرة.


وهنا يظهر قصور اختزال «العالمين» في عالمي الإنس والجن. فهذان داخلان بلا شك في الخلق المربوب، لكن البناء القرآني لا يمنحنا أساسًا لحصر العالمين فيهما. بل إن جواب موسى نفسه عن سؤال ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ يفتح الأفق على ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾.


ومن هنا ينبغي أن نعيد قراءة أول وصف لله في فاتحة الكتاب. فقولنا ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ليس مجرد توسيع لسلطان الله من الإنسان إلى الكون؛ فسلطانه على الخلق كله مقرر أصلًا. الأعمق أن العبارة تغير موقع الإنسان نفسه داخل الوجود.


فالإنسان ليس مركز الربوبية.


إنه مربوب داخل عالم من المربوبات، وعالمه ليس بالضرورة العالم الوحيد الذي تقع عليه هذه العلاقة. وحين يقول ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فإنه يقر بربوبية تتجاوز وجوده وإدراكه وعالمه المباشر، وتشمل خلقًا لا يحيط به علمًا، وعوالم لا يعرف حدودها، وموجودات لا يفقه حتى كيفية تسبيحها.



المحكم والمتشابه: كيف كشف القرآن معنى «العالمين»؟


ولعل ما تكشفه هذه الآيات لا يتعلق بمفهوم «العالمين» وحده، بل بطريقة القرآن في بناء المعنى. فقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يمثل هنا الأصل المحكم الذي تنتظم حوله التفاصيل؛ ثم تأتي الآيات الأخرى فتكشف شيئًا فشيئًا ما يدخل في هذا الأفق: السماوات والأرض وما بينهما، ومن فيهن، وما بث فيهما من دابة، وتعدد السماوات والأرض.


وبذلك لا يكون رد المتشابه إلى المحكم بالتأويل مجرد اختيار بين معنيين لغويين محتملين، وإنما عملية لإعادة الآيات الجزئية إلى النسق الأول الذي تنتظم فيه دلالاتها. وهذا هو معنى التأويل. فالمحكم يحدد الإطار، والمتشابه يكشف تفاصيله، والعلاقات بين الآيات تسمح بإعادة بناء المفهوم في صورته الأوسع المؤسسة للمعنى النهائي.


وهنا يظهر معنى أعمق للقول إن القرآن يفسر بعضه بعضًا. فليس المقصود دائمًا أن نجد آية تشرح لفظًا ورد في آية أخرى، وإنما قد يكون المعنى موزعًا بين آيات متعددة، لا يظهر تمامه في أي واحدة منها منفردة، ثم ينكشف عندما تُرد المتشابهات إلى محكمها وتُكتشف العلاقات التي تنتظم بينها.


وعندئذ قد لا يكون المعنى الغائب معلومة مفقودة، بل علاقة لم تُكتشف بعد بين معلومات كانت معلومة.


وهذا ما حدث مع ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فالآية كانت معلومة، وآيات السماوات والأرض كانت معلومة، وآية ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ كانت معلومة، وكذلك ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾؛ لكن رد هذه الآيات إلى المحكم الجامع وإعادة قراءتها داخل شبكة واحدة يكشف اتساعًا في مفهوم «العالمين» لا يظهر بالوضوح نفسه عند قراءة كل آية منفردة.


وعند هذه النقطة يظهر السؤال الثاني، وربما الأهم:


إذا كانت دائرة المربوب بهذا الاتساع، فما الربوبية أصلًا؟ وما العلاقة التي تجعل هذه الموجودات جميعًا مربوبة لرب واحد؟



من اسم الرب إلى علاقة الرب بالمربوب


يكشف تركيب ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ عن علاقة لا يمكن أن يتحقق معناها بطرف واحد. فالله قائم بذاته، لا يتوقف وجوده على وجود العالم، أما الربوبية فلا تظهر إلا حيث يوجد مربوب تقوم به علاقة الربوبية. ولذلك فإن البحث في مفهوم «الرب» لا يكتمل بالسؤال: ما معنى الرب؟ وإنما يقتضي سؤالًا آخر ملازمًا له: ربُّ مَن؟ وما طبيعة العلاقة التي تجعل الرب ربًا للمربوب؟


وهذا التمييز ضروري حتى لا تختلط الربوبية بالألوهية. فالبحث في الله من حيث ذاته وأسمائه وصفاته، أو في الإله من حيث العلاقة التي يكشفها هذا الاسم، له مقامه المفهومي الخاص الذي يفيد أنه غني عن العالمين ووجوده لا يكون بشرط شيء على الإطلاق. أما موضوعنا هنا فهو أكثر تحديدًا: ماذا يكشف القرآن عندما يستعمل اسم الرب؟ وما الوظائف التي تظهر في علاقة الرب بالمربوب؟ وما الحاجات التي تستدعي هذه الوظائف؟ وما الآثار التي تنتج عنها؟


ومن هنا لا ينبغي أن نبدأ بتعريف جاهز للربوبية باعتبارها «الخلق والملك والتدبير والرزق»، ثم نبحث في القرآن عما يؤيده؛ لأن ذلك يعكس منهج القراءة المفاهيمية التي نسعى إليها. الأصح أن نبدأ من استعمال القرآن نفسه، وأن نراقب ما يقترن باسم الرب من أفعال ومقامات وعلاقات، ثم نسأل عما إذا كانت هذه الاستعمالات تنتظم في بنية مفهومية واحدة.


وأول ما يظهر من هذا الاستقراء أن الربوبية لا تبدأ من حاجة الإنسان وحده، بل من وجود المربوب نفسه.


يقول تعالى:


﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: 1).


فالخلق هنا أول علاقة ظاهرة بين الرب والمربوب. غير أن القرآن لا يقف عند الإيجاد، وإنما ينتقل مباشرة إلى ما يجعل الموجود متعينًا في خلقه وقادرًا على أداء ما هيئ له:


﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ۝ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ۝ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ (الأعلى: 1-3).


إننا أمام حركة متتابعة: خلق، فتسوية، فتقدير، فهداية. ولذلك لا تبدو الربوبية فعلًا وقع في لحظة الخلق وانتهى، وإنما علاقة تستمر مع المخلوق بعد وجوده.


ويؤكد القرآن ذلك في واحد من أدق تعريفاته الوظيفية للرب، حين سأل فرعون موسى وهارون:


﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى ۝ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (طه: 49-50).


كان السؤال: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا﴾، فجاء الجواب بالفعل والعلاقة: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. لم يعرّف موسى الرب بتجريد فلسفي، وإنما بما يفعله الرب تجاه المربوب.


وهنا تظهر أولى خصائص المفهوم: الربوبية علاقة وظيفية مستمرة، لا مجرد نسبة ملكية بين خالق ومخلوق.



من الخلق إلى الهداية: الربوبية استمرار لا لحظة


إذا كان الخلق يفتتح علاقة الرب بالمربوب، فإن الهداية تكشف استمرارها. فالشيء لا يُعطى وجوده فحسب، وإنما يُعطى ما يلائم ذلك الوجود ويُهدى إلى ما تقوم به وظيفته.


ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى:


﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (هود: 56).


فالآية لا تتحدث عن الإنسان وحده، وإنما تعمم العلاقة على كل دابة: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾. ثم تختم بعبارة ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، بما يكشف أن وجود هذه المخلوقات وحركتها لا يقعان خارج نظام الربوبية. فهي مخلوقة، ومهديّة في مسارات وجودها، وتظل واقعة داخل النظام الذي قدره ربها.


وهكذا لا تبدو الهداية فعلًا يخص الإنسان حين يتلقى الوحي فحسب، بل مظهرًا أوسع من مظاهر الربوبية: أن يُعطى الموجود خلقه، ثم يتحرك داخل ما قُدّر له من خصائص ومسارات وسنن.


وهذا ما يجعل الربوبية مرتبطة بالسنن دون أن تكون السنن شيئًا خارجًا عنها. فالماء ينزل وفق نظام، والنبات ينمو وفق نظام، والكائنات تتكاثر وفق نظام، والإنسان يعمل داخل أسباب وشروط وقوانين. وانتظام العالم بهذه الأسباب لا يناقض الربوبية، بل يكشف إحدى صورها: فالرب لا يدبر عالمًا بلا نظام، وإنما عالمًا جعله قائمًا على التقدير.


ولهذا جمع القرآن بين الأمرين:


﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾.


فالتقدير والهداية ليسا فعلين منفصلين عن بنية العالم، وإنما جزء من الطريقة التي يقوم بها وجود المربوب. وإذا كان القرآن يقول عن السماوات والأرض ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾، فإنه يعيدنا مرة أخرى إلى الصورة نفسها: خلق لا ينفصل عن أمر، ووجود لا ينفصل عن تقدير، ومربوبات لا توجد خارج نظام السنن والقوانين الذي تقوم فيه حياتها وحركتها.


ومن هنا يمكن فهم العبارة التي بدأ منها هذا المقال: ربوبية تدبر العالمين سننًا وقدرًا. فالسنن ليست منافسًا للرب، والسبب ليس فاعلًا خارج نظامه؛ وإنما هما من الكيفيات التي تنتظم بها علاقة المربوب بالعالم الذي أوجده ربه.



المربوب المحتاج: حين تتعين الوظيفة بحسب المقام


لكن المربوب ليس موجودًا ثابتًا مكتفيًا بذاته. إنه محدود، متغير، يمر بأحوال مختلفة، وتنشأ له في كل حال حاجات مختلفة. وهنا يظهر بُعد آخر من الربوبية: تتعين الوظيفة بحسب حال المربوب وحاجته.


ولعل من أجمع الصور القرآنية لهذه العلاقة قول إبراهيم:


﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ۝ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ۝ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ۝ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ (الشعراء: 78-81).


يتغير حال المربوب، فتظهر الوظيفة التي يناسبها المقام. من حيث وجوده هو مخلوق؛ ومن حيث حاجته إلى الطريق هو مهدي؛ ومن حيث حاجته إلى الغذاء يُطعم ويُسقى؛ ومن حيث المرض يحتاج إلى الشفاء؛ ومن حيث انتهاء أجله يموت؛ ومن حيث انتقاله إلى طور آخر يحيا.


فالذي يتغير هنا ليس الرب، وإنما حال المربوب، ومع تغير الحال تتعين الوظيفة التي تظهر من خلالها الربوبية.


وهذا يمنعنا من اختزال الربوبية في وظيفة واحدة. فالشفاء ليس الربوبية، والرزق ليس الربوبية، والهداية ليست الربوبية، والخلق ليس الربوبية. هذه جميعًا وظائف تقع داخل العلاقة الأوسع التي نسميها الربوبية.


ويمكن التعبير عن بنيتها على النحو التالي:


مربوب ← حال أو حاجة ← وظيفة ربوبية ← أثر.


فحاجة الجائع تستدعي الإطعام، والمرض يستدعي الشفاء، والحيرة تستدعي الهداية، والضعف يستدعي العون، والجهل يستدعي العلم. وليس المقصود أن الإنسان يحيط بذلك كله أو يستحضر جميع أسماء الله وصفاته في مقام واحد؛ بل إنه يدخل إلى العلاقة من مقامه المحدود، فتتحدد حاجته بحسب حاله.


وهنا نفهم لماذا يكاد لفظ «رب» يهيمن على لغة الدعاء القرآني.



لماذا يقول الأنبياء: «رب»؟


عندما يطلب موسى العون في مهمته يقول:


﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ۝ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ (طه: 25-26).


وحين يتعلق الأمر بالعلم يأتي الأمر:


﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: 114).


وحين يحتاج إبراهيم إلى الأمن والرزق يقول:


﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ﴾ (البقرة: 126).


وحين بلغ زكريا الضعف قال:


﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (مريم: 4).


إن تكرر «رب» في هذه المقامات يستحق الانتباه؛ لأن الدعاء نفسه علاقة حاجة. فالداعي يعرض حاله بوصفه مربوبًا: نقصًا أو ضعفًا أو حاجة أو رغبة في التحول من حال إلى حال، ويطلب من ربه الوظيفة التي تحقق هذا الانتقال.


وبذلك يمكن فهم «ربي» و«ربنا» و«ربكم» و«ربكما» لا باعتبارها تقسيمًا للربوبية، وإنما باعتبارها تعيينًا للعلاقة بحسب المربوب. فالرب واحد، لكن المربوبين متعددون، وأحوالهم متعددة، ومن ثم تتعدد مقامات العلاقة دون أن تتعدد حقيقة الرب.


وبعد أن اتسع أمامنا معنى ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، تصبح هذه النتيجة أعمق من أن تكون متعلقة بالإنسان وحده. فالاختلاف ليس فقط بين إنسان وإنسان، أو بين حال وحال، وإنما يمتد إلى اختلاف المربوبات نفسها. وإذا كانت العالمين تضم خلقًا لا نحيط بطبيعته ولا بحدوده، فإن وحدة الرب تقابلها كثرة لا نعرف مداها من علاقات الربوبية.



الربوبية ليست عطاءً فقط: الابتلاء أيضًا وظيفة


وقد يكون من أكثر الأخطاء شيوعًا في تصور الربوبية ربطها بما يوافق رغبة المربوب فقط. فإذا رُزق الإنسان أو شُفي أو تحقق له ما طلب رأى أثر الربوبية، بينما قد يقرأ المنع أو المرض أو الابتلاء باعتباره غيابًا للعناية.


لكن القرآن يقدم صورة أكثر تركيبًا:


﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ (البقرة: 124).


الفاعل هنا ربه، والفعل ابتلى.


وهذا بالغ الأهمية؛ لأن الربوبية لا تعني تحقيق رغبات المربوب، وإنما تدبيره داخل غاية أوسع من رغباته الآنية. فقد تكون الوظيفة إمدادًا، وقد تكون منعًا، وقد تكون ابتلاءً، وقد تكون انتقالًا عبر تجربة لا يفهم المربوب حكمتها في لحظتها.


وتظهر هذه الحقيقة بصورة شديدة الوضوح في قوله:


﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ۝ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ۝ كَلَّا﴾ (الفجر: 15-17).


الحالتان تسميان ابتلاءً: التوسعة ابتلاء، والتقدير في الرزق ابتلاء. لكن المربوب يخطئ عندما يفسر الربوبية انطلاقًا من رغبته: أعطاني إذن أكرمني، ومنعني إذن أهانني. فيأتي التصحيح: ﴿كَلَّا﴾.


وهنا يظهر الفرق بين حاجة المربوب وغاية الربوبية. فالحاجة تحدد المقام الذي يدخل منه المربوب إلى العلاقة مع ربه، لكنها لا تفرض على الرب النتيجة التي يتخيلها المربوب. وهذه نقطة لا غنى عنها حتى لا يتحول مفهوم الربوبية إلى تصور نفعي يجعل الله مجرد مستجيب لحاجات الإنسان.



الربوبية والتربية: هل تكشف العلاقة حركة عبر الأطوار؟


من هنا يصبح معنى «التربية» الذي ارتبط تقليديًا بالرب جديرًا بإعادة النظر من داخل القرآن نفسه.


فإذا جمعنا: ﴿خَلَقَ فَسَوَّى﴾، و ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾، و ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾، ثم أضفنا الابتلاء والتيسير والزيادة في العلم والإمداد، ظهر أمامنا مربوب ينتقل عبر أطوار.


لكن ينبغي أن نكون دقيقين: لا نثبت أن «الرب» يعني لغويًا «المُربي» ثم نفرض هذا المعنى على الآيات. الذي يمكن قوله قرآنيًا هو أن شبكة الوظائف المرتبطة بالرب تكشف علاقة لا يقتصر فيها الأمر على الإيجاد، وإنما تشمل حفظ الموجود وتعليمه وتوجيهه وتقديره ونقله عبر أحوال وجوده.


ومن هنا قد تكون التربية نتيجة لبنية الربوبية، لا تعريفًا لغويًا مفروضًا عليها.


وهذا يفسر أيضًا لماذا لا يكون الابتلاء خارج الربوبية. فالمربوب لا ينتقل بالعطاء وحده؛ وبعض انتقالاته لا تحدث إلا من خلال مواجهة حدود وجوده، واختبار اختياراته، واكتشاف ما كان خافيًا عليه من نفسه. فالإنسان قد يعرف قدرته في حال، ثم يكشف له الضعف حالًا أخرى؛ وقد يتصور استقلاله حين تتيسر له الأسباب، ثم يعيده تغير الأحوال إلى إدراك حاجته وحدوده. ومن هنا يكتسب قوله تعالى: 


﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (الذاريات: 21)، 


دلالة خاصة؛ إذ يصبح النظر في النفس وأحوالها طريقًا إلى إدراك موقع الإنسان داخل علاقة الربوبية.


فالابتلاء، بهذا المعنى، لا يغير حال المربوب فقط، بل قد يغير معرفته بنفسه أيضًا؛ ومع تغير معرفته بنفسه تتغير قدرته على فهم حاجته، وحدوده، وفهم العلاقة التي تربطه بربه.



من الخلق إلى الرجوع: اكتمال دائرة الربوبية


وإذا كان القرآن يفتتح علاقة الرب بالمربوب بالخلق، فإنه يعيد المربوب في النهاية إلى ربه.


واللافت أن سورة العلق نفسها التي تبدأ:


﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾


تعود بعد آيات قليلة لتقول:


﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ (العلق: 8).


بدأ المسار بالرب الذي خلق، وانتهى بالرجوع إلى الرب.


ويقول تعالى:


﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ (القيامة: 12).


ويقول:


﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى﴾ (النجم: 42).


وهنا تظهر الربوبية بوصفها علاقة تحيط بدورة المربوب كلها: لا تبدأ عند حاجته إلى الطعام ولا تنتهي عند شفائه من المرض. وجوده نفسه داخلها؛ فمن الرب يبدأ خلقه، وداخل تقديره وسننه يتحرك، وبالهداية والإمداد تستمر حياته، وعبر الابتلاء تتشكل تجربته، وبالموت ينتقل، وإلى ربه يكون المنتهى.


غير أن القسم الأول من هذا المقال يمنعنا الآن من قراءة هذه الدورة بوصفها قصة الإنسان وحده. فالإنسان أحد المربوبات، بينما الوصف الذي افتتح به القرآن هو ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وما عرفناه عن دورة الإنسان يقدم لنا نموذجًا ظاهرًا لعلاقة الرب بالمربوب، لكنه لا يضع حدودًا لما يدخل في الربوبية من خلق آخر لا نعرف طبيعة وجوده ولا الكيفية التي تتعين بها علاقته بربه.



ماذا يعني إذن أن يكون الله «رب العالمين»؟


بعد هذا الاستقراء يمكن الاقتراب من تعريف المفهوم دون تحويله إلى تعريف مغلق:


الربوبية في القرآن علاقة جامعة بين الرب والمربوب، تتعين فيها وظائف الرب بحسب وجود المربوب وحاله وحاجته ومقامه؛ فمن الرب يكون خلقه وتسويته وتقديره وهدايته وإمداده، وداخل هذه العلاقة يمر بابتلائه وتحولاته، وإلى ربه ينتهي ويرجع.


وبذلك ليست الربوبية مرادفة للخلق، لأن الخلق إحدى وظائفها؛ وليست مرادفة للرزق، لأن الرزق إحدى صور الإمداد داخلها؛ وليست مرادفة للتدبير، لأن التدبير وصف لحركة أوسع تشمل المربوب منذ إيجاده إلى منتهاه.


كما أن الحاجة وحدها لا تعرّف الربوبية؛ لأن بعض وظائف الربوبية لا تنشأ عن طلب واعٍ من المربوب. النبات يهتدي إلى نظام نموه، والجسد يعمل وفق خلقه، والمخلوقات تتحرك داخل مقاديرها، والإنسان نفسه مر بأطوار لم يختر بدايتها. ومن ثم فالعلاقة أسبق من وعي المربوب بها.


وهنا ربما نصل إلى القانون الذي كان غائبًا عن إدراكنا حتى الآن:


كلما تغير المربوب أو تغير حاله تغيرت الوظيفة التي تظهر بها الربوبية، دون أن يعني ذلك تغير الرب؛ فالتعدد في مقتضيات العلاقة، لا في مصدرها.


لكن اكتشاف اتساع «العالمين» يسمح الآن بإضافة مستوى آخر إلى هذا القانون. فالاختلاف لا يقع فقط بسبب تغير حال المربوب الواحد، وإنما بسبب اختلاف المربوبات نفسها. فالإنسان والنبات وسائر ما نعرفه من الخلق لا تتعين علاقتها بالرب بالطريقة نفسها، وإذا كان القرآن يفتح نطاق العالمين على خلق يتجاوز ما نعرفه، فإننا لا نستطيع أن نفترض أن وظائف الربوبية وآثارها تتعين فيه بالصورة نفسها التي نعرفها في عالمنا.


وبذلك يمكن صياغة النتيجة بصورة أدق:


وحدة الرب لا تعني تماثل علاقات الربوبية؛ فبتعدد المربوبات واختلاف أحوالها تتعدد مقتضيات العلاقة ووظائفها وآثارها، بينما يبقى مصدرها واحدًا: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.



حين يؤمن الإنسان بالرب ولا يفهم الربوبية


وهنا فقط يمكن الانتقال من البنية الكونية للمفهوم إلى موقع الإنسان داخلها.


فالمشكلة ليست ابتداءً أن الناس يقولون إن الله رب ثم «يعبدون الأسباب»، لأن هذه الصياغة تنقلنا إلى مبحث الألوهية الذي سبق وأن تناولناه من قبل. المشكلة المفهومية الأسبق هي أن الإنسان قد يقر بأن الله ربه، لكنه يتصور علاقة الربوبية تصورًا ناقصًا.


قد يتصورها خلقًا وقع في الماضي، بينما القرآن يقدمها علاقة مستمرة.


وقد يراها عطاءً فقط، بينما القرآن يدخل فيها التقدير والابتلاء.


وقد ينتظر منها إلغاء الأسباب، بينما القرآن يكشف عالمًا قائمًا على التقدير والهداية والسنن التي لا تتبدل ولا تتغير ولا تتحول.


وقد يعتبر تحقق رغبته علامة إكرام وعدم تحققها علامة إهانة، فيأتي القرآن ليؤكد النفي بقوله: ﴿كَلَّا﴾.


وقد يرى الرزق الذي يصل إليه من الإنسان أو المؤسسة أو السوق منفصلًا عن النظام الأوسع الذي تقوم فيه حياته، بينما القرآن يقول للإنسان الذي يحرث:


﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ۝ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (الواقعة: 63-64).


فالإنسان يؤدي فعله فعلًا، لكن فعله يقع داخل شبكة من الشروط لم يخلقها هو. وهكذا لا تلغي الربوبية فاعلية الإنسان، ولا تلغي الأسباب، وإنما تضعها داخل النظام الذي يجعل فاعليتها ممكنة أصلًا.


وهذا ربما يكون الأثر المعرفي الأعمق للإيمان بالربوبية: أن يتغير موقع الإنسان في تصوره للوجود. فهو ليس مركز العالمين، وليس فاعلًا مستقلًا عن النظام الذي يوجد داخله، وليس مجرد متلق سلبي لأفعال تقع عليه. إنه مربوب فاعل داخل عالم مربوب؛ يعمل بالأسباب، ويتعلم السنن، ويتخذ القرارات، لكنه يفعل ذلك كله داخل شروط وجود لم يخلقها وقوانين لم يضعها.


وعندئذ لا يعود السؤال: هل تؤمن بأن الله رب؟


بل يصبح:


ماذا يعني في تصورك لنفسك وللعالم أن يكون الله ربك ورب العالمين؟


فالجواب القرآني لا يختزل في أنه خلق العالم، وإنما في أن العالم منذ خلقه إلى منتهاه عالم مربوب.


وتلك هي النقلة التي تصنعها القراءة المفاهيمية: من تعريف «الرب» بوصفه لفظًا، إلى اكتشاف الربوبية بوصفها علاقة؛ والمربوب بوصفه طرفها؛ والحال والحاجة بوصفهما من مقاماتها؛ والوظيفة بوصفها كيفية ظهورها؛ والأثر بوصفه ما تنتجه العلاقة في المربوب.


وعندها نفهم على نحو أعمق افتتاح القرآن:


﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.


لم تعد «العالمين» هنا لفظًا نمر به في طريقنا إلى تعريف الرب، بل أصبحت جزءًا من تعريف نطاق العلاقة نفسها. فالربوبية لا تُعرف من اسم الرب مجردًا، ولا من المربوب منفردًا، وإنما من العلاقة التي تجمعهما؛ وفي هذه العلاقة تتكشف وظائف الخلق والتسوية والتقدير والتعليم والهداية والإمداد والابتلاء، وتتعدد مقتضياتها وآثارها بتعدد المربوبات وأحوالها، بينما يبقى الرب واحدًا.


وهكذا تعود بنا نهاية البحث إلى الآية التي بدأ منها:


﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.


لكنها لا تعود بالمعنى نفسه الذي بدأنا به.


فـ «العالمين» التي بدت في البداية لفظًا مألوفًا انفتحت، حين رُدَّت المتشابهات إلى محكمها، على السماوات والأرض وما بينهما، ومن فيهن، وما بث فيهما من دابة، وعلى خلق لا يحيط الإنسان بحدوده. و«الرب» الذي بدا اسمًا معلومًا انكشف من خلال علاقته بالمربوب: خلقًا وتسوية وتقديرًا وهداية وتعليما وإمدادًا وابتلاءً، من بدء وجود المربوب إلى منتهاه.


وبذلك تصبح ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أكثر من تقرير إيماني نردده؛ إنها مفتاح لرؤية الوجود نفسه: رب واحد، وعوالم من المربوبات، وعلاقات تتعدد بتعددها وأحوالها، ونظام لا يخرج شيء من وجوده وحركته عن ربوبية رب العالمين.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق