استراتيجيات المغرب لنيل مقعد دائم في مجلس الأمن


المغرب مدرسة الدبلوماسية الهادئة والذكيّة

بين التحالفات الكبرى والشرعية الإقليمية


تمهيد: إصلاح مجلس الأمن وسؤال التمثيل الإفريقي


في خطابه أمام افتتاح المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، في 22 سبتمبر 2026، جدّد الأمين العام أنطونيو غوتيريش دعوته إلى إصلاح مجلس الأمن بما يجعله أكثر تمثيلًا لعالم اليوم وأكثر شرعية وفاعلية. وخصّ إفريقيا بالذكر، مؤكدًا أن استمرار غيابها عن العضوية الدائمة يجعل وجود مجلسٍ للأمن في القرن الحادي والعشرين بلا تمثيل إفريقي دائم وضعًا «غير عادل ولا يمكن الدفاع عنه». ولم تكن هذه الدعوة معزولة، بل جاءت امتدادًا لمواقف متكررة تطالب بتسريع الإصلاح وتجاوز بنية ما تزال تعكس إلى حد بعيد موازين القوى التي نشأت عقب الحرب العالمية الثانية، أكثر مما تعكس الخريطة السياسية والديمغرافية الراهنة [1][29].../...

انتخابات المغرب 2026: بين خطاب الهوية وخطاب الدولة الاجتماعية

 

لقجع يحوّل الفوز إلى وعود قابلة للمحاسبة،

وبنكيران يعود إلى التعبئة العقائدية والتشكيك في شرعية الاقتراع


لم ينته الجدل السياسي في المغرب بإعلان نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026، بل انتقل من التنافس على أصوات الناخبين إلى الصراع على معنى ما قالته الصناديق. فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات بحصوله على 97 مقعدًا من أصل 395، متقدمًا على التجمع الوطني للأحرار الذي حصل على 66 مقعدًا، وحزب الاستقلال الذي نال 65 مقعدًا. ولم تمنح هذه النتيجة الحزب المتصدر أغلبية تمكنه من الحكم منفردًا، لكنها منحته حق المبادرة السياسية، وجعلت الشخصية التي سيختارها الملك من داخله، وفق الفصل 47 من الدستور، محور المرحلة المقبلة.


وبينما عاد فوزي لقجع بعد إعلان النتائج إلى تأكيد الالتزامات التي قدمها خلال الحملة، اختار عبد الإله بنكيران تفسير النتيجة من زاوية مختلفة. فقد هاجم حزب الأصالة والمعاصرة، وطعن في نزاهة فوزه، واتهمه بتزوير الانتخابات، وتعهد بالعمل على إسقاطه والدفع نحو إعادة الاقتراع. وهكذا انتقلت المواجهة بسرعة من اختلاف حول البرامج إلى خلاف يمس شرعية النتيجة نفسها.../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: القراءة العلمية للقرآن (08)

 

بين آيات الكون وخطر تحميل النص ما لا يحتمل


برزت القراءة العلمية للقرآن في العصر الحديث مع اتساع الاكتشافات العلمية وازدياد شعور المسلمين بالفجوة التي فصلت مجتمعاتهم عن التقدم العلمي. وقد انطلقت من رغبة مشروعة في بيان أن القرآن لا يعارض المعرفة الصحيحة، وأن الكتاب الذي دعا الإنسان إلى النظر في السماوات والأرض والآفاق والأنفس لا يمكن أن يكون خصمًا للبحث في الكون واكتشاف سننه.


فالآيات الكونية تشغل مساحة واسعة من الخطاب القرآني. يدعو القرآن إلى النظر في خلق السماوات والأرض، وتعاقب الليل والنهار، ونشأة الإنسان، وحركة الرياح، وإنزال الماء، وإنبات الأرض، وتكوين الجبال والبحار، ومسارات الشمس والقمر والنجوم، وأحوال الحيوان والطير والنحل. وهذه الآيات ليست زينة بيانية على هامش الرسالة، بل تدخل في بناء الحجة وتربط الإيمان بالنظر، والتوحيد بقراءة الكون، والخشية بالعلم.../...

الانتخابات التي أعادت رسم خريطة السلطة في المغرب

 

لقجع يزيح الأحرار  عن الصدارة، ويحاصر المصباح.. 

ويقود الأصالة والمعاصرة إلى الفوز.


تمهيد: من توقع الاتجاه إلى تفسير النتيجة


قبل أيام قليلة من إعلان نتائج الانتخابات التشريعية، بدأت سلسلة «أي رئيس حكومة يحتاجه المغرب في المرحلة المقبلة؟» التي نشرناها على موقعنا بسؤال لم يكن ظاهره تنبؤيًا. فلم تنطلق من استطلاعات الرأي، ولا من ترتيب الأحزاب في انتخابات 2021، ولا من الرغبة في ترشيح شخص بعينه؛ بل بدأت بتحديد الوظيفة التي تحتاج إليها المرحلة، ثم بحثت عن النموذج السياسي والحزب والشخصية التي تتقاطع عندها شروط هذه الوظيفة.


اختبرت السلسلة ثلاثة نماذج عرفها المغرب أو أصبح مرشحًا لاختبارها: السياسي الإسلاموي الذي قاد الحكومة عشر سنوات، ورجل الأعمال الأوليغارشي الذي تولى قيادتها منذ 2021، والتكنوقراط الذي انتقل من إدارة ملفات الدولة إلى المجال الحزبي. وانتهى التحليل إلى أن العدالة والتنمية يستطيع استعادة جزء من قوته الانتخابية من دون أن يستعيد بالضرورة أهليته السابقة لقيادة المرحلة؛ وأن نموذج رجل الأعمال الأوليغارشي بلغ حدوده السياسية؛ وأن طبيعة الأوراش المقبلة قد تدفع إلى نموذج ثالث يجمع الخبرة المالية والتنفيذية بالانتماء إلى الحزب الذي يسمح له الفصل 47 بالوصول إلى رئاسة الحكومة.../...

التطبيع بين منطق الدولة ومنطق الجماعة

 

السياسة الخارجية بين المصلحة العليا للدولة والبعد الأخلاقي


تمهيد: حين يختلف منطق الدولة عن منطق الجماعة


أعاد قرار المغرب وإسرائيل الارتقاء بعلاقاتهما الدبلوماسية من مستوى مكتبي الاتصال إلى مستوى السفارتين وتبادل السفراء، في أعقاب الاجتماع الثلاثي الذي جمع في نيويورك وزيري خارجية البلدين برعاية أمريكية، سؤال التطبيع بقوة إلى واجهة النقاش السياسي المغربي. ولم يكن ذلك مستغربًا بالنظر إلى الظرف الإقليمي الذي جاء فيه القرار، وإلى ما خلفته الحرب في غزة والسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين من رفض واسع داخل المجتمع المغربي.


وسرعان ما انتقل الاعتراض من الشارع ووسائل التواصل الاجتماعي إلى التنظيمات السياسية والدعوية. فقد أعلنت جماعة العدل والإحسان رفضها للخطوة، وجدد حزب العدالة والتنمية موقفه الرافض للتطبيع، كما اعتبر تحالف اليسار أن الانتقال إلى تبادل السفراء يمثل تصعيدًا في مسار يرفضه من أساسه. وبذلك عاد إلى الواجهة خلاف لم يبدأ مع القرار الأخير، لكنه اكتسب هذه المرة أهمية إضافية بسبب تزامنه مع الانتخابات التشريعية وما رافقها من تنافس سياسي حاد.../...

المغرب وإسبانيا: هل تتغير قواعد الردع على ضفتي المضيق؟


 كيف تعيد الصواريخ والمسيّرات والتصنيع العسكري وشبكات التحالف 

رسم الجغرافيا الاستراتيجية لغرب المتوسط؟


تمهيد: حين انتقلت ساحة الحرب الافتراضية من سبتة إلى الأندلس وجزر الكناري


ظل التفكير في أي مواجهة عسكرية افتراضية بين المغرب وإسبانيا مرتبطًا، لعقود، بجغرافيا تبدو شبه ثابتة: سبتة ومليلية في الواجهة، وشمال المغرب والضفة الجنوبية للمضيق في مقابل جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية الذي يؤدي وظيفة العمق الخلفي للقوات الإسبانية. وضمن هذه الصورة، كان السؤال العسكري التقليدي يدور أساسًا حول قدرة المغرب على تهديد المدينتين أو الدفاع عن ساحله ومجاله الجوي، أكثر مما كان يتعلق بإمكان امتداد المواجهة إلى القواعد والمنشآت الموجودة داخل الأراضي الإسبانية نفسها.


غير أن هذا التصور بدأ يفقد شيئًا من صلابته مع التحول المتسارع في القدرات العسكرية المغربية. فالمسألة لم تعد مقتصرة على تحديث الطائرات المقاتلة أو اقتناء مدرعات ومدفعية أكثر تطورًا، وإنما أخذت تشمل الاستطلاع والمراقبة، والطائرات غير المأهولة، والدفاع الجوي، والنيران الدقيقة بعيدة المدى، وأنظمة القيادة والسيطرة، إلى جانب بداية بناء قاعدة صناعية عسكرية محلية وشبكة متزايدة من الشراكات الدفاعية والتكنولوجية.../...

هل تستعد أوروبا لمواجهة روسيا من دون أمريكا؟

 

الحرب الروسية الأوكرانية تدفع أوروبا إلى إعادة التسلح والاستعداد المدني

 في اختبار جديد للنظام الأمني الأطلسي


تمهيد: حين بدأت الحرب تقترب من حدود الناتو


حين اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية على نطاق واسع في فبراير 2022، بدا الخط الفاصل واضحًا نسبيًا بين ساحة الحرب ومجال حلف شمال الأطلسي. كانت أوكرانيا تخوض الحرب على أراضيها، فيما تدعمها الدول الغربية بالسلاح والمال والمعلومات والتدريب، مع حرص الناتو على تجنب الانتقال من دعم كييف إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع موسكو.


لكن استمرار الحرب واتساع وسائلها ومدياتها أخذا يضغطان تدريجيًا على هذا الفصل. فكلما ازدادت قدرة أوكرانيا على ضرب أهداف أعمق داخل روسيا، وتوسعت نوعية المساعدات الغربية، ازداد الاحتكاك بين موسكو ودول الحلف. ولم تعد آثار الحرب تتوقف عند الحدود الأوكرانية، بل ظهرت في أجواء بولندا ورومانيا ودول البلطيق، وفي البحر الأسود وبحر البلطيق، وفي الهجمات السيبرانية والعمليات الهجينة والتهديدات التي تطال البنى التحتية الحيوية.../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: القراءة الحضارية والسننية (07)

 

القرآن بوصفه كتاب بناء لا كتاب وعظ فقط


من المناهج التي أخذت تتشكل في الفكر الإسلامي المعاصر ما يمكن تسميته بـ القراءة الحضارية والسننية للقرآن. وهي قراءة لا تكتفي بالنظر إلى القرآن بوصفه كتاب عقائد وأحكام ومواعظ، بل تقرؤه بوصفه كتابًا يكشف سنن قيام الأمم وسقوطها، وشروط النهوض، وأسباب الهلاك، وقوانين التدافع، ومسؤولية الإنسان في بناء العمران على أساس العدل والتوحيد.


وهذا الاتجاه يختلف عن القراءة الوعظية التي تكتفي بإثارة العاطفة، كما يختلف عن القراءة الفقهية التي تركز على الأحكام التفصيلية، وعن القراءة الكلامية التي تنشغل بقضايا العقيدة المجردة. فالقراءة الحضارية تسأل: ماذا يقول القرآن عن حركة التاريخ؟ كيف تنهض أمة؟ لماذا تسقط الأمم؟ ما علاقة الإيمان بالعمل؟ ما أثر الظلم والفساد في انهيار المجتمعات؟ كيف تتحول النعم إلى نقم؟ كيف تعمل السنن الإلهية في الاجتماع البشري؟ .../...

أي رئيس حكومة يحتاجه المغرب في المرحلة المقبلة؟ (3)

 

من دولة بسرعتين إلى دولة بجناحين


تمهيد


في المقالين السابقين من هذه السلسلة، لم يكن السؤال عن الأشخاص بقدر ما كان عن النماذج التي اختبرها المغرب في رئاسة الحكومة خلال السنوات الأخيرة. فقد حمل وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة سنة 2011 اختبارًا لخيار سياسي ذي مرجعية إسلامية، في سياق أعقب احتجاجات 20 فبراير ودستورًا جديدًا أعاد تنظيم موقع رئيس الحكومة داخل البناء الدستوري. وبعد عشر سنوات، حمل وصول عزيز أخنوش سنة 2021 اختبارًا مختلفًا: رجل أعمال راكم تجربة طويلة في تدبير قطاعات استراتيجية، ودخل رئاسة الحكومة محمولًا على خطاب الكفاءة والنجاعة والقدرة على نقل منطق التدبير والنتائج إلى العمل الحكومي.


ولا يعني تقويم التجربتين اختزالهما في النجاح أو الفشل. فقد عمل كل نموذج داخل شروط سياسية واقتصادية واجتماعية مختلفة، وحقق نتائج وكشف في الوقت نفسه عن حدود ظهرت عند الانتقال من الوعود أو الخبرة القطاعية إلى إدارة التعقيد الذي تمثله الدولة والمجتمع معًا. ولذلك قد لا يكون السؤال الأهم، عشية دخول المغرب مرحلة سياسية جديدة: هل يحتاج إلى إسلامي آخر، أم رجل أعمال آخر، أم تقنوقراطي جديد؟ بل: ما الذي يحتاجه المغرب نفسه الآن، وأي وظيفة ينبغي أن يؤديها رئيس الحكومة في هذه المرحلة؟.../...

أي رئيس حكومة يحتاجه المغرب في المرحلة المقبلة؟ (2)

 

هل نجح نموذج رجل الأعمال في إدارة الدولة؟


تمهيد


إذا كان المقال الأول قد انتهى إلى أن عودة حزب العدالة والتنمية انتخابيًا لا تعني بالضرورة عودة النموذج الذي مثله إلى الصلاحية نفسها لقيادة المرحلة المقبلة، فإن التجربة التي خلفته تطرح سؤالًا مختلفًا. ففي انتخابات 2021 لم ينتقل المغرب فقط من حزب إلى حزب آخر، بل انتقل، في صورة رئيس الحكومة على الأقل، من سياسي إسلاموي تشكل أساسًا داخل العمل الحزبي والحركي إلى رجل أعمال أوليغارشي راكم تجربة طويلة في تدبير قطاع اقتصادي استراتيجي قبل أن يصل إلى رئاسة السلطة التنفيذية.


وقد قدم هذا الانتقال، بصورة مباشرة أو ضمنية، وعدًا مختلفًا عن وعد 2011. فلم يعد الرهان الأساسي على المرجعية أو الخطاب الأخلاقي ومحاربة الفساد، وإنما على الكفاءة والنجاعة والقدرة على الإنجاز. فالدولة، وفق هذا التصور، تحتاج إلى من يعرف كيف يدير المشاريع، ويعبئ الاستثمار، ويحدد الأهداف، ويتابع النتائج، وينقل إلى العمل الحكومي بعضًا من ثقافة الأداء التي يقوم عليها تدبير المؤسسات الاقتصادية الكبرى.../...