مناهج التفسير المعاصرة 03: القراءة العلمية للقرآن (08)

 

بين آيات الكون وخطر تحميل النص ما لا يحتمل


برزت القراءة العلمية للقرآن في العصر الحديث مع اتساع الاكتشافات العلمية وازدياد شعور المسلمين بالفجوة التي فصلت مجتمعاتهم عن التقدم العلمي. وقد انطلقت من رغبة مشروعة في بيان أن القرآن لا يعارض المعرفة الصحيحة، وأن الكتاب الذي دعا الإنسان إلى النظر في السماوات والأرض والآفاق والأنفس لا يمكن أن يكون خصمًا للبحث في الكون واكتشاف سننه.


فالآيات الكونية تشغل مساحة واسعة من الخطاب القرآني. يدعو القرآن إلى النظر في خلق السماوات والأرض، وتعاقب الليل والنهار، ونشأة الإنسان، وحركة الرياح، وإنزال الماء، وإنبات الأرض، وتكوين الجبال والبحار، ومسارات الشمس والقمر والنجوم، وأحوال الحيوان والطير والنحل. وهذه الآيات ليست زينة بيانية على هامش الرسالة، بل تدخل في بناء الحجة وتربط الإيمان بالنظر، والتوحيد بقراءة الكون، والخشية بالعلم.../...


ومن هنا لا يصح فصل القرآن عن الكون، كما لا يصح فصل الإيمان عن المعرفة. فالقرآن لا يطلب من الإنسان أن يغلق عينيه حتى يؤمن، وإنما يأمره أن ينظر ويتفكر ويسير في الأرض ويقرأ العلامات المبثوثة في الآفاق والأنفس. والكون، بهذا المعنى، نص منظور تقابله آيات الكتاب المنشور؛ وكلاهما صادر عن مصدر واحد، فلا يمكن أن تتعارض حقيقة قرآنية مع حقيقة كونية ثابتة.


لكن الإشكال يبدأ حين تتحول القراءة العلمية من استنطاق العلاقة بين النص والواقع إلى محاولة العثور في كل اكتشاف حديث على آية سبق أن صرحت به. عندئذ ينتقل التفسير من اختبار دلالة القرآن في ضوء الكون إلى تحميل ألفاظه نظريات ومصطلحات لم تُبنَ علاقاتها داخل النص.


فالقرآن ليس كتابًا مدرسيًا في الفيزياء أو الكيمياء أو الأحياء؛ لأن غايته لا تتمثل في تقديم المعادلات والتجارب والتفاصيل التقنية. لكنه، في الوقت نفسه، ليس منفصلًا عن حقائق العالم الذي يتحدث عن خلقه. إنه يقدم أخبارًا عن الكون والإنسان والحياة، ويجعل صدق النظر في الآفاق والأنفس طريقًا إلى تبين الحق. ولذلك ينبغي تجنب طرفين متقابلين: تحويل القرآن إلى موسوعة علمية حديثة، وتجريد آياته الكونية من كل دلالة واقعية قابلة للاختبار.


ولا تكمن المشكلة في الاستعانة بالعلم، بل في نوع المادة العلمية التي نستعين بها، وفي الطريقة التي نصل بها بينها وبين النص. فليس كل ما يسمى «علمًا» في الخطاب الإعلامي حقيقة مستقرة. هناك ملاحظة وتجربة ونتيجة متكررة، وهناك نظرية تفسيرية قوية لكنها قابلة للمراجعة، وهناك فرضية لم تُختبر بما يكفي، وهناك تبسيط إعلامي قد يختلف كثيرًا عما يقوله المتخصصون. كما أن النظريات العلمية متغيرة، وتاريخ العلوم هو تاريخ أخطاء العلوم.


وكثير من خطاب الإعجاز العلمي لا يميز بين هذه المستويات. فقد يأخذ صاحبه خبرًا شائعًا عن نظرية جديدة، أو فرضية أولية، ثم يبحث له عن آية يمكن حملها عليه. فإذا تغير التفسير العلمي أو ظهر ضعف الفرضية، بدا كأن دلالة الآية قد اهتزت، مع أن الخلل لم يكن في القرآن، بل في العلاقة المتعجلة التي أنشأها المفسر بينه وبين معرفة غير مستقرة.


ولا يعني ذلك أن الحقيقة العلمية لا قيمة لها في التفسير. فالحقيقة الكونية الراسخة لا تحكم على الوحي، لكنها تستطيع أن تكشف خطأ فهم بشري نُسب إليه. فإذا تعارض تفسير معين مع واقع ثبت ثبوتًا يقينيًا، وجب مراجعة التفسير؛ لأن الخطأ يمكن أن يقع في فهم الإنسان للنص، لا في حقيقة الكون ولا في كلام خالقه. فالحق لا يناقض الحق، والكتاب المنشور لا يتناقض مع الكون المنظور.


وتظهر المشكلة أيضًا حين يؤخذ لفظ قرآني واسع ثم يُختزل في مصطلح علمي حديث ضيق. فالسماء والأرض والماء والنطفة والعلق والدخان والرتق والفتق ألفاظ ينبغي أولًا استقراء استعمالاتها القرآنية، وتحديد علاقاتها بالسياق وبالمفاهيم الأخرى. وبعد ذلك يمكن اختبار مدى اتصالها بما كشفه العلم. أما البدء بنظرية حديثة ثم البحث عن كلمة قرآنية تشبه أحد مصطلحاتها، فيجعل النظرية هي التي تبني معنى الآية بدل أن يكون القرآن هو الذي يحدد مجال دلالتها.


وهنا يظهر خلل عرفته مناهج أخرى أيضًا: تتحول أداة القراءة إلى حاكم على النص. فكما قد يجعل الفقيه مذهبه السابق معيارًا للآية، والمتكلم نظريته الكلامية إطارًا لازمًا لها، والحداثي فلسفة التاريخ مدخلًا وحيدًا إليها، قد يجعل صاحب الإعجاز العلمي النظرية الحديثة سلطة تحدد للفظ القرآني ما يجب أن يعنيه. والمشكلة في هذه الحالات ليست في استعمال الفقه أو العقل أو التاريخ أو العلم، بل في تقديم النتيجة المستوردة على العلاقات التي بناها النص نفسه.


إن القراءة العلمية الرشيدة تبدأ من القرآن، فتستخرج منه السؤال والعلاقات، ثم تنظر في الواقع الكوني لاختبار ما تسمح به الدلالة. وهي لا تفترض أن كل توافق إعجاز، ولا أن كل تشابه إثبات، ولا أن الاشتراك في بعض الصفات يعني التطابق الكامل بين الخبر القرآني والنموذج العلمي.


ومن هنا ينبغي التمييز بين الإشارة الكونية والبرهان العلمي. فالآية قد تلفت الإنسان إلى ظاهرة، أو تكشف علاقة بين عناصر الخلق، أو تفتح سؤالًا عن نشأة الكون والحياة، لكن البرهان العلمي يحتاج إلى الملاحظة والقياس والفرضية والاختبار والتكرار. الآية تهدي العقل إلى موضع النظر، أما بناء النموذج العلمي فيحتاج إلى عمل الإنسان داخل الكون.


كما ينبغي التمييز بين انسجام القرآن مع العلم وإمكان استخراج العلوم من القرآن. فالقرآن لا يصادم حقيقة علمية صحيحة، لكن ذلك لا يعني أن تفاصيل العلوم الطبيعية يمكن استنباطها كلها من ألفاظه. إنه يدعو الإنسان إلى النظر في الخلق، بينما تتطلب معرفة تفاصيله أدوات وتجارب ومؤسسات علمية مختصة. فلا يقوم القرآن مقام المختبر، ولا يصبح المختبر قاضيًا على الوحي؛ بل يساعد كل منهما، في مجاله، على تصحيح فهم الإنسان.


ويظهر هنا الفرق بين «الآية» و«المعلومة». فالآية علامة تدخل الظاهرة في شبكة الخلق والحكمة والمسؤولية، أما المعلومة العلمية فتصف جانبًا من الظاهرة داخل نموذج قابل للاختبار. وقد تتعلق الآية والمعلومة بالماء أو الجبال أو الجنين أو النجوم، لكن وظيفتيهما لا تتطابقان. فإذا اختزلنا الآية في معلومة، أضعنا بعدها الهادي؛ وإذا رفضنا المعلومة باسم الآية، أضعنا دعوة القرآن إلى النظر.


لا يكفي في القراءة العلمية أن نسأل عن قوة المعلومة العلمية وحدها؛ إذ ينبغي أن نسأل كذلك عن قوة الدلالة القرآنية التي نريد وصلها بها. فقد تكون الحقيقة العلمية راسخة، بينما تكون دلالة الآية على المعنى المقترح محتملة، وقد يكون المعنى القرآني واضحًا، بينما لا تتجاوز المقابلة العلمية طور الفرضية. ومن هنا لا تُبنى العلاقة بين القرآن والعلم على طرف واحد، بل على درجة الثبوت في كل منهما.


فإذا اجتمعت حقيقة كونية راسخة بدلالة قرآنية واضحة، أمكن اعتبار التوافق بينهما جزءًا من وحدة الحقيقة، مع بقاء الفرق بين لغة الوحي ولغة العلم. وإذا كانت الحقيقة العلمية قوية لكن دلالة الآية عليها محتملة، جاز أن تساعد المعرفة العلمية على ترجيح أحد وجوه الفهم، من غير الادعاء أن الآية نص صريح في النظرية الحديثة. وإذا كانت الدلالة القرآنية واضحة بينما بقي النموذج العلمي متغيرًا، وجب الامتناع عن ربط النص به ربطًا نهائيًا. أما إذا كانت الدلالة والتفسير العلمي كلاهما ظنيين، فلا تتجاوز العلاقة بينهما مرتبة الفرضية التدبرية التي يجوز اختبارها ولا يجوز تقديمها بوصفها إعجازًا ثابتًا.


وهذا الضابط يقتضي التمييز بين ثلاثة أحكام كثيرًا ما تختلط في الخطاب العلمي حول القرآن: أن يكون الفهم ممكنًا من جهة اللغة والسياق، وأن يكون مرجحًا بما تؤيده شبكة الآيات والواقع، وأن يكون ثابتًا بحيث لا يبقى تفسيرًا احتماليًا. فكثير مما يقدم باسم الإعجاز لا يتجاوز إمكانًا لغويًا بعيدًا، ثم يُنقل مباشرة إلى مرتبة القطع من غير المرور باختبار السياق والشبكة ودرجة الثبوت العلمي.


ولا يكفي، لذلك، أن تتشابه كلمة قرآنية مع مصطلح علمي حتى تثبت العلاقة بينهما. فالقراءة المقبولة ينبغي أن تستوفي أربعة شروط مترابطة: أن يحتمل اللفظ المعنى من داخله، وأن ينسجم مع سياق الآية وشبكة استعماله في القرآن، وأن يستند إلى معرفة علمية معتبرة لا إلى خبر إعلامي، وأن يضيف تفسيرًا حقيقيًا للعلاقة بدل أن يكتفي بتشابه لفظي يمكن إيجاده بعد وقوع الاكتشاف.


كما ينبغي التنبيه إلى أن «النظرية العلمية» لا تعني في الاصطلاح العلمي مجرد تخمين؛ فقد تكون النظرية بناءً تفسيريًا قويًا تؤيده ملاحظات وتجارب كثيرة، مع بقائها قابلة للمراجعة والتطوير. ولذلك لا يكون الميزان في مجرد تسمية المعرفة «حقيقة» أو «نظرية»، بل في مقدار الأدلة التي تسندها، وقوتها التفسيرية، وقدرتها على الصمود أمام الاختبار.


ومن هنا يمكن للحقيقة العلمية الراسخة أن تكشف خلل تفسير بشري للآية، لكنها لا تصحح كلام الله ولا تحكم عليه. فإذا ظهر تعارض بين الواقع الثابت وفهم منسوب إلى القرآن، فموضع المراجعة هو الفهم؛ لأن النص والكون صادران عن مصدر واحد، بينما التفسير والنموذج العلمي كلاهما عمل بشري متفاوت الدقة.


ويضاف إلى ذلك ضابط مهم: التفسير العلمي المقبول لا يستنفد معنى الآية. فقد تكشف المعرفة الحديثة وجهًا واقعيًا من دلالتها، لكن الآية تظل داخلة في شبكة أوسع من الهداية والحجة والمسؤولية. فإثبات صلة الماء بالحياة، مثلًا، لا يلغي الوظيفة التي يؤديها الماء في شبكة الخلق والجعل والإحياء والرزق والتطهير. وكل تفسير يحصر الآية في تطبيق علمي واحد يضيّق ما وسعه النص.


ولا ينبغي أن نضع اللغة القرآنية واللغة العلمية في تناقض لمجرد اختلاف مستوييهما. فقد يصف القرآن الظاهرة كما تظهر للإنسان، أو من جهة وظيفتها في شبكة الخلق، بينما يصف العلم آلياتها ومقاديرها وشروط وقوعها. ووصف الظاهرة من جهة علاقتها بالإنسان لا يناقض تفسير آليتها، كما أن اكتشاف الآلية لا يستنفد معناها ووظيفتها. فالسؤال القرآني والسؤال العلمي قد يلتقيان في الموضوع من غير أن يكونا سؤالًا واحدًا.


ولا تقتصر علاقة القرآن بالعلم على إثبات بعض الأخبار الكونية؛ فالقرآن يؤسس نظرة إلى العالم تجعل البحث العلمي ممكنًا وذا معنى. فالكون ليس فوضى بلا نظام، وإنما خلق تجري فيه سنن، ويقوم على التقدير والميزان. وهو قابل للنظر والفهم، والإنسان مدعو إلى اكتشاف علاقاته والتفكر فيها. ومن هذه الجهة لا يقدم القرآن معادلات العلم، لكنه يقدم تصورًا للكون يحفز البحث فيه.


غير أن القرآن لا يكتفي بتحفيز المعرفة، بل يربطها بالأخلاق. فالعلم يمنح الإنسان قدرة، لكنه لا يحدد وحده الطريقة العادلة لاستعمالها. لقد أنتج الطب والطاقة والاتصال والتقنيات الحديثة، لكنه أنتج أيضًا أسلحة الدمار والتلوث والمراقبة الشاملة والتلاعب بالجينات واستغلال الطبيعة والإنسان. ولذلك لا ينافس القرآن العلم في مختبره، لكنه يقدم الميزان الذي تُقوَّم به غاياته واستعمالاته.


فالآيات الكونية لا تقود إلى المعرفة لذاتها فقط، بل تصلها بالخشية والمسؤولية: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: 28). والعلم الذي لا يزيد صاحبه تواضعًا وإدراكًا للمسؤولية قد يتحول إلى وسيلة للاستكبار والسيطرة. والسؤال القرآني لا يقتصر، إذن، على: ماذا نستطيع أن نعرف؟ بل يمتد إلى: كيف نستعمل ما عرفناه؟ ولمن يخدم العلم؟ وهل يحفظ كرامة الإنسان وتوازن الأرض، أم يحولهما إلى مادة للاستهلاك والهيمنة؟


وتزداد أهمية هذا السؤال في عصر الذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية والبيانات الكبرى. فلم تعد القضية الأساسية هي العثور لكل تقنية جديدة على آية توحي بها، بل بناء ميزان أخلاقي يحدد علاقتها بالإنسان: ما حدود التلاعب بالحياة؟ ومن يملك البيانات والمعرفة؟ وكيف نحفظ حرية الإنسان وكرامته؟ ومتى يتحول التسخير إلى سيطرة مدمرة؟ هذه الأسئلة أعمق من مطاردة الاكتشافات لإثبات سبق نصي إليها.


ومن هنا ينبغي أن تنتقل القراءة العلمية للقرآن من هاجس «الإثبات» إلى بناء «الميزان». فبدل أن تنشغل بالسؤال: كيف نثبت أن القرآن سبق العلم؟ ينبغي أن تسأل: كيف يدفع القرآن إلى إنتاج العلم؟ وكيف يحمي المعرفة من الغرور؟ وكيف يربط القدرة بالمسؤولية؟ وكيف يجعل الكون آية لا مجرد مادة قابلة للاستغلال؟


فالانشغال بالسبق العلمي قد يتحول إلى تعويض نفسي عن التأخر الحضاري. وبدل أن ينتج المسلمون المعرفة، يكتفون بالقول إن القرآن أشار إلى ما اكتشفه غيرهم. وبدل أن يبنوا المختبرات ومؤسسات البحث، يستهلكون منجزات الآخرين ثم يبحثون لها عن شواهد قرآنية. وهذا الخطاب قد يصنع دهشة مؤقتة، لكنه لا يبني عقلًا علميًا ولا تقدما حضاريا.


إن الوفاء لدعوة القرآن إلى النظر لا يتحقق بتعليق الاكتشافات الحديثة على الآيات، بل ببناء عقل يسأل ويتحقق ويميز بين الفرضية والنظرية والحقيقة، وبإنشاء مؤسسات تنتج معرفة نافعة للإنسان. فالسبق الحقيقي ليس ادعاء أن القرآن ذكر كل ما اكتشفه العلم، وإنما أن يدفع القرآن أتباعه إلى المشاركة في اكتشاف سنن العالم وخدمة الخلق كما أمر القرآن.


وبهذا المعنى تقوم العلاقة القرآنية بالعلم على ثلاثة مستويات متكاملة. أولها التحفيز على النظر والتفكر والسير في الأرض وقراءة الآفاق والأنفس. وثانيها الهداية التي تصل الظواهر بالخالق والحكمة والسنن، وتمنع قراءتها قراءة خرافية أو عبثية. وثالثها الميزان الأخلاقي الذي يحكم استعمال المعرفة، حتى لا تتحول القدرة العلمية إلى فساد في الإنسان والأرض.


وعلى هذا الأساس يمكن ضبط القراءة العلمية بمجموعة من القواعد. تبدأ هذه القواعد بدراسة اللفظ داخل شبكته القرآنية قبل حمله على أي مصطلح حديث، والتمييز بين الحقيقة العلمية والنظرية والفرضية، وعدم ربط معنى الآية بقراءة متغيرة ربطًا نهائيًا. كما تقتضي اعتبار العلم معينًا على التدبر لا محتكرًا لمعنى الآية، والتعبير عن النتائج بدرجات تناسب قوة الدليل؛ فنقول إن الآية تسمح بهذا الفهم أو تفتح أفقًا له عندما لا تبلغ العلاقة حد القطع.


ولا يكون الحذر هنا خوفًا من العلم، بل احترامًا للنص والعلم معًا. فالتأويل المتكلف يسيء إلى القرآن، كما أن الاستشهاد بمعلومة غير دقيقة يسيء إلى المنهج العلمي. والقرآن لا يحتاج إلى المبالغة حتى ينتصر؛ لأن صدقه لا يتوقف على خبر إعلامي عابر أو نظرية قابلة للتعديل.


ولهذا ينبغي أن يكون الخطاب الدعوي أكثر تواضعًا. فبدل القول إن آية ما تثبت حتمًا نظرية بعينها، يمكن القول إنها تفتح مجالًا للتفكر في علاقة كونية، وإن العلم الحديث قد كشف وجهًا يساعد على فهمها، مع بقاء الدلالة القرآنية أوسع من التطبيق الجزئي. وهذه اللغة لا تضعف الحجة، بل تجعلها أكثر دقة وأمانة.


كما أن رفض التفسير العلمي المتعجل لا يعني العودة إلى الخرافة. فالقرآن يحرر الإنسان من تأليه الظواهر ومن تفسير الكون بالأوهام: لا الشمس ولا النجوم آلهة، والطبيعة ليست قوة مستقلة، والمرض والمطر والحياة تجري في علاقات وسنن يمكن البحث فيها. لكنه يمنع، في الوقت نفسه، تحويل الأسباب إلى إله بديل؛ فالسنن لا تستقل عن واضعها، وقدرة الإنسان على اكتشافها لا تجعله مالكًا مطلقًا للكون.


وهكذا تحرر القراءة القرآنية العقل من طرفين: خرافة تلغي الأسباب، ومادية مغلقة تحول الأسباب إلى حقيقة نهائية لا شيء وراءها. إنها تدعو إلى البحث في كيفية وقوع الظواهر، وتبقي سؤال المعنى والغاية والمسؤولية حاضرًا.


وخلاصة الأمر أن القراءة العلمية للقرآن نشأت من رغبة مشروعة في إبراز انسجام الوحي مع الكون، وقد أسهمت في مواجهة دعوى التعارض بين الدين والمعرفة. لكنها تنحرف حين تحمل القرآن نظريات متغيرة، أو تختزل إعجازه في سبق علمي جزئي، أو تجعل الدهشة بديلًا من البحث، أو تستخدم العلم انتقائيًا لخدمة نتيجة دعوية مقررة سلفًا.


أما القراءة العلمية الرشيدة فتنطلق من أن الكتاب والكون صادران عن مصدر واحد، فتدرس النص في لغته وشبكته، وتدرس الواقع بأدوات العلم، ثم تختبر العلاقة بينهما من غير افتعال ولا فصل. وهي لا تجعل العلم حاكمًا على الوحي، ولا تجعل تفسيرًا موروثًا حاجزًا أمام الحقيقة الكونية؛ بل تقبل أن يصحح كل اكتشاف راسخ فهم الإنسان، وتبقي القرآن هاديًا للعلم في غاياته وأخلاقه.


وبذلك لا يكون السؤال: أين سبق القرآن كل اكتشاف حديث؟ بل: كيف يبني القرآن عقلًا يقرأ الكون، وينتج المعرفة، ويميز الحقيقة من الوهم، ويستعمل العلم في العدل والعمران وحفظ كرامة الإنسان والأرض؟ هنا تتحول القراءة العلمية من خطاب دفاعي يبحث عن الانتصار إلى منهج حضاري يجمع بين صدق المعرفة وهداية الوحي ومسؤولية الإنسان.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق