الانتخابات التي أعادت رسم خريطة السلطة في المغرب

 

لقجع يزيح الأحرار  عن الصدارة، ويحاصر المصباح.. 

ويقود الأصالة والمعاصرة إلى الفوز.


تمهيد: من توقع الاتجاه إلى تفسير النتيجة


قبل أيام قليلة من إعلان نتائج الانتخابات التشريعية، بدأت سلسلة «أي رئيس حكومة يحتاجه المغرب في المرحلة المقبلة؟» التي نشرناها على موقعنا بسؤال لم يكن ظاهره تنبؤيًا. فلم تنطلق من استطلاعات الرأي، ولا من ترتيب الأحزاب في انتخابات 2021، ولا من الرغبة في ترشيح شخص بعينه؛ بل بدأت بتحديد الوظيفة التي تحتاج إليها المرحلة، ثم بحثت عن النموذج السياسي والحزب والشخصية التي تتقاطع عندها شروط هذه الوظيفة.


اختبرت السلسلة ثلاثة نماذج عرفها المغرب أو أصبح مرشحًا لاختبارها: السياسي الإسلاموي الذي قاد الحكومة عشر سنوات، ورجل الأعمال الأوليغارشي الذي تولى قيادتها منذ 2021، والتكنوقراط الذي انتقل من إدارة ملفات الدولة إلى المجال الحزبي. وانتهى التحليل إلى أن العدالة والتنمية يستطيع استعادة جزء من قوته الانتخابية من دون أن يستعيد بالضرورة أهليته السابقة لقيادة المرحلة؛ وأن نموذج رجل الأعمال الأوليغارشي بلغ حدوده السياسية؛ وأن طبيعة الأوراش المقبلة قد تدفع إلى نموذج ثالث يجمع الخبرة المالية والتنفيذية بالانتماء إلى الحزب الذي يسمح له الفصل 47 بالوصول إلى رئاسة الحكومة.../...


وجاءت النتائج المؤقتة التي أعلنها وزير الداخلية لتعيد ترتيب القوى في الاتجاه نفسه: عاد العدالة والتنمية إلى 54 مقعدًا من دون أن يتصدر؛ وتراجع التجمع الوطني للأحرار إلى 66 مقعدًا وفقد المرتبة الأولى؛ بينما صعد الأصالة والمعاصرة إلى الصدارة بـ97 مقعدًا، فأصبح رئيس الحكومة المقبل، بمقتضى الفصل 47، من داخل هذا الحزب.


لا يعني ذلك أن التحليل تنبأ بالأرقام أو أحاط بكل دوافع التصويت. لكنه يعني شيئًا أكثر أهمية منهجيًا: أن اكتشاف العلاقات البنيوية التي تتحرك داخلها الوقائع قد يسمح باستباق اتجاهها، حتى عندما تظل الأرقام التفصيلية مجهولة. فالنتيجة لم تُستخرج من معرفة مسبقة بما سيفعله الناخبون، وإنما من فهم العلاقة بين حاجة الدولة، ووظيفة الحكومة، وحدود النماذج السابقة، والقيد الدستوري، وإعادة تموقع الفاعلين.


غير أن نجاح منهج التحليل العلائقي الذي اعتمدناه في توقع النتيجة لا يُختبر بإعلان إصابة التوقع فحسب، بل بقدرته على تفسير ما حدث ثم استشراف ما يمكن أن يحدث بعده. ولذلك ينتقل السؤال الآن من صناديق الاقتراع إلى بناء الحكومة: ماذا قالت النتائج سياسيًا؟ وكيف يستطيع حزب متصدر لا يملك إلا 97 مقعدًا من أصل 395 أن ينتج حكومة تحتاج إلى 198 صوتًا لتنصيبها؟



أولًا: ثلاث رسائل حملتها النتائج


لا تُقرأ انتخابات 23 شتنبر بوصفها ترتيبًا حسابيًا للأحزاب فقط، بل بوصفها ثلاث حركات سياسية متزامنة: عقوبة للتجمع الوطني للأحرار، واستعادة جزئية للثقة في العدالة والتنمية، وانتصارًا للأصالة والمعاصرة ارتبط، بدرجة كبيرة، بالدور الذي أداه فوزي لقجع في إعادة تموقع الحزب وصياغة عرضه الانتخابي.


1. عقوبة الأحرار لا انهيارهم


انتقل التجمع الوطني للأحرار من 102 مقعد سنة 2021 إلى 66 مقعدًا في النتائج المؤقتة لانتخابات 2026، وفقد الصدارة ورئاسة الحكومة. ويصعب فصل هذه الخسارة، التي بلغت 36 مقعدًا، عن حصيلة خمس سنوات ارتبطت في وعي قطاعات من المواطنين بارتفاع الأسعار، وضعف أثر النمو في الحياة اليومية، واستمرار مشكلات الشغل والتعليم والصحة، فضلًا عن تضخم صورة التداخل بين النفوذ الاقتصادي والسلطة السياسية.


لكن الأحرار لم ينهاروا؛ فقد حافظوا على المرتبة الثانية بفارق مقعد واحد عن حزب الاستقلال. ولذلك تحمل النتيجة معنى العقوبة أكثر مما تحمل معنى الإقصاء: حرمه الناخبون من قيادة الحكومة، من دون إخراجه من دائرة القوى المؤثرة في البرلمان.


وهذا التمييز مهم عند تشكيل الحكومة؛ لأن العقوبة الانتخابية ستفقد معناها إذا عاد الحزب نفسه إلى مركز السلطة محتفظًا بالموقع الذي كان يشغله. فالسؤال ليس فقط: هل تسمح مقاعد الأحرار بمشاركته؟ وإنما أيضًا: هل ينسجم إدخاله مجددًا في الحكومة مع الرسالة التي حملها انتقاله من الصدارة إلى المرتبة الثانية؟


2. استعادة الثقة في العدالة والتنمية ضمن حدود المعارضة


في الاتجاه المقابل، انتقل العدالة والتنمية من 13 مقعدًا سنة 2021 إلى 54 مقعدًا، فاستعاد 41 مقعدًا وعاد إلى صف القوى البرلمانية الكبرى. ولا يمكن تفسير هذه العودة بقوة التنظيم وحدها؛ فقد استعاد الحزب جزءًا من ثقة ناخبين وجدوا فيه أداة لمعاقبة الحكومة وصوتًا قادرًا على التعبير عن الغضب الاجتماعي والسياسي، مستفيدًا من خطاب عبد الإله بنكيران وقدرته على التعبئة والمواجهة.


غير أن هذه العودة بقيت محكومة بحد واضح. فقد أعاد الناخب الحزب إلى موقع الفاعل، لكنه لم يُعده إلى قيادة الحكومة؛ إذ حل رابعًا، خلف الأصالة والمعاصرة والأحرار والاستقلال. وبذلك منحه جزء من المواطنين وظيفة الرقابة والاعتراض أكثر مما منحه تفويضًا لاستعادة النموذج الحكومي الذي اختُبر بين 2011 و 2021.


فالنتيجة لم تقل إن الخيار الإسلاموي انتهى، كما لم تقل إنه استعاد موقعه السابق. لقد أعادت إليه الحضور، ولكنها أبقته خارج مركز القيادة، وهو موقع قد يكون أنسب له لاختبار الثقة التي استرجعها من خلال معارضة مسؤولة، بدل استهلاكها سريعًا داخل ائتلاف حكومي متناقض.


3. فوز الأصالة والمعاصرة ودور استراتيجية لقجع


لا يكفي تفسير تصدر الأصالة والمعاصرة بكونه كان يحتل المرتبة الثانية في انتخابات 2021. فالانتقال من شريك في حكومة ينتقد قطاع واسع من المواطنين حصيلتها إلى قيادة البديل عنها لم يكن أمرًا تلقائيًا. وكان على الحزب أن يحقق معادلة صعبة: أن يحتفظ بفائدة الخبرة الحكومية، وأن ينفصل في الوقت نفسه عن كلفة حكومة أخنوش.


هنا برز فوزي لقجع. فقد دخل الحملة حاملًا رصيدًا متراكمًا في إدارة الميزانية، وتنسيق المشاريع، والنجاح الرياضي، والاستعداد لمونديال 2030. ومنح حضوره الحزب صورة عملية لم تكن واضحة لديه بالقدر نفسه: صورة المسؤول الذي يستطيع وصل الوعود بالموارد، والبرامج بالتمويل، والمشاريع بالإنجاز.


واشتغلت استراتيجية لقجع في ثلاثة اتجاهات مترابطة:


• الاتجاه الأول: كان نزع احتكار الكفاءة من الأحرار. فقد بنى التجمع الوطني للأحرار جزءًا كبيرًا من شرعيته سنة 2021 على الكفاءة الاقتصادية والقدرة على التدبير. لكن لقجع نافسه في المساحة نفسها بعرض تنفيذي بديل، لا يعارض الاستثمار أو منطق الإنجاز، وإنما يزاوج بين فهم المالية العامة والخبرة داخل أجهزة الدولة والقدرة على تنسيق المشاريع الكبرى. وبذلك لم يعد الاختيار بين حزب حكومي «كفء» ومعارضة تحتج عليه، بل بين نموذج رجل الأعمال الذي اختُبر خمس سنوات، ونموذج التكنوقراط المتسيّس الذي يقدم نفسه بوصفه قادرًا على تصحيح اختلالات التجربة السابقة. ولم يُهزم الأحرار بمهاجمة قيمة الكفاءة، بل بانتزاع احتكارهم السياسي لها.


• والاتجاه الثاني كان الفصل بين خبرة المشاركة الحكومية وكلفة قيادتها. فقد شارك الأصالة والمعاصرة في الحكومة المنتهية ولايتها، لكنه استطاع أن يحمل الحزب القائد المسؤولية السياسية الأساسية عن حصيلتها. وأتاح موقع لقجع في الميزانية أن يظهر عارفًا بإمكانات الدولة واختلالات التنفيذ من الداخل، من دون أن يتحمل وحده مسؤولية توجيه الحكومة. وهكذا احتفظ الأصالة والمعاصرة بفائدة التجربة، بينما دفع الأحرار الكلفة الأكبر للقيادة.


• أما الاتجاه الثالث فكان محاصرة تمدد العدالة والتنمية. لم يدخل لقجع معه في معركة الهوية الدينية التي يجيدها الحزب الإسلاموي، بل أعاد مركز المنافسة إلى التشغيل والقدرة الشرائية والتمويل والخدمات الاجتماعية والإنجاز. وبهذا ترك للعدالة والتنمية مساحة استعادة الناخب الاحتجاجي، لكنه حال دون تحوله إلى البديل الحكومي الأول. فلم تصبح الانتخابات مواجهة ثنائية بين الحكومة والإسلاميين؛ بل منافسة ثلاثية خرج منها الأصالة والمعاصرة بديلًا تنفيذيًا، والعدالة والتنمية قوة اعتراض ورقابة.


بهذا المعنى، أسهم لقجع في إقصاء الأحرار من الصدارة، ومحاصرة صعود المصباح قبل بلوغها، وقيادة الأصالة والمعاصرة إلى المرتبة الأولى. ولا يعني ذلك أنه صنع النتيجة منفردًا؛ فالحزب يمتلك تنظيمًا وأعيانًا وامتدادات ترابية وقيادة قائمة قبله. لكن دخوله أعاد تركيب هذه الموارد داخل عرض سياسي جديد، ومنحها وجهة ورمزًا ووظيفة. لقد وفر الحزب الآلة الانتخابية، ومنحها لقجع صورة المشروع الحكومي الممكن.



ثانيًا: من الحزب المتصدر إلى رئيس الحكومة — معضلة التعيين قبل معضلة التحالف


حسمت الانتخابات الحزب الذي ينبغي أن يأتي منه رئيس الحكومة، لكنها لم تحسم الشخصية التي سيختارها الملك من داخله. فالفصل 47 من الدستور ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها، من دون أن يشترط أن يكون المعيّن أمينًا عامًا للحزب أو نائبًا برلمانيًا.


وتكتسب هذه المساحة التي يتركها الفصل 47 أهمية استثنائية في حالة الأصالة والمعاصرة؛ لأن الحزب لا يقوده أمين عام واحد، بل رئاسة جماعية تتكون من فاطمة الزهراء المنصوري، بصفتها المنسقة الوطنية، والمهدي بنسعيد وفاطمة السعدي. وبذلك لا يوجد زعيم حزبي منفرد تقود صدارته الانتخابية آليًا، أو حتى سياسيًا، إلى تكليفه برئاسة الحكومة.


هذه البنية لا تخلق فراغًا دستوريًا؛ لأن الفصل 47 لا يلزم الملك بتعيين قائد الحزب. لكنها توسع مجال الاختيار داخل الحزب المتصدر، وتجعلنا أمام احتمالين رئيسيين: تعيين فاطمة الزهراء المنصوري، باعتبارها منسقة قيادته الجماعية؛ أو تعيين فوزي لقجع، باعتباره الشخصية التي حملت الجانب التنفيذي من عرضه الانتخابي وأسهمت في نقله إلى الصدارة.


1. احتمال تعيين فاطمة الزهراء المنصوري


يستند هذا الاحتمال إلى منطق حزبي واضح. فالمنصوري هي المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية، وقادت الحزب سياسيًا وتنظيميًا خلال الحملة. كما أن تعيينها سيحمل دلالة تاريخية بوصفها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في المغرب، وقد يقدم صورة دولية عن تطور تمثيل المرأة داخل الدولة ومؤسساتها.


غير أن القيمة الرمزية لا تحسم وحدها ملاءمة الاختيار. فرئيس الحكومة المقبل سيواجه أوراشًا مالية واجتماعية واستراتيجية شديدة التعقيد، وسيتعين عليه قيادة تحالف غير متجانس، والتفاوض مع الأحزاب والنقابات، والإشراف على الاستعداد لمونديال 2030، ومواجهة إصلاحات مجتمعية قابلة لإثارة مقاومة سياسية ودينية.


ومن هنا يظهر سيناريو قد يبدو مغريًا من الخارج: أن تتولى المنصوري رئاسة الحكومة رسميًا، بينما يتولى لقجع عمليًا إدارة الملفات الكبرى والمالية ومشاريع 2030. إلا أن هذه الصيغة، إذا وقعت، لن تكون حلًا، بل ستنتج مشكلة مؤسساتية جديدة. فالدستور يمنح رئيس الحكومة سلطة فعلية في قيادة العمل الحكومي والتنسيق بين الوزراء وتحمل المسؤولية أمام البرلمان، ولا يجعله واجهة بروتوكولية لفاعل تنفيذي آخر.


وسيؤدي الفصل بين الرئيس الرسمي والرجل التنفيذي الفعلي إلى ازدواج مركز القرار: رئيسة حكومة تتحمل المسؤولية الدستورية والسياسية، ورجل قوي يدير الملفات الكبرى من دون أن يكون هو من يمثل الحكومة أمام البرلمان. وعندئذ يصعب تحديد من يقرر ومن يُحاسب، وتعود المشكلة التي انتقدتها السلسلة نفسها: انفصال المنصب عن الوظيفة.


ولذلك، إذا وقع الاختيار على المنصوري، فينبغي أن يكون التعيين قد أجاب عن سؤال: هل هي قادرة على ممارسة صلاحيات رئيس الحكومة وتحمل مسؤوليتها كاملة، لا لتكون غطاءً رمزيًا أو بروتوكوليًا لقيادة لقجع من الخلف؟


2. الكلفة السياسية لتعيين امرأة


لا يمنع الدستور المرأة من رئاسة الحكومة، ولا ينبغي التعامل مع العقلية المحافظة وكأنها حق نقض على الاختيار الدستوري. غير أن التحليل السياسي لا يستطيع تجاهل البيئة التي سيمارس فيها رئيس الحكومة وظيفته.


فصعود امرأة إلى رأس السلطة التنفيذية سيأتي في مرحلة تتزامن مع مراجعة مدونة الأسرة وإصلاح القانون الجنائي والجدل حول الحريات الفردية واستمرار العلاقات مع إسرائيل. ناهيك عن مسألة مرافقة أمير المؤمنين في طقوس الصلاة. وهذه ملفات تسمح للمعارضة الإسلاموية بربط جنس رئيسة الحكومة باتجاه الإصلاحات والشعائر الدينية، حتى عندما لا تكون العلاقة بين الأمرين قائمة موضوعيًا.


وقد يجد العدالة والتنمية في حكومة تقودها المنصوري فرصة لإعادة بناء التعبئة المحافظة حول الأسرة والهوية والتطبيع. كما تستطيع جماعة العدل والإحسان، من خارج المؤسسات المنتخبة، توظيف القضايا نفسها في تعبئة اجتماعية ودينية أوسع. وقد تنضم إلى هذا الضغط أصوات دينية أو مذهبية صغيرة مناهضة للعلاقة مع إسرائيل، ومنها تيارات متعاطفة مع إيران، وإن كان ينبغي عدم مساواتها في الحجم أو القدرة التنظيمية بالعدالة والتنمية أو العدل والإحسان.


فالحزب يمتلك 54 نائبًا وحضورًا انتخابيًا معلومًا، والعدل والإحسان حركة اجتماعية وتنظيمية ذات امتداد يقول قياديو الجماعة أنه يضم أكثر من 5 مليون مناصر، بينما يظل التيار الشيعي الموالي لإيران محدود التأثير داخل المجتمع المغربي وخصوصا في طنجة. لذلك يمكن أن يسهم الأخير في تصعيد الخطاب عبر الفضاء الرقمي، لكنه لا يشكل بمفرده قوة قادرة على عرقلة الحكومة.


والمشكلة الأعمق أن الأصالة والمعاصرة ظهر أصلًا، في جانب من تاريخه السياسي، جوابًا على صعود العدالة والتنمية ومحاولة لإعادة تنظيم المجال الحزبي في مواجهة المد الإسلاموي. ولذلك فإن حكومة ترأسها المنصوري قد تتحول إلى هدف رمزي تتجمع ضده أطراف إسلاموية مختلفة، لا بسبب حصيلتها وحدها، بل بسبب ما تمثله: امرأة تقود حزبًا ارتبط في الوعي السياسي بمواجهة الإسلاميين، في لحظة يجري فيها فتح ملفات الأسرة والحريات والعلاقة مع إسرائيل.


لا يجعل ذلك تعيينها مستحيلًا، لكنه يرفع الكلفة السياسية للاختيار، وقد يستهلك جزءًا من طاقة الحكومة في معارك الهوية والرموز بدل توجيهها إلى الإصلاح والتنفيذ.


3. احتمال تعيين فوزي لقجع مباشرة


أما الاحتمال الثاني فهو تعيين لقجع نفسه رئيسًا للحكومة. وهذا الاختيار جائز دستوريًا ما دام عضوًا في الحزب المتصدر؛ فالفصل 47 لا يشترط أن يكون رئيس الحكومة قائد الحزب أو عضوًا في مجلس النواب.


ويمتلك هذا الاحتمال منطقًا وظيفيًا قويًا. فقد كان لقجع الواجهة الأبرز للعرض الاقتصادي والاجتماعي للحزب، وأسهم حضوره في منحه صورة البديل التنفيذي، وقاد جانبًا أساسيًا من المواجهة مع الأحرار والعدالة والتنمية. وإذا كان الناخب قد اختار الأصالة والمعاصرة وهو يربط عرضه الحكومي باسم لقجع، فإن تعيينه يحقق قدرًا أكبر من التطابق بين الشخصية التي صنعت توقع الفوز والشخصية التي ستتحمل مسؤولية نتائجه.


كما يمنع هذا الاختيار ازدواج القيادة بين رئيس حكومة رسمي ومدير فعلي للملفات الكبرى. فبدل أن تعمل المنصوري واجهة سياسية بروتوكولية، ويتولى لقجع التنفيذ من خلفها، يصبح صاحب السلطة التنفيذية هو نفسه المسؤول أمام البرلمان والرأي العام عن استعمالها.


ويتلاءم ذلك مع طبيعة المرحلة: إعداد قانون المالية، وتمويل الدولة الاجتماعية، والاستعداد لمونديال 2030، وتنسيق الاستثمارات الكبرى، وربطها بالتشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية في إطار الدولة الاجتماعية التي أعلن عن أولويتها خطاب العرش في المرحلة المقبلة. وهذه كلها مجالات تلتقي مع خبرة لقجع أكثر مما تلتقي مع البعد الرمزي لأي اختيار آخر.


لكن تعيينه لا يخلو بدوره من نقاط ضعف. فهو حديث العهد بالعمل الحزبي، ولم يقد من قبل أغلبية برلمانية، ولم يخض شخصيًا الانتخابات التشريعية، ولم تُختبر قدرته على التوفيق بين أحزاب ونقابات ومعارضة ورأي عام. كما أن جمع رئاسة الحكومة مع رصيده الواسع في الميزانية وكرة القدم ومؤسسة المغرب 2030 سيستدعي إعادة ترتيب مسؤولياته، حتى لا تتداخل الوظائف أو تتعارض المصالح ويصبح مركز السلطة التنفيذية مثقلًا بملفات يصعب جمعها في يد واحدة.


4. أي الخيارين أقرب إلى منطق المرحلة؟


لا ينبغي أن تكون المفاضلة بين المنصوري و لقجع مفاضلة بين رجل وامرأة، ولا بين القيادة الحزبية والكفاءة التقنية بصورة مجردة. السؤال هو: أيهما يستطيع أن يمارس وظيفة رئيس الحكومة كاملة، وأن يقود التحالف المقبل، ويحول برنامج الحزب إلى سياسات، والسياسات إلى أثر في حياة المواطنين، ويتحمل المسؤولية عنها بوضوح؟


إذا كان المقصود من تعيين المنصوري أن تكون رئيسة حكومة فعلية تمتلك القرار وتقود الوزراء وتتحمل المحاسبة، فإن اختيارها يظل دستوريًا وسياسيًا ممكنًا، وتصبح مقاومتها المحافظة تحديًا ينبغي إدارته، لا سببًا كافيًا لاستبعادها.


أما إذا كان المقصود تعيين المنصوري لتحقيق رمزية وصول أول امرأة إلى رئاسة الحكومة، مع إسناد القيادة العملية إلى لقجع، فإن هذه الصيغة ستكون الأضعف؛ لأنها تنتج رأسين للحكومة وتفصل المسؤولية الدستورية عن القرار الفعلي. وهو الخلل الذي حذر منه هنري فايول عند تقرير مبدأ وحدة الاتجاه، بقوله: «إن الجسم ذا الرأسين، في العالم الاجتماعي كما في العالم الحيواني، وحشٌ يعسر عليه أن يعيش». فالمشكلة ليست في توزيع الاختصاصات بين رئيس الحكومة ووزرائه، وإنما في ازدواج مركز القيادة داخل الجهاز التنفيذي نفسه: رئيسة تتحمل المسؤولية أمام البرلمان والرأي العام، ورجل يدير الملفات الحاسمة من موقع موازٍ. وعندئذ لا يعود الخلاف متعلقًا بكفاءة المنصوري أو لقجع، بل ببنية حكومية لا يتطابق فيها صاحب القرار مع من يتحمل تبعاته وفق مبدأ المحاسبة على قدر المسؤولية.


ويميّز فايول هنا بين وحدة القيادة، التي تقتضي ألا يتلقى المسؤول أوامره من رئيسين، ووحدة الاتجاه، التي تقتضي وجود رئيس واحد وبرنامج واحد لمجموعة الأعمال المتجهة إلى غاية واحدة باستراتيجيات متعددة. وحكومة برأس رسمي وآخر فعلي ستخل بالمبدأين معًا.


وفي المقابل، يبدو تعيين لقجع أكثر اتساقًا مع الوظيفة التي حددتها السلسلة ومع الدور الذي أدّاه في الحملة، لكنه ينقله إلى اختبار لم يخضه بعد: التحول من رجل دولة يدير الملفات إلى رئيس حكومة يقود السياسة ويتحمل المحاسبة.


ومن ثم قد لا يكون الاختيار الحقيقي بين المنصوري و لقجع بوصفهما شخصين، بل بين نموذجين للحكومة: حكومة توزع الرمز والسلطة بين رأسين، أو حكومة تجمع المنصب والوظيفة والمسؤولية في مركز واحد.


وعلى ضوء حاجة المرحلة إلى سرعة التنفيذ ووضوح المسؤولية، يبدو الخيار الثاني أكثر انسجامًا؛ أي تعيين الشخصية التي ستقود الحكومة فعليًا، بدل إنشاء رئاسة بروتوكولية وإدارة تنفيذية موازية.



ثالثًا: من التعيين إلى معضلة بناء الحكومة


بعد حسم الشخصية التي ستتولى رئاسة الحكومة، تبدأ معضلة مختلفة: بناء القاعدة البرلمانية التي ستسمح لها بالعمل. فالفصل 47 يحدد الحزب الذي يأتي منه رئيس الحكومة، لكنه لا يمنحه الأغلبية اللازمة لتنصيبها.


نجحت استراتيجية الأصالة والمعاصرة في إيصال الحزب إلى المرتبة الأولى، لكنها لم تمنحه أغلبية تسمح له بالحكم منفردًا. فالحزب يملك 97 مقعدًا فقط، بينما يشترط الفصل 88 حصول البرنامج الحكومي على ثقة الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب، أي 198 صوتًا. ومن ثم يحتاج رئيس الحكومة المعيّن إلى 101 صوت إضافي قبل أن تصبح حكومته منصبة دستوريًا.


وبذلك نكون قد انتقلنا في تسلسل منطقي واضح:


الانتخابات حددت الحزب ← الفصل 47 يفتح اختيار رئيس الحكومة من داخله ← التعيين يحدد مركز القيادة ← الفصل 88 يفرض بناء التحالف البرلماني.


وهذا هو المدخل الطبيعي إلى احتمالَي حكومة الوحدة الوطنية وحكومة الأقلية المدعومة.



رابعًا: حكومة الوحدة الوطنية ــ قوة عددية تشل الإصلاح


تعني حكومة الوحدة الوطنية، في معناها الدقيق، جمع القوى السياسية الكبرى داخل السلطة التنفيذية استجابة لوضع استثنائي يجعل التوافق الوطني مقدمًا مؤقتًا على التنافس الحزبي. وفي الخريطة الحالية يمكن أن تضم الأصالة والمعاصرة، والتجمع الوطني للأحرار، والاستقلال، والعدالة والتنمية، والحركة الشعبية؛ وهي أحزاب تملك مجتمعة 311 مقعدًا من أصل 395، أي نحو 78.7 في المائة من مجلس النواب وأكثر من ثلاثة أرباع أعضائه.


وقد يجد هذا التصور بعض مبرراته الظاهرية في كثافة الأوراش المقبلة: الاستعداد لمونديال 2030، والضغوط الاجتماعية، وإصلاح التعليم والصحة والتقاعد، وندرة الماء، والتوازنات المالية، فضلًا عن الملفات الترابية والاستراتيجية. ويضاف إلى ذلك احتمال الانتقال إلى تنزيل الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، وفق ما يروّج له حزب الاستقلال، بما قد يتطلبه من ترتيبات دستورية وتشريعية وترابية، ومن توافق وطني واسع حول شكل المؤسسات الجديدة وعلاقتها بالمركز.


ومن هذه الزاوية، قد تُقدَّم حكومة الوحدة بوصفها وسيلة لحماية القرارات الصعبة من المزايدات الحزبية، وتوزيع كلفتها بين القوى الكبرى، وتأمين غطاء سياسي جامع لأي انتقال محتمل في قضية الصحراء.


غير أن هذه الاعتبارات لا تكفي لإثبات الحاجة إلى حكومة وحدة وطنية. فالمغرب لا يواجه حربًا، ولا انهيارًا مؤسساتيًا، ولا انسدادًا دستوريًا، ولا خطرًا يقتضي تعليق التنافس السياسي وجمع معظم البرلمان داخل الحكومة. وما ينتظر البلاد، على صعوبته، يدخل في صميم الوظيفة العادية للحكومة المنتخبة: تحديد الأولويات، وبناء السياسات، وتعبئة الموارد، وتحمل المسؤولية عن النتائج.


كما أن التوافق الوطني حول قضية الصحراء لا يستلزم إلغاء المعارضة. فإذا حمل اجتماع مجلس الأمن في أكتوبر تطورًا يفتح طريقًا نحو التفاوض في ترتيبات الحكم الذاتي، أمكن تنظيم مشاورات وطنية وإشراك الأحزاب والمؤسسات والفاعلين الترابيين في بلورة الموقف وآليات التنزيل، مع بقاء الحكومة محدودة والمعارضة قائمة بوظيفتها الرقابية. فالإجماع حول قضية سيادية لا يعني إلغاء الاختلاف حول السياسات الاقتصادية والاجتماعية والمجتمعية.


بل إن جمع القوى الأساسية داخل الحكومة سيُفرغ الانتخابات من رسائلها المختلفة. فقد عاقب الناخبون التجمع الوطني للأحرار بحرمانه من الصدارة، وأعادوا العدالة والتنمية إلى موقع مؤثر من دون أن يعيدوه إلى قيادة الحكومة، ومنحوا الأصالة والمعاصرة حق المبادرة في تشكيلها. فإذا اجتمعت هذه القوى كلها داخل السلطة التنفيذية، ذابت العقوبة والعودة والانتصار في تركيبة واحدة، ولم يعد المواطن قادرًا على تحديد من يحكم ومن يعارض ومن يتحمل المسؤولية.


كما أن حكومة تستند إلى 311 نائبًا ستُضعف المعارضة البرلمانية إلى حد كبير، وتحول السلطة التنفيذية من ائتلاف يقوم على برنامج محدد إلى تجميع لمعظم الخريطة الحزبية. وسيتيح ذلك لكل مكون الاستفادة من مكاسب المشاركة، ثم التنصل من كلفة القرارات عند ظهور نتائجها.


ولا تكمن المشكلة في حجم الائتلاف وحده، بل في التعارض بين هويات مكوناته ووظائفها السياسية. فقد ارتبط جانب من وظيفة الأصالة والمعاصرة التاريخية بمواجهة صعود العدالة والتنمية وإعادة تنظيم المجال الحزبي في وجه المد الإسلاموي، بينما بنى العدالة والتنمية جزءًا من هويته التعبوية على مقاومة ما يمثله الأصالة والمعاصرة في نظره. ولذلك لن يؤدي جمعهما داخل حكومة واحدة إلى إنهاء التناقض بينهما، بل إلى نقله من المجال الانتخابي والبرلماني إلى قلب السلطة التنفيذية.


وسيظهر هذا التعارض عند أول اختبار جدي في الملفات المجتمعية والسياسية. فالحكومة المقبلة لن تدير أوراشًا اقتصادية وتقنية فقط، بل ستجد أمامها استكمال مراجعة مدونة الأسرة، وإصلاح القانون الجنائي، وقضايا الحريات الفردية، وضبط العلاقة مع إسرائيل بعد أن أصبحت جزءًا من شبكة المصالح الدبلوماسية والأمنية والعسكرية للمغرب.


وفي هذه الملفات يصعب تصور انسجام مستقر بين الأصالة والمعاصرة، الذي يقدم نفسه قوة تحديث اجتماعي ومؤسساتي، والعدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلاموية الصريحة، والاستقلال الذي يجمع بين الوطنية التاريخية ونزعة محافظة متفاوتة الحضور داخله. ففي مدونة الأسرة يمتد الخلاف إلى المرجعية وحدود الاجتهاد؛ وفي القانون الجنائي يتعلق بالعلاقة بين الأخلاق والتشريع وحدود الحريات الفردية؛ أما العلاقة مع إسرائيل فتضع منطق المصالح الاستراتيجية للدولة في مواجهة الرفض المبدئي للتطبيع، أو محاولة الجمع بين استمرار التعاون الرسمي والمحافظة على خطاب معارض له.


وقد سبق للعدالة والتنمية، وهو يقود الحكومة، أن شارك في توقيع إعلان استئناف العلاقات سنة 2020. غير أن عودته إلى المعارضة منحته حرية أكبر في توظيف الملف سياسيًا. وسيعيده دخوله حكومة الوحدة إلى التناقض نفسه بين مقتضيات الدولة ومتطلبات خطابه، كما قد يسمح له بتعطيل بعض الإصلاحات من داخل الحكومة أو التبرؤ منها أمام جمهوره.


وهكذا يمكن أن تتحول حكومة الوحدة من وسيلة مفترضة لحماية الإصلاح إلى آلية لشلّه. فكل مكون سيملك حق نقض غير معلن في الملفات التي تمس مرجعيته أو قاعدته الانتخابية، وقد تنتهي التسويات إلى إفراغ الإصلاحات من مضمونها. وعوض أن تنتج القوة العددية قدرة أكبر على الفعل، قد تنتج عجزًا متبادلًا عن اتخاذ القرار.


لذلك لا توجد في المرحلة الحالية ضرورة وطنية أو سياسية لجمع الإسلاميين بخصومهم الوجوديين داخل جهاز تنفيذي واحد. فمثل هذه الحكومة لن تستجيب لحالة استثنائية، ولن تحافظ على دلالة الاقتراع، ولن تترك معارضة قوية، كما لن تمنح الإصلاحات المقبلة اتجاهًا واضحًا.


ولا يعني استبعاد حكومة الوحدة استبعاد حزب الاستقلال أو الحركة الشعبية من الحكومة المقبلة. وإنما ينقل السؤال إلى موضعه الصحيح: أي الأحزاب يحتاج إليها ائتلاف محدود، وما الوظيفة التي سيؤديها كل شريك داخله؟ وقد تمنح تطورات قضية الصحراء مشاركة الاستقلال قيمة خاصة، بالنظر إلى شرعيته التاريخية وامتداداته في الأقاليم الجنوبية؛ لكن ذلك سيكون سببًا لاختياره شريكًا في ائتلاف محدد، لا مبررًا لجمع معظم الخريطة الحزبية داخل الحكومة.


وبذلك لا تقود النتائج إلى حكومة وحدة وطنية، بل إلى ائتلاف أقلية مدعوم برلمانيًا: حكومة تضم أقل عدد ممكن من الأحزاب القادرة على إنتاج الانسجام، وتحصل على قاعدة الثقة اللازمة من قوى تبقى خارجها.



خامسًا: ائتلاف الأقلية ــ الصيغة الأكثر قابلية للتحقق


ينبغي أولًا ضبط المقصود بحكومة الأقلية في الحالة المغربية. فهي لا تعني حكومة تُنصَّب بأقل من 198 صوتًا؛ لأن الفصل 88 يشترط حصول البرنامج الحكومي على ثقة الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب. وإنما تعني أن الأحزاب المشاركة في الحكومة لا تملك وحدها هذه الأغلبية، فتحصل على الأصوات المكملة لها من حزب يبقى خارج الجهاز التنفيذي، بموجب اتفاق للمساندة البرلمانية.


وفي ضوء الخريطة التي أفرزها الاقتراع، تبدو الصيغة الأكثر قابلية للتحقق حكومة ائتلافية تضم الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدًا، والاستقلال بـ65، والحركة الشعبية بـ29، ليبلغ مجموع أحزابها 191 مقعدًا. وتجمع هذه التركيبة بين قيادة الحزب المتصدر، والوزن البرلماني والخبرة الحكومية والامتداد الجنوبي لحزب الاستقلال، والحضور الترابي للحركة الشعبية. كما تُبقي التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية في المعارضة، بما يحفظ للنتائج دلالتها السياسية: عقوبة الأول بحرمانه من قيادة الحكومة، وعودة الثاني إلى وظيفة الرقابة من دون استعادة موقعه السابق في رئاستها.


ولبلوغ الأغلبية المطلقة اللازمة للتنصيب، يمكن أن تستند الحكومة إلى مساندة الحركة الديمقراطية الاجتماعية من خارجها؛ إذ ترفع مقاعدها الثمانية قاعدة الثقة من 191 إلى 199 صوتًا. وتبدو الحركة الطرف الأقرب إلى أداء هذه الوظيفة بالنظر إلى موقعها الوسطي ومرونتها السياسية وقربها النسبي من مكونات الائتلاف، من دون أن تفرض عليه توسيع الحكومة أو إدخال تناقض أيديولوجي جديد إلى داخلها.


غير أن هذه المساندة لا ينبغي أن تقتصر على تصويت عابر لمصلحة البرنامج الحكومي، ولا أن تتحول في المقابل إلى مشاركة مقنّعة في الحكومة من دون تحمل مسؤوليتها. فاستقرار الصيغة يقتضي اتفاقًا سياسيًا مكتوبًا يحدد مدة المساندة ومجالاتها، والموقف من مشروع قانون المالية والإصلاحات الأساسية، والمسائل التي تحتفظ فيها الحركة بحرية التصويت، وشروط مراجعة الاتفاق أو إنهائه. وبذلك تصبح المساندة التزامًا معلومًا وقابلًا للمحاسبة، لا ورقة تستعمل لإعادة التفاوض عند كل قانون أو أزمة.


وتحمل هذه التركيبة، مع ذلك، تحديات لا ينبغي التقليل منها. فالاستقلال، بما يملكه من 65 مقعدًا، لن يكون شريكًا ثانويًا، وسيطالب بحقائب وضمانات برنامجية تتناسب مع وزنه، وقد يصبح مركز قوة موازٍ لرئيس الحكومة. كما سترتفع القدرة التفاوضية للحركة الشعبية بسبب حاجة الائتلاف إلى مقاعدها، بينما ستملك الحركة الديمقراطية الاجتماعية، على الرغم من صغر حجمها، الأصوات المرجحة لبقاء قاعدة الثقة فوق عتبة الأغلبية.


وسيكون هذا البناء اختبارًا مباشرًا لرئيس الحكومة. فإذا وقع الاختيار على فوزي لقجع، فلن يكون التحدي إدارة الميزانية أو المشاريع الكبرى فحسب، بل قيادة شبكة سياسية تتكون من شريكين لكل منهما وزنه ومصالحه، وحزب ثالث يملك قدرة ترجيحية من خارج الحكومة. وهي وظيفة تحتاج إلى التفاوض والتحكيم والإقناع وضبط الاختلاف، بقدر ما تحتاج إلى الكفاءة المالية والتنفيذية.


ومع ذلك تظل هذه الصيغة أكثر اتساقًا مع نتائج الانتخابات من حكومة الوحدة الوطنية. فهي تقيم حكومة محدودة من ثلاثة أحزاب، وتوفر لها 199 صوتًا عند التنصيب، وتحافظ في الوقت نفسه على معارضة ذات وزن. كما أنها لا تعيد إنتاج الحكومة السابقة كأن الاقتراع لم يقع، ولا تجمع داخل السلطة التنفيذية قوى متعارضة تستطيع تعطيل بعضها بعضًا.


وبذلك تقوم الصيغة المرجحة على مستويين متكاملين:


ائتلاف حكومي: الأصالة والمعاصرة + الاستقلال + الحركة الشعبية = 191 مقعدًا.

قاعدة الثقة: الائتلاف الحكومي + مساندة الحركة الديمقراطية الاجتماعية = 199 صوتًا.


إنها ليست أغلبية حكومية بالمعنى العددي، بل حكومة أقلية ذات قاعدة تنصيب أوسع؛ نجاحها مرهون بوضوح القيادة، وانضباط الائتلاف، وتحويل اتفاق المساندة إلى تعاقد سياسي يحفظ الاستقرار من دون أن يلغي الرقابة.



خلاصة: من شبكة الفوز إلى شبكة الحكم


تكشف النتائج أن حكومة الوحدة الوطنية، على الرغم من قوتها العددية، لا تستجيب لحاجة فعلية في المرحلة الحالية؛ إذ لا يوجد ظرف استثنائي يبرر تعليق التنافس السياسي وجمع معظم الخريطة الحزبية داخل السلطة التنفيذية. وفي المقابل تبدو حكومة الأقلية المدعومة برلمانيًا أكثر اتساقًا مع دلالة الاقتراع: حكومة محدودة تقودها الأصالة والمعاصرة بالشراكة مع الاستقلال والحركة الشعبية، وتستند عند التنصيب إلى مساندة الحركة الديمقراطية الاجتماعية من خارجها.


غير أن الانتقال من هذه الصيغة النظرية إلى حكومة قائمة قد لا يكون سريعًا. فالنتائج حددت موازين القوى، لكنها لم تحسم الشخصية التي سيعينها الملك من الحزب المتصدر، ولا توزيع الحقائب، ولا البرنامج الذي سيجمع الشركاء، ولا المقابل السياسي والبرنامجي الذي ستطلبه الحركة الديمقراطية الاجتماعية لقاء مساندتها. ويزداد التفاوض تعقيدًا لأن حزب الاستقلال، بفارق مقعد واحد فقط عن التجمع الوطني للأحرار، لن يقبل موقع الشريك الثانوي، ولأن الحركة الشعبية تدرك أن مقاعدها التسعة والعشرين ضرورية لوصول الائتلاف إلى 191 مقعدًا.


ومن ثم قد يستغرق تشكيل الحكومة وقتًا أطول مما توحي به بساطة الحساب. فالخلاف لن يدور حول عدد الوزراء والحقائب فقط، بل حول مضمون البرنامج وترتيب الأولويات: من يقود القطاعات الاجتماعية؟ ومن يتولى المالية وغيرها من القطاعات الاقتصادية للحكومة؟ وكيف توزع المسؤولية عن إصلاح التعليم والصحة والتقاعد؟ وما موقع مدونة الأسرة والقانون الجنائي والعلاقة مع إسرائيل؟ وكيف يُدمج احتمال تطور قضية الصحراء في البرنامج الحكومي من دون تحويله إلى ذريعة لتأجيل بقية الإصلاحات؟


وإذا وقع الاختيار على فوزي لقجع، فقد يضيف ذلك مستوى آخر إلى التفاوض. فالأحزاب لن تتعامل فقط مع ممثل للحزب المتصدر، بل مع شخصية تمتلك رصيدًا قويًا داخل مؤسسات الدولة وملفات الميزانية ومشاريع 2030. وقد ترى فيه ضمانة للإنجاز، لكنها قد تخشى في الوقت نفسه أن تتحول مشاركتها إلى غطاء سياسي لحكومة تتركز قيادتها الفعلية خارج التوازنات الحزبية المعتادة. ولذلك قد تتمحور المفاوضات حول حدود سلطة رئيس الحكومة بقدر ما تتمحور حول توزيع المناصب.


ولا يعني تأخر التشكيل، إذا وقع، أن الصيغة المقترحة مستحيلة؛ لكنه سيكشف أن شبكة الحكم أكثر تعقيدًا من شبكة الفوز. فالفوز يقوم على التنافس وإزاحة الخصوم وتجميع الأصوات حول عرض انتخابي، أما الحكم فيقوم على التفاوض مع شركاء لكل منهم مصالحه وبرنامجه وقاعدته، وعلى توزيع الوظائف من دون تفكيك مركز القيادة، وبناء تسويات لا تُفرغ الإصلاحات من مضمونها.


ويتضاعف ضغط الزمن لأن الحكومة المقبلة لن تبدأ ولايتها في فراغ. فهي مطالبة بإعداد برنامجها ونيل ثقة مجلس النواب، والدخول سريعًا في مناقشة مشروع قانون المالية، بالتزامن مع احتمال أن يحمل اجتماع مجلس الأمن في أكتوبر تطورات تمس قضية الصحراء. ولذلك لن يكون طول المفاوضات مسألة إجرائية فقط؛ فكل تأخر يقلص الوقت المتاح لبناء البرنامج، وقد يدفع الأحزاب إلى تسويات مستعجلة حول المناصب قبل الاتفاق الحقيقي على الأولويات.


وهنا يبدأ الاختبار الثاني لفوزي لقجع وللمنهج العلائقي معًا. لقد أسهمت استراتيجية الحملة في إخراج الأحرار من الصدارة، ومنعت العدالة والتنمية من احتكار موقع البديل، وقادت الأصالة والمعاصرة إلى الفوز. لكن النجاح في إعادة تنظيم المنافسة لا يضمن النجاح في بناء الائتلاف؛ لأن العلاقات التي تصنع الانتصار ليست هي العلاقات التي تنتج حكومة مستقرة.


لقد كشفت الانتخابات قدرة لقجع على الإسهام في صناعة انتصار حزبي. أما مرحلة التشكيل، إن كُلّف بقيادة الحكومة، فستختبر قدرته على الانتقال من إدارة الملفات إلى إدارة العلاقات السياسية، ومن هزيمة المنافسين إلى بناء التوافق مع الشركاء، ومن تقديم الوعود إلى توزيع المسؤوليات وتحمل نتائجها.


وعندها فقط يمكن الإجابة عن السؤال الذي فتحته السلسلة: هل أنتجت انتخابات 2026 رئيس الحكومة الذي تحتاج إليه المرحلة، أم اكتفت بإنتاج الحزب الذي يستطيع أن يأتي منه؟ وهل تستطيع شبكة صنعت الفوز أن تتحول، قبل أن يستنزفها صراع المناصب والبرامج والأولويات، إلى شبكة قادرة على الحكم؟


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق