انتخابات المغرب 2026: بين خطاب الهوية وخطاب الدولة الاجتماعية

 

لقجع يحوّل الفوز إلى وعود قابلة للمحاسبة،

وبنكيران يعود إلى التعبئة العقائدية والتشكيك في شرعية الاقتراع


لم ينته الجدل السياسي في المغرب بإعلان نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026، بل انتقل من التنافس على أصوات الناخبين إلى الصراع على معنى ما قالته الصناديق. فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات بحصوله على 97 مقعدًا من أصل 395، متقدمًا على التجمع الوطني للأحرار الذي حصل على 66 مقعدًا، وحزب الاستقلال الذي نال 65 مقعدًا. ولم تمنح هذه النتيجة الحزب المتصدر أغلبية تمكنه من الحكم منفردًا، لكنها منحته حق المبادرة السياسية، وجعلت الشخصية التي سيختارها الملك من داخله، وفق الفصل 47 من الدستور، محور المرحلة المقبلة.


وبينما عاد فوزي لقجع بعد إعلان النتائج إلى تأكيد الالتزامات التي قدمها خلال الحملة، اختار عبد الإله بنكيران تفسير النتيجة من زاوية مختلفة. فقد هاجم حزب الأصالة والمعاصرة، وطعن في نزاهة فوزه، واتهمه بتزوير الانتخابات، وتعهد بالعمل على إسقاطه والدفع نحو إعادة الاقتراع. وهكذا انتقلت المواجهة بسرعة من اختلاف حول البرامج إلى خلاف يمس شرعية النتيجة نفسها.../...


غير أن ما جرى لا يمكن اختزاله في صدام شخصي بين لقجع وبنكيران، ولا في الخصومة التاريخية بين الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية. فقد كشفت الحملة، ثم الخطابات التي أعقبتها، عن طريقتين مختلفتين في فهم السياسة ومخاطبة المجتمع: خطاب يستدعي العقيدة والأسرة والهوية الدينية ومناهضة التطبيع لبناء التعبئة، وخطاب يتجه إلى الدخل والأسعار والدعم والمعاشات والضرائب وفاتورة الكهرباء وفرص العمل، ويصوغ جانبًا كبيرًا من وعوده في صورة أرقام قابلة للقياس.


ولا يعني هذا أن العقيدة والأسرة وفلسطين قضايا لا تهم المغاربة، أو أن حاجات الإنسان المادية تلغي انتماءه وقيمه. وإنما يتعلق السؤال بوظيفة الانتخابات التشريعية: هل يُختار الحزب ليثبت للناس صحة معتقداتهم من عدمها، أم ليقدم برنامجًا لإدارة الدولة وحل المشكلات التي يواجهونها في معيشتهم ومدارسهم ومستشفياتهم وأعمالهم وتقاعدهم؟


لقد وضعت انتخابات 2026 المغاربة، على نحو أوضح من السابق، أمام الفرق بين خطاب يطلب الثقة باستدعاء الهوية بديلا عن العيش الكريم، وخطاب يطلبها من خلال التزامات يفترض أن تتحول إلى سياسات عامة. ولذلك لا يكفي أن نسأل لماذا فاز الأصالة والمعاصرة، بل ينبغي أن نسأل: هل بدأت هذه الانتخابات تنقل المنافسة الحزبية في المغرب من عمومية الشعارات إلى قابلية البرامج للمحاسبة؟



أولًا: حين أصبحت حاجات الناس موضوع الحملة


كان من أكثر العبارات كشفًا لطبيعة الخطاب الإسلاموي خلال الحملة وضع العقيدة في مقابل اللحم والدجاج. فهذه المقابلة لم تكن مجرد جملة عابرة، بل اختزلت تصورًا يرى أن انشغال المواطنين بقدرتهم الشرائية قد يصرفهم عن القضايا التي ينبغي، بحسب هذا الخطاب، أن تتقدم على حاجاتهم اليومية.


غير أن المواطن لا يضطر في الدولة الحديثة، ووفق الفهم الصحيح للدين، إلى الاختيار بين عقيدته وحاجاته المعيشية. فهو لا ينتخب حكومة كهنوتية لكي تمنحه إيمانًا على شاكلة الكنيسة الكاثوليكية، ولا يطلب منها أن تحل محل ضميره أو أسرته أو مجتمعه الديني. إنه ينتخبها لتدير المال العام، وتضبط الأسواق، وتحسن التعليم والصحة والنقل، وتوفر شروط العمل، وتحمي الفئات الهشة، وتضمن توزيعًا أكثر عدلًا للثروة والفرص.


ولا يصبح طلب اللحم أو الدجاج أو القدرة على أداء فاتورة الكهرباء انحدارًا ماديًا في مواجهة سمو العقيدة. فالقدرة على إطعام الأسرة وحفظ كرامتها جزء من المسؤولية الاجتماعية للدولة، كما أن الفقر والبطالة وغلاء الأسعار ليست قضايا أدنى من السياسة، بل هي المجال الذي تظهر فيه كفاءة الحكومة وعدالة اختياراتها.


ومن هذه الزاوية، بدا خطاب لقجع أكثر اتصالًا بالحاجة المباشرة للناس. لم يطلب منهم التصويت لحماية هويتهم من خصم مفترض، بل خاطبهم في دخلهم ومعاشاتهم وضرائبهم وفواتيرهم وأسعار المواد التي يستهلكونها. وكانت قوة هذا الخطاب في أنه لم يكتف بتسمية المشكلات، وإنما حاول تحويلها إلى مقادير: كم سيرتفع الدعم؟ وإلى أي مستوى ينبغي أن يصل الحد الأدنى للمعاش؟ وما مقدار فاتورة الكهرباء التي يمكن إعفاء الأسر المحدودة الدخل منها؟ وكم ستكلف هذه الالتزامات خلال الولاية؟


لقد نجح هذا الخطاب في لمس حاجة حقيقية تراكمت خلال السنوات السابقة. فالمواطن الذي يواجه غلاء الغذاء والسكن والطاقة لا يحتاج إلى من يشرح له أن العقيدة أهم من الدجاج؛ بل يحتاج إلى من يبين له لماذا ارتفعت الأسعار، ومن يستفيد من شبكات الوساطة والمضاربة، وما الذي تستطيع الدولة فعله لرفع دخله أو تخفيض نفقاته.


وهذا ما منح خطاب الدولة الاجتماعية قوة انتخابية لا يوفرها الشعار المجرد. فالعدالة الاجتماعية لا تظهر في النصوص والخطب فقط، وإنما في الفارق بين الأجر والأسعار، وبين المعاش وكلفة العلاج، وبين الدعم المعلن والمبلغ الذي يصل فعلًا إلى الأسرة. وحين تدخل هذه العلاقات إلى قلب الحملة الانتخابية، تنتقل السياسة من المنافسة على تمثيل الهوية إلى المنافسة على إدارة الموارد وتوزيعها.



ثانيًا: من الوعد الفضفاض إلى الالتزام الرقمي


لم تكن الأحزاب المغربية قبل انتخابات 2026 تخلو من البرامج والوعود والأرقام. لكنها اعتادت، في الغالب، تقديم أهداف عامة من قبيل تحسين القدرة الشرائية، ودعم الطبقة الوسطى، وتقليص البطالة، ومحاربة الفقر، والرفع من جودة الخدمات. وهي أهداف يستطيع كل حزب إعلانها، لكن عموميتها تجعل قياسها صعبًا وتتيح للحكومة، بعد انتهاء ولايتها، أن تختار المؤشر الذي يناسب روايتها عن الحصيلة.


أما لقجع فقد حاول أن يقدم لغة مختلفة. فلم يكتف بالقول إن الدعم الاجتماعي سيرتفع، بل ربطه بمبلغ مستهدف. ولم يكتف بالتعهد بتحسين أوضاع المتقاعدين، بل وضع حدًا أدنى ينبغي الاقتراب منه. كما ربط تخفيف كلفة الطاقة بسقف مالي، ووعد بتخفيض الضريبة على الأجر، ومحاربة الوسطاء والمضاربين، وإصلاح صناديق التقاعد من غير تحميل الطبقة الشغيلة وحدها كلفة العجز.


وجاءت هذه الالتزامات داخل برنامج قدرت تغطيات إعلامية حجمه بنحو 37 مليار دولار، وربطته بإحداث مليون فرصة عمل ومواصلة الاستثمار في الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية وتحسين الأجور ودعم الطبقة المتوسطة. ووفق الصيغة التي قدمها لقجع خلال الحملة، يتعلق الأمر بغلاف سنوي يقارب سبعة مليارات دولار على امتداد خمس سنوات، أي نحو 35 مليار دولار طوال الولاية.


وينبغي توحيد الرقم في الوثائق النهائية للحزب؛ لأن الفرق بين 35 و37 مليار دولار قد ينتج من طريقة تحويل المبلغ من الدرهم، أو من إدخال نفقات إضافية في أحد التقديرين. لكن الأهم سياسيًا ليس الفارق الحسابي وحده، بل أن البرنامج وضع كلفة إجمالية وزمنًا للإنفاق بدل الاكتفاء بإعلان الغايات.


وهذه، بهذه الصراحة والكثافة، لغة جديدة نسبيًا في الحملات الانتخابية المغربية. فقيمتها لا تكمن فقط في قدرتها على إقناع الناخب، بل في أنها تقيد صاحبها بعد الفوز. كل مبلغ معلن يتحول إلى التزام يمكن تتبع تمويله، وكل هدف رقمي يصبح مؤشرًا يمكن قياسه، وكل أجل يحدد موعدًا للمقارنة بين ما وُعد به وما أُنجز.


ولذلك لا ينبغي تقديم خطاب لقجع بوصفه منتصرًا لمجرد استعماله الأرقام؛ فالأرقام لا تنفذ نفسها، وقد تتحول بدورها إلى أداة دعائية إذا لم تُرفق بمصادر التمويل وآليات الإنجاز. غير أن الفرق هو أن الوعد الرقمي يجعل الإخفاق أكثر وضوحًا. فمن السهل على حكومة أن تقول إنها «عملت على تحسين أوضاع المتقاعدين»، لكن يصعب عليها الادعاء بتنفيذ وعد يحدد معاشًا أدنى إذا بقيت المعاشات دونه.


ومن هذه الزاوية يصبح البرنامج عقدًا انتخابيًا قابلًا للقياس والتقويم. ولا يعني وصفه بالعقد أن تنفيذه أصبح مضمونًا، بل يعني أن معيار الحكم عليه بات محددًا. فالسؤال بعد تشكيل الحكومة لن يكون هل تحدث لقجع عن العدالة الاجتماعية، وإنما: هل ارتفع الدعم إلى المبلغ المعلن؟ وهل اقترب أدنى معاش من ثلاثة آلاف درهم؟ وهل خُفضت الضريبة على الأجور؟ وهل استفادت الأسر المعنية من تخفيف فاتورة الكهرباء؟ وكم فرصة عمل أُحدثت فعلًا؟ وكم أُنفق سنويًا من الغلاف المعلن، وفي أي قطاعات، وبأي نتائج؟


وهكذا تكون لغة الأرقام قد أدت وظيفتين متلازمتين: ساعدت لقجع على كسب الثقة خلال الحملة، لكنها نزعت منه مسبقًا عذر الوعود العامة بعد الوصول إلى الحكم. فالرقم الذي يمنح المرشح قوة انتخابية يتحول، بمجرد انتهاء الاقتراع، إلى أداة لمحاسبته.


غير أن هذه المحاسبة تقتضي منذ البداية اختبار التوافق المالي بين الالتزامات. فتخفيض الضريبة على الأجور يقلل جزءًا من موارد الدولة، بينما يؤدي رفع الدعم والمعاشات وتمويل استهلاك الكهرباء إلى زيادة النفقات. ولذلك لا تكفي الرغبة الاجتماعية في تنفيذ البرنامج؛ بل ينبغي توضيح مصادر تمويله: هل ستأتي من نمو اقتصادي إضافي، أو توسيع الوعاء الضريبي على الشركات والمضاربين، أو محاربة التهرب والريع، أو تقليص نفقات أخرى تستنزف مالية الدولة دون فائدة، أو إصلاح المقاصة، أو محاربة الفساد، أو مزيج من هذه الأدوات؟


وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي للغة الأرقام. فالبرنامج الجاد لا يحدد ما سينفقه فقط، بل يبين كذلك من أين سيأتي المال، وكيف ستوزع الكلفة، وما النتائج المنتظرة من كل نفقة. وإذا استطاع لقجع تحويل وعود الحملة إلى قانون مالية متعدد السنوات ومؤشرات منشورة للإنجاز، يكون قد أدخل المنافسة الحزبية المغربية إلى مرحلة جديدة. أما إذا بقيت الأرقام خارج الميزانية وآليات التنفيذ، فلن تكون إلا صيغة أكثر دقة من الوعد القديم، لا قطيعة حقيقية معه.



ثالثًا: حزب العقيدة ــ حين تتحول الهوية إلى بديل من البرنامج


لا تعني المقارنة بين الخطابين أن العدالة والتنمية خرج مهزومًا تمامًا من انتخابات 2026. فقد حقق الحزب عودة لافتة، وانتقل من 13 مقعدًا في انتخابات 2021 إلى 54 مقعدًا، مستفيدًا من وجود عبد الإله بنكيران ومن قدرته الخطابية بلغة الخشب الشعبوية، ولا سيما في المجالات الحضرية. لكنه بقي في المرتبة الرابعة، بعيدًا عن الصدارة التي كان يطمح إلى استعادتها، وأعلن بنكيران بقاء حزبه في المعارضة.


وتحمل هذه النتيجة رسالتين مختلفتين. فقد استعاد الحزب جزءًا من الثقة التي خسرها بعد ولايتين في قيادة الحكومة، لكنه لم يستعد موقعه القديم بوصفه القوة الأولى أو البديل الوحيد. نجح في العودة، لكنه لم ينجح في تحويل السخط على الحكومة السابقة إلى تفويض جديد لقيادة الدولة.


وهنا ينبغي البحث عن سبب الفارق بين العودة والتصدر. فالعدالة والتنمية دخل الانتخابات ممتلكًا عناصر قوة حقيقية: تنظيمًا حزبيًا متماسكًا نسبيًا، وقاعدة انتخابية وفية، وخبرة في المعارضة والحكومة، وزعيمًا قادرًا على تحريك الجمهور وصناعة الجدل. كما استفاد من تراجع الأحرار، وغلاء الأسعار، وزواج المال بالسلطة، وضعف الثقة في الحكومة المنتهية ولايتها. ومع ذلك لم يستطع احتلال المرتبة الأولى.


ويمكن تفسير جانب من ذلك بأن الحزب عاد إلى المجال الذي يعرفه أكثر من غيره: تعبئة الهوية الدينية والمتاجرة بالقضية الفلسطينية ومناهضة التطبيع. فبدل بناء برنامج اجتماعي واقتصادي يجيب بالأرقام عن الحاجات التي صنعت الغضب الشعبي، أعاد تقديم نفسه حارسًا للعقيدة والأسرة وفلسطين والقيم الأخلاقية. وقد اختصر أحد تعبيراته الانتخابية هذا الاتجاه حين قيل إن العقيدة والدين أعز ما يملكه المغاربة، لا اللحم أو الدجاج.


ولا تكمن المشكلة في الدفاع عن العقيدة أو الأسرة أو فلسطين؛ فهذه قضايا مشروعة في المجال العام، ومن حق الحزب أن يجعلها جزءًا من هويته السياسية. إنما تبدأ المشكلة حين توضع العقيدة في مقابلة مع الغذاء، وكأن اهتمام المواطن بالأسعار والدخل انتقاص من إيمانه، أو كأن الحزب الذي يتحدث عن اللحم والدجاج والكهرباء والمعاشات يخاطب غرائز الناس، بينما الحزب الذي يتحدث عن الدين يخاطب قيمهم العليا.


فالإنسان الذي يطلب دخلًا يكفي أسرته لا يتخلى عن عقيدته، والذي يريد تعليمًا جيدًا لأبنائه لا يستبدل الدين بالدنيا، والمتقاعد الذي يطالب بمعاش يحفظ كرامته لا يختزل وجوده في الاستهلاك. بل إن حماية الكرامة الإنسانية، وإطعام المحتاج، ومنع الاحتكار، وإنصاف العامل، ورعاية الأرملة والمتقاعد، كلها قضايا أخلاقية من وجهة نظر الدين نفسه قبل أن تكون أرقامًا مالية.


ومن هنا تبدو المقابلة بين العقيدة والدجاج زائفة في أصلها. فالدولة لا تُنتخب لتختار للمواطنين عقيدتهم، وإنما لتضمن لهم الحقوق والخدمات وشروط العيش الكريم. ولا يمنحها الحديث عن الدولة الاجتماعية سلطة على إيمانهم، كما لا يمنح الحزبَ الديني احتكار تمثيل قيمهم.


وقد سبق للعدالة والتنمية أن قاد الحكومة عشر سنوات. ولذلك لا يدخل المنافسة من موقع حركة دعوية لم تُختبر في السلطة، بل من موقع حزب أتيحت له فرصة إدارة السياسات العمومية واكتشف بنفسه الفارق بين سهولة الخطاب وصعوبة الحكم. وكان المنتظر بعد هذه التجربة أن يعود ببرنامج يبين ما تعلمه من ولايتيه، وما السياسات التي أخطأ فيها، وكيف سيعالج القدرة الشرائية والتقاعد والتعليم والصحة والتشغيل، وكيف سيحارب الهدر والفساد إذا عاد إلى الحكومة، لكنه بدل ذلك، بعث برسالة صوتية إلى القصر يقول فيها أنه إذا أصبح رئيسا للحكومة: «لا أريد أن أضر الدولة من أجل إرضاء المواطن».


ومهما يكن من أمر، فإن تركيز بنكيران على العقيدة والقيم يسمح للحزب بتجنب المحاسبة. فالالتزام الاقتصادي يمكن قياسه، بينما يصعب قياس وعد من قبيل «حماية هوية المجتمع». ويمكن سؤال الحكومة عن عدد فرص العمل أو مقدار الدعم، لكن الحزب يستطيع أن يواصل الادعاء بأنه يدافع عن العقيدة مهما كانت نتيجة سياساته الاجتماعية ومهما تضارب هذا النوع من الخطاب مع رمزية المؤسسة الدينية للدولة.


وهنا تظهر الوظيفة السياسية لخطاب الهوية: إنه ينقل التنافس من المجال الذي يمكن قياسه إلى المجال الذي يملك فيه الحزب سلطة رمزية على جمهوره. فإذا كان الخصم يقدم أرقامًا في الدعم والمعاشات والأجور، يستطيع الحزب الإسلاموي إعادة تعريف المنافسة باعتبارها صراعًا بين من يحمي الدين ومن يغري الناس بالمنافع المادية. وبذلك يتحول ضعف البرنامج الاجتماعي إلى تفوق أخلاقي مزعوم.


ولا يعني ذلك أن برنامج لقجع صحيح لمجرد أنه رقمي، أو أن خطاب العدالة والتنمية باطل لمجرد أنه ديني. فقد تكون بعض الوعود الرقمية غير قابلة للتمويل، وقد يطرح الحزب الإسلاموي اعتراضات صحيحة على السياسات الاجتماعية أو الأخلاقية. لكن الفرق أن الرقم يقبل الاختبار، بينما يصبح الاحتجاج بالعقيدة خطرًا حين يُستخدم لتحصين صاحبه من المحاسبة أو لنزع الشرعية الأخلاقية عن خصمه.



رابعًا: من استعادة الثقة إلى إنكار النتيجة


كان حصول العدالة والتنمية على 54 مقعدًا نجاحًا واضحًا إذا قورن بانهياره سنة 2021. فقد ضاعف تمثيله أكثر من أربع مرات، واستعاد فريقًا برلمانيًا قويًا، وأصبح مرشحًا لقيادة معارضة مؤثرة. وهذه النتيجة كان يمكن تقديمها إلى الجمهور بوصفها بداية عودة تحتاج إلى عمل طويل، لا بوصفها فشلًا لأن الحزب لم يحتل المرتبة الأولى.


لكن طموح الصدارة جعل النتيجة تُقرأ من خلال ما لم يتحقق، لا من خلال ما تحقق. ومن هنا جاء الانتقال إلى اتهام الأصالة والمعاصرة بتزوير الانتخابات، والتعهد بإسقاطه والمطالبة بإعادة الاقتراع.


ولا يجوز رفض كل ادعاء بوجود مخالفات انتخابية لمجرد صدوره عن حزب خسر الصدارة. فمن حق العدالة والتنمية، مثل غيره، توثيق شراء الأصوات أو التلاعب بالمحاضر أو استعمال المال أو النفوذ، والتوجه إلى القضاء والهيئات المختصة للطعن في النتائج. كما أن نزاهة الانتخابات ليست هبة تقدمها السلطة أو الحزب الفائز، بل شرطًا لشرعية المؤسسات كلها.


غير أن الفرق كبير بين تقديم وقائع محددة يمكن التحقيق فيها، وبين إعلان أن الانتخابات مزورة لأن نتيجتها لم توافق توقعات الحزب. فالطعن القانوني يحدد الدوائر والمحاضر والأفعال والأشخاص والأدلة، بينما الاتهام السياسي الشامل يهدم الثقة في العملية كلها من غير أن يقدم بالضرورة أساسًا يمكن اختباره.


وإذا كان بنكيران يملك أدلة على تزوير غيّر توزيع المقاعد أو منح الأصالة والمعاصرة صدارة لا يستحقها، فعليه نشرها وتقديمها إلى القضاء والمطالبة بإبطال النتائج المتأثرة بها. أما التعهد بإسقاط الحزب الفائز وإعادة الانتخابات قبل إثبات الوقائع، فإنه ينقل الخطاب من الدفاع عن النزاهة إلى رفض حق الخصم في الفوز والتمهيد لإشاعة الفتنة في الناس.


وهنا يصبح التشكيك في الاقتراع امتدادًا لخطاب الهوية. فالأصالة والمعاصرة لا يُقدَّم مجرد حزب منافس تفوق انتخابيًا، وإنما بوصفه قوة فاقدة للشرعية ينبغي إسقاطها. والعدالة والتنمية لا يظهر حزبًا حل رابعًا وعليه إعادة بناء عرضه السياسي، وإنما باعتباره ضحية مؤامرة لأنه ممثلًا للقيم وتعرضت إرادة جمهوره للسرقة. وبهذه الصيغة يتحول الخلاف الانتخابي إلى صراع بين الحق والباطل، لا بين برامج وأحزاب يمكن أن تفوز وتخسر.


وهذا الخطاب خطر على الحزب نفسه قبل أن يكون خطرًا على خصمه؛ لأنه يحرمه من فهم الرسالة المركبة التي بعث بها الناخبون. فالمغاربة لم يعيدوا العدالة والتنمية إلى وضعه الهامشي السابق، بل منحوه قوة برلمانية معتبرة. لكنهم لم يمنحوه الصدارة. ومعنى ذلك أنهم أرادوه حاضرًا في التوازن السياسي، من غير أن يسلموه قيادة الحكومة.


وإذا قرأ الحزب النصف الأول العامر من الكأس وحده، اعتبر النتيجة انتصارًا كاملًا. وإذا قرأ النصف الثاني الفارغ وحده، اتهم الانتخابات بالتزوير. أما القراءة الديمقراطية فتجمع الرسالتين: استعاد الحزب جزءًا من الثقة، لكنه لم يستعد بعد ثقة كافية للحكم.


ومن هنا تكون الوظيفة الطبيعية للعدالة والتنمية في الولاية المقبلة هي المعارضة. يستطيع الحزب من خلالها مراقبة تنفيذ وعود لقجع، واختبار أرقام البرنامج، وكشف أي تناقض بين الغلاف المالي والنتائج، والدفاع عن الأسر والفئات الهشة، وتقديم بدائل ممولة. وهذه الوظيفة أكثر فائدة له وللديمقراطية من الدخول في حكومة وحدة، كما أنها الطريق الواقعي لاستعادة الثقة التي لم تكتمل من خلال الممارسة.


لكن المعارضة الفعالة تحتاج إلى الانتقال من الوعظ إلى الحساب. فإذا وعد لقجع بألف درهم من الدعم، ينبغي للعدالة والتنمية أن يبين مدى كفاية المبلغ وعدد المستفيدين ومصدر تمويله. وإذا تعهد بمعاش لا يقل عن ثلاثة آلاف درهم، فعلى الحزب أن يقدم تصوره لإصلاح الصناديق. وإذا وعد بخفض الضرائب والأسعار، ينبغي للمعارضة أن تختبر الأثر في الميزانية والأسواق.


أما العودة إلى العقيدة وفلسطين والتطبيع والأسرة وغيرها من الشعارات التعبوية فلن تجيب عن الأسئلة التي حسمت جزءًا من الاقتراع. ويمكنها أن تحافظ على القاعدة الصلبة للحزب، لكنها لن تكفي بالضرورة لتوسيعه نحو المواطنين الذين يريدون معرفة ما الذي سيتغير في دخلهم وخدماتهم خلال خمس سنوات.



خامسًا: هل العدالة الاجتماعية خصم للعقيدة؟


يحاول خطاب «حزب العقيدة» أن يمنح المنافسة ترتيبًا أخلاقيًا: العقيدة في الأعلى، والحاجات المادية في الأسفل. لكن الدولة الاجتماعية لا تقوم على إنكار القيم؛ بل على تحويل قيمة الكرامة إلى مؤسسات وسياسات.


فمن السهل إعلان الانحياز إلى الفقير، لكن الانحياز يصبح قابلًا للتحقق حين يُحدد مقدار الدعم وشروط استحقاقه ومصدر تمويله. ومن السهل الحديث عن توقير المسنين، لكن القيمة تتحول إلى سياسة حين يحصل المتقاعد على معاش يقيه الحاجة. ومن السهل الدفاع عن الأسرة، لكن الأسرة لا تُحمى بالخطب وحدها؛ بل بالدخل والسكن والتعليم والعلاج والحماية من الهشاشة.


ومن ثم فإن خطاب الدولة الاجتماعية لا يقابل العقيدة، بل يختبر صدق القيم في الواقع. والسؤال ليس هل المغاربة يريدون الدين أم الدجاج؛ بل هل تستطيع السياسة أن تحفظ لهم حريتهم الدينية وكرامتهم المعيشية معًا؟


ولا يضعف هذا السؤال مكانة الدين، بل يمنع استعماله للهروب من المسؤولية السياسية. فالحزب الذي يدخل الانتخابات لا يُحاسب على مقدار إيمان أعضائه، وإنما على صلاحية برنامجه وقدرته على خدمة المجتمع. وإذا أخفق في الاقتصاد أو التعليم أو الصحة، فلا يحميه رفع الشعارات الدينية من المحاسبة، كما لا يمنح نجاح خصمه الاقتصادي الأخيرَ حق التحكم في عقائد الناس وقيمهم.


لقد أعادت انتخابات 2026 توزيع الأدوار بوضوح. منحت الأصالة والمعاصرة حق المبادرة في تشكيل الحكومة، ومنحت العدالة والتنمية فرصة قيادة معارضة قوية. والأول سيُختبر بقدرته على تحويل أرقامه إلى نتائج، والثاني سيُختبر بقدرته على تحويل عودته الانتخابية إلى رقابة وبدائل، لا إلى مزايدة شعبوية على عقيدة المجتمع.


وهكذا لا يكون التنافس الحقيقي بين العقيدة والدجاج، بل بين طريقتين في ممارسة السياسة: سياسة تجعل القيم مصدرًا للعدل والمسؤولية، وسياسة تستخدمها جدارًا يحجب غياب البرنامج. وإذا أراد العدالة والتنمية أن يستعيد موقع الحزب القادر على الحكم، فعليه أن يبرهن أن مرجعيته تستطيع إنتاج حلول قابلة للقياس، لا أن يطلب من المغاربة الاختيار بين إيمانهم وحاجاتهم.



خاتمة: حين بدأ الناخب المغربي يغيّر قواعد المنافسة


تكشف انتخابات 2026 عن تحول يتجاوز ترتيب الأحزاب وعدد المقاعد، فقد بدأت عقلية جانب متزايد من المجتمع المغربي تتغير، وأصبح الناخب أقل استعدادًا لمنح ثقته الدائمة لحزب بسبب هويته أو خطابه أو موقعه السابق، وأكثر ميلًا إلى مقارنة ما قيل له بما تحقق في حياته اليومية.


لقد عاقب الناخبون التجمع الوطني للأحرار على حصيلة لم تقنعهم في القدرة الشرائية والأسعار والخدمات، فحرموه من الصدارة التي حصل عليها سنة 2021. وفي الوقت نفسه أعادوا العدالة والتنمية من 13 إلى 54 مقعدًا، اعترافًا بوظيفته المعارضة واستفادةً من السخط على الحكومة، لكنهم لم يعيدوه إلى قيادة المشهد. ثم منحوا الأصالة والمعاصرة 97 مقعدًا وحق المبادرة في تشكيل الحكومة، متأثرين بخطاب جديد قدم وعوده في صورة أرقام ومبالغ وآجال.


ولا تعني هذه النتائج أن الناخب المغربي أصبح يصوت كله على أساس البرامج، أو أن المال والولاءات المحلية والهويات الحزبية فقدت أثرها. كما أن تراجع نسبة المشاركة إلى نحو 38 في المائة يكشف أن جزءًا واسعًا من المواطنين ما زال خارج العملية أو فاقدًا للثقة في قدرتها على تغيير أوضاعه. لكن الخريطة الجديدة تقدم، داخل الجسم الذي شارك، مؤشرات على نشوء سلوك انتخابي أكثر حركة وأقل خضوعًا للولاء الثابت.


فالناخب نفسه الذي يستطيع أن يرفع حزبًا يستطيع أن يعاقبه في الاستحقاق التالي. وهو لا يعيد حزبًا عوقب سابقًا بالضرورة إلى موقعه القديم، بل يمنحه حجمًا جديدًا يناسب الوظيفة التي يريدها له. وبهذا لم تعد الانتخابات مجرد مناسبة تتكرر فيها المواقع نفسها، بل بدأت تتحول إلى آلية لإعادة توزيع الثقة بحسب الحصيلة والعرض السياسي، حيث انتقلت من التركيز على الرمز إلى التركيز على الوظيفة.


وتكشف النتيجة أيضًا تراجع قدرة المزايدة الشعبوية على احتكار المجال العام. فقد يستطيع الخطاب الديني أو الأخلاقي تحريك قاعدة صلبة، واستدعاء مشاعر قوية حول العقيدة والأسرة وفلسطين، لكنه لم يعد كافيًا وحده للوصول إلى الصدارة. فالمواطن الذي يعاني ارتفاع الأسعار وضعف الخدمات لا يكتفي بمن يخبره بما يجب أن يؤمن به؛ بل يريد أن يعرف ما الذي سيفعله الحزب بأجره ومعاشه وضريبته وفاتورته ومدرسة أبنائه ومستشفاه.


وهذا لا يعني أن الناخب أصبح ماديًا أو تخلى عن قيمه. بل يعني أنه بدأ يميز بين المجال الذي تنتمي إليه العقيدة والمجال الذي تُختبر فيه الحكومة. فإيمانه لا يحتاج إلى برنامج انتخابي حتى يستمر، أما حاجاته الاجتماعية فتحتاج إلى ميزانية وقرار وإدارة ومؤشرات إنجاز. ولهذا لم تنجح محاولة وضع العقيدة في مواجهة اللحم والدجاج في إلغاء السؤال المعيشي؛ لأنها قدمت للمواطن مفاضلة لا يرى ضرورة لها.


لقد بدأ الناخب، بعبارة أخرى، يعاقب المقصر، ويقزّم حزب المزايدة الشعبوية، ويمنح الفرصة لمن يقدم خطابًا أكثر إقناعًا يخاطب العقل والجيب معًا. فهو يريد أن يفهم من أين ستأتي الموارد وكيف ستوزع، لكنه يريد أيضًا أن يلمس أثرها في قدرته الشرائية. ولا يكفيه رقم بلا تفسير، كما لم يعد يكفيه شعار بلا نتيجة.


ومن هنا تكتسب تجربة لقجع أهميتها. فقد أدخل إلى الحملة لغة تقنية مغلفة بالسياسة، قريبة من إدارة الميزانية: أهداف محددة، وكلفة مالية، وأفق زمني يمتد خمس سنوات. وهذه اللغة لا تثبت مسبقًا قدرته على التنفيذ، لكنها رفعت مستوى الالتزام. فلم يعد من الممكن بعد اليوم الاكتفاء بالقول إن الحكومة ستدعم الفئات الهشة أو تحسن أوضاع المتقاعدين؛ إذ أصبح المطلوب تحديد مقدار الدعم، وعدد المستفيدين، وكلفة الإصلاح، والأجل الذي تظهر فيه النتيجة.


غير أن التحول الحقيقي لن يثبت بمجرد فوز الخطاب الرقمي، بل بطريقة التعامل معه بعد الفوز. فإذا نُصبت الحكومة المقبلة، وجب تحويل برنامجها إلى مؤشرات سنوية معلنة: ما الذي سينفذ في السنة الأولى؟ وكم سيكلف؟ وما مصدر تمويله؟ وكم أسرة ستستفيد؟ وكيف سيقاس الأثر في الأسعار والدخل والتشغيل؟ وعندئذ يمكن للصحافة والبرلمان والمجتمع أن يقارنوا كل سنة بين الوعد والمنجز.


وفي المقابل، يستطيع العدالة والتنمية أن يؤدي دورًا أساسيًا في ترسيخ هذا التحول إذا قبل الرسالة التي حملتها النتيجة بدل العمل على زرع الفتنة ومحاولة إسقاط الحكومة. فقد أعاده الناخب إلى موقع مؤثر، لكنه لم يمنحه قيادة الحكومة. وإذا استثمر مقاعده في مراقبة البرنامج وكشف اختلالات التمويل وتقديم بدائل رقمية، فقد يستعيد ثقة أوسع. أما إذا اكتفى بالتشكيك في الاقتراع واستدعاء العقيدة كلما عجز عن مجاراة خصمه في السياسات، فقد يحافظ على نواته الصلبة لكنه سيؤكد الحدود التي منعت عودته إلى الصدارة.


لذلك لا ينبغي أن ينتهي الجدل إلى تمجيد لقجع أو إدانة بنكيران بوصفهما شخصين. فالاختبار يتعلق بالنموذجين اللذين يمثلانهما في هذه اللحظة: نموذج يقدم نفسه بلغة الإنجاز والموارد، ونموذج يعود إلى الهوية والتعبئة حين لا تمنحه الصناديق النتيجة التي توقعها. الأول لا يكتسب صدقيته إلا بالتنفيذ، والثاني لا يستعيد قابليته للحكم إلا بتحويل قيمه إلى سياسات.


لقد فتحت انتخابات 2026، إذن، مرحلة جديدة في المنافسة السياسية المغربية. فقد أصبح الوعد المحدد أصلًا انتخابيًا، لكنه صار في الوقت نفسه دينًا سياسيًا على صاحبه. وأصبح الاعتراض حقًا مشروعًا، لكنه لا يبرر إسقاط شرعية الاقتراع من غير أدلة. وأصبحت المرجعية الدينية جزءًا من هوية الحزب، لكنها لم تعد بديلًا كافيًا من البرنامج الاجتماعي والاقتصادي.


لقد خاطب بنكيران وجدان جزء من المجتمع، بينما خاطب لقجع حاجاته بلغة الأرقام. ومنحت الصناديق الخطاب الثاني حق المبادرة، من غير أن تمنحه شيكًا على بياض. فالناخب الذي اختار لقجع لأنه وعده بأرقام واضحة يستطيع أن يعاقبه بالأرقام نفسها إذا أخفق، والناخب الذي أعاد العدالة والتنمية إلى المعارضة يستطيع أن يقلصه مجددًا إذا حول المراقبة إلى مزايدة عقائدية وشعبوية.


وهنا تكمن الدلالة الأعمق للانتخابات: لم يعد المغربي يبحث فقط عمن يشبهه في القول، بل بدأ يبحث عمن يقنعه في التدبير. ولم تعد حماية الثقة تمر عبر رفع الشعارات الكبرى، بل عبر تحويلها إلى أثر يراه المواطن في حياته. فالعدالة لا تصبح اجتماعية لأنها وردت في برنامج، والعقيدة لا تُحمى بتجويع المؤمن، والشرعية لا تُكتسب بالصناديق إلى الأبد؛ بل تتجدد بقدر الوفاء بما قيل أمامها.


لقد فاز الأصالة والمعاصرة بالانتخابات، لكن الامتحان الحقيقي يبدأ بعد الفوز. فإذا تحولت الأرقام إلى دعم ومعاشات وفرص عمل وأسعار أكثر احتمالًا، يكون لقجع قد أدخل السياسة المغربية إلى زمن العقد الانتخابي القابل للمحاسبة. وإذا بقيت الأرقام معلقة في خطابات الحملة، فسيكتشف أن الناخب الذي تعلم معاقبة المقصر لن يتردد في استعمال الدرس مرة أخرى، لكن هذه المرة بشكل - ربما - أكثر قسوة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق