من التقارب الإسباني-الجزائري إلى أزمة 30 يوليو:
كيف أعادت العلاقات بين العلاقات تشكيل غرب المتوسط؟
تمهيد: ما الذي تخفيه أزمة سبتة؟
منذ أن انفجرت أحداث سبتة في 30 يوليو 2026، انصب جانب كبير من الاهتمام السياسي والإعلامي على الأسئلة المباشرة التي فرضها حجم العبور الجماعي نحو المدينة: من حرك عشرات الآلاف باتجاه الحدود؟ وهل كان ما وقع تدفقًا عفويًا غذته شبكات التواصل الاجتماعي، أم عملية منظمة تقف خلفها جهة ما؟ وماذا كانت تعرف أجهزة الاستخبارات الإسبانية قبل وقوع الحدث؟ وهل كان انهيار المراقبة على الجانب المغربي مجرد عجز ظرفي عن احتواء التدفق، أم أن وراءه حسابات سياسية تتجاوز الحدود؟
ازدادت هذه الأسئلة إلحاحًا مع توالي المعطيات اللاحقة: ظهور مؤشرات عن مساهمة شبكات وحسابات رقمية مرتبطة بالفضاء الجزائري في التعبئة، والخلاف داخل الحكومة الإسبانية حول طبيعة التحذيرات الاستخباراتية التي سبقت 30 يوليو، ودخول القضاء على خط التحقيق في المعلومات التي كانت متاحة قبل الأزمة، ثم انتقال تداعياتها من الحدود إلى الشارع والأمن والسياسة، وصولًا إلى التعامل معها باعتبارها مسألة تمس الأمن القومي الإسباني.../...
غير أن التركيز على العقل المدبر والمسؤوليات الأمنية والسياسية المباشرة ربما ترك سؤالًا أعمق في الظل. فقد يكون الخطأ الأكبر في قراءة 30 يوليو هو البحث عن هدف الأزمة داخل سبتة نفسها، بينما قد تكمن أهميتها الحقيقية في الوظيفة التي أدتها داخل شبكة أوسع كانت علاقاتها وأدوارها تشهد تحولات متسارعة قبل انفجار الأزمة.
فالأسابيع القليلة التي سبقت 30 يوليو لم تكن عادية في علاقات دول المنطقة. ففي منتصف يوليو كانت فرنسا والمغرب ترفعان مستوى شراكتهما من خلال اجتماع حكومي رفيع المستوى في الرباط. وبعد أيام قليلة كان رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز في الجزائر معلنًا مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين بعد سنوات من التوتر. وبعد ذلك بأيام عاد ملف الصحراء إلى الواجهة الإسبانية من بوابة المبادرة المتعلقة بمنح الجنسية الإسبانية لفئات من الصحراويين. ثم جاء 30 يوليو وانفجرت أزمة سبتة.
لا يكفي هذا التسلسل لإثبات علاقة سببية بين هذه الوقائع، لكنه يفرض سؤالًا يصعب تجاهله: هل انفجرت أزمة سبتة في لحظة كانت فيها شبكة العلاقات الاستراتيجية في غرب المتوسط قد بدأت بالفعل تبحث عن توازن جديد؟
من هنا تنطلق الأطروحة التفسيرية لهذا التحليل. فهي لا تفترض أن فرنسا صنعت أزمة سبتة، ولا أن زيارة سانشيز إلى الجزائر كانت ردًا مباشرًا على التحرك الفرنسي في المغرب، ولا أن الرباط استخدمت الحدود ردًا على التقارب الإسباني-الجزائري، ولا أن الجزائر دبرت ما وقع في 30 يوليو. إثبات أي من هذه الفرضيات يحتاج إلى أدلة لا تتيحها المعطيات المتاحة حتى الآن.
لكن عدم معرفة صانع الحدث لا يمنع من تحليل وظيفته. فبدل الاقتصار على سؤال: من حرّك أزمة سبتة؟ يقترح هذا التحليل سؤالًا آخر: ما الذي كان يتحرك في غرب المتوسط عندما انفجرت أزمة سبتة؟
الفارق بين السؤالين جوهري. فالأول يبحث عن الفاعل الذي يقف وراء الحدث، أما الثاني فيبحث عن النسق الذي أعطاه قيمته الاستراتيجية. ومن هنا تأتي الفرضية التي سيختبرها المقال: إن تغير علاقة استراتيجية داخل نسق إقليمي لا يقتصر أثره على طرفيها، وإنما يمكن أن يغير قيمة العلاقات الأخرى المرتبطة بها، ويعيد توزيع الوظائف والأدوار داخل النسق كله.
وعند هذه النقطة تظهر فرنسا بوصفها الفاعل الغائب في معادلة سبتة: لا لأنها متهمة بصناعة الأزمة، وإنما لأن فهم ما جرى من دون إدخال التحول الذي شهدته علاقتها بالمغرب قد يعني الاكتفاء بالجزء الظاهر من جبل الجليد وترك بنيته الأعمق خارج التحليل.
أولًا: قبل سبتة بأسبوعين... عندما تحركت باريس في الرباط
إذا كان الهدف هو فهم ما الذي كان يتحرك في غرب المتوسط عندما انفجرت أزمة سبتة، فإن نقطة البداية لا تقع في 30 يوليو، ولا حتى في زيارة سانشيز إلى الجزائر، وإنما قبلها بأيام قليلة في الرباط.
ففي منتصف يوليو 2026، استقبل المغرب رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو على رأس وفد حكومي واسع، في إطار الاجتماع رفيع المستوى بين الحكومتين المغربية والفرنسية. وجاءت الزيارة في سياق انتقال العلاقة بين البلدين من مرحلة الأزمة والبرود إلى شراكة استراتيجية أكثر كثافة واتساعًا.
وكان التحول الفرنسي في قضية الصحراء أحد أهم مظاهر هذه النقلة. فباريس، التي حاولت طويلًا المحافظة على مساحة توازن بين علاقاتها التاريخية بالمغرب ومصالحها المعقدة في الجزائر، أصبحت أقرب إلى الموقف المغربي، بالتوازي مع توسع التعاون الاقتصادي والاستثماري والأمني والسياسي بين الرباط وباريس.
ولم يكن لهذا التحول أن يبقى محصورًا في العلاقة الثنائية. ففرنسا والمغرب يتحركان معًا في إفريقيا والساحل وغرب المتوسط والطاقة والبنية التحتية والهجرة والأمن والتجارة مع أوروبا. وكلما ازداد تكامل هذه الوظائف، ارتفعت القيمة الاستراتيجية للعلاقة وأصبحت آثارها أكثر قابلية للامتداد إلى علاقات الطرفين مع فاعلين آخرين.
وتأتي إسبانيا في مقدمة هؤلاء. فهي بنت بدورها علاقة استراتيجية كثيفة مع المغرب تقوم على التجارة والاستثمار والأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب والربط بين أوروبا وإفريقيا، وتمنحها الجغرافيا وظائف لا تستطيع فرنسا أداءها. ولذلك فإن عودة باريس بقوة إلى موقع الشريك الاستراتيجي للمغرب تطرح سؤالًا مشروعًا بالنسبة إلى مدريد: ماذا يحدث لقيمة العلاقة الإسبانية-المغربية إذا أصبح المغرب يمتلك شريكًا أوروبيًا آخر قادرًا على أداء عدد متزايد من الوظائف التي تمنح إسبانيا أهميتها؟
لا يعني ذلك أن مدريد اعتبرت التقارب الفرنسي-المغربي تهديدًا، ولا أن زيارة سانشيز التالية إلى الجزائر كانت ردًا مباشرًا عليه. فلا توجد معطيات تثبت هذه السببية. لكن التحول الفرنسي-المغربي كان يغير البيئة التي تتحرك فيها إسبانيا حتى لو لم يكن موجهًا إليها.
وهنا تظهر للمرة الأولى بصورة عملية فكرة العلاقات بين العلاقات: فالعلاقة الإسبانية-المغربية لا تحتاج إلى أن تتدهور لكي تتغير قيمتها؛ قد يكفي أن تتغير العلاقة الفرنسية-المغربية حتى تجد مدريد نفسها أمام بيئة استراتيجية مختلفة.
ثانيًا: سانشيز في الجزائر... استعادة العلاقة أم إعادة التوازن؟
في 20 يوليو 2026، حل رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بالجزائر في زيارة أنهت مرحلة طويلة من التوتر بين البلدين. وكانت الأزمة قد بدأت بعد التحول الإسباني في قضية الصحراء سنة 2022، عندما اعتبرت مدريد المبادرة المغربية للحكم الذاتي الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع، وهو موقف رأته الجزائر تحولًا يمس أحد أهم ملفات تنافسها الإقليمي مع المغرب.
لذلك كان إعلان مرحلة جديدة بين مدريد والجزائر ذا أهمية تتجاوز استعادة قناة دبلوماسية. فإسبانيا كانت تعيد بناء علاقة سياسية واقتصادية وطاقية مع دولة وصفها سانشيز بالشريك الاستراتيجي. وكانت في 2026 المورد الأول للغاز الطبيعي إلى السوق الإسبانية. وقد حضرت في الخطاب الرسمي ملفات الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب، غير أن الثقل المادي الأوضح للعلاقة الجديدة كان يرتبط بالطاقة والاستثمار وإعادة الجزائر إلى موقع مهم داخل حسابات مدريد في جنوب المتوسط.
وتكتسب الطاقة هنا دلالة تتجاوز ضمان الإمدادات. فالجزائر ترتبط بإسبانيا مباشرة عبر خط Medgaz، في وقت يعمل فيه المغرب ونيجيريا على بناء الممر الأطلسي الذي يفترض أن يصل موارد غرب إفريقيا بالأسواق الأوروبية عبر المغرب. ومن ثم، فإن تعزيز المحور الطاقي الإسباني-الجزائري يمكن أن يؤثر في القيمة المستقبلية للوظيفة التي يسعى المغرب إلى بنائها بوصفه ممرًا استراتيجيًا للطاقة بين غرب إفريقيا وأوروبا.
ومع ذلك لم تكن مدريد تنتقل من المغرب إلى الجزائر. كانت تحاول معادلة أكثر تعقيدًا: استعادة الجزائر من دون خسارة المغرب.
وهنا يبرز السؤال: هل تستطيع إسبانيا بناء شراكتين استراتيجيتين متوازيتين مع دولتين ينظر كل منهما إلى الآخر باعتباره منافسه الإقليمي الرئيسي؟
المشكلة ليست في النوايا وحدها، وإنما في تداخل الوظائف. فالمغرب يؤدي بالنسبة إلى إسبانيا وظائف مرتبطة بالحدود والهجرة والأمن والتجارة والربط بإفريقيا، بينما توفر الجزائر الطاقة وهامشًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا آخر في جنوب المتوسط. ولذلك فإن توسيع العلاقة مع أحدهما يمكن أن يغير القيمة النسبية للعلاقة مع الآخر، حتى من دون أن تتراجع تلك العلاقة رسميًا.
ويصبح الأمر أكثر دلالة إذا وضع التقارب الإسباني-الجزائري إلى جانب التحول الفرنسي-المغربي الذي سبقه بأيام: فرنسا تعمق شراكتها مع المغرب، وإسبانيا تعيد بناء شراكتها مع الجزائر.
غير أن المغرب لم يكن ينتظر نتائج هذه التحركات. فقد كان يعمل على توسيع شبكة المصالح الدولية المرتبطة بوظيفته في غرب المتوسط، ويشكل مشروع الناظور أحد أبرز تجليات هذه الاستراتيجية. فالمشروع لا يضيف ميناء جديدًا فحسب، وإنما يبني منصة لوجستية وصناعية وطاقية مرتبطة بشبكات التجارة والاستثمار الدولية ويستقطب فاعلين اقتصاديين من قوى دولية كبرى.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية لذلك في أن ارتباط البنية التحتية المغربية بمصالح دولية متعددة (أمريكا، الصين، فرنسا، بريطانيا وغيرها...) يجعل الوظيفة التي يؤديها المغرب أكثر اندماجًا في شبكة تتجاوز العلاقة المغربية-الإسبانية. وعندئذ يصبح التأثير في موقع المغرب مرتبطًا أيضًا بمصالح فاعلين آخرين أصبحوا جزءًا من الوظيفة نفسها.
يمكن وصف ذلك بأنه تحصين للوظيفة بالشبكة: بدل الارتهان لشريك واحد، يوسع المغرب عدد الفاعلين الذين تصبح لهم مصلحة في استمرار الوظيفة التي يؤديها موقعه.
وفي المقابل، تستطيع إسبانيا هي الأخرى توسيع هامش حركتها، ليس فقط باستعادة الجزائر، وإنما بالمحافظة على أوراق سياسية مرتبطة بتاريخها وموقعها في المنطقة.
وكانت أكثر هذه الأوراق حساسية هي الصحراء.
ثالثًا: جرح الصحراء... عندما دخلت الجنسية على خط إعادة التوازن
بعد أيام قليلة من زيارة سانشيز إلى الجزائر، تقدم داخل المؤسسات الإسبانية ملف منح الجنسية لفئات من الصحراويين. ولم تكن المسألة مجرد إجراء قانوني يتعلق بأشخاص تربطهم بإسبانيا صلات تاريخية، لأن الصحراء تقع في قلب شبكة العلاقات بين المغرب وإسبانيا والجزائر: قضية سيادة ووحدة ترابية بالنسبة إلى المغرب، ومحور أساسي في التنافس الجزائري-المغربي، وإرث استعماري مباشر بالنسبة إلى إسبانيا.
وهنا ظهرت مفارقة السياسة الإسبانية بوضوح. فمن جهة، حافظت مدريد على موقفها من الحكم الذاتي الذي أعاد بناء علاقتها مع الرباط؛ ومن جهة أخرى، كانت تستعيد الجزائر بينما يتحرك داخل مؤسساتها ملف شديد الحساسية بالنسبة إلى المغرب.
لا يثبت ذلك وجود استراتيجية إسبانية موحدة لموازنة المغرب، ولا يسمح باعتبار الجنسية ثمرة للتقارب مع الجزائر، لكنه يكشف اتساع هامش الحركة الذي كانت مدريد تحاول المحافظة عليه بين الطرفين.
كما يكشف أن ما كان يجري لم يكن انتقالًا من تحالف إلى آخر. فالمغرب لم يكن يستبدل إسبانيا بفرنسا، وإنما يضيف الشراكة الفرنسية المتصاعدة إلى شبكة علاقات سبق أن عززها مع الولايات المتحدة وإسرائيل وقوى أخرى. وإسبانيا لم تكن تستبدل المغرب بالجزائر، وإنما تستعيد قناة إقليمية كانت قد فقدتها.
وهكذا أصبحت الموازنة تجري بين شبكات غير متماثلة أكثر مما تجري بين تحالفات متقابلة.
لكن الصحراء تفتح مباشرة على ملف تاريخي وسيادي آخر في العلاقة المغربية-الإسبانية. فإذا كانت إسبانيا تمتلك إرثًا استعماريًا يمنح تحركاتها في قضية الصحراء حساسية خاصة، فإن المغرب يحتفظ بدوره بمطالبة تاريخية بسبتة ومليلية.
وبذلك انتقلت إعادة التوازن المحتملة من الطاقة والموانئ والشراكات إلى منطقة أشد حساسية: السيادة والحدود والتاريخ.
ولا يعني ذلك أن ملف الجنسية أدى إلى أحداث سبتة، ولا توجد معطيات تثبت علاقة سببية بينهما. لكن وضع الصحراء وسبتة داخل النسق نفسه يكشف أن كل ملف منهما يستطيع، عندما تتغير العلاقات المحيطة به، اكتساب وظيفة تتجاوز حدوده المباشرة.
وقبل 30 يوليو كانت الشبكة قد شهدت، خلال فترة قصيرة، تكثيفًا للشراكة الفرنسية-المغربية، وإعادة بناء للعلاقة الإسبانية-الجزائرية، وتقدمًا لملف الجنسية الصحراوية، بينما كان المغرب يوسع شبكة المصالح الدولية المرتبطة بموقعه.
كان النسق يتحرك قبل أن تتحرك الحشود.
ثم جاء 30 يوليو.
رابعًا: 30 يوليو... عندما انفجر الاختلال عند نقطة التماس
لا تكمن أهمية أحداث 30 يوليو في حجم العبور الجماعي وحده، وإنما في المكان الذي وقع فيه. فسبتة تقع عند تقاطع السيادة الإسبانية، والمطالبة التاريخية المغربية، والحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. ولذلك تجاوزت الأزمة منذ بدايتها معنى الهجرة وحدها.
لكن السؤال الأعمق هو: لماذا كانت سبتة نقطة انكشاف الشبكة؟
تمنح الجغرافيا جزءًا من الإجابة. فالمدينة اقع داخل المجال الجغرافي المغربي، وتعتمد فعالية حدودها الخارجية بدرجة كبيرة على التعاون المغربي-الإسباني. وهنا يضيف التحليل العلائقي عنصرًا آخر: عندما تكون العلاقة مستقرة، تتحول الجغرافيا المشتركة إلى وظيفة أمنية تعاونية؛ وعندما تتعرض العلاقة للضغط، يمكن للحدود نفسها أن تتحول إلى مصدر هشاشة.
فإسبانيا تمارس السيادة داخل سبتة، لكنها لا تستطيع إدارة البيئة المحيطة بها بصورة منفردة. وهذا يعني أن جزءًا من أمن الحدود الإسبانية هناك ليس نتاج القوة الإسبانية وحدها، وإنما قيمة تنتجها العلاقة مع المغرب.
وعندما فقدت الحدود قدرتها على احتواء التدفق في 30 يوليو، انكشفت حقيقة تتجاوز الخلل الأمني المباشر: تستطيع الدولة أن تمتلك السيادة القانونية على إقليم، بينما تظل قدرتها العملية على حماية حدوده مرتبطة بوظيفة يؤديها فاعل آخر خارج تلك السيادة.
وهذا ما كشف حدود الموازنة الإسبانية. فالجزائر تستطيع أن توفر الغاز وأن توسع الخيارات السياسية والاقتصادية لمدريد، لكنها لا تستطيع أن تحل محل المغرب في الوظيفة الجغرافية المباشرة التي يقوم عليها أمن سبتة ومليلية.
وهنا ظهر الفرق بين تنويع العلاقات وإمكانية استبدال الوظائف. تستطيع الدولة أن توسع عدد شركائها، لكنها لا تستطيع بالضرورة نقل كل وظيفة من شريك إلى آخر.
غير أن ذلك لا يجيب عن السؤال المباشر الذي فرضته الأزمة: كيف تحرك عشرات الآلاف نحو الحدود، ومن كان يعرف أن شيئًا غير عادي يجري التحضير له؟
خامسًا: من حرّك الحشود؟ بين التعبئة الرقمية وصناعة الحدث
تشير المعطيات التي ظهرت بعد الأزمة إلى أن الحشود لم تتحرك من دون مقدمات رقمية. فقد رُصد نشاط في مجموعات على شبكات التواصل وتطبيقات المراسلة يدعو إلى التوجه نحو سبتة ويتبادل معلومات عن نقاط التجمع وأوقات التحرك. كما كشفت تحليلات مفتوحة المصدر عن مشاركة أرقام تستخدم رمز الاتصال الجزائري (+213) في إدارة بعض مجموعات واتساب، إلى جانب حسابات قدمت نفسها باعتبارها جزائرية وأسهمت في نشر روابط التعبئة.
لكن هذه المؤشرات تحتاج إلى حدود واضحة. فالرقم الجزائري لا يثبت مكان مستخدمه أو هويته، ومشاركة أفراد أو حسابات مرتبطة بالفضاء الجزائري لا تثبت وجود عملية تديرها الدولة الجزائرية.
ولذلك ينبغي التمييز بين ما يمكن إثباته وما يبقى فرضية: توجد مؤشرات قوية على تعبئة رقمية سبقت الحدث؛ وتوجد مؤشرات على مشاركة حسابات وأرقام مرتبطة بالفضاء الجزائري في جانب منها؛ أما وجود قرار جزائري رسمي أو عملية استخباراتية جزائرية وراء الأزمة فلا تتوافر حتى الآن أدلة كافية لإثباته.
لكن ظهور هذه التعبئة يقود إلى سؤال آخر: من كان يعرف بها قبل وصول الحشود إلى الحدود؟
فالتصريحات اللاحقة لوزيرة الدفاع مارغريتا روبليس أفادت بأن المركز الوطني للاستخبارات كان قد رصد معلومات عن دعوات إلى دخول سبتة، وأن عناصره في المدينة نقلت في 29 يوليو معلومات مرتبطة بتحرك متوقع في اليوم التالي. وفي المقابل، نفى وزير الداخلية فرناندو غراندي-مارلاسكا أن تكون وزارته قد تلقت تحذيرًا يتنبأ بعبور جماعي بالحجم الذي وقع.
وقد لا يكون التناقض كاملًا إذا ميزنا بين رصد التحرك والتنبؤ بحجمه. فقد تعرف أجهزة الاستخبارات أن محاولة جماعية يجري الإعداد لها من دون أن تتوقع أن تستجيب لها عشرات الآلاف أو أن تفقد الحدود قدرتها على الاحتواء.
وعندئذ يصبح السؤال الاستخباراتي الحقيقي: هل كان الفشل، إن ثبت، في غياب المعلومات، أم في تداولها وتحليلها وتحويلها إلى تقدير صحيح للتهديد؟
وهناك سؤال أكثر تحديدًا: هل كانت المعلومات المتعلقة بالمجموعات التي استخدمت أرقامًا جزائرية معروفة لأجهزة الاستخبارات قبل 30 يوليو، أم لم تظهر هذه الصلة إلا في التحقيقات اللاحقة؟ فإذا كانت معروفة مسبقًا، تصبح جزءًا من السياق الذي بني عليه تقدير التهديد؛ أما إذا اكتشفت لاحقًا، فقيمتها الأساسية تكون في إعادة بناء مسار التعبئة.
وهنا يصبح من الضروري الفصل بين أربعة مواقع تحليلية كثيرًا ما تختلط في الأزمات: صانع الحدث، والعارف به، والمستفيد منه، والوظيفة التي يؤديها الحدث داخل النسق.
فصانع الحدث هو العقل المدبر الذي امتلك الإرادة والقدرة على إنتاجه أو توجيهه؛ والعارف هو من وصلت إليه معلومات مسبقة عنه من دون أن يعني ذلك مشاركته فيه؛ والمستفيد هو الفاعل الذي تغيرت البيئة الاستراتيجية بعد الحدث بطريقة تخدم مصالحه؛ أما وظيفة الحدث فهي ما أحدثه بالفعل في العلاقات والأدوار، بصرف النظر عن النيات الأصلية لمن صنعه.
وقد يكون العقل المدبر طرفًا، والعارف طرفًا آخر، والمستفيد طرفًا ثالثًا، بينما تنتج الأزمة وظائف لم يقصدها أي منهم بالكامل. لذلك لا يقود سؤال «من المستفيد؟» إلى تحديد الفاعل، كما لا تعني المعرفة المسبقة المشاركة في الصناعة.
وإذا انتهت الأزمة إلى إرباك التقارب الإسباني-الجزائري، أو إعادة مدريد إلى إدراك مركزية الوظيفة المغربية في أمن حدودها، أو إضعاف حكومة سانشيز، فإن هذه النتائج تدخل في الوظيفة الاستراتيجية التي اكتسبها الحدث، من دون أن تثبت أنها كانت أهداف العقل المدبر.
فالتحقيق يسأل: من صنع الأزمة؟ أما التحليل فيسأل: ماذا صنعت الأزمة في النسق؟
سادسًا: من كان يعلم؟ عندما انتقلت الأزمة إلى قلب الدولة الإسبانية
مع الجدل حول التحذيرات السابقة، تغير اتجاه الأزمة. فالدولة التي بدأت تبحث عن تفسير لما وقع خارج حدودها وجدت نفسها مطالبة بتفسير ما جرى داخل مؤسساتها.
وأصبح الخلاف بين الدفاع والداخلية التعبير الأوضح عن المشكلة: المركز الوطني للاستخبارات يقول إنه رصد مؤشرات ونقل معلومات، بينما تتمسك الداخلية بأنها لم تتلق تقريرًا ينبئ بعبور جماعي بالحجم الذي حدث.
وهكذا انتقل السؤال من وجود التحذير إلى سلسلة انتقال المعرفة داخل الدولة: من جمع المعلومة؟ من تلقاها؟ كيف صُنفت؟ ومن كان مسؤولًا عن تحويلها إلى تقدير للتهديد وإجراء وقائي؟
ثم دخل القضاء على الخط، فتحولت القضية من سجال سياسي إلى محاولة لإعادة بناء المسار الوثائقي للمعلومة. وهنا تصبح التقارير والمراسلات والتوقيتات أكثر أهمية من التصريحات، لأنها وحدها تستطيع تحديد متى ظهرت الإشارات، وكيف انتقلت بين المؤسسات، وكيف قُدرت خطورتها.
فإذا ثبت أن الدولة كانت تمتلك إشارات متعددة ولم تستطع جمعها داخل صورة واحدة، فإن أزمة سبتة ستكشف نوعًا آخر من الهشاشة: وجود المعلومات من دون إنتاج المعرفة اللازمة لاتخاذ القرار.
وهذه المسألة تتقاطع مباشرة مع جوهر القراءة العلائقية. فدعوة على فيسبوك، ومجموعة واتساب، وارتفاع ضغط الهجرة، وحركة غير عادية قرب الحدود، ورقم هاتفي أجنبي، وتحذير ميداني قد تبدو عناصر متفرقة؛ لكن وضعها في علاقة بعضها ببعض يمكن أن ينتج معنى مختلفًا تمامًا.
وقد يكون الفشل، إذا ثبت، ليس في رؤية العناصر، وإنما في اكتشاف العلاقة بينها في الوقت المناسب.
وفي أثناء بحث مدريد عن إجابة بأثر رجعي، كانت الأزمة قد بدأت تنتج واقعًا جديدًا داخل سبتة نفسها.
سابعًا: الأزمة الثانية... عندما أصبح ما بعد العبور أخطر من العبور
كان من الممكن أن تنتهي أزمة 30 يوليو بإغلاق الحدود واستعادة السيطرة وبدء عمليات الإعادة. لكن بقاء آلاف الأشخاص داخل سبتة، وتصاعد الاحتكاك الاجتماعي ووقوع مواجهات وحوادث أمنية، نقل الأزمة من الحدود إلى داخل المدينة، ثم إلى المجال السياسي والأمني الإسباني والأوروبي.
وهنا تغيرت الوظيفة. ففي المرحلة الأولى كان الضغط على الحدود؛ وفي الثانية أصبح على المجتمع والمؤسسات والأمن الداخلي؛ ثم امتدت التداعيات إلى الاتحاد الأوروبي. ومع كل انتقال اتسعت دائرة الفاعلين، من حرس الحدود وأجهزة الإنقاذ إلى السكان والجيش والشرطة والأحزاب والحكومة والقضاء والاستخبارات والمؤسسات الأوروبية.
وهذا ما يفسر انتقال القضية إلى مستوى الأمن القومي الإسباني. فعندما تنتج أزمة الهجرة اضطرابًا اجتماعيًا واستنزافًا أمنيًا وخلافًا حكوميًا وسجالًا استخباراتيًا ونقاشًا حول السيادة، فإنها تتجاوز تعريفها الأول بوصفها مشكلة حدودية.
كما أعادت الأزمة سبتة إلى موقعها التاريخي في العلاقة المغربية-الإسبانية. فكلما ازداد الشعور الإسباني بأن المدينة تتعرض لضغط خارجي، عاد خطاب السيادة إلى الواجهة؛ وكلما عاد هذا الخطاب استعادت المطالبة المغربية بالمدينة حضورها، حتى عندما لا تكون الرباط قد دفعت بها رسميًا إلى مقدمة الأزمة.
وهكذا بدأ الحدث ينتج منطقًا يتجاوز أسبابه الأولى. فقد يبدأ بتعبئة رقمية وحركة بشرية، ثم ينتهي بإعادة فتح قضية سياسية وسيادية كاملة.
وهذا هو الفارق بين سبب الحدث ووظيفته: السبب يفسر لماذا بدأ، أما الوظيفة فتكشف ما الذي أصبح قادرًا على تغييره بعد أن بدأ.
ولهذا لا تكفي معرفة من أطلق الدعوة إلى العبور لفهم 30 يوليو. فقد تكشف التحقيقات العقل المدبر، ومن كان يعلم، ومن أخفق، ومن استفاد؛ لكن ذلك لن يفسر وحده لماذا استطاعت الأزمة أن تعيد طرح موقع المغرب في الأمن الإسباني، وقيمة الجزائر في استراتيجية مدريد، والسيادة على سبتة، ودور فرنسا بل وأميركا وإسرائيل في إعادة تشكيل غرب المتوسط.
وهنا نعود إلى السؤال الذي بدأ منه التحليل.
خلاصة: لماذا كانت فرنسا الفاعل الغائب؟
قد تبدو أزمة سبتة في ظاهرها أزمة مغربية-إسبانية. لكن إعادة بناء الأسابيع السابقة تكشف أن البيئة التي انفجرت فيها كانت أوسع بكثير.
ففرنسا كانت تعمق شراكتها مع المغرب، وإسبانيا تستعيد الجزائر، والمغرب يوسع شبكة علاقاته الدولية، والصحراء تعود إلى المجال الإسباني من بوابة الجنسية. ثم جاءت سبتة لتكشف أن إعادة توزيع العلاقات لا تعني بالضرورة إمكانية إعادة توزيع الوظائف.
ومن هنا يمكن فهم غياب فرنسا عن الحدث وحضورها في المعادلة.
فالعلاقة الفرنسية-الإسبانية ليست علاقة خصومة. البلدان شريكان داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي وتجمعهما مصالح واتفاقات استراتيجية واسعة. لكن الشراكة لا تلغي اختلاف المصالح، ولا تمنع التنافس على الأدوار في فضاء ثالث.
وعندما رفعت باريس مستوى علاقتها بالمغرب، دخلت بصورة أعمق إلى مجال كانت مدريد تستمد منه جزءًا من قيمتها بالنسبة إلى الرباط: الوساطة الأوروبية، والاستثمار، والأمن، والربط الاقتصادي والسياسي بأوروبا وإفريقيا.
ولذلك يمكن قراءة استعادة مدريد للجزائر، من بين دوافعها الأخرى، باعتبارها محاولة لتوسيع هامشها الاستراتيجي في جنوب المتوسط في لحظة كان فيها المغرب نفسه يوسع بدائله الدولية. لا توجد أدلة تثبت أن زيارة سانشيز كانت ردًا مباشرًا على التحرك الفرنسي نحو المغرب، لكن السياق يجعل البحث عن إعادة التوازن تفسيرًا مشروعًا.
ثم جاءت سبتة لتكشف حدود هذه الموازنة. فالجزائر تستطيع أن تقدم لإسبانيا الغاز والأسواق وهامشًا سياسيًا في محيطها الضيق، لكنها لا تستطيع أن تؤدي وظيفة المغرب في أمن الحدود الإسبانية، ولا أن تستبدل الجغرافيا والتشابك الاقتصادي والأمني المتراكم بين البلدين.
وهنا يظهر المعنى الحقيقي لفرنسا بوصفها «الفاعل الغائب». فهي لم تكن حاضرة في سبتة يوم 30 يوليو، لكنها كانت حاضرة في التحول الذي سبقها: تغير علاقتها بالمغرب غيّر البيئة التي تتحرك فيها إسبانيا، والتحرك الإسباني نحو الجزائر أثر بدوره في شبكة العلاقات مع المغرب وفرنسا، ثم جاءت الأزمة لتعيد اختبار قيمة كل علاقة ووظائفها.
لم تبدأ القصة، إذن، في سبتة.
بدأت عندما تغيرت قيمة العلاقات داخل الشبكة.
ولا يحتاج هذا التفسير إلى افتراض خطة مركزية تدير الأحداث. فالنسق يستطيع أن يعيد ترتيب نفسه بنفسه من خلال قرارات يتخذها فاعلون مختلفون لأسباب مختلفة، ثم تتفاعل نتائجها بصورة لم يقصدها أي منهم بالكامل.
وهنا يكمن الفرق بين البحث عن المؤامرة والبحث عن العلاقة. الأول يبحث عن عقل واحد خلف الأحداث؛ أما الثاني فيبحث عن الكيفية التي يجعل بها تغير علاقة في باريس والرباط مدريد تعيد حساباتها، وكيف يؤثر تحرك مدريد في حسابات الرباط والجزائر، وكيف تستطيع أزمة في سبتة أن تعيد بدورها تغيير قيمة العلاقات كلها.
ومن هنا تبرز النتيجة التي اختبرتها أزمة 30 يوليو: العلاقة الاستراتيجية لا تتغير وحدها. فعندما تتغير قيمة علاقة داخل نسق مترابط، ينتقل أثر التغير إلى العلاقات المرتبطة بها، فتتغير الحسابات والبدائل والوظائف وهوامش الحركة، وقد تظهر النتائج في نقطة بعيدة ظاهريًا عن العلاقة التي بدأ منها التحول.
ولذلك يظل سؤال «من صنع أزمة سبتة؟» مهمًا، لكنه غير كاف.
فالتحقيق قد يكشف من أطلق الدعوات، ومن نظم التعبئة، ومن كان يعلم، ومن أخفق، ومن استفاد. أما السؤال الذي يكشف البنية الأعمق فهو:
ماذا صنعت أزمة سبتة في شبكة العلاقات التي كانت تتشكل قبلها؟
لقد كشفت حدود بناء توازنات ثنائية داخل نسق أصبح شبكيًا، وأظهرت أن تنويع الشركاء لا يعني إمكانية استبدال وظائفهم، وأعادت إلى مدريد إدراك القيمة التي تنتجها علاقتها بالمغرب.
ولذلك ربما لم تكن سبتة مركز القصة.
كانت المكان الذي ظهرت فيه نتائج قصة بدأت قبلها.
وإذا كان ما ظهر على شواطئها هو الجزء المرئي من جبل الجليد، فإن ما بقي تحته لم يكن دولة واحدة، ولا جهاز استخبارات واحدًا، ولا عقلًا مدبرًا واحدًا، بل كان شبكة من العلاقات تتحرك في الظل، فتغير بعضها بعضًا.
وهذا ما أخطأت في قراءته إسبانيا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق