أي رئيس حكومة يحتاجه المغرب في المرحلة المقبلة؟ (3)

 

من دولة بسرعتين إلى دولة بجناحين


تمهيد


في المقالين السابقين من هذه السلسلة، لم يكن السؤال عن الأشخاص بقدر ما كان عن النماذج التي اختبرها المغرب في رئاسة الحكومة خلال السنوات الأخيرة. فقد حمل وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة سنة 2011 اختبارًا لخيار سياسي ذي مرجعية إسلامية، في سياق أعقب احتجاجات 20 فبراير ودستورًا جديدًا أعاد تنظيم موقع رئيس الحكومة داخل البناء الدستوري. وبعد عشر سنوات، حمل وصول عزيز أخنوش سنة 2021 اختبارًا مختلفًا: رجل أعمال راكم تجربة طويلة في تدبير قطاعات استراتيجية، ودخل رئاسة الحكومة محمولًا على خطاب الكفاءة والنجاعة والقدرة على نقل منطق التدبير والنتائج إلى العمل الحكومي.


ولا يعني تقويم التجربتين اختزالهما في النجاح أو الفشل. فقد عمل كل نموذج داخل شروط سياسية واقتصادية واجتماعية مختلفة، وحقق نتائج وكشف في الوقت نفسه عن حدود ظهرت عند الانتقال من الوعود أو الخبرة القطاعية إلى إدارة التعقيد الذي تمثله الدولة والمجتمع معًا. ولذلك قد لا يكون السؤال الأهم، عشية دخول المغرب مرحلة سياسية جديدة: هل يحتاج إلى إسلامي آخر، أم رجل أعمال آخر، أم تقنوقراطي جديد؟ بل: ما الذي يحتاجه المغرب نفسه الآن، وأي وظيفة ينبغي أن يؤديها رئيس الحكومة في هذه المرحلة؟.../...

أي رئيس حكومة يحتاجه المغرب في المرحلة المقبلة؟ (2)

 

هل نجح نموذج رجل الأعمال في إدارة الدولة؟


تمهيد


إذا كان المقال الأول قد انتهى إلى أن عودة حزب العدالة والتنمية انتخابيًا لا تعني بالضرورة عودة النموذج الذي مثله إلى الصلاحية نفسها لقيادة المرحلة المقبلة، فإن التجربة التي خلفته تطرح سؤالًا مختلفًا. ففي انتخابات 2021 لم ينتقل المغرب فقط من حزب إلى حزب آخر، بل انتقل، في صورة رئيس الحكومة على الأقل، من سياسي إسلاموي تشكل أساسًا داخل العمل الحزبي والحركي إلى رجل أعمال أوليغارشي راكم تجربة طويلة في تدبير قطاع اقتصادي استراتيجي قبل أن يصل إلى رئاسة السلطة التنفيذية.


وقد قدم هذا الانتقال، بصورة مباشرة أو ضمنية، وعدًا مختلفًا عن وعد 2011. فلم يعد الرهان الأساسي على المرجعية أو الخطاب الأخلاقي ومحاربة الفساد، وإنما على الكفاءة والنجاعة والقدرة على الإنجاز. فالدولة، وفق هذا التصور، تحتاج إلى من يعرف كيف يدير المشاريع، ويعبئ الاستثمار، ويحدد الأهداف، ويتابع النتائج، وينقل إلى العمل الحكومي بعضًا من ثقافة الأداء التي يقوم عليها تدبير المؤسسات الاقتصادية الكبرى.../...

أي رئيس حكومة يحتاجه المغرب في المرحلة المقبلة؟ (1)

 

هل يمكن العودة إلى الخيار الإسلاموي؟


تمهيد


تدخل الانتخابات التشريعية المغربية لسنة 2026 في سياق يختلف في كثير من عناصره عن السياقات التي أفرزت الحكومات السابقة. فالسؤال المطروح هذه المرة لا يتعلق فقط بالحزب الذي سيتصدر الانتخابات أو بالتحالف الذي سيتمكن من تشكيل الأغلبية، وإنما يمتد إلى سؤال أعمق: أي نوع من رؤساء الحكومات يحتاجه المغرب في المرحلة المقبلة؟


خلال خمسة عشر عامًا تقريبًا، عرف المغرب تجربتين سياسيتين مختلفتين في الصورة التي قدمتا بها نفسيهما للرأي العام. جاءت الأولى مع صعود حزب العدالة والتنمية، حاملة خطابًا ذا مرجعية إسلامية ووعدًا بإصلاح السياسة ومحاربة الفساد وإعادة الاعتبار للعمل الحزبي. ثم جاءت تجربة عزيز أخنوش سنة 2021 في سياق مختلف، مقدمة نموذج رجل الأعمال الذي يفترض أن ينقل إلى تدبير الحكومة منطق الكفاءة والنجاعة والاستثمار والقدرة على الإنجاز.../...

ما معنى «الأمي» في القرآن؟

قراءة من داخل شبكة الاستعمال القرآني


تمهيد


ارتبط وصف محمد عليه السلام بـ«النبي الأمي» في الوعي الإسلامي ارتباطًا وثيقًا بفكرة أنه لم يكن يقرأ ولا يكتب، حتى أصبح معنى «الأمي» في هذا السياق يبدو بديهيًا لا يحتاج إلى بحث. ومن ثم انتقل النقاش غالبًا إلى سؤال تاريخي: هل كان محمد يعرف القراءة والكتابة؟ واستُحضرت للإجابة عنه أخبار السيرة وبعض الآيات التي تتحدث عن علاقته بالكتاب قبل نزول القرآن.


غير أن هذا السؤال، على أهميته، يفترض مسبقًا أن معنى «الأمي» قد حُسم، وأن الكلمة تدل أصلًا على عدم معرفة القراءة والكتابة. بينما يقتضي البحث من داخل القرآن أن يسبق ذلك سؤال أبسط وأكثر تأسيسًا: ماذا يعني القرآن نفسه حين يستعمل لفظ «الأمي»؟ .../...

هل يعيد المغرب رسم خريطته الاستراتيجية؟

 

من باريس ومدريد إلى تعدد البوابات نحو آسيا وأمريكا وأوروبا وإفريقيا


تمهيد


خلال أسابيع قليلة، تراكمت في غرب المتوسط وإفريقيا وأوروبا وقائع تبدو، للوهلة الأولى، منفصلة بعضها عن بعض. ففي إسبانيا، انتقلت الأزمة المرتبطة بأحداث سبتة من الجدل حول تدبير الحدود والهجرة إلى حملة سياسية وإعلامية مست المغرب ومؤسساته ورموزه، وبلغت من الحدة ما دفع الرباط إلى الرد بخطاب واضح يرفض تحويل المملكة إلى مادة للصراع السياسي الداخلي الإسباني. وفي فرنسا، تأجلت إلى بداية سنة 2027 زيارة الدولة التي كان يفترض أن يقوم بها الملك محمد السادس إلى باريس لتتويج مرحلة المصالحة وإطلاق «الشراكة الاستثنائية الوطيدة» بين البلدين، وإن كانت المعطيات المنشورة تربط التأجيل أساسًا باستكمال إعداد المعاهدة الاستراتيجية الكبرى وبالروزنامة السياسية للبلدين، ولا تقدم دليلًا على وجود أزمة جديدة بين الرباط وباريس.../...

الجنسية والذاكرة التاريخية في إسبانيا

 

من تجنيس الصحراويين والسفارديم إلى سؤال حقوق الموريسكيين


تمهيد


في العاشر من سبتمبر/أيلول 2026، أعاد مجلس النواب الإسباني فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في علاقة إسبانيا بذاكرتها التاريخية، حين وافق على مقترح قانون يتيح لفئات من الصحراويين المولودين في الصحراء الغربية قبل 29 سبتمبر/أيلول 1977، ولأبنائهم من الدرجة الأولى وفق الشروط التي يحددها النص، طريقًا استثنائيًا لاكتساب الجنسية الإسبانية خلال أجل محدد. ولم يكن التصويت مجرد تعديل تقني لقواعد الجنسية؛ فقد جرى في ظل نزاع الصحراء الغربية المستمر، وفي لحظة تتسم بحساسية خاصة في العلاقات المغربية الإسبانية، فيما تابع الجلسة ممثلون صحراويون من داخل البرلمان. وهكذا التقت في تصويت واحد قضايا تبدو للوهلة الأولى منفصلة: الجنسية، والذاكرة الاستعمارية، والمسؤولية التاريخية، والنزاع على الإقليم، والعلاقة بين الدولة وأشخاص كانوا في مرحلة سابقة خاضعين لسلطتها.../...

سبتة ومليلية وتقرير المصير

 

من يملك حق تقرير سيادة الإقليم: السكان أم الدولة؟


تمهيد


أعادت أزمة سبتة الأخيرة إلى الواجهة سؤالًا ظلت العلاقات المغربية الإسبانية تديره أكثر مما تحله: هل وضع سبتة ومليلية قضية أغلقها التاريخ، أم أن النزاع حول السيادة عليهما ما زال قائمًا، حتى وإن لم يكن موضوع تفاوض رسمي بين الرباط ومدريد؟


بالنسبة إلى إسبانيا، يبدو الجواب محسومًا. فقد أكد رئيس الحكومة بيدرو سانشيز أمام البرلمان في 3 سبتمبر 2026 أن سبتة ومليلية إسبانيتان منذ قرون، واستند إلى معاهدة واد راس ليقول إن السيادة الإسبانية عليهما ترسخت «إلى الأبد»، قبل أن يضيف أنهما ستظلان كذلك «حتى نهاية الزمان». ولم يكن وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس أقل وضوحًا عندما رفض إمكان التفاوض بشأن السيادة الإسبانية على المدينتين، مؤكدًا أن هذا الموضوع لا يدخل أصلًا ضمن القضايا القابلة للنقاش بين البلدين.../...

صدمة سبتة: لماذا تخشى إسبانيا المغرب الجديد؟

 

سيناريوهات المستقبل

من تغير ميزان العلاقات إلى تصعيد يصعب التحكم فيه


لم تبدأ المطالبة المغربية بسبتة ومليلية مع الأزمات الأخيرة التي عرفتها العلاقات بين الرباط ومدريد، ولم تولد من التحولات التي يشهدها المغرب في السنوات الأخيرة. ففي 30 يوليو 1956، بعد أشهر قليلة فقط من حصول المغرب على استقلاله، سجلت مذكرة سرية أميركية تصريحات للملك محمد الخامس أكد فيها أن المغرب وحكومته سيبذلان كل جهد لاستعادة السيادة على الأراضي التي يعتبرانها مغربية، وسمّت الوثيقة صراحة إفني ووادي الذهب ومليلية وسبتة وشمال موريتانيا، إلى جانب تصحيح الحدود الجزائرية. ولم يكن الأمر مجرد تصور عابر في لحظة الاستقلال؛ فقد استعادت الرباط طرفاية سنة 1958 وإفني سنة 1969، بينما بقيت سبتة ومليلية خارج السيادة المغربية، واستمرت المطالبة بهما بأشكال ودرجات مختلفة عبر العهود اللاحقة. وتؤكد وثيقة استخباراتية أميركية أخرى من السبعينيات أن المغرب، منذ استقلاله سنة 1956، طالب بالممتلكات الإسبانية في شمال غرب إفريقيا، بما فيها المدينتان.../...

إشكالية العبادة في خطاب محمد الفايد: الصلاة نموذجا

 

الجزء الثاني

الصلاة والركوع والسجود في ميزان القرآن


تمهيد: من سؤال «الله الحقيقي» إلى سؤال «العبادة الحقيقية»


أثار محمد الفايد في حديثه عن «الله الحقيقي» سؤالين متلازمين. يتعلق الأول بتصور الله نفسه، حين قرر أن «الله الذي تعبدونه ليس الله الحقيقي»، وأحال في البحث عنه إلى سبينوزا والحلاج. أما الثاني فيتعلق بالعبادة التي تليق بهذا الإله، حين اعترض على أن يُعبد الله «بالحس» أو «بالجسم»، وانتقد الركوع والسجود والحركات التي يؤديها المسلمون في صلاتهم، وذهب في وصف بعضها إلى استعمال عبارة «الحركات السخيفة».


وقد تناولنا السؤال الأول في دراسة مستقلة، انتهت إلى أن الاعتراض على بعض التصورات البشرية أو المكانية عن الله لا يكفي لإثبات أن «الله الحقيقي» هو إله سبينوزا، وأن القرآن يقدم بناءً مختلفًا للعلاقة بين الله والعالم والإنسان؛ فهو ينزه الله عن المماثلة، ويثبت في الوقت نفسه الخلق والربوبية والقرب والإرادة والأمر، ويحافظ على التمايز بين الرب والعبد والخالق والمخلوق.../...

المصالح المغربية: الإسبانية في ميزان النظرية العلائقية

 

دراسة

من الاعتماد المتبادل إلى بناء البدائل وحدود الإكراه الاقتصادي


تمهيد: من أزمة سبتة إلى سؤال الإكراه الاقتصادي


أعادت أزمة سبتة الأخيرة العلاقات المغربية–الإسبانية إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي، لكنها فعلت ذلك هذه المرة في سياق مختلف عن الأزمات السابقة. فإلى جانب الأسئلة المرتبطة بالهجرة والحدود والسيادة، ظهر في الخطاب الإسباني احتمال اللجوء إلى أدوات اقتصادية للضغط على المغرب إذا تكررت محاولات العبور الجماعي نحو المدينة. وتداولت وسائل إعلام إسبانية، في هذا السياق، معلومات عن إعداد الحكومة سرًّا خططًا للتعامل مع سيناريو من هذا النوع، شملت إمكان استخدام بعض مجالات التعاون الاقتصادي والطاقي في إدارة الأزمة.


ولا تكمن أهمية هذا الاحتمال في معرفة ما إذا كانت مدريد ستنفذ مثل هذه الإجراءات فعلًا، بقدر ما تكمن في السؤال الذي يطرحه حول طبيعة العلاقة بين البلدين. فالحديث عن استخدام الطاقة أو الكهرباء أو التجارة أو غيرها من أدوات الضغط يفترض وجود درجة من الاعتماد المغربي على وظائف تؤديها إسبانيا، كما يفترض أن تعطيل هذه الوظائف يمكن أن يولد كلفة تدفع الرباط إلى تعديل سلوكها. ومن ثم، فإن التهديد الاقتصادي، حتى قبل تنفيذه، يكشف تصورًا معينًا لتوزيع القوة داخل العلاقة المغربية–الإسبانية.../...