عن مجتمع يلعن الفساد في القمة ويمارسه في التفاصيل اليومية
كثيرًا ما تُطرح أزمة الثقافة في العالم العربي من زاوية غياب المثقف. يقال إن المثقف انسحب، أو صمت، أو تراجع، أو فقد تأثيره، أو حل محله المؤثر السريع، والخطيب الشعبوي، والناشط الرقمي، وصانع الضجيج. غير أن هذا التشخيص، على وجاهته، يبقى ناقصًا ما لم نسأل سؤالًا أعمق: أي مثقف غاب؟ وما الدور الذي كان ينبغي أن ينهض به؟ وهل كانت أزمة الثقافة فعلًا نتيجة غياب المثقف، أم نتيجة اختزال وظيفته في نقد السلطة وحدها، وترك المجتمع خارج دائرة المساءلة؟
لقد تشكلت صورة المثقف في المخيال العربي الحديث، في الغالب، بوصفه صوتًا معارضًا للسلطة: يفضح الاستبداد، وينتقد الفساد، ويدافع عن الحريات، ويقف في وجه القمع، وينحاز إلى المقهورين. وهذا دور ضروري لا يمكن التقليل من شأنه؛ فلا ثقافة حية دون مساءلة السلطة، ولا كرامة سياسية دون نقد الاستبداد، ولا إصلاح للدولة دون كشف أعطابها. غير أن المأزق بدأ حين جرى اختزال المثقف في هذا الدور وحده، كأن المجتمع بريء دائمًا، وكأن السلطة فاسدة وحدها، وكأن الشعب ضحية مطلقة لا يشارك، من حيث يدري أو لا يدري، في إنتاج جزء من الفساد الذي يشتكي منه.../...














