(ربع قرن من تحديث الدولة، في مغرب يسير بسرعتين)
توجد ثغرة معرفية واضحة في الكتابة عن الدول والأسر الحاكمة والعهود السياسية، تقع بين مفهوم التاريخ، ووظيفة المؤرخ، ومنهجية التأريخ، ومنطق الدولة، وإكراهات السياسة. فالدولة تميل، بطبيعتها، إلى تقديم تاريخها في صورة سردية للإنجاز والاستمرار والشرعية. والمؤرخ، حتى حين يتحرر من الرواية الرسمية، يظل غالبًا مشدودًا إلى ترتيب الوقائع، وتحليل السياقات، وربط الأحداث بأسبابها ونتائجها العامة. أما السياسة فتشتغل بمنطق مختلف، يقوم على التوازنات والمصالح وصناعة الخطاب وتبرير الاختيارات.
وبين هذه المستويات جميعًا تضيع أحيانًا وظيفة أخرى لا تقل أهمية: وظيفة التقويم.../...
فالمشكلة ليست دائمًا في معرفة ما حدث؛ إذ إن المحطات الكبرى في عهد العاهل المغربي محمد السادس معروفة: انتقال العرش سنة 1999، هيئة الإنصاف والمصالحة، إصلاح مدونة الأسرة، إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، دستور 2011، المشاريع الكبرى، عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، التحولات الدبلوماسية في ملف الصحراء، توسيع البنية التحتية، إطلاق ورش الحماية الاجتماعية، فضلًا عن الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعاقبت خلال هذه المرحلة.
لكن السؤال الأعمق لا يقتصر على معرفة ما حدث، بل يتعلق بما أنتجته هذه التحولات فعلًا: ما أثرها في الدولة والمجتمع والمواطن؟ وهل جاءت النتائج في مستوى الخطاب والأهداف المعلنة؟
هنا تظهر المسافة بين التاريخ والتقويم.
فالتاريخ، في معناه التقليدي، يروي التجربة ويفسر سياقاتها. أما التقويم فيضعها أمام معيار النتائج. لا يكتفي بأن يقول إن الدولة أعلنت إصلاح التعليم، بل يسأل: ماذا تقول نتائج المدرسة؟ ولا يكتفي بأن يسجل توسع البنية التحتية، بل يبحث في أثر ذلك على العدالة المجالية. ولا يكتفي بالإشارة إلى الاستقرار السياسي، بل يسأل عن علاقته بالثقة في المؤسسات والمشاركة العامة. كما لا يكتفي بذكر المشاريع الكبرى، بل يبحث في توزيع منافعها، وفي الفئات والمجالات التي ظلت خارج أثرها.
ومن هنا، فإن هذه السلسلة، التي يقدمها موقع “مفاهيم قرآنية” بتجرد وموضوعية، لا تتعامل مع عهد محمد السادس بوصفه مادة سردية فقط، بل بوصفه تجربة سياسية وتنموية واجتماعية قابلة للتقويم. والتقويم هنا لا يعني الإدانة، كما لا يعني التبرئة، وإنما يعني قياس المسافة بين الوعد والنتيجة، وبين الأهداف المعلنة والمؤشرات الواقعية، وبين صورة الدولة عن تطورها وتجربة المواطن اليومية داخلها.
وتقتضي هذه المقاربة الاستعانة بأدوات لا تحتل دائمًا موقعًا مركزيًا في الكتابة التاريخية التقليدية: مؤشرات التنمية البشرية، ومعطيات التعليم والصحة، ونسب البطالة والفقر والهشاشة، وتطور الناتج الداخلي الخام، والمديونية، وتوزيع الثروة، والحريات العامة، والثقة في المؤسسات، والعدالة المجالية، إلى جانب المقارنة بدول متقاربة في شروط الانطلاق أو الموقع الجغرافي أو مستوى التنمية.
فالأرقام لا تلغي التاريخ، لكنها تمنعه من التحول إلى انطباع. ولا تعوض التحليل، لكنها تضبطه. ولا تكشف الحقيقة كلها، لكنها تجعل المبالغة أصعب، سواء صدرت عن خطاب رسمي يحتفي بالإنجاز، أو عن خطاب معارض لا يرى إلا الإخفاق.
ذلك أن السياسات العمومية لا تُقاس بما تعلنه من أهداف، ولا بحجم ما ترصده من أرقام، بل بما تُحدثه من أثر ملموس في حياة المواطنين. وهو ما سبق وأن عبر عنه العاهل المغربي محمد السادس في خطاب العرش بتاريخ 30 يوليوز 2014 بالقول:
«أنا لا تهمني الحصيلة والأرقام فقط، وإنما يهمني قبل كل شيء، التأثير المباشر والنوعي، لما تم تحقيقه من منجزات، في تحسين ظروف عيش جميع المواطنين».
وفي الخطاب نفسه قال أيضًا:
«إننا نعتقد أن النموذج التنموي المغربي قد بلغ درجة من النضج، تؤهلنا لاعتماد معايير متقدمة وأكثر دقة، لتحديد جدوى السياسات العمومية، والوقوف على درجة تأثيرها الملموس على حياة المواطنين».
وهذا يعني، أننا عندما نقول إن قطاعًا تقدم، ينبغي أن نسأل: بأي معيار؟ وعندما نصف سياسة بالفشل، ينبغي أن نحدد: مقارنة بأي هدف أو تجربة أو نقطة انطلاق؟ وعندما نتحدث عن إنجازات الدولة، ينبغي أن نبحث في مدى وصول أثرها إلى المواطن. وعندما نصف العهد بأنه عهد استقرار، ينبغي أن نسأل: هل تحول هذا الاستقرار إلى قاعدة لإصلاح أعمق، أم أصبح في بعض المراحل بديلًا عن الإصلاح؟
هنا تتحدد وظيفة المثقف في هذا النوع من الكتابة. فهو ليس ناقلًا للرواية الرسمية، ولا باحثًا عن الإثارة والفضائح، ولا معارضًا يكتب من موقع الخصومة، ولا خبيرًا تقنيًا يختزل المجتمع في الجداول. إنه يحاول الجمع بين الذاكرة والتحليل، وبين الرقم والمعنى، وبين السياسات وآثارها، وبين منطق الدولة وتجربة المواطن.
فالمثقف لا يكتب التاريخ كما تريده السلطة، ولا كما يشتهيه خصومها، بل كما تسمح به الوقائع حين تُقرأ في ضوء العقل والمعيار. ولذلك فإن موقعه يقع عند نقطة تقاطع بين التاريخ والعلوم الاجتماعية والسياسات العامة والأخلاق المدنية. وهو يسأل لا من أجل الهدم، بل من أجل الفهم؛ وينتقد لا من أجل الخصومة، بل من أجل إعادة ترتيب العلاقة بين الحقيقة والقرار العمومي والمصلحة العامة.
إن الكتابة عن عهد سياسي طويل كعهد محمد السادس لا ينبغي أن تتحول إلى محاكمة للنوايا، لأن النوايا لا تُقاس. ولا ينبغي أن تتحول إلى احتفال دائم بالإنجازات، لأن قيمة الإنجاز لا تُقاس بحجم الإعلان عنه، بل بعمق أثره في حياة الناس. كما لا ينبغي أن تكتفي بسرد الوقائع، لأن الوقائع حين تنفصل عن النتائج قد تخفي أكثر مما تكشف.
ولذلك تعتمد هذه السلسلة مبدأ بسيطًا: لا يُقوَّم العهد بما قاله عن نفسه وحده، ولا بما قاله خصومه عنه وحده، بل بما تركه في حياة الناس، وما تثبته المؤشرات، وما تكشفه المقارنة بين نقطة البداية والحصيلة.
ومن هنا، فإن السؤال الحاكم لهذا العمل ليس: هل كان عهد محمد السادس عهد نجاح أم عهد فشل؟ فهذا سؤال تبسيطي لا يليق بتجربة ممتدة ومعقدة. السؤال الأدق هو: أين نجح العهد؟ وأين تعثر؟ وفي أي المجالات تقدم المغرب؟ وفي أيها بقي الأثر محدودًا؟ وما الذي تحقق بالأرقام؟ وما الذي ظل دون الأهداف المعلنة؟ وأي مغرب أفرزه أكثر من ربع قرن من الحكم: مغرب أكثر قوة في مؤسسات الدولة؟ أم أكثر عدالة داخل المجتمع؟ أم أكثر حضورًا في الخارج؟ أم أكثر ثقة في الداخل؟
بهذا المعنى، يصبح التقويم محاولة لكتابة تاريخ واقعي يقوم على النتائج لا على النوايا، وعلى الأثر الاجتماعي لا على تعداد القرارات والمشروعات وحدها. فهو لا يسأل فقط عما فعلته الدولة، بل عما تغير في حياة المواطن. ولا يكتفي بتسجيل الإصلاحات، بل يبحث في حصيلتها.
فالفرق بين الرواية والتقويم هو الفرق بين أن نقول: وقع إصلاح؛ وأن نسأل: هل أصلح الإصلاح ما جاء من أجل إصلاحه؟
وهذا هو جوهر هذه السلسلة من المقالات، التي نقدمها تباعًا في ضوء حصيلة أكثر من ربع قرن من حكم العاهل المغربي محمد السادس.
وتقوم هذه السلسلة، كما يفهم من عنوانها، على قاعدة مركزية مفادها أن عهد الملك محمد السادس كان عهدًا تحرك فيه المغرب بسرعتين. وهو ما أكده العاهل المغربي صراحة في خطاب العرش بتاريخ 29 يوليوز 2025 حيث قال:
«لا مكان اليوم ولا غدًا، لمغرب يسير بسرعتين».
الأمر الذي يؤكد وجود مغربين، مغرب أغنياء يستفيدون من ثمار النمو، ويزدادون غنى، ومغرب فقراء خارج مسار التنمية، ويزدادون فقرًا وحرمانًا.
وهذا يعني أن الدولة قد تحركت في مجالات كثيرة، بسرعة لافتة: في البنيات التحتية، والموانئ، والطرق، والقطارات، والمطارات، والطاقات المتجددة، والاستثمار الصناعي، والحضور الإفريقي والدولي، وإعادة تموقع المغرب في الجغرافيا الاقتصادية والسياسية والأمنية. غير أن هذا التحرك السريع لم ترافقه، بالوتيرة نفسها، تحولات عميقة في التعليم، والصحة، والشغل، والعدالة الاجتماعية، والعدالة الترابية، والحكامة، والثقافة السياسية، وبنية العقل المجتمعي.
وليس اختيار عبارة “بين سرعتين” مجرد استعارة بلاغية أو حكم نقدي خارجي، بل هو استلهام من تشخيص دقيق عبّر عنه ملك البلاد صراحة، حين نبه إلى أن المغرب لا يتقدم بالإيقاع نفسه في كل المجالات، وأن هناك مغربًا يتحرك بسرعة، ومغربًا آخر ما يزال يعاني البطء والتعثر. ومن هنا، فإن هذا العنوان لا يُستعمل بوصفه إدانة مسبقة، ولا شعارًا سياسيًا، بل مفتاحًا منهجيًا لفهم تجربة مركبة من داخلها: تجربة عرفت إنجازات كبرى لا يمكن إنكارها، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن بطء واضح في بناء الإنسان، وإصلاح المدرسة والمستشفى، وتقليص الفوارق، وتحديث الإدارة، وترسيخ الثقة بين المواطن والمؤسسات.
ولا تعني فكرة “المغرب بين سرعتين” فقط وجود تفاوت بين مدينة وقرية، أو بين جهة غنية وجهة هشة، أو بين محور اقتصادي سريع وهامش اجتماعي بطيء، بل تعني أيضًا وجود تفاوت أعمق بين تحديث مادي يتقدم بسرعة، وحداثة فكرية ومؤسسية واجتماعية تتقدم ببطء. فقد استطاع المغرب أن يبني منشآت كبرى، وأن يربط نفسه بالعالم، وأن يراكم صورًا قوية للدولة الحديثة، لكنه لم يستطع بالقدر نفسه أن يحرر العقول، ويصالح الإدارة مع المواطن، ويجعل العدالة الاجتماعية محسوسة، ويحول التنمية إلى كرامة يومية شاملة.
ولا يفسر هذا التفاوت بالأرقام وحدها، بل يرتبط أيضًا بصراع عقليتين داخل الدولة والمجتمع:
- عقلية منفتحة ترى في الحداثة تعاقدًا مدنيًا، وعقلانية مؤسساتية، وحرية مسؤولة، ومساواة أمام القانون، وانفتاحًا على العصر؛
- وعقلية محافظة بالمعنى المغلق، ما تزال تشد المجتمع إلى الخوف من التغيير، ومقاومة الاجتهاد، والتردد أمام الحريات، والمساواة، والعلم، والنقد، والدولة المدنية.
ولا يمكن تقويم عهد سياسي امتد أكثر من ربع قرن انطلاقًا من الانطباع وحده. فالانطباع يتغير بحسب الموقع: من ينظر من داخل السلطة قد يرى الإنجاز والاستقرار واستمرار الدولة؛ ومن ينظر من موقع الخصومة قد يرى الإخفاق والهيمنة والانسداد؛ ومن ينظر من الخارج قد يرى ما يخدم مصالحه أو ينسجم مع سردياته الجاهزة. أما التقويم، إذا أراد أن يكون أقرب إلى الإنصاف، فلا بد أن يضع هذه النظرات كلها في ميزان الوقائع والنتائج.
من هنا تقوم هذه السلسلة على منهج تقويمي مقارن. فهي لا تكتفي بسؤال: ماذا قيل عن عهد محمد السادس؟ بل تسأل: ماذا تحقق فعليًا خلال هذا العهد؟ وما الفرق بين الوعد والحصيلة؟ وما موقع المغرب عند بداية العهد قياسًا إلى موقعه اليوم؟ وما موقعه، في الوقت نفسه، قياسًا إلى دول قريبة منه في الإمكانات والتحديات والسياق الإقليمي؟
إن المقارنة هنا ليست ترفًا إحصائيًا، بل ضرورة منهجية. فلا معنى للقول إن المغرب تقدم في مجال ما، ما لم نعرف من أين بدأ، وإلى أين وصل، وبأي سرعة تقدم، ومن استفاد من هذا التقدم، وهل كان تقدمه أسرع أم أبطأ من دول مشابهة. كما لا معنى للقول إن قطاعًا ما فشل، ما لم نحدد مؤشرات ذلك الفشل: هل يتعلق الأمر بجودة الخدمة، أم بعدالة الولوج، أم بتكلفة الإصلاح، أم بضعف الحكامة، أم بالفجوة بين الخطاب والواقع؟
لذلك يعتمد هذا العمل على ثلاثة مستويات من القراءة.
- المستوى الأول هو قراءة الخطاب الرسمي: الخطب الملكية، البرامج الحكومية، الدستور، المبادرات الكبرى، تقارير المؤسسات الوطنية، واللغة التي قدمت بها الدولة نفسها للمغاربة وللعالم. فهذا الخطاب مهم لأنه يكشف الوعود الكبرى التي بنى عليها العهد شرعيته الحديثة: الإصلاح، التنمية، القرب من المواطن، الدولة الاجتماعية، الحكامة، الجهوية، العدالة المجالية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
- المستوى الثاني هو قراءة المؤشرات والنتائج: التعليم، الصحة، الفقر، البطالة، النمو، الاستثمار، المديونية، البنية التحتية، الحريات، العدالة، التنمية البشرية، الفوارق الاجتماعية والمجالية، وضع المرأة، الهجرة، والثقة في المؤسسات. وفي هذا المستوى لا يكفي الاعتماد على مصدر واحد، بل لا بد من الجمع بين الأرقام الوطنية والتقارير الدولية، مع الانتباه إلى حدود كل مؤشر وطريقة بنائه.
- المستوى الثالث فهو قراءة التجربة الاجتماعية كما عاشها المواطن: فالأرقام قد تقول إن البنية التحتية توسعت، لكن المواطن يسأل: هل تحسنت المدرسة التي يدخلها ابنه؟ هل يجد علاجًا كريمًا في المستشفى؟ هل يشعر أن القضاء يحميه؟ هل يستطيع أن يعيش بكرامة من عمله؟ هل تقلصت الفوارق بين المركز والهامش؟ هل يشعر أن صوته السياسي له معنى؟ وهل تحولت التنمية إلى حياة يومية أفضل، أم بقيت في كثير من الأحيان صورة على الطريق السريع، أو ميناء، أو قطار، أو مشروع كبير لا يصل أثره إلى كل الناس؟
هذه المستويات الثلاثة تمنع التقويم من الوقوع في الاختزال. فالخطاب الرسمي وحده قد يحول العهد إلى ملحمة إنجاز. والنقد الخارجي وحده قد يحوله إلى ملف اتهام. والأرقام وحدها، إذا انفصلت عن حياة الناس، قد تتحول إلى جداول باردة لا تكشف المعنى الاجتماعي للسياسات. أما الجمع بينها فيسمح بقراءة منهجية أكثر قربًا من الحقيقة: ما قالته الدولة، وما تحقق في المؤشرات، وما شعر به المواطن.
ولا يقصد هذا العمل أن يجعل الأرقام حكمًا نهائيًا مطلقًا. فالأرقام ضرورية، لكنها لا تقول كل شيء. قد يرتفع مؤشر اقتصادي بينما تتسع الفوارق. وقد تنجز الدولة مشروعًا ضخمًا دون أن يتغير وضع المدرسة أو المستشفى. وقد يتحسن ترتيب المغرب في مجال، بينما يبقى ضعيفًا في مجال آخر. ولذلك تُقرأ الأرقام هنا داخل سياقها، لا كدليل آلي، بل كقرائن قوية تساعد على تقويم السياسات والنتائج.
كما يميز هذا العمل بين الدولة والملك والحكومة والإدارة والنخبة الاقتصادية. ففي المغرب تتداخل هذه المستويات أكثر مما تنفصل؛ فالملكية مركز القرار والرمز، والحكومة واجهة تنفيذية وسياسية، والإدارة جهاز بيروقراطي لضمان الاستمرار، والنخبة الاقتصادية شريك في التنمية ومصدر لكثير من أسئلة الريع والفساد والنفوذ. لذلك لا يجوز تحميل كل تفصيل لشخص الملك وحده، كما لا يجوز إعفاء مركز السلطة من مسؤولية التوجهات الكبرى. والإنصاف يقتضي أن نحلل بنية الحكم، لا أن نحولها إلى شخصنة كاملة أو إلى تبرئة كاملة.
ولهذا لن تكون هذه السلسلة سيرة شخصية للعاهل المغربي محمد السادس، بل قراءة في عهده. فالحياة الخاصة، والصحة، والعلاقات العائلية، والمحيط الشخصي، لا تُذكر إلا إذا كانت لها صلة واضحة بالحكم أو بصورة المؤسسة أو بتوازنات القرار. أما الفضول غير المنتج فليس من موضوع هذا العمل، لأنه لا يخدم التقويم التاريخي ولا يساعد على فهم المغرب.
كما ينطلق هذا العمل من قاعدة أساسية: لا نقد بلا إنصاف، ولا إنصاف بلا مساءلة. فالإنصاف يقتضي الاعتراف بما تحقق في عهد محمد السادس من تحولات واضحة في البنية التحتية، والسياسة الإفريقية، والصحراء، والطاقة، والموانئ، والطرق، والاستقرار الأمني، وتحديث الجيش، وبعض الإصلاحات القانونية والاجتماعية. لكنه يقتضي كذلك مساءلة الاختلالات العميقة في الديمقراطية، والتعليم، والصحة، والحريات، والفوارق الاجتماعية، والبطالة، والثقة السياسية، وتوزيع ثمار النمو.
ومن هنا ستكون القراءة موزعة على محاور كبرى: صورة العهد وبداياته، الإصلاحات السياسية والدستورية، التنمية الاقتصادية والبنية التحتية، التعليم والصحة والشغل، الفوارق الاجتماعية والمجالية، الحريات والإعلام والقضاء، الحقل الديني، الحكامة والفساد، الصحراء والسياسة الخارجية، إفريقيا والعلاقات الدولية، ثم الحصيلة التركيبية وسؤال المغرب القادم.
ويعتمد هذا العمل، إلى جانب التحليل السياسي والاجتماعي، منهجًا تقويميًا مقارنًا يستند إلى الأرقام والمؤشرات كلما كان ذلك ممكنًا. فالغاية ليست إصدار أحكام انطباعية على تجربة ربع قرن، ولا الاكتفاء بترديد الخطاب الرسمي أو الخطاب المعارض، بل قراءة التحولات في ضوء ما تحقق فعليًا في حياة الدولة والمجتمع كما سبق القول. لذلك ستُدمج المؤشرات المقارنة داخل النصوص نفسها، بدل عزلها في ملاحق قطاعية مستقلة، حتى لا ينفصل الرقم عن التحليل، ولا يتكرر تقويم القطاع مرتين. أما الخلاصة الختامية فستجمع الدلالات الكبرى للمؤشرات في ميزان تركيبي واحد يجيب عن سؤال السلسلة: أين تقدم المغرب؟ أين تعثر؟ ولماذا بقي بين سرعتين؟
إن الهدف النهائي من هذه السلسلة ليس تبرئة عهد ولا إدانته، بل فهمه. والفهم أعمق من المديح وأبقى من الغضب. فالأوطان لا تتقدم بالأساطير الرسمية، ولا بالهدم العدمي، بل بذاكرة نقدية تحفظ ما تحقق، وتكشف ما تعثر، وتسأل عما كان ممكنًا ولم يحدث، وما يمكن إصلاحه لمستقبل أفضل.
بهذا المعنى، هذه السلسلة محاولة لكتابة تاريخ غير رسمي لعهد محمد السادس: تاريخ لا ينكر الدولة، ولا ينسى الشعب؛ لا يتجاهل المشاريع الكبرى، ولا يغفل أثرها المحدود أحيانًا في الحياة اليومية؛ لا يختزل الاستقرار في فضيلة مطلقة، ولا ينسى أن الشعوب تحتاج إلى الاستقرار كما تحتاج إلى العدالة والكرامة والمحاسبة.
فالميزان الذي نعتمده هنا بسيط وصارم في الوقت نفسه: ما الذي وُعد به المغاربة؟ ما الذي تحقق؟ من استفاد؟ من بقي خارج الثمرة؟ وماذا تقول الأرقام حين تهدأ لغة السياسة؟
يتبع…

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق