ألمانيا والرهان الجزائري الخاسر

 

حين تحاول الجغرافيا منافسة النفوذ المغربي المتراكم في إفريقيا


لم تكن زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى ألمانيا مجرد محطة دبلوماسية عادية، ولا يمكن اختزال ما صدر عنها في البحث الألماني عن الغاز والهيدروجين الأخضر. فقد جاءت الزيارة في سياق إقليمي ودولي شديد الحساسية، يتسم بإعادة ترتيب الشراكات الأوروبية في شمال إفريقيا، وبتعاظم التقارب الفرنسي المغربي، وتراجع النفوذ الفرنسي التقليدي في الساحل، وصعود روسيا قوة أمنية رئيسية داخل مالي والنيجر وبوركينا فاسو.


ومن هنا يطرح الاتفاق الألماني الجزائري سؤالًا يتجاوز مضمونه المعلن: هل تراهن برلين فعلًا على الجزائر قوة إقليمية وبوابة أوروبية نحو الساحل وإفريقيا، أم أن الجزائر هي التي تحاول استثمار الحاجة الألمانية إلى الطاقة لتسويق دور سياسي أكبر مما تسمح به قدراتها الواقعية وشبكة علاقاتها الإقليمية؟ .../...


التمييز بين الأمرين أساسي؛ لأن وجود موارد طبيعية وموقع جغرافي واسع لا يكفي وحده لصناعة قوة إقليمية. فالقوة لا تتجسد في المساحة والخطاب والإنفاق العسكري فقط، بل في القدرة على بناء الثقة، وحماية الاتفاقات، وربط المصالح الاقتصادية، وإقامة شبكات نفوذ مستقرة وقابلة للاستمرار.



الجزائر تذهب إلى ألمانيا لا العكس

تحمل اتجاهات الزيارات الرسمية دلالة سياسية لا ينبغي إغفالها. فالجزائر هي التي انتقل رئيسها إلى برلين لتقديم بلاده شريكًا في الطاقة والأمن والهجرة والقضايا الإقليمية، وليست ألمانيا هي التي أرسلت مستشارها إلى الجزائر طلبًا لاتفاق إنقاذي عاجل.


صحيح أن الزيارة تمت بدعوة ألمانية، وأن برلين لها مصلحة حقيقية في تنويع مصادر الطاقة، لكن اتجاه الحركة يكشف أيضًا أن الجزائر كانت أكثر احتياجًا إلى إعطاء العلاقة طابعًا استراتيجيًا.


فألمانيا تملك بدائل متعددة في الغاز الطبيعي المسال والطاقة المتجددة والهيدروجين المستقبلي، بينما تحتاج الجزائر إلى التكنولوجيا والتمويل والسوق الأوروبية حتى تحول إمكاناتها الطبيعية إلى مشروعات اقتصادية قابلة للحياة.


وقد أعلنت برلين والجزائر أجندة تشمل الطاقة والتعاون الاقتصادي والهجرة والأمن والدفاع والقضايا الإقليمية، إلى جانب التفكير في إعادة إطلاق اللجنة الاقتصادية المشتركة وإنشاء مجلس أعمال ثنائي. غير أن هذه الأجندة تظل في جانب كبير منها إطارًا سياسيًا عامًا يحتاج إلى عقود وتمويل وبنية تحتية وتنفيذ طويل الأمد، وليست منظومة اقتصادية ناضجة قائمة بذاتها.


وهنا يظهر الفرق مع التقارب الفرنسي المغربي. فالعلاقة المغربية الفرنسية لا تبدأ من إعلان نوايا جديد، بل تستند إلى شراكة استثنائية معززة، وإلى تراكم صناعي وتجاري ودفاعي ومالي ممتد، وإلى شبكة شركات ومشروعات ومصالح متبادلة قائمة بالفعل.


ولذلك يمكن قراءة التحرك الجزائري نحو ألمانيا باعتباره محاولة لاستعادة التوازن بعد أن أصبح المغرب مركزًا متقدمًا للشراكات الأمريكية والفرنسية والأوروبية في شمال إفريقيا وغرب القارة.



الطاقة: مورد جزائري ومسار إيطالي وسوق ألمانية

تقدم الجزائر نفسها لألمانيا باعتبارها مصدرًا محتملًا للغاز والهيدروجين الأخضر. غير أن الجغرافيا العملية للمشروع تكشف أن العلاقة ليست ثنائية بالمعنى الكامل.


فالغاز أو الهيدروجين المتجه من الجزائر إلى ألمانيا لا يصل إليها مباشرة، بل يحتاج إلى ممر يمر عبر تونس وإيطاليا ثم النمسا قبل بلوغ السوق الألمانية. وبذلك تكون إيطاليا الحلقة العملياتية الأساسية، لا مجرد أرض عبور.


فإيطاليا تملك البنية التحتية المتوسطية، وشركات تشغيل الأنابيب، والعلاقة الطاقية الأقدم مع الجزائر، والموقع الذي يجعلها بوابة الدخول الفعلية إلى شبكة الطاقة الأوروبية. أما ألمانيا فهي السوق الصناعية النهائية وصاحبة الطلب، فيما تبقى الجزائر دولة الإنتاج المفترض.


ولهذا لا يمكن الحديث عن محور ألماني جزائري مستقل في الطاقة. الموجود فعليًا هو مشروع أوروبي متعدد الأطراف، تتقاطع فيه مصالح الجزائر وتونس وإيطاليا والنمسا وألمانيا.


وهذا التعدد لا يزيل المخاطر، بل يضاعف نقاط الاعتماد: ألمانيا تحتاج إلى استمرار الإنتاج الجزائري، واستقرار العبور التونسي، وتعاون إيطاليا، وكفاءة الشبكات النمساوية، وتوافق التشريعات الأوروبية.


ثم إن الهيدروجين الأخضر الجزائري ليس اليوم موردًا جاهزًا بكميات تجارية، بل وعد مستقبلي يحتاج إلى إنشاء محطات للطاقة الشمسية، ووحدات للتحليل الكهربائي، وشبكات نقل وتخزين، وعقود شراء طويلة الأجل، وأسعار قادرة على المنافسة.


فألمانيا لا تشتري واقعًا قائمًا بقدر ما تراهن على مشروع يمكن أن يتحقق أو يتأخر أو تتغير جدواه الاقتصادية مع الزمن.



هل تستطيع ألمانيا الوثوق بالجزائر شريكًا طاقيًا؟

الثقة هي أضعف حلقات هذا الرهان؛ لأن سجل الجزائر يثبت أنها مستعدة لربط العلاقات الاقتصادية والطاقية بالخلافات السياسية.


ويظل أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي المثال الأوضح. فقد ظل هذا الأنبوب ينقل الغاز الجزائري إلى إسبانيا والبرتغال عبر المغرب مدة تقارب ربع قرن. وكان يمثل بنية إقليمية ناجحة تخدم الجزائر بوصفها منتجًا، والمغرب بوصفه بلد عبور، وإسبانيا والبرتغال بوصفهما مستهلكين.


لكن الجزائر قررت سنة 2021 عدم تجديد عقد استعماله بعد قطع علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب، وفضلت تعطيل مسار قائم وتقليص مرونة إمداداتها نحو أوروبا من أجل حرمان المغرب من رسوم العبور وجزء من الغاز المستخدم في إنتاج الكهرباء ظنا منها أنها ستغرقه في الظلام.


لم يمنع تعدد الدول والعقود والمصالح الجزائر من اتخاذ قرار سياسي يوقف الضخ عبر المسار المغربي.


وتكشف هذه السابقة أن العقود والبنية التحتية لا تمنع تسييس الطاقة عندما ترى الدولة المنتجة أن أهدافها السياسية أولوية. ويمكن للعقود أن تفرض تعويضات أو تحكيمًا، لكنها لا تستطيع إجبار دولة على ضخ الغاز أو الهيدروجين إذا قررت وقف الإمداد لأسباب سياسية لا تجارية.


كما لجأت الجزائر سنة 2022 إلى تعليق معاهدة الصداقة مع إسبانيا وفرض قيود عملية على التجارة معها بسبب تغير الموقف الإسباني من قضية الصحراء. ودخل الاتحاد الأوروبي بدوره في نزاع مع الجزائر بشأن قيود تجارية واستثمارية فرضتها منذ سنة 2021، ثم أطلق إجراءات تحكيم سنة 2025.


وهذا لا يعني أن الجزائر ستقطع الطاقة عن ألمانيا حتمًا، لكنه يعني أن برلين لا تستطيع بناء أمنها الطاقي على افتراض أن الجزائر تفصل دائمًا بين السياسة والاقتصاد.



هل تمثل الشراكة دعمًا غير مباشر لروسيا؟

تعلن ألمانيا دعمها لأوكرانيا وتمسكها بالعقوبات المفروضة على روسيا، لكنها في الوقت نفسه توسع التعاون مع دولة ترتبط بموسكو عسكريًا وسياسيًا.


فالجزائر تعتمد اعتمادًا كبيرًا على مداخيل النفط والغاز، وتخصص جزءًا مهمًا من مواردها للإنفاق الدفاعي واقتناء السلاح، فيما ظلت روسيا تاريخيًا أحد أهم مورديها العسكريين.


ولذلك فإن زيادة العائدات الطاقية الجزائرية يمكن أن تسهم بصورة غير مباشرة في تمويل واردات عسكرية روسية. لكنها لا تشكل، من الناحية القانونية، التفافًا مثبتًا على العقوبات ما لم يوجد دليل على تحويل مباشر للأموال أو إعادة تصدير منتجات روسية أو استخدام شركات وسيطة لإخفاء المصدر الحقيقي.


ومع ذلك تبقى المفارقة السياسية واضحة: أوروبا تحاول إضعاف الاقتصاد الحربي الروسي، لكنها تتعامل مع دول تمول مشترياتها العسكرية من موسكو بعائدات مصدرها السوق الأوروبية.


ومن ثم لا تكون ألمانيا قد تحولت إلى حليف لروسيا، لكنها قد تسهم في استمرار منظومة اقتصادية وأمنية تستفيد منها موسكو بطريقة غير مباشرة.، وهذه معضلة أخلاقية على ألمانيا مواجهتها.



الجزائر والساحل: بين ادعاء الوساطة وفقدان الثقة

يحاول الخطاب الجزائري تقديم البلاد بوصفها قوة ضامنة لأمن الساحل، ودولة قادرة على التوسط بين مالي والحركات المسلحة، ومكافحة الإرهاب، وضبط الهجرة والتهريب عبر الصحراء.


لكن الوقائع الراهنة لا تدعم هذا التصوير البسيط.


فالعلاقات الجزائرية المالية شهدت انهيارًا حادًا بعد انسحاب مالي من اتفاق الجزائر للسلام، ثم تبادل الاتهامات، وإسقاط الجزائر طائرة مسيّرة مالية قرب الحدود، واستدعاء السفراء، وإغلاق الأجواء.


واتهمت مالي الجزائر بدعم جماعات مسلحة ومتطرفة تنشط في شمال البلاد، فيما نفت الجزائر الاتهامات، مؤكدة أنها تميز بين التنظيمات الجهادية والحركات الأزوادية والطوارقية التي تعتبرها أطرافًا سياسية قابلة للتفاوض.


وقد أعيد فتح الأجواء واستؤنفت العلاقات الدبلوماسية في يوليوز 2026 بعد أزمة امتدت أكثر من عام، لكن المصالحة لا تلغي انعدام الثقة الذي ظهر بين الطرفين.


فالخلاف لا يتعلق بحادثة حدودية فقط، بل بتعريف الإرهاب نفسه. تعتبر مالي، المدعومة من روسيا، أن عددًا من الحركات الشمالية جماعات متمردة أو إرهابية يجب إخضاعها عسكريًا. أما الجزائر فتتمسك بالتفريق بين التنظيمات الجهادية العابرة للحدود والحركات القبلية والسياسية التي ينبغي إشراكها في تسوية تفاوضية.


ومن هنا يصعب تقديم الجزائر شريكًا أوروبيًا موثوقًا في مكافحة الإرهاب بينما تتهمها الدولة المجاورة الأكثر ارتباطًا بالملف بدعم خصومها المسلحين.


ولا يعني ذلك من الناحية القانونية صحة الاتهام المالي بالضرورة، بل يعني أن الجزائر لم تعد وسيطًا يحظى بقبول الأطراف، وأن دورها التقليدي في الساحل أصبح محل نزاع.


وقد تراجع نفوذها مع ظهور روسيا وتركيا والإمارات والمغرب، ومع ابتعاد مالي والنيجر وبوركينا فاسو عن الأطر الإقليمية السابقة وتحولها نحو موسكو.



روسيا هي القوة الأمنية الحاضرة

إذا كانت ألمانيا ترى في الجزائر بوابة محتملة إلى الساحل، فإن هذه البوابة تفتح على مجال تهيمن عليه روسيا أمنيًا أكثر مما تهيمن عليه الجزائر.


فمالي تعتمد على فيلق إفريقيا الروسي والتجهيزات والتدريب والدعم السياسي القادم من موسكو. كما عززت دول تحالف الساحل علاقاتها العسكرية مع روسيا بعد تراجع الوجود الفرنسي والأوروبي.


وبالتالي فإن استعادة العلاقات بين الجزائر ومالي لم تتم في فراغ جيوسياسي، بل داخل واقع أصبحت فيه روسيا صاحبة تأثير مباشر في باماكو.


ولا تتوفر أدلة علنية كافية للجزم بأن موسكو كانت صاحبة الوساطة الرسمية التي فرضت المصالحة الأخيرة بين مالي والجزائر، لكن من الصعب تصور تفاهم جزائري مالي أساسي لا يأخذ مصالح روسيا وموقفها في الحسبان.


وهذا يضع ألمانيا أمام تناقض إضافي: قد تحاول العودة إلى الساحل من خلال الجزائر، لكنها تدخل بذلك مجالًا تتحكم روسيا في جانب كبير من بنيته الأمنية، الأمر الذي يتعارض مع السياسة الأوروبية المناهضة لروسيا بسبب الحرب في أوكرانيا.


وبدل أن تكون الجزائر بديلًا عن موسكو، قد تصبح وسيطًا يورط ألمانيا في التعايش غير المباشر مع النفوذ الروسي في المنطقة. 



الهجرة والأمن: لماذا لا يمكن تجاوز إيطاليا؟

حتى في الهجرة والأمن، لا تستطيع ألمانيا بناء سياسة فعالة مع الجزائر وحدها.


فطرق الهجرة عبر الساحل والصحراء تتشعب بين الجزائر وليبيا وتونس والنيجر ومالي، بينما تصل النسبة الأكبر من المسارات المتوسطية الوسطى إلى إيطاليا.


ومن ثم تصبح إيطاليا، مرة أخرى، الدولة الأوروبية المحورية في مراقبة المسار، واستقبال الوافدين، والتفاوض مع تونس وليبيا، وإدارة الحدود البحرية.


يمكن للجزائر أن تقدم معلومات عن حدودها، وأن تراقب جزءًا من الصحراء، وأن تتعاون في إعادة رعاياها، لكنها لا تسيطر على الشبكة الإقليمية للهجرة، ولا تستطيع ضمان تعاون مالي والنيجر وليبيا وتونس.


كما لا تستطيع منفردة حماية مشروعات الطاقة العابرة للصحراء أو توفير الاستقرار لدول الساحل.


وعليه، فإن الدور الجزائري في الأمن والهجرة دور مساعد ومحدود، وليس دور بوابة مستقلة تستطيع ألمانيا المرور عبرها إلى عمق إفريقيا.



القوة الإقليمية لا تصنعها المساحة

تمتلك الجزائر أكبر مساحة في إفريقيا، واحتياطات مهمة من الغاز، وجيشًا كبيرا من حيث العدد وميزانية دفاع مرتفعة. لكنها لا تزال تعاني فجوة بين عناصر القوة المادية وبين القدرة على تحويلها إلى نفوذ مستدام.


فالنفوذ الإقليمي يحتاج إلى بيئة من الثقة والمصالح المتبادلة. أما الجزائر فتواجه:


قطيعة مع المغرب؛

توترات متكررة مع فرنسا وإسبانيا؛

خلافات تجارية مع الاتحاد الأوروبي؛

علاقة متوترة وهشة مع مالي؛

حذرًا متبادلًا مع النيجر ودول تحالف الساحل؛

اعتمادًا اقتصاديًا كبيرًا على المحروقات؛

وحضورًا استثماريًا ضعيفًا يكاد لا يذكر في بقية القارة.


وتعكس التجارة الجزائرية مع الاتحاد الأوروبي هذا الاختلال؛ فقد بلغت المبادلات السلعية نحو 43.4 مليار يورو سنة 2025، لكن 93.2 في المائة من الواردات الأوروبية من الجزائر كانت منتجات معدنية، وفي مقدمتها النفط والغاز.


وهذا يعني أن الجزائر تبيع الطاقة أكثر مما تبني شبكات اقتصادية متكاملة. وهي علاقة مورد وسوق، لا علاقة منصة إنتاج واستثمار ونفوذ مؤسسي.



المغرب: الدور الذي لا يحتاج إلى تسويق

في المقابل، لم يعد الحضور المغربي في إفريقيا مجرد خطاب دبلوماسي أو تعبير عن طموح جغرافي.


فالمغرب بنى خلال أكثر من عقدين شبكة مصالح واسعة في غرب ووسط إفريقيا، تشمل البنوك والتأمين والاتصالات والأسمدة والعقار والبناء والطاقة والنقل الجوي والتكوين الديني والتعاون الأمني.


كما جعل ميناء طنجة المتوسط والصناعة المغربية وشبكات الطيران والمصارف من المملكة منصة تربط أوروبا بغرب إفريقيا والمحيط الأطلسي.


ويختلف هذا النفوذ عن النموذج الجزائري في كونه لا يعتمد على مادة أولية واحدة، بل على حضور مؤسساتي متنوع وعلى شركات تعمل داخل الاقتصادات الإفريقية وتوظف وتستثمر وتدير مشروعات دائمة.


فالمغرب لا يقدم نفسه فقط بوابة جغرافية، بل يوفر:


بنية لوجستية وموانئ عالمية؛

اقتصادًا صناعيًا وتصديريًا متنوعًا؛

اتفاقات تجارية متقدمة مع أوروبا والولايات المتحدة ودول إفريقية؛

شبكة مصرفية واستثمارية ممتدة؛

علاقات مستقرة مع دول غرب إفريقيا؛

وممرًا أطلسيًا يتجنب الاضطرابات الأمنية في وسط الساحل.


كما حظي الدور المغربي باعتراف متزايد من قوى دولية كبرى، وأصبحت شراكاته الإفريقية جزءًا من استراتيجيات الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا ودول الخليج وشركاء أسيويين كبار آخرين.


ومن ثم فالمقارنة بين الجزائر والمغرب ليست مقارنة بين قوتين تقدمان الوظيفة الإقليمية نفسها.


المغرب يتجه أساسًا نحو غرب إفريقيا والأطلسي من خلال التجارة والاستثمار واللوجستيك.


أما الجزائر فتتجه نحو الساحل الأوسط من خلال الأمن والحدود والطاقة، لكنها تواجه هناك روسيا وأنظمة عسكرية متحفظة وعلاقات مضطربة.



من ينافس من؟

قد يبدو الاتفاق الألماني الجزائري ردًا على تعاظم المحور المغربي الفرنسي، لكنه لا يصنع معادلة موازية له.


ففرنسا تأتي إلى المغرب من أجل توسيع شراكة قائمة، بينما تذهب الجزائر إلى ألمانيا بحثًا عن شريك يساعدها على تحويل مواردها إلى نفوذ.


والشراكة المغربية الفرنسية مباشرة نسبيًا، وتقوم على صناعات واستثمارات ومشروعات قائمة، بينما يعتمد الممر الجزائري الألماني على إيطاليا وتونس والنمسا، وعلى استثمارات مستقبلية غير مضمونة.


كما أن المغرب يتحرك داخل بيئة إفريقية تربطه بدولها مصالح اقتصادية متراكمة، بينما تحاول الجزائر استعادة دورها داخل ساحل يشكك في وساطتها ويزداد ارتباطًا بروسيا.


ولهذا لا يبدو أن الجزائر تنافس المغرب في الدور نفسه، بل تحاول جاهدة تقديم مورد الطاقة والموقع الصحراوي بوصفهما بديلًا عن شبكة النفوذ المغربية.


غير أن الجغرافيا لا تنافس المؤسسات، والغاز لا يعوض الثقة، والإنفاق العسكري لا يبني تلقائيًا شراكات اقتصادية.



ماذا تريد ألمانيا فعلًا؟

ليس من المرجح أن تكون ألمانيا قد قررت تتويج الجزائر قوة إقليمية منافسة للمغرب. الأرجح أنها تمارس سياسة براغماتية تقوم على تعدد المسارات:


تأخذ من الجزائر ما يمكن أن تقدمه في الغاز والهيدروجين والمعلومات الأمنية والهجرة.


وتعتمد على إيطاليا في العبور والطاقة المتوسطية.


وتحافظ على علاقاتها مع المغرب بوصفه منصة صناعية ولوجستية واستثمارية مستقرة.


وتتجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع روسيا في الساحل.


فألمانيا لا تحتاج إلى اختيار الجزائر بدل المغرب، لأن وظيفتي البلدين مختلفتان. لكنها قد تستخدم الانفتاح على الجزائر لتحسين شروط التفاوض، وتنويع المصادر، ومنع فرنسا وإيطاليا من احتكار المجال المتوسطي.


أما الجزائر، فهي الأكثر حاجة إلى تصوير الاتفاق باعتباره اعترافًا ألمانيًا بدورها الإقليمي، لأن ذلك يساعدها دعائيا على موازنة التقارب الفرنسي المغربي وتغطية تراجع نفوذها في الساحل.



الخلاصة: بين الدور المسوَّق والدور المتحقق

تكشف الشراكة الألمانية الجزائرية عن فرق جوهري بين الموارد والقوة، وبين الجغرافيا والنفوذ.


تملك الجزائر الغاز والمساحة والحدود والجيش، لكنها لم تنجح بعد في تحويل هذه العناصر إلى شبكة إقليمية مستقرة من الثقة والاستثمار والتحالفات.


وتحاول أن تسوق نفسها بوابة للطاقة والساحل والهجرة والأمن، لكن الطاقة تحتاج إلى إيطاليا وتونس والنمسا، والساحل يخضع لتأثير روسي متنام، والهجرة تمر عبر مسارات لا تتحكم فيها الجزائر، وعلاقاتها بجوارها الجنوبي تقوم على الحذر أكثر مما تقوم على التعاون.


أما المغرب فقد راكم، بهدوء وعلى مدى سنوات، عناصر الدور الإقليمي الفعلي: الاقتصاد المتنوع، والموانئ، والمصارف، والاستثمارات، والشبكات الدبلوماسية، والاستقرار، والاعتراف الدولي.


وبذلك لا تكون المنافسة بين البلدين متكافئة في طبيعتها:


الجزائر تقدم نفسها قوة إقليمية لاعتقادها أن موقعها ومواردها يسمحان لها بالطموح إلى هذا الدور، بينما يمارس المغرب دوره الإقليمي لأن مؤسساته وشراكاته وشبكاته الاقتصادية جعلته واقعًا قائمًا بحق.


وقد تمنح ألمانيا الجزائر فرصًا واستثمارات وعقودًا، لكنها لا تستطيع بقرار دبلوماسي أن تمنحها نفوذًا لا تؤيده علاقاتها الإقليمية.


فالقوة الإقليمية لا تُعلن في البيانات المشتركة، ولا تُصنع بزيارة رسمية، ولا تُشترى بعائدات الغاز؛ بل تُبنى بالثقة، والوفاء بالعهود، والاندماج الاقتصادي، والقدرة على جمع الجوار بدل الصدام معه.


وهذا هو الفارق بين دور تسعى الجزائر إلى تسويقه بالخطاب، ودور مغربي أصبح قويًا وواضحًا ومعترفًا به دوليًا ولا يحتاج لدعاية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق