إضراب المحامين: دفاع عن الاستقلال المهني، أم مقاومة لإنهاء الاحتكار؟

 

من غموض الأتعاب وغياب التخصص..

 إلى لوبيات الولوج والتكوين ورفض الرقابة على أموال الموكلين



حين تتحول المحاماة من الدفاع عن الحقوق إلى تعطيلها

حين تعلن جمعية هيئات المحامين بالمغرب مواصلة التوقف الشامل عن تقديم جميع الخدمات المهنية إلى أجل غير محدد، وتعليق العمل بنظام المساعدة القضائية تعيينًا وأداءً، فإن الأمر لا يعود مجرد احتجاج مهني على قانون مختلف بشأنه، بل يتحول إلى شلل مقصود لمرفق العدالة، يدفع ثمنه المواطن قبل الحكومة، والمتقاضي قبل وزير العدل، والمعتقل والمرأة المطلقة والعامل والمقاولة قبل المؤسسات التي صاغت القانون وصادقت عليه.


فالذي تتوقف مصالحه ليس عضوًا في الحكومة، ولا نائبًا برلمانيًا، ولا مسؤولًا عن إعداد المشروع، بل مواطن ينتظر جلسة قد تحدد حريته، أو أسرة تنتظر حكمًا بالنفقة، أو عامل يطالب بأجره، أو متضرر يسعى إلى تنفيذ حكم، أو صاحب دعوى يهدده فوات أجل الطعن أو التقادم. وهنا يظهر التناقض العميق في موقف الهيئات المهنية.../...


فالمحامون يقدمون أنفسهم باعتبارهم حماة حق الدفاع، لكن قرارهم الجماعي يفضي عمليًا إلى تعليق هذا الحق. ويتحدثون باسم المتقاضين، ثم يستخدمون مصالح هؤلاء المتقاضين وسيلة ضغط في نزاعهم مع الحكومة. ويرفعون شعار دولة الحق والقانون، بينما يشلون القاعات التي يفترض أن يتجسد فيها هذا الحق ويُطبق فيها ذلك القانون.


إن حق المحامي في الاحتجاج مشروع، كما أن الدفاع عن استقلال المهنة واجب لا يجوز الاستهانة به. لكن لا يوجد حق مهني مطلق يبيح تعطيل حقوق الغير، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالحرية والمحاكمة العادلة والآجال القضائية والمساعدة القانونية للفئات المعوزة.


وكان في إمكان الهيئات أن تحتج بوسائل لا تجعل المواطن رهينة، من قبيل الوقفات، والطعون القضائية والدستورية، والامتناع الرمزي، وحمل الشارات، والترافع العمومي، مع الإبقاء على حد أدنى من الخدمات في القضايا الاستعجالية والجنائية والاجتماعية. أما التوقف الشامل والمفتوح، فهو يكشف أن المقصود لم يعد فقط التعبير عن الرفض، بل خلق أزمة قضائية عامة لتركيع الدولة  وإجبارها على التراجع.


ويزداد هذا الموقف إثارة للقلق حين يقترن رفض القانون برفض مقتضيات تتعلق بمراقبة الحسابات، وحماية أموال الموكلين، وضبط العلاقة المالية، وإخضاع القرارات المهنية لمساطر أكثر وضوحًا. ففي هذه الحالة يصبح السؤال مشروعًا:


هل تدافع الهيئات عن استقلال المحاماة حقًا، أم تدافع أيضًا عن احتكار تدبير المهنة، وعن بقاء الأتعاب والحسابات والتأديب والولوج والتكوين داخل دائرة مغلقة لا تسمح برقابة خارجية فعالة؟


لا يعني ذلك أن كل اعتراضات المحامين غير مشروعة، ولا أن المشروع الحكومي خالٍ من مقتضيات قد تمس استقلال الدفاع. لكنه يعني أن الهيئة التي تطالب المجتمع بدعمها احتراما لاستقلاليتها، مطالبة هي أيضًا باحترام حق المجتمع في المحاسبة، وأن المهنة التي تدافع عن الحقوق لا يجوز أن تجعل تعطيل تلك الحقوق وسيلة لحماية امتيازاتها.


ومن ثم، فإن التوقف الشامل لا يقوي الحجة المهنية، بل يضعفها؛ لأنه ينقل المحامين من موقع المدافعين عن العدالة إلى موقع المساهمين في تعطيلها، ويعزز الاعتقاد بأن جوهر الصراع لا يتعلق فقط بحماية استقلال الدفاع، بل كذلك بمقاومة إصلاح يمس الاحتكار، والرقابة المالية، وطرق الولوج، ونظام التأديب، وشفافية العلاقة مع الموكل.


لقد أصبح السؤال اليوم أكبر من قانون المهنة:


من يحمي المواطن عندما يقرر حماة حقوقه أنفسهم التوقف عن حمايته؟



طبيعة الصراع بين الحكومة وهيئات المحامين

لا يتعلق الصراع الدائر اليوم بين الحكومة وهيئات المحامين في المغرب بمجرد مواد قانونية متفرقة، ولا بخلاف عابر بين وزير العدل والنقباء، بل يتعلق بسؤال أعمق يمس بنية العدالة نفسها: من يملك حق تنظيم المهنة؟


هل تملك الدولة، باسم حماية المتقاضي وضمان الشفافية، أن تفرض قواعد الولوج والتكوين والمحاسبة والرقابة المالية؟ أم أن ذلك يمس استقلال الدفاع ويفتح الباب أمام إخضاع المحامي للسلطة التنفيذية؟ وهل تمثل الهيئات المهنية فعلًا حصنًا لحماية الحقوق والحريات، أم أنها تحولت، في بعض جوانب عملها، إلى تنظيم مغلق يدافع عن مصالح أعضائه أكثر مما يدافع عن جودة الخدمة المقدمة للمواطن؟


بين الحكومة والهيئات يقف المتقاضي، وهو الطرف الذي يفترض أن يكون محور القانون، لكنه يكاد يغيب عن معظم النقاش الجاري.


فالحكومة تتحدث عن الحكامة والتحديث، والمحامون يتحدثون عن الاستقلال والحصانة، بينما لا يجد المواطن جوابًا واضحًا عن أسئلته اليومية:


كم سيدفع؟


ما الذي سيحصل عليه مقابل أتعابه؟


ما خبرة المحامي الذي سيتولى قضيته؟


من يحاسبه إذا أخطأ أو أهمل أو استولى على أمواله؟


وإلى من يلجأ إذا أغلقت الهيئة المهنية شكايته أو تأخرت في البت فيها؟



قانون جديد في مواجهة رفض مهني واسع

أحالت الحكومة مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة على مجلس النواب في أبريل 2026، وصادق عليه المجلس في قراءة أولى يوم 19 ماي بأغلبية 163 نائبًا مقابل 57 معارضًا. ثم أدخل مجلس المستشارين تعديلات على عشرات المواد، قبل أن يعود المشروع إلى مجلس النواب في إطار القراءة الثانية. كما أحيل المشروع لاحقًا على المحكمة الدستورية للنظر في مدى مطابقة بعض مقتضياته للدستور.


وقد رافق المسار التشريعي احتجاج واسع من المحامين، شمل التوقف عن تقديم الخدمات المهنية، والوقفات أمام البرلمان، والاعتصامات، ورفض الصيغة التي انتهى إليها المشروع، باعتبارها، في نظر الهيئات، تراجعت عن توافقات سابقة وتمس باستقلال المهنة وتدبيرها الذاتي.


لكن رفض القانون لا ينبغي أن يمنع من الاعتراف بأن المهنة الحالية تعاني اختلالات حقيقية، وأن بقاء الوضع كما هو ليس دفاعًا عن الاستقلال، بل استمرار لمشكلات يتحمل المواطن كلفتها.



استقلال المحاماة ضرورة لا تقبل المساومة

لا يمكن بناء عدالة سليمة بمحام خاضع للحكومة.

فالمحامي قد يدافع عن مواطن متابع من النيابة العامة، أو يطعن في قرار إداري، أو يترافع في قضية فساد أو انتهاك للحقوق، ولذلك يجب ألا تكون السلطة التنفيذية قادرة على التحكم في مساره المهني أو تأديبه أو منعه من العمل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.



استقلال المحاماة ليس امتيازًا شخصيًا للمحامي، بل ضمانة للمتقاضي.

ومن ثم، فإن اعتراض الهيئات على أي مقتضى يسمح لوزارة العدل بالتدخل في القرارات المهنية أو التأديبية اعتراض مشروع متى أدى التدخل إلى وصاية إدارية على الدفاع.


لكن الاستقلال لا يعني أن تكون المهنة تمثل دولة داخل الدولة.


فلا يجوز أن يتحول شعار الاستقلال إلى مبرر لرفض الرقابة المالية، أو تعطيل البت في شكايات المواطنين، أو حماية المخالفات، أو احتكار الولوج والتكوين والعقود والاستشارات.


المحامي يجب أن يكون مستقلًا عن الحكومة، لكنه لا يمكن أن يكون مستقلًا عن القانون والمحاسبة.



تكليف مكتوب خطوة مهمة لكنها غير كافية

من أبرز مستجدات المشروع إلزام المحامي بالحصول على تكليف مكتوب من موكله، يتضمن طبيعة القضية والأتعاب، وهو إجراء اعتبرته وزارة العدل وسيلة لتوضيح العلاقة بين الطرفين والحد من النزاعات المتعلقة بالنيابة والمقابل المالي.


وهذه خطوة ضرورية تعتمدها معظم الدول المتقدمة، لأن العلاقة بين المحامي وموكله ظلت في المغرب، في حالات كثيرة، قائمة على اتفاقات شفهية غير دقيقة.


قد يدفع المواطن مبلغًا عند بداية الملف، ثم يفاجأ بمطالب إضافية عند كل جلسة أو طعن أو إجراء تنفيذ. وقد لا يعرف إن كان المبلغ المتفق عليه يشمل القضية كاملة، أم المرحلة الابتدائية فقط، أم مجرد إعداد المقال والحضور في بعض الجلسات.


لكن التكليف المكتوب لن يكون كافيًا إذا اقتصر على الإشارة إلى مبلغ إجمالي غامض.


ينبغي أن يتضمن عقد الأتعاب، بصورة إلزامية:


طبيعة المهمة؛

المرحلة القضائية التي تشملها؛

الأتعاب الأساسية؛

المصاريف القضائية والإدارية بصورة مستقلة؛

أتعاب الطعن والتنفيذ؛

طريقة الأداء؛

شروط إنهاء العلاقة؛

ومصير المبالغ في حالة التنازل أو تغيير المحامي.


كما يجب إلزام المحامي بتسليم وصل عن كل مبلغ يتسلمه، ومنع أي أداء غير موثق.



الأتعاب: المسكوت عنه الأكبر

تظل الأتعاب من أكثر جوانب المهنة غموضًا.

فلا توجد في الممارسة اليومية شبكة وطنية واضحة تتيح للمتقاضي معرفة النطاق المعقول لكلفة الاستشارة، أو الدعوى الأسرية، أو النزاع التجاري، أو الدفاع الجنائي، أو الطعن بالنقض.


والنتيجة أن المواطن يدخل إلى مكتب المحامي من موقع ضعف معرفي كامل.


المحامي يعرف القانون والمساطر والمدة المحتملة، بينما لا يعرف الموكل سوى أنه مضطر إلى الدفاع عن حقه أو حريته.


هذه الفجوة تسمح في بعض الحالات بفرض أتعاب غير متناسبة مع طبيعة الملف أو الوضع المالي للمتقاضي.


ولا يعني ذلك فرض سعر موحد وجامد على جميع القضايا، لأن القضايا تختلف في قيمتها وتعقيدها ومدة دراستها. لكن يمكن اعتماد:


نطاقات استرشادية معلنة؛

سقوف لبعض القضايا الاجتماعية والأسرية البسيطة؛

إلزامية الإفصاح المسبق؛

منع تعديل الأتعاب من جانب واحد؛

وضبط أتعاب النتيجة والنسب المقتطعة من التعويضات.


فلا يعقل أن يحصل متضرر في حادثة أو عامل مفصول أو أسرة فقيرة على تعويض قضائي، ثم يكتشف أن جزءًا كبيرًا منه اقتطع تحت اسم الأتعاب من دون تحديد واضح سابق.



أموال الموكلين ليست شأنًا داخليًا للمهنة

أثار إخضاع حسابات الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات اعتراضًا مهنيًا واسعًا. وقد بررت الحكومة المقتضى بضرورة التحقق من سلامة عمليات الإيداع والسحب والتحويل، ومنع اقتطاع الهيئات من الأموال المودعة لفائدة المحامين وموكليهم.


يجب هنا الفصل بين أمرين:


الأول هو السر المهني، وهو واجب لا يجوز انتهاكه.


والثاني هو سلامة الأموال، وهي مسألة مالية يجب أن تخضع للرقابة.


لا يحق لأي جهة رقابية أن تطلع من دون مبرر قانوني على مضمون دفاع الموكل أو أسرار ملفه. لكن لا يجوز أيضًا استخدام السر المهني لمنع التحقق من مصير الأموال التي تسلمها المحامي نيابة عن موكله.


وقد شهد الواقع شكايات ونزاعات حول تأخر بعض المحامين في تسليم مبالغ محصلة، أو اقتطاع مبالغ متنازع عليها، أو خلط أموال الموكلين بالحسابات الشخصية، أو استحواذ البعض على أموال موكليهم دون وجه حق.


ولا يجوز تعميم هذه الممارسات على المحامين جميعًا، لكن وجودها يفرض نظامًا وقائيًا لا يقوم فقط على الثقة.


المطلوب هو:


حساب مهني مستقل لأموال الموكلين؛

منع خلطها بالأموال الشخصية؛

توثيق كل حركة مالية؛

إشعار الموكل بكل مبلغ محصل؛

تحديد أجل إلزامي لتحويله إليه؛

تأمين مهني إجباري؛

وصندوق ضمان لتعويض ضحايا الاختلاس أو الخطأ الجسيم.


فالمال الذي يتسلمه المحامي لحساب موكله ليس أتعابًا ولا ملكًا للهيئة، بل وديعة قانونية يجب أن تحاط بأقصى درجات الحماية.



حين تتحول الهيئة إلى خصم وحكم

تقوم الهيئات المهنية بدور أساسي في حماية استقلال المحامين وتنظيم المهنة والدفاع عن أعضائها.


لكن الإشكال يبدأ حين تصبح الهيئة، في الوقت نفسه:


ممثلة للمحامي؛

ومدافعة عن مصالحه؛

ومستقبلة لشكاية الموكل ضده؛

ومحققة في الشكاية؛

ومصدرة للقرار التأديبي.


هذا الجمع بين التمثيل والتحقيق والحكم يخلق تضاربًا مؤسسيًا واضحًا.


وقد أتى المشروع الجديد بآجال للبت في بعض الشكايات وإلزامية تعليل القرارات وفتح باب الطعن، وهي خطوات إيجابية من حيث المبدأ.


لكن الإصلاح الحقيقي يقتضي إنشاء جهاز تأديبي مستقل أو مختلط، يشارك فيه المحامون من دون أن ينفردوا بالقرار.


يمكن أن يضم هذا الجهاز:


قضاة متقاعدين؛

محامين منتخبين؛

أساتذة قانون؛

خبراء في المحاسبة؛

وممثلين عن حماية المستهلك والحقوقيين.


المقصود ليس إخضاع المحامي للإدارة، بل ضمان ألا تبقى شكاية المواطن رهينة التضامن المهني أو العلاقات الداخلية.



الولوج إلى المهنة: الكفاءة أم إعادة إنتاج العائلات المهنية؟

من أكثر القضايا حساسية مسألة الولوج إلى المحاماة.

ففي الأوساط الحقوقية والمهنية تتردد شكايات عن تفاوت غير معلن بين أبناء العائلات المرتبطة بالمهنة وبين مرشحين لا يملكون علاقات داخل الهيئات.


ولا يمكن تقديم هذه الشكايات باعتبارها حقائق عامة مثبتة في غياب بيانات رسمية شاملة، لكن مجرد انتشار هذا الانطباع يضر بثقة الشباب في نزاهة الولوج.


إذا كان أبناء المحامين يحصلون، بحكم البيئة العائلية، على معرفة مسبقة بالمساطر ومكاتب التدريب وشبكات العلاقات، فإن الدولة ملزمة بمنع تحول هذه الأفضلية الاجتماعية إلى امتياز مؤسسي.


كما يجب أن تخضع بحوث النزاهة والسلوك والمعايير الأخلاقية لقواعد موحدة، وألا تكون أشد على مرشح مجهول اجتماعيًا وأخف أو معفاة على مرشح ينتمي إلى أسرة مهنية معروفة.


لا معنى لدولة القانون إذا كان اسم الأب أو الأم أو النقيب الذي يعرف الأسرة أكثر تأثيرًا من الكفاءة والاستحقاق.



من يكوّن المحامي؟

يقترح المشروع اعتماد المباراة وإحداث مسار تكويني يجمع بين التكوين النظري داخل معهد والتدريب الميداني، مع إلزامية التكوين المستمر. وتقدم الحكومة ذلك باعتباره مدخلًا للرفع من الكفاءة والقطع مع ضعف التأهيل.


هذه من أهم نقاط الإصلاح.


فالاعتماد الكلي على مكاتب المحامين في تكوين المتدربين أنتج تفاوتًا كبيرًا.


قد يجد متدرب نفسه داخل مكتب منظم يتيح له البحث والكتابة والحضور والتعلم، بينما يتحول آخر إلى مجرد مساعد إداري أو رسول بين المكتب والمحكمة.


كما أن ترك التكوين والقبول والتقييم بالكامل تحت سلطة الهيئات قد يرسخ إعادة إنتاج العلاقات العائلية والمهنية.


لكن وضع التكوين تحت إشراف وزارة العدل وحدها يحمل بدوره خطر التحكم الإداري والسياسي.


الحل ليس استبدال احتكار الهيئة باحتكار الوزارة، بل إنشاء معهد وطني مستقل لتكوين المحامين، يخضع لإشراف مؤسسي مشترك، ويضم في مجلس إدارته:


وزارة العدل؛

السلطة القضائية؛

هيئات المحامين؛

الجامعات؛

وممثلين عن الطلبة والمجتمع المدني.


ويتولى المعهد:


تنظيم مباراة وطنية موحدة؛

نشر النتائج والمعايير؛

التكوين في المساطر والمرافعة والبحث؛

التدريب على الأخلاقيات والمحاسبة؛

التكوين الرقمي؛

تقييم التدريب الميداني؛

ومنح شهادة الكفاءة بناء على امتحان مستقل.


وبذلك لا يبقى مصير المرشح بيد الهيئة وحدها، ولا يصبح تابعًا للوزارة وحدها.



التخصص: الحلقة التي لم يمنحها القانون ما تستحق

يمكن للمحامي المغربي أن يتولى في أسبوع واحد:


ملفًا جنائيًا؛

ونزاعًا عقاريًا؛

وملفا تجاريا؛

وقضية طلاق؛

وطعنًا ضريبيًا؛

وملفًا إداريًا.


هذا النموذج كان مفهومًا حين كانت التشريعات محدودة نسبيًا، لكنه لم يعد ملائمًا لعالم قانوني شديد التنوع والتعقيد.


فالقانون الضريبي وحده يتطلب معرفة محاسبية ومالية متخصصة.


والجرائم الإلكترونية تتطلب فهمًا للتقنيات والأدلة الرقمية.


والتحكيم الدولي يتطلب معرفة بالاتفاقيات والقوانين المقارنة.


وقانون المنافسة والملكية الفكرية وأسواق المال والصفقات العمومية وحماية البيانات كلها مجالات لا تكفي فيها المعرفة القانونية العامة.


المحامي الذي يدعي القدرة على ممارسة كل شيء يشبه طبيبًا يباشر الجراحة والقلب والأعصاب وطب الأطفال والنساء في الوقت نفسه.


قد يكون واسع الثقافة، لكنه لا يمكن أن يمتلك العمق نفسه في جميع المجالات.


ومن ثم، ينبغي إنشاء نظام وطني للتخصص يقوم على:


سنوات خبرة محددة؛

تكوين متخصص؛

امتحان أو تقييم مهني؛

حد أدنى من الملفات المنجزة؛

وتكوين مستمر إلزامي.


ويجب أن يُتاح للمواطن الاطلاع على سجل وطني يوضح:


تخصص المحامي؛

سنوات ممارسته؛

اللغات التي يعمل بها؛

المحاكم التي يحق له الترافع أمامها؛

ومجالات خبرته المعتمدة.


ولا يلزم أن يمنع المحامي العام من جميع القضايا، خصوصًا في المرحلة الابتدائية وفي المدن الصغيرة، لكن بعض الملفات الدقيقة يجب أن تقتصر تدريجيًا على أصحاب الاعتماد المتخصص.



من المحامي الفرد إلى شركة المحاماة

ظلت الممارسة المغربية قائمة أساسًا على نموذج المكتب الفردي أو الشراكات المهنية المحدودة، وهو نموذج لم يعد قادرًا وحده على مواكبة تعقيد الاقتصاد الحديث أو منافسة المكاتب الدولية.


وقد نص مشروع القانون، وفق العرض الرسمي لوزارة العدل، على تنويع أشكال الممارسة وفتح المجال أمام الشراكات والشركات المهنية، إلى جانب التعاون المنظم مع المحامين الأجانب.


وهذا تطور إيجابي، بشرط ألا تكون الشركة مجرد اسم يخفي استمرار المكتب الفردي، أو وسيلة لتركز السوق في يد مجموعات مالية مغلقة.


شركة المحاماة الحديثة تسمح بتجميع:


محامين متخصصين؛

خبراء ضريبيين؛

باحثين قانونيين؛

محاسبين؛

خبراء امتثال؛

وتقنيين في الأدلة الرقمية.


كما تتيح بناء إدارة داخلية، ومراقبة جودة، وتأمين، ومحاسبة، وتوزيع واضح للمسؤوليات.


لكن يجب أن ينص القانون على:


ملكية مهنية واضحة؛

منع تدخل المستثمر غير المهني في استقلال الدفاع؛

قواعد تضارب المصالح؛

مسؤولية الشركة والشريك؛

شفافية الحسابات؛

وحماية بيانات العملاء.



هل كل خدمة قانونية يجب أن يحتكرها المحامي؟

تتوسع مطالب بعض الهيئات لتشمل احتكار تحرير العقود والاستشارات وبعض الإجراءات القانونية والإدارية.


لكن السؤال هو: هل تحتاج كل خدمة قانونية إلى محام؟


هناك فرق بين:


المرافعة أمام المحكمة؛

والاستشارة القانونية المعقدة؛

وتحرير عقد تجاري كبير؛

وبين ملء نموذج إداري أو إعداد طلب بسيط أو مساعدة شركة على الامتثال لإجراء روتيني.


احتكار جميع الخدمات القانونية يرفع الكلفة، ويغلق السوق أمام آلاف خريجي الحقوق، ويحول المحامي إلى وسيط إلزامي حتى في أعمال يمكن أن يؤديها مهنيون آخرون تحت رقابة القانون.


يمكن للمغرب إحداث مهن قانونية جديدة، مثل:


المستشار القانوني المعتمد؛

محرر العقود والالتزامات (دون العقارية)؛

مساعد التقاضي؛

مسؤول الامتثال؛

الوسيط القانوني؛

مدير الملفات؛

ومساعد التنفيذ.


ويخضع كل نشاط لشروط تكوين وتأمين ومسؤولية.


هذا لا ينتقص من المحاماة، بل يحررها من الأعمال الروتينية، ويتيح للمحامي التفرغ للدفاع والاستشارة المعقدة والبحث والترافع.



المحامي "دكّان العطار"

تنتج العشوائية المهنية محاميًا يتولى كل شيء، لكنه لا يتعمق في شيء.

في بعض المكاتب، يتعاقد الموكل مع محام معروف، ثم يكتشف أن الملف ترك لمتدرب أو مساعد، أو أن المذكرات أعدت بصورة نمطية، أو أن المحامي لم يطلع بما يكفي على الوثائق.


وفي غياب مؤشرات للجودة، يختار المواطن المحامي بناء على:


الشهرة؛

العلاقات؛

القرب من دوائر النفوذ؛

الاسم العائلي؛

أو الوعود بالنتيجة ضدا في المقتضيات القانونية.


وهكذا تتحول المنافسة من منافسة في المعرفة والاجتهاد إلى منافسة في شبكة العلاقات.


التخصص، والشركات المهنية، والشفافية الرقمية، ونشر المؤهلات، كلها أدوات لتغيير هذا الوضع.



حق الاحتجاج وحدود الإضراب

للمحامين الحق في الاحتجاج على قانون يرونه، من وجهة نظرهم، ماسًا باستقلالهم.


لكن المحاماة ليست نشاطًا تجاريًا عاديًا يمكن إغلاقه من دون أثر على الحقوق الأساسية.


حين يتوقف المحامي عن العمل، قد يبقى:


معتقل بلا دفاع؛

وأم بلا نفقة؛

وعامل بلا تعويض؛

ومقاولة مهددة بالإفلاس؛

وطعن معرض لسقوط الأجل؛

ومواطن عاجز عن تنفيذ حكم.


لهذا لا يجوز أن يتحول الإضراب إلى تعليق شامل للعدالة.، هذا تصرف غير مسؤول.


يجب أن يقر القانون والمهنة معًا خدمة دنيا إلزامية تشمل:


قضايا الاعتقال؛

القاصرين؛

العنف؛

الاستعجال؛

الآجال المسقطة؛

المساعدة القضائية؛

والقضايا التي يترتب عن تأخيرها ضرر لا يمكن إصلاحه.


حق المحامي في الاحتجاج لا يعلو على حق المواطن في الحرية والمحاكمة العادلة.



الحكومة أيضًا ليست بلا مسؤولية

رغم وجاهة كثير من أهداف المشروع، لا يمكن إعفاء الحكومة من المسؤولية.


فالتشريع الذي يمس مهنة حساسة يجب أن يُبنى على ثقة وتوافق واسع، لا على منطق الغلبة العددية وحده.


كما أن الحكومة مطالبة بتوضيح:


حدود رقابتها؛

ضمانات السر المهني؛

استقلال المعهد؛

معايير الولوج؛

دور الوزارة في التأديب؛

وحماية المحامين الذين يتولون ملفات في مواجهة الدولة.


ويجب ألا يستخدم غضب المواطنين من بعض المحامين ذريعة لإضعاف الدفاع ككل.


فالدولة القوية ليست التي تملك محامين ضعفاء، بل التي تقبل وجود دفاع مستقل وقادر على مساءلتها.



إصلاح لا ينتصر فيه الوزير ولا النقيب

الإصلاح المطلوب لا ينبغي أن ينتهي بانتصار وزارة العدل على الهيئات، ولا بانتصار الهيئات على الحكومة.


ينبغي أن ينتصر فيه المتقاضي.


ويتطلب ذلك بناء نموذج يقوم على:


استقلال المهنة


لا وصاية مباشرة لوزارة العدل على الدفاع، مع خضوع القرارات المهنية للطعن أمام قضاء مستقل.


معهد وطني مستقل


تكوين موحد وشفاف تشارك فيه الدولة والهيئات والجامعات والقضاء، من دون احتكار أي طرف.


تخصص مهني معتمد


الانتقال التدريجي من المحامي العام إلى منظومة تخصصات واضحة وفق سلم ترقيات.


شفافية الأتعاب


عقد مكتوب مفصل، ووصولات، ونطاقات معلنة، وضبط لأتعاب النتيجة.


حماية الأموال


حسابات مستقلة، ورقابة قانونية، وتأمين وصندوق تعويض.


تأديب مستقل


جهاز مختلط لا تكون فيه الهيئة المهنية خصمًا وحكمًا.


شركات محاماة حديثة


تجميع التخصصات مع منع الاحتكار المالي والتدخل في استقلال الدفاع.


مهن قانونية موازية


فتح بعض الخدمات لخريجي الحقوق المؤهلين بدل احتكار كل عمل قانوني.


خدمة دنيا أثناء الإضراب


ضمان استمرار الدفاع في القضايا التي تمس الحرية والآجال والحقوق الأساسية.



الخاتمة


لا يمكن إصلاح المحاماة بإخضاعها للحكومة.


ولا يمكن إصلاحها أيضًا بتركها تحتكر تنظيم نفسها، وتكوين أعضائها، وتأديبهم، وتحديد سوق خدماتها، والتصرف في أموال الموكلين من دون رقابة مستقلة.


إن استقلال المحامي ضرورة للعدالة، لكنه ليس رخصة للغموض أو الامتياز أو الإفلات من المحاسبة.


كما أن حماية الهيئات المهنية ضرورية، لكنها لا تعني حماية المصالح المغلقة أو إعادة إنتاج العائلات والشبكات المهنية.


لقد حان الوقت للانتقال من محاماة تقوم على الاسم والعلاقات والممارسة العامة غير المحدودة، إلى محاماة تقوم على:


الكفاءة، والتخصص، والشفافية، والمسؤولية، والمحاسبة.


وعندها فقط يمكن أن يصبح المحامي شريكًا حقيقيًا في العدالة، لا وسيطًا إلزاميًا بين المواطن وحقه، ولا عضوًا في سوق مغلقة تضع مصالح المهنة فوق مصالح المتقاضي.


فالسؤال الذي ينبغي أن يوجه النقاش ليس:


من سينتصر، الحكومة أم المحامون؟


بل:


هل سيخرج المغرب من هذا الصراع بمحاماة مستقلة عن السلطة، ولكنها خاضعة للقانون، ومتخصصة في خدماتها، وشفافة في أتعابها، ومسؤولة أمام المواطن؟


إن لم يتحقق ذلك، فسيتغير القانون، لكن المعضلة ستبقى كما هي.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق