عتبة العهد الجديد: انتقال العرش وسؤال الانتظار المغربي
لم يبدأ عهد محمد السادس من فراغ، فقد جاء انتقال العرش سنة 1999 بعد مرحلة طويلة من حكم الحسن الثاني، وهي مرحلة طبعت الدولة والمجتمع معًا؛ إذ تميزت، من جهة، ببناء مؤسسات الدولة بعد الاستقلال، وتثبيت السلطة المركزية، وترسيخ الملكية التنفيذية، وتميزت، من جهة أخرى، بإدارة صراعات سياسية حادة مع المعارضة، وسنوات من الاضطرابات والتوتر والانغلاق النسبي، ثم محاولات انفتاح ومصالحة جزئية في أواخر العهد.
ولذلك لم يكن رحيل الحسن الثاني مجرد نهاية ملك، بل نهاية زمن سياسي كامل، بذاكرته الثقيلة، ورموزه، ومخاوفه، وإنجازاته، وجراحه المفتوحة. كان المغرب، لحظة الانتقال، بلدًا مستقرًا في صورته العامة، لكنه كان يحمل في داخله أسئلة كبرى لم تُحسم بعد: سؤال الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية، وتوزيع الثروة، وعلاقة الدولة بالمجتمع، والتنمية في العالم القروي، والتعليم، والصحة، والإدارة، والثقة في المؤسسات.../...
من هنا استقبل جزء واسع من المغاربة العهد الجديد بكثير من الأمل. ولم يكن هذا الأمل نابعًا فقط من تغير شخص الملك، بل من الإحساس بأن مرحلة كاملة قد انتهت، وأن البلاد تقف أمام فرصة تاريخية لإعادة ترتيب علاقتها بذاتها. كان هناك انتظار شعبي وسياسي ونخبوي لطي صفحة الماضي، أو على الأقل فتحها بشجاعة، وللانتقال من منطق الدولة الحذرة إلى منطق الدولة الواثقة، ومن منطق التحكم إلى منطق المشاركة، ومن هاجس الأمن السياسي إلى أفق التنمية والكرامة.
وقد ساعدت السنوات الأولى من حكم العاهل المغربي محمد السادس على تغذية هذا الأمل. فقد بدا الملك الجديد مختلفًا في صورته ولغته ورمزيته: شابًا صامتا، لكن قريبًا في حضوره الإعلامي من الفئات الاجتماعية الهشة، حريصًا على الظهور في المناطق المهمشة، ومهتمًا بخطاب التنمية والإنصاف والمصالحة. ولذلك لم يتلقَّ جزء واسع من المجتمع انتقال العرش بوصفه انتقالًا مؤسسيًا فقط، بل بوصفه احتمالًا لبداية سياسية وأخلاقية جديدة.
ومن هنا نشأت عبارة “العهد الجديد”، لا بوصفها توصيفًا زمنيًا فحسب، بل بوصفها وعدًا سياسيًا ومعنويًا: وعدًا بمغرب أقل خوفًا، وأكثر إنصافًا، وأقرب إلى المواطن. كان الناس ينتظرون دولة تصالح ذاكرتها، وتخفف قبضتها، وتفتح المجال العام، وتعيد الاعتبار للفئات والجهات التي بقيت طويلًا خارج مركز القرار والتنمية.
كان إعفاء إدريس البصري من وزارة الداخلية، أو «أم الوزارات» كما كانت تُسمّى آنذاك، واحدًا من أقوى الرموز المبكرة لهذا التحول؛ لأنه لم يُقرأ فقط بوصفه تغييرًا في منصب حكومي، بل بوصفه نهاية رمزية لطريقة في الحكم ارتبطت بسنوات السلطة الصلبة. فقد كان البصري، في المخيال السياسي المغربي، أكثر من وزير داخلية؛ كان عنوانًا لمرحلة كاملة من تدبير السلطة والأمن والانتخابات والعلاقة بين الدولة والمجتمع. ولذلك حمل إعفاؤه دلالة تتجاوز الشخص إلى النموذج.
ثم جاء فتح ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، عبر هيئة الإنصاف والمصالحة، ليعزز الانطباع بأن الدولة مستعدة لمواجهة جزء من ماضيها، ولو ضمن حدود مضبوطة. لم يكن الأمر مجرد إجراء إداري، بل لحظة رمزية في علاقة المغرب بذاكرته السياسية؛ إذ بدا أن الدولة تعترف بأن جزءًا من تاريخها يحتاج إلى كشف وجبر وإنصاف، لا إلى صمت أو نسيان.
وجاء إصلاح مدونة الأسرة ليضيف بعدًا اجتماعيًا وقانونيًا إلى صورة العهد الجديد. فقد قُدّم الإصلاح بوصفه محاولة للتوفيق بين المرجعية الدينية ومتطلبات العدالة الاجتماعية والتحولات التي عرفتها الأسرة المغربية. ولم يكن النقاش حول المدونة قانونيًا فقط، بل كان نقاشًا حول موقع المرأة، وسلطة التأويل، وحدود الإصلاح، وطبيعة الدولة نفسها: هل تستطيع أن تحدث تغييرًا اجتماعيًا عميقًا من داخل الشرعية الدينية والمؤسسية، لا من خارجها؟
وفي الوقت نفسه، بدأت الدولة تقدم خطابًا جديدًا حول التنمية البشرية، ومحاربة الفقر، والعناية بالعالم القروي، وتوسيع البنية التحتية، وربط المناطق المعزولة، وتحديث صورة المغرب في الخارج. كان واضحًا أن العهد الجديد يريد أن ينتقل من شرعية الاستقرار المؤسسي وحدها إلى شرعية الإنجاز، ومن خطاب الأمن السياسي إلى خطاب التنمية الاجتماعية.
غير أن هذه البداية الواعدة لم تكن تجري فوق أرض خالية من التناقضات. فقد كان المغرب يحمل تراكمات ثقيلة: اقتصادًا محدود القدرة على خلق فرص شغل كافية، وتعليمًا مأزومًا، وإدارة بطيئة مثقلة بالزبونية والبيروقراطية، وأحزابًا ضعيفة أو فاقدة للمصداقية، ونخبًا سياسية متعبة، ومجالًا قرويًا واسعًا خارج نسق التنمية، وفوارق اجتماعية ومجالية عميقة. لذلك لم يكن السؤال الحقيقي: هل بدأ العهد الجديد بإشارات قوية؟ نعم، بدأ بإشارات قوية. بل السؤال الأدق: هل تحولت تلك الإشارات إلى بنية إصلاح دائمة؟ وهل استطاعت الرموز الأولى أن تنتج قواعد جديدة للحكم والتنمية والمساءلة؟
هنا تظهر أهمية التمييز بين لحظة الانفتاح ولحظة التحول. فقد تعرف الدول لحظات انفتاح دون أن تدخل بالضرورة في تحول بنيوي عميق. والانفتاح قد يخفف الاحتقان، ويغير اللغة، ويمنح المجتمع متنفسًا، ويعيد بناء الثقة مؤقتًا، لكنه لا يصبح تحولًا حقيقيًا إلا إذا مسّ قواعد توزيع السلطة، وآليات إنتاج القرار، وطرق تدبير الثروة، ومكانة المواطن في الدولة، وقدرة المؤسسات على مراقبة نفسها.
من هذه الزاوية، لا ينبغي قراءة السنوات الأولى من عهد محمد السادس بوصفها نجاحًا مكتملًا أو فشلًا مبكرًا، بل بوصفها لحظة تأسيسية مفتوحة. لقد حملت وعدًا حقيقيًا، وأطلقت إشارات معتبرة، وخلقت أفق انتظار واسعًا. لكنها في الوقت نفسه وضعت الأساس للسؤال الذي سيلازم ربع قرن كاملًا: هل كان العهد الجديد بداية انتقال عميق، أم تحديثًا محسوبًا داخل بنية سلطة تنفيذية مستمرة؟
لقد كان المغرب، في نهاية التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، محتاجًا إلى أكثر من تغيير الصورة. كان محتاجًا إلى مصالحة الذاكرة مع العدالة، والتنمية مع الكرامة، والاستقرار مع المشاركة، والملكية التنفيذية مع المؤسسات الوسيطة، والمشاريع الكبرى مع حاجات المواطن اليومية. وهذه هي العقدة التي سيظل العهد الجديد يدور حولها: كيف يمكن الجمع بين قوة الدولة وعدالة المجتمع؟ بين الحضور الخارجي والتوازن الداخلي؟ بين الاستقرار السياسي والإصلاح الديمقراطي؟ بين الإنجاز الرمزي والأثر الاجتماعي؟
ومن هنا فإن استحضار خلفية انتقال العرش ليس ترفًا تاريخيًا، بل ضرورة منهجية؛ لأن كل حصيلة لا تُفهم إلا انطلاقًا من نقطة البداية. فإذا كانت سنة 1999 قد مثلت لحظة وعد، فإن التقويم بعد ربع قرن لا يسأل فقط عن عدد المشاريع التي أُطلقت، ولا عن قوة الدولة في الخارج، ولا عن صورة المغرب في التقارير والخطابات، بل يسأل قبل ذلك وبعده: ماذا بقي من وعد العهد الجديد في حياة المواطن المغربي؟
هل صار المواطن أكثر ثقة في المدرسة؟ أكثر اطمئنانًا إلى المستشفى؟ أكثر قدرة على العمل والعيش الكريم؟ أكثر شعورًا بالعدالة أمام الإدارة والقضاء؟ أكثر مشاركة في القرار العام؟ أكثر إحساسًا بأن الدولة لا تراه رقمًا انتخابيًا أو مستفيدًا ظرفيًا من برنامج اجتماعي، بل صاحب حق وكرامة ومواطنة كاملة؟
هكذا تبدأ الحصيلة من سؤال البداية. فقد كان انتقال العرش سنة 1999 لحظة أمل، لكن الأمل في السياسة لا يُقاس بحرارة الاستقبال الأول، بل بما يتحقق بعد زمن كافٍ من الاختبار. ولذلك فإن هذه السلسلة لا تنطلق من سنة 1999 بوصفها تاريخ جلوس ملك جديد على العرش فقط، بل بوصفها لحظة وعد كبرى في تاريخ المغرب المعاصر.
لم يكن انتقال العرش سنة 1999 مجرد انتقال للسلطة، بل لحظة وعد تاريخي بمغرب أقل خوفًا، وأكثر إنصافًا، وأقرب إلى المواطن. وبعد أكثر من ربع قرن، لم يعد السؤال: كيف استُقبل العهد الجديد؟ بل: ماذا بقي من ذلك الوعد في السياسة والمدرسة والمستشفى والعمل والإدارة والقضاء؟ وماذا فعل المغرب بفرصة العهد الجديد، وماذا فعل العهد الجديد بالمغرب؟
يتبع...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق