لامين يامال: إسباني حين ينتصر، ومغربي حين يُسأل عن أصوله

 


هل تحسم النجومية ما عجز الاندماج عن حسمه؟


لم يعد لامين يامال (أمين جمال) مجرد لاعب كرة قدم موهوب، ولا مجرد نجم قاد المنتخب الإسباني إلى لقب عالمي جديد. فقد أصبح، في سنوات قليلة، رمزًا لنقاش أوسع يتجاوز المستطيل الأخضر إلى أسئلة الهوية والهجرة والانتماء والدين والاندماج، بل وإلى الطريقة التي تعيد بها المجتمعات تعريف أبنائها حين ينجحون، وتتذكر أصولهم حين يتعثرون.


ومع تتويج إسبانيا بكأس العالم، عاد الجدل بقوة حول اختيار يامال تمثيل المنتخب الإسباني بدل المنتخب المغربي، بحكم أصوله المغربية من جهة الأب، وانتمائه الديني والثقافي الذي ظل حاضرًا في سلوكه وصورته العامة.../...


وقد استندت قراءات متعارضة إلى تصريح واحد لجدته فاطمة، قالت فيه إن حفيدها «وُلد هنا وكبر هنا، وإن والده لم يفرض عليه شيئًا، وإنه لعب للمنتخب الذي اختاره».


عبارة بسيطة في ظاهرها، لكنها أصبحت أساسًا لتأويلين متناقضين: الأول رأى فيها نهاية للنقاش، وبرهانًا على أن يامال إسباني كامل الانتماء، وأن كل استدعاء لأصوله المغربية مجرد مزايدة عاطفية. أما الثاني، فانطلق من شهادة الجدة نفسها حول ما تعرض له حفيدها من عنصرية وإهانات بسبب أصوله المغربية والإفريقية، ليؤكد أن قصة اندماجه لم تكن طبيعية ولا مكتملة، وأن الاعتراف به إسبانيًا جاء بعد أن أصبح نجمًا يصنع الانتصارات.


وهنا تبدأ المسألة الحقيقية.


هل يحسم مكان الميلاد الهوية؟


من الطبيعي أن يختار لامين يامال إسبانيا. فهو وُلد فيها، وترعرع في أحيائها، وتكوّن في مدارسها، وتدرج في فئاتها الكروية، وبنى حلمه داخل منظومتها الرياضية. ومن هذه الزاوية، لا يبدو اختياره غريبًا أو مفروضًا أو خيانة لأصله.


لكن تحويل مكان الميلاد إلى حجة نهائية تلغي كل ما عداه لا يقل اختزالًا عن اختزال الهوية في الاسم أو الأصل.


فالهوية ليست بطاقة حالة مدنية، كما أنها ليست اسمًا عائليًا فقط.


إنها بناء مركب يتداخل فيه:


  •  الأصل العائلي؛
  •  مكان الميلاد؛
  •  اللغة؛
  •  الدين؛
  •  الذاكرة؛
  •  المجتمع؛
  •  التجربة الشخصية؛
  •  والانتماء القانوني والسياسي.


ويامال يجسد هذه التركيبة كاملة. فهو إسباني المولد والتنشئة، مغربي من جهة الأب، إفريقي من جهة الأم، ومسلم في انتمائه الديني. ولا يمكن اختزال هذه الطبقات كلها في قميص المنتخب الذي اختار ارتداءه.


اختياره إسبانيا يحسم هويته الرياضية، لكنه لا يحسم وحده كل عناصر هويته الإنسانية والثقافية.



هل لقنت الجدة لقجع درسًا؟


ذهب أحد الخطابات إلى القول إن جدة يامال لقنت فوزي لقجع درسًا في التاريخ والهوية عندما قالت إن حفيدها ولد في إسبانيا وترعرع فيها.


لكن هذا الاستنتاج يحمل من المبالغة أكثر مما يحمل من التحليل.


فالجدة لم تقدم درسًا في التاريخ، ولم تناقش علاقة المغرب بإسبانيا، ولم تفكك مفهوم الهوية، ولم تنف أصول حفيدها المغربية. لقد دافعت ببساطة عن حقه في اختيار المنتخب الذي يريده، وأكدت أن القرار لم يكن مفروضًا عليه.


وهذا موقف مشروع ومحترم.


أما عبارة فوزي لقجع: «هل تعرفون في إسبانيا اسم جمال؟»، فهي بدورها لم تكن أفضل صياغة ممكنة. فقد اختزلت رابطة معقدة في اسم، وفتحت المجال لمن أراد تحويل النقاش من سؤال الانتماء إلى سجال حول السطحية والجهل بالتاريخ.


لكن ضعف العبارة لا يلغي أصل الفكرة.


فاسم يامال، وأصل والده، ودينه، وعلاقته بعائلته المغربية، كلها تؤكد أنه ليس إسبانيًا منقطع الصلة بالمغرب. هو إسباني من أصول مغربية واضحة، وهذا وصف للواقع لا مطالبة بإلغاء اختياره.


كان خطأ لقجع في صياغة الحجة، لا في الاعتراف بوجود الرابطة المغربية.


الجدة نفسها تكشف تناقض الاندماج.


المفارقة أن التصريح الذي استُخدم لإغلاق النقاش أعاد فتحه من باب آخر.


فالجدة نفسها روت أن حفيدها تعرض في طفولته وشبابه لعبارات عنصرية بسبب أصله المغربي والإفريقي. وتحدثت عن زمن كان يُنظر إليه فيه باعتباره مختلفًا، قبل أن تتغير نظرة كثير من الإسبان إليه مع صعود نجمه.


وهنا يصبح السؤال مشروعًا:


هل قُبل يامال لأنه كان إسبانيًا منذ البداية، أم لأنه أصبح مفيدًا لصورة إسبانيا وانتصاراتها؟


قبل النجومية، كان ابن المهاجرين المنبوذ.


وبعد النجومية، أصبح وجه إسبانيا الرياضي.


هذه المفارقة ليست خاصة به، بل تتكرر في عدد من المجتمعات الأوروبية ومنها فرنسا على وجه الخصوص. فاللاعب ذو الأصل المهاجر يصبح «ابن الوطن» حين ينتصر، لكنه يعود إلى أصله العرقي أو الديني عند أول إخفاق.


حين يسجل هدفا، يكون إسبانيًا.


وحين يسجد، يتذكر بعضهم أنه مسلم.


وحين يفوز، يصبح رمزًا للاندماج الوطني.


وحين يعترض على العنصرية، يُذكَّر بأنه ابن مهاجرين.


وهذا هو القبول المشروط: وطنية كاملة ما دام النجاح مستمرًا، وهوية موضع شك عندما يتغير السياق.



يامال بين الاندماج والقبول المشروط


لا يمكن إنكار أن إسبانيا أتاحت ليامال فضاء التكوين والصعود، وأن نادي برشلونة والمنظومة الإسبانية أسهما في صناعة مسيرته. كما لا يمكن إنكار أنه عبّر بنفسه عن تعلقه بالبلد الذي وُلد فيه، وعن رغبته في إسعاد الإسبان.


لكن الاندماج الحقيقي لا يُقاس فقط بقدرة الفرد على النجاح، بل بقدرة المجتمع على قبوله دون أن يطلب منه التخلي عن دينه أو أصله أو ذاكرته.


وهنا تكشف قصة يامال حدود الاندماج الإسباني.


لقد تعرض لهتافات معادية للمسلمين.


وأثار سجوده اعتراضات من تيارات  يمينية متطرفة.


واستُخدم أصله في نقاشات سياسية حول الهجرة في البرلمان.


وهذا يعني أن نجاحه لم يلغِ التوتر بين إسبانيا الجديدة المتعددة الأصول وإسبانيا القديمة التي لا تزال تبحث عن تعريف ضيق لهويتها المسيحية.


يامال لم يعد مجرد لاعب، بل أصبح ساحة رمزية للصراع حول السؤال التالي:


هل يستطيع المسلم ذو الأصل المغربي والإفريقي أن يكون إسبانيًا كاملًا دون أن يُطلب منه إخفاء شيء من ذاته؟



اختيار رياضي أم اختيار وطني؟


من الخطأ تصوير قرار يامال بوصفه خيانة للمغرب، كما من الخطأ تقديمه باعتباره برهانًا على أن الأصل لا قيمة له.


القرار الرياضي تحكمه عوامل متعددة:


  •  بلد الميلاد؛
  •  مسار التكوين؛
  •  البيئة الاجتماعية؛
  •  قوة المنتخب؛
  •  فرص المنافسة؛
  •  المشروع الرياضي؛
  •  والإحساس الشخصي بالانتماء.


ومن الطبيعي أن يرى لاعب نشأ في إسبانيا وتدرج في فئاتها العمريّة أن مستقبله مع منتخبها.


لكن من المشروع أيضًا القول إن اختيار إسبانيا كان أكثر من قرار عاطفي. فقد كان اختيارًا لمنظومة رياضية أقوى، ومنتخب أكثر حظوظًا في التتويج، ومسار يمنحه حضورًا عالميًا أوسع.


وهذا لا ينتقص من قراره، لكنه يضعه في إطاره الواقعي.


فاللاعبون لا يختارون المنتخبات دائمًا وفق الانتماء الوجداني وحده، بل وفق فرص النجاح أيضًا.


حق المغرب وحدود هذا الحق


للمغرب أن يعتز بأصول يامال، وأن يرى فيه ابنًا من أبناء الهجرة المغربية الناجحين. ومن الطبيعي أن يشعر كثير من المغاربة بأنه كان يمكن أن يمثل منتخبهم، خصوصًا بعدما أصبح أحد أبرز نجوم العالم.


لكن الاعتزاز شيء، ومصادرة الاختيار شيء آخر.


ليس من حق أي طرف أن يطالب اللاعب بأن يثبت وفاءه لأصله عبر القميص الرياضي وحده. ولا ينبغي تحويل المنتخب إلى محكمة للهوية.


فكثير من أبناء الجالية يعيشون انتماءات متعددة، ولا ينبغي إجبارهم على اختيار أحدها في كل مرة.


يمكن ليامال أن يكون إسبانيًا في المواطنة والتنشئة، ومغربيًا في الأصل العائلي، ومسلمًا في انتمائه الديني، وإفريقيًا في جذوره. ولا يلغي أحد هذه الأبعاد الآخر.


كما أن عدم لعبه للمغرب لا يعني تنكره لأصله، مثلما أن لعبه لإسبانيا لا يمنح المجتمع الإسباني حق احتكار هويته كاملة.



خطآن متقابلان


يقع النقاش غالبًا بين خطابين متعارضين، لكنهما يشتركان في الخطأ نفسه: فرض هوية أحادية.


الخطاب الأول يقول:


أصلك مغربي، إذن كان يجب أن تلعب للمغرب.


والخطاب الثاني يقول:


وُلدتَ في إسبانيا، إذن لم يعد للمغرب أي صلة بك.


كلاهما يلغي جانبًا من الحقيقة.


الأول يحول الأصل إلى واجب رياضي.


والثاني يحول المواطنة إلى محو للذاكرة والجذور.


أما الحقيقة فهي أن يامال ينتمي إلى أكثر من فضاء في الوقت نفسه، وأن الهوية الحديثة لم تعد صندوقًا مغلقًا، بل بناء متداخلًا ومتعدد الطبقات.



هل أصبح يامال إسبانيًا لأنه نجح؟


السؤال الأكثر حساسية لا يتعلق بما إذا كان يامال إسبانيًا أم مغربيًا، بل بطريقة تعامل المجتمع معه.


فلو كان شابًا عاديًا في حي روكافوندا، يعمل في مهنة بسيطة، ويحمل الاسم نفسه، ويصلي بالطريقة نفسها، ويسجد في المكان نفسه، هل كان سيُقدم بوصفه «وجه إسبانيا»؟


أم أن موهبته هي التي فتحت له باب الاعتراف الوطني الكامل؟


هذا السؤال لا يطعن في إسبانيته، لكنه يكشف آلية اجتماعية معروفة: النجاح يسرّع الاندماج الرمزي، بينما يبقى آلاف أبناء المهاجرين في الهامش رغم أنهم ولدوا في البلد نفسه.


ولهذا فإن قصة يامال ليست دليلًا نهائيًا على نجاح الاندماج، بل قد تكون استثناءً باهرًا يخفي صعوبة القاعدة.



حين تصبح كرة القدم مختبرًا للهوية


تمنح كرة القدم للدول فرصة إعادة تعريف نفسها أمام العالم.


فعندما يضم المنتخب أبناء المهاجرين ويحقق بهم الانتصارات، يصبح صورة لمجتمع جديد متعدد الأصول. لكنها في الوقت نفسه تكشف التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع الاجتماعي.


إسبانيا تحتفل بيامال رمزًا للوحدة، بينما تصعد فيها أحزاب ترفض الهجرة وتخشى الإسلام.


فرنسا تقدم منتخبًا متعدد الأصول، بينما يستمر فيها الجدل حول من هو الفرنسي.


وأوروبا عمومًا تستفيد من أبناء الهجرة في الملاعب والمختبرات والاقتصاد، لكنها لا تحسم دائمًا موقعهم داخل روايتها الوطنية.


يامال، بهذا المعنى، ليس مجرد لاعب. إنه مرآة لإسبانيا التي تتغير، ولأوروبا التي تستفيد من التنوع لكنها لا تزال مترددة في الاعتراف الكامل به.



الخلاصة: قميص واحد وهوية متعددة


اختار لامين يامال إسبانيا، وكان ذلك حقه الكامل.


لكن اختياره لا يمحو أصوله المغربية، ولا يلغي دينه، ولا يمنح أحدًا حق القول إن علاقته بالمغرب انتهت بمجرد ارتداء القميص الإسباني.


كما أن اعتزاز المغرب بأصوله لا يعطيه حق مساءلته عن وفائه، ولا تحويله إلى غنيمة ضائعة.


الحقيقة الأعمق أن يامال هو ابن عالم جديد لا تنجح فيه الهويات الأحادية القديمة.


هو إسباني لأنه ولد وتربى واختار تمثيل إسبانيا.


وهو مغربي من جهة أبيه وذاكرته العائلية.


وهو إفريقي من جهة أمه.


وهو مسلم في انتمائه الديني.


ولا يحتاج إلى إنكار أي من هذه الطبقات حتى يثبت الأخرى.


لكن قصة نجاحه تظل تطرح سؤالًا لا ينبغي تجاهله:


هل قبلته إسبانيا لأنه كان واحدًا منها منذ البداية، أم لأنها اكتشفت أنه قادر على منحها الانتصار؟


وبين وطن الميلاد ووطن الأصل، تبقى النجومية قادرة على جمع الناس حول لاعب، لكنها لا تكفي وحدها لحل كل تناقضات الهوية والاندماج.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق