حين تنتقل أولوية العهد من بناء قوة الدولة إلى تعميم أثرها في حياة المواطن
لم يكن خطاب العرش الذي وجهه الملك محمد السادس إلى المغاربة مساء 29 يوليوز 2026 مجرد جرد لمنجزات سنة انقضت، ولا دفاعًا عن حصيلة حكومة توشك ولايتها على الانتهاء. كان، في بنيته العميقة، خطابًا عن حصيلة مسار، وعن انتقال المغرب من مرحلة أولى ركزت على بناء قوة الدولة وتحديث بنياتها الاستراتيجية، إلى مرحلة ثانية يفترض أن تجعل المواطن يشعر بالأثر المباشر لهذه القوة في حياته اليومية.
فبعد سبع وعشرين سنة من اعتلاء العرش، لم يتحدث الملك بمنطق المسؤول التنفيذي الذي يقدم تقريرًا قطاعيًا عن سنة مالية أو برنامج حكومي، بل بمنطق رئيس الدولة الذي يضع المنجزات الحالية داخل زمن استراتيجي طويل، يتجاوز عمر الحكومات والبرلمانات، ويستمر رغم تعاقب الأغلبية السياسية وتغير الوزراء والمسؤولين.../...
وقد قال الملك صراحة إن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية التي تحققت تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني، لأنها نتيجة سنوات متوالية من التراكمات وصواب الاختيارات الاستراتيجية الكبرى. كما أعلن التطلع، بعد الانتخابات التشريعية المقبلة وانبثاق حكومة جديدة، إلى إطلاق دورة جديدة في المسار التنموي، شعارها تحصين المكاسب ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى.
ومن هنا، فإن الخطاب لا يعلن نهاية نموذج وبداية نموذج مناقض له، بقدر ما يعلن الانتقال من مرحلة تأسيس القاعدة المادية والاستراتيجية للدولة إلى مرحلة تعميم آثارها الاجتماعية والمجالية.
﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾: المفتاح الدلالي للخطاب
لا يمكن فهم الخطاب بعيدًا عن الآية التي استحضرها الملك في افتتاحه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
فالاستشهاد هنا لم يكن مجرد افتتاح ديني أو تعبير بروتوكولي عن الحمد، بل كان مفتاحًا قيميًا وسياسيًا لفهم الرسالة كلها.
الشكر في هذا السياق لا يعني الاكتفاء بما تحقق، ولا إلغاء النقد البناء، ولا مطالبة المواطنين بالصمت أمام الاختلالات. إنه يعني أولًا إدراك قيمة ما راكمه المغرب في محيط إقليمي ودولي مضطرب، ثم تحويل هذا الإدراك إلى ثقة في القدرة على استكمال المسار.
فالملك دعا المغاربة إلى تقدير نعمة الأمن والاستقرار السياسي والمؤسسي، واعتبرها رأسمالًا استراتيجيًا نادرًا في عالم يعرف الحروب والانقسامات وتفكك الدول وتعطل مؤسساتها. وأكد أن المغرب يستمد قوته من تاريخه باعتباره دولة أمة عريقة، ومن عمل مؤسساته في إطار من الانسجام والتكامل.
والشكر هنا ليس شعورًا سلبيًا بالامتنان، بل التزام بصيانة المكتسبات وتطويرها.
أما «الزيادة»، فهي لا تعني مجرد إضافة طريق أو ميناء أو مصنع جديد، وإنما الانتقال إلى درجة أعلى من التنمية: تحويل البنية التحتية إلى إنتاج، والإنتاج إلى فرص عمل، والنمو إلى دخل، والاستقرار إلى طمأنينة اجتماعية، وقوة الدولة إلى كرامة يومية للمواطن.
وبهذا المعنى، تصبح الآية تلخيصًا لمسار من مرحلتين:
مرحلة شكر ما تحقق من أمن واستقرار وتحديث خلال 27 سنة من حكم العاهل المغربي.
ثم مرحلة استثمار هذه النعم لزيادة أثر التنمية على الإنسان والمجال، وهو المخطط المستقبلي الذي مهد له الخطاب.
خطاب حصيلة عهد لا حصيلة حكومة
خطاب العرش ليس تصريحًا حكوميًا أمام البرلمان، ولا تقريرًا سنويًا عن تنفيذ برنامج الأغلبية. لذلك لم يركز على سنة واحدة، ولم يقدم قائمة تفصيلية بما أنجزته الحكومة الحالية وما أخفقت فيه.
لقد وضع الملك النتائج المحققة في سياق سبع وعشرين سنة من الحكم، وتحدث عن أمانة القيادة بوصفها مسؤولية تاريخية ثقيلة، مؤكدًا أن ما يهمه ليس تحقيق مجد شخصي أو الحصول على اعتراف بدور ريادي، وإنما أداء الواجب وخدمة الشعب وتمكين المغاربة من العيش الحر الكريم.
وهذه العبارة ليست مجرد تعبير عن التواضع الشخصي، بل تقدم تعريفًا لطبيعة الحكم كما يفهمها الملك.
فالعرش، في هذا التصور، ليس وسيلة لبناء بطولة شخصية، بل مؤسسة لحفظ استمرارية الدولة وتوجيه خياراتها الكبرى وضمان ألا تضيع المشاريع الاستراتيجية بتغير الحكومات.
ومن هنا نفهم لماذا تحدث الخطاب عن الصناعة والطاقة والسياحة والتمويل والمكانة الدولية داخل رؤية واحدة. فهذه المجالات ليست حصيلة قرار حكومي منفرد، وإنما ثمرة تراكم بدأ قبل الحكومة الحالية وسيستمر بعدها.
فالحكومات تتغير، لكن الميناء، والقطار فائق السرعة، وصناعة السيارات والطيران، ومشاريع الطاقة المتجددة، والسياسة الإفريقية، والتحول الدفاعي، لا تبدأ من الصفر كل خمس سنوات.
إلى من وجه الملك الخطاب؟
كان النداء المباشر إلى «شعبي العزيز»، لكن دوائر المخاطبين في الخطاب كانت متعددة.
- المخاطَب الأول هو المواطن المغربي، وخصوصًا المواطن الذي يرى قوة المغرب في الخارج وضخامة مشاريعه، لكنه لا يشعر دائمًا بالأثر نفسه في دخله أو مدرسته أو مستشفاه أو فرص عمل أبنائه.
ولهذا لم تكن دعوة الملك إلى الثقة والتفاؤل موجهة ضد النقد، بل ضد تحويل الإحباط إلى رؤية شاملة تنكر كل ما تحقق.
فالمغرب ليس بلدًا فاشلًا، لكنه لم ينجز بعد كل ما تسمح به موارده ومكانته. وهو دولة قوية في بعض المؤشرات الاستراتيجية، لكنها ما تزال مطالبة بتحويل هذه القوة إلى جودة حياة وعدالة اجتماعية.، لأن لا معنى للسياسات التنموية إذا لم تنعكس آثارها الإيجابية على حياة المواطنين.
- والمخاطَب الثاني هو الحكومة الجديدة التي ستنبثق عن الانتخابات المقبلة. فالملك لم يتحدث فقط عن استمرار البرامج، بل ربط المرحلة الجديدة بحكومة جديدة ودورة تنموية جديدة.
وهنا ينبغي التمييز بين النص والاستنتاج. فالخطاب لم يقل صراحة إن جميع الوجوه القديمة ستغادر، ولم يسم شخصًا أو حزبًا، لكنه أرسل إشارة سياسية قوية إلى أن المرحلة المقبلة لا ينبغي أن تكون مجرد إعادة إنتاج للحكومة الحالية بأدواتها وإيقاعها نفسه.
فالدورة التنموية الجديدة تحتاج إلى كفاءات قادرة على الانتقال من تدبير المشاريع إلى قياس أثرها، ومن إطلاق البرامج إلى ضمان نتائجها، ومن المحافظة على التوازنات العامة إلى تحسين حياة المواطن.
وقد تستمر بعض الوجوه إذا كانت قادرة على حمل المرحلة، لكن مضمون الخطاب يجعل من الصعب تصور حكومة جديدة في الشكل فقط، تعيد إنتاج الأساليب نفسها التي لم تنجح بما يكفي في وصل النمو الاقتصادي بالعدالة الاجتماعية.
- والمخاطَب الثالث هو القطاع الخاص والبنوك والمؤسسات المالية.
فالخطاب لم يعد يقبل أن تظل الدولة وحدها ممولًا شبه حصري للمشاريع والاستثمار والتنمية الاجتماعية، ولم يعد يرى أن الاقتراض الخارجي هو الطريق الطبيعي الدائم لتمويل التحول.
لقد دعا الملك القطاع المالي الوطني إلى مواكبة الاستثمار والمشاريع الكبرى، وتوسيع التمويلات البنكية وغير البنكية الموجهة إلى المقاولات الصغيرة والمتوسطة، والابتكار والتصنيع والتصدير. كما دعا إلى تعبئة الادخار الوطني، ولا سيما الادخار المؤسساتي، وإنعاش الأسواق المالية.
وبذلك يصبح القطاع المالي شريكًا مسؤولًا عن التنمية، لا مجرد وسيط يفضل تمويل الاستهلاك والعقار والمشاريع المضمونة.
المغرب الذي بُني خلال ربع قرن
عرض الخطاب صورة مغرب مختلف جذريًا عن مغرب نهاية القرن الماضي.
فقد تحولت صناعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية إلى ركائز أساسية للنسيج الإنتاجي الوطني، سواء في جذب الاستثمار أو خلق الثروة وفرص الشغل. وسجل المغرب سنة 2025 معدل نمو في حدود 4.9 في المائة، مع توقع استمرار المستوى نفسه أو تحسنه خلال 2026، وفق ما ورد في الخطاب.
كما عزز المغرب موقعه مركزًا للاستثمار الصناعي والسياحي والمالي، واستقبل خلال سنة 2025 ما يقارب عشرين مليون سائح، بمن فيهم المغاربة المقيمون في الخارج. وهو رقم غير مسبوق تجاوز كل التوقعات.
ولم يعد المغرب مجرد بلد يصدر المواد الأولية أو اليد العاملة، بل صار ينتج الأسمدة، والسيارات، والطائرات ومكوناتها، ويطور مشاريع البطاريات والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، ويدخل تدريجيًا مجالات الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.
وفي البنية التحتية، أصبح المغرب يمتلك موانئ وطرقًا سيارة ومطارات وسككًا حديدية وشبكات لوجستية تمنحه موقعًا متقدمًا داخل إفريقيا وحوض المتوسط.
وفي بعض هذه المجالات، لم تعد المقارنة مع الدول الإفريقية وحدها كافية؛ إذ أصبحت أجزاء من البنية التحتية المغربية قريبة من المعايير الأوروبية من حيث الجودة والربط والقدرة اللوجستية.
لكن هذا لا يعني أن المغرب أصبح مماثلًا لأوروبا في كل شيء.
فالتقارب تحقق بصورة أكبر في البنية المادية والصناعة واللوجستيك، بينما لا تزال الفجوة واضحة في الدخل الفردي، وجودة التعليم والصحة، والتغطية الاجتماعية، والبحث العلمي، والإنتاجية، ومستوى الخدمات العمومية.
وهذه هي بالضبط مفارقة "المغرب بسرعتين".
المغرب بين سرعتين
لقد تحدثنا كثيرا في تقويم عهد محمد السادس الذي نعرض أجزاءه تباعا على هذا الموقع، على أن المغرب تحرك بسرعتين مختلفتين، وهو ما أكده رئيس الدولة نفسه.
السرعة الأولى كانت سرعة الدولة ومشاريعها الكبرى.
فالدولة بنت الموانئ والطرق والمطارات والقطارات، واستقطبت الصناعات، وطورت الطاقة، وعززت الأمن والدفاع، ووسعت حضورها في إفريقيا، ورفعت مكانتها الدبلوماسية.
أما السرعة الثانية فكانت سرعة المجتمع.
وهنا ظل التحول أبطأ:
التعليم لم يصل إلى الجودة المنتظرة.
والصحة ما تزال تعاني الخصاص والتفاوت.
والبطالة، وخصوصًا بين الشباب والخريجين، ما تزال مرتفعة.
والطبقة الوسطى تواجه ضغط الأسعار والسكن والنفقات الاجتماعية.
والفوارق بين المدن والمناطق القروية والداخلية لم تختف.
والنمو لا ينعكس بصورة متساوية على جميع المواطنين.
وخطاب العرش لسنة 2026 لا ينكر هذه المفارقة، بل يقدم إطارًا للانتقال إلى معالجتها.
لقد عرض الملك بثقة حصيلة السرعة الأولى: المغرب الصناعي والطاقي واللوجستي والسياحي والدبلوماسي الصاعد.
لكنه شدد في الوقت نفسه على التنمية البشرية، وتعميم الحماية الاجتماعية، وتحسين ظروف عيش المغاربة، والعدالة الاجتماعية والمجالية، والتنزيل الفعال لبرامج التنمية الترابية المندمجة في كل المناطق والجهات دون استثناء.
وهذا يعني أن المرحلة الثانية من العهد موجهة إلى تسريع ما تأخر.
من قوة الدولة إلى رفاه المواطن
لا ينبغي أن يفهم الانتقال إلى الدولة الاجتماعية باعتباره مجرد زيادة في الدعم أو توسيع التحويلات المالية.
فدولة الرفاه لا تبنى بالمساعدات وحدها، خصوصًا إذا كانت ممولة بالعجز والدين الخارجي.
إنها تحتاج إلى اقتصاد منتج، وطبقة وسطى واسعة، وفرص شغل مستقرة، وجباية عادلة، وخدمات صحية وتعليمية جيدة، ومقاولات قادرة على النمو والتصدير، ومؤسسات مالية تحول الادخار إلى استثمار.
ولهذا كان الربط في الخطاب بين الدولة الاجتماعية والقطاع المالي بالغ الدلالة.
فالملك لم يطلب فقط الاستمرار في تعميم الحماية الاجتماعية، بل دعا إلى تعبئة تمويل داخلي غير مسبوق، وتوسيع فرص التمويل أمام المقاولات الصغيرة والمتوسطة والابتكار والصناعة والتصدير.
والرسالة واضحة:
لا يمكن بناء دولة اجتماعية مستدامة باستهلاك الثروة وحده، بل بإنتاجها أولًا.
ولا يمكن تحسين الأجور والدخل والخدمات من دون توسيع الاقتصاد المنتج.
ولا يمكن خلق الشغل إذا ظلت الأبناك تفضل الأنشطة قليلة المخاطر والمشاريع الكبرى، وتحجم عن تمويل المقاول الصغير والشاب المبتكر والمشروع الصناعي الجديد.
ومن ثم، فالمرحلة الثانية لا تعني التخلي عن البنية التحتية، بل جعلها تعمل لصالح التنمية البشرية.
فالطريق ليست غاية، بل وسيلة لوصول الاستثمار والخدمات.
والميناء ليس مجرد إنجاز هندسي، بل أداة للتصدير والشغل.
والقطار ليس رمزًا للحداثة فقط، بل وسيلة لربط المجالات.
والصناعة ليست رقمًا في الصادرات، بل يجب أن تكون مصدرًا للأجور والمهارات والطبقة الوسطى.
والاستقرار ليس مجرد غياب للاضطراب، بل شرط لجذب الاستثمار وتمويل الدولة الاجتماعية.
هل الخطاب وعد بدولة الرفاه؟
لم يقل الملك إن المغرب أصبح دولة رفاه على غرار الدولة في اوروبا، ولم يقدم موعدًا محددًا لاكتمالها.
لكن الخطاب رسم اتجاهًا استراتيجيًا واضحًا نحو دولة اجتماعية أكثر نضجًا، تقوم على تحويل نتائج السياسات الماكرو-اقتصادية إلى أثر جزئي ويومي في حياة المواطن.
وهذا التحول يفرض الانتقال من سؤال:
كم أنجز المغرب من الطرق والمصانع والموانئ؟
إلى سؤال:
كم وظيفة خلقت هذه المشاريع؟
وكم ارتفع دخل الأسر؟
وكم تحسنت المدرسة والمستشفى؟
وكم تقلصت الفوارق بين الجهات؟
وكم أسرة خرجت من الهشاشة إلى الطبقة الوسطى؟
فنجاح المرحلة الأولى كان يقاس بقدرة الدولة على البناء والاستقطاب.
أما نجاح المرحلة الثانية فسيقاس بقدرتها على التوزيع العادل للفرص والثمار.
حكومة جديدة لوظيفة جديدة
الإشارة إلى الحكومة التي ستنبثق عن الانتخابات المقبلة ينبغي ألا تُقرأ بوصفها جملة عابرة.
فالملك يضع خطًا فاصلًا بين مرحلة سياسية توشك على الانتهاء ودورة تنموية جديدة ستبدأ بعدها.
ولا يعني ذلك أن كل ما فعلته الحكومة الحالية كان فاشلًا، وبغض النظر على الانتقادات الحادة الموجهة لها، فقد ساهمت نسبيا في تنزيل الحماية الاجتماعية، ومواجهة أزمات الجفاف والتضخم والطاقة، واستمرار الاستثمار العمومي، وحماية التوازنات المالية.
لكن المرحلة المقبلة لن تُقاس فقط بقدرتها على تدبير الأزمات أو المحافظة على المؤشرات الماكرو-اقتصادية.
ستقاس قدرة الحكومة الجديدة على جعل هذه المؤشرات محسوسة اجتماعيًا.
ومن ثم، فإن الحكومة المقبلة تحتاج إلى وظيفة جديدة:
أن تكون حكومة للأثر لا حكومة للإعلان.
حكومة للنتائج لا للاعتمادات المرصودة.
حكومة للمجالات والفئات لا للمؤشرات الوطنية العامة وحدها.
حكومة تتعامل مع المواطن لا باعتباره مستفيدًا من برنامج دعم فقط، بل باعتباره منتجًا وعاملًا ومقاولًا ودافع ضرائب وصاحب حق في خدمة عمومية جيدة.
وهذا يتطلب تجديدًا في الوجوه والكفاءات والمناهج، حتى إن لم يكن إقصاءً آليًا لكل من سبق له تحمل المسؤولية.
التفاؤل ليس نقيض النقد
ركز الخطاب على ضرورة أن تسود الثقة والتفاؤل بدل اليأس والإحباط.
وقد يفهم البعض هذه الدعوة باعتبارها رفضًا للنقد أو مطالبة بالتغاضي عن المشكلات. لكن سياق الخطاب يوحي بعكس ذلك؛ فالملك تحدث عن النقد الذاتي البناء باعتباره جزءًا من عقيدته في ممارسة الحكم.
التفاؤل المطلوب ليس إنكارًا للبطالة أو ضعف التعليم أو مشكلات الصحة.
إنه رفض لتحويل هذه الاختلالات إلى استنتاج بأن المغرب لم يحقق شيئًا، أو أنه عاجز بنيويًا عن التقدم.
وكذلك الشكر لا يعني الرضا عن النواقص.
فمن يشكر نعمة الاستقرار يحافظ عليها، لكنه يطالب أيضًا بأن تنتج عدلًا وتنمية.
ومن يشكر نعمة البنية التحتية لا يكتفي بتصويرها، بل يسأل عن أثرها في الاقتصاد والمجتمع.
ومن يشكر تقدم الدولة لا يقبل أن يبقى المواطن خلفها.
إن النقد الذي يحتاجه المغرب هو النقد الذي يرى المنجز والخلل معًا، لا النقد الذي يحول البلاد إلى قصة فشل، ولا الدعاية التي تحول كل مشروع إلى نجاح اجتماعي مكتمل.
الدولة الصاعدة والملك الذي يعمل في صمت
وفق قاعدة اللسانيات الأساس، فإن فهم الخطاب يتطلب فهم المتكلم.
لقد عُرف عن الملك محمد السادس أنه لا يعتمد على الحضور الخطابي اليومي أو التعليق المستمر على الأحداث من خلال الظهور أمام الإعلام. وغالبًا ما يُظهر أثر توجهاته الكبرى عبر المشاريع والقرارات والتعيينات والتحركات الدبلوماسية أكثر مما يُظهر عبر كثرة الكلام.
وهذا الأسلوب جعل كثيرًا من التحولات تبدو وكأنها تجري في صمت، قبل أن تتضح نتائجها بعد سنوات.
فصناعة السيارات لم تظهر فجأة.
وميناء طنجة المتوسط لم يصبح قوة لوجستية عالمية في يوم واحد.
والتحول الدولي في ملف الصحراء لم يكن نتيجة حملة عابرة.
والتحول الإفريقي والدبلوماسي لم يكن نتيجة صدفة.
والطاقات المتجددة والصناعات الدفاعية والتحول الرقمي جزء من تراكم طويل من التخطيط والبرمجة والتنفيذ.
ومن هنا نفهم تأكيد الملك أنه لا يبحث عن مجد شخصي، وإنما عن أداء الأمانة.
فالمنجز في هذا التصور لا يقاس بعدد المرات التي ينسب فيها إلى الحاكم، بل بقدرته على الاستمرار وخدمة الدولة والمواطن بعد مرور السنوات.
غير أن العمل في صمت لا يعفي مؤسسات التنفيذ من التواصل والمحاسبة. فالملك قد يحدد الرؤية، لكن الحكومة والإدارة مطالبتان بشرح السياسات وقياس نتائجها والاعتراف بتعثراتها.
الغائب في الخطاب: أين الديمقراطية من المرحلة الثانية؟
إذا كان خطاب العرش قد حدد بوضوح ملامح الانتقال من مغرب البنية التحتية إلى مغرب الدولة الاجتماعية، فإن موضوعًا أساسيًا ظل غائبًا عنه أو، في الأقل، لم يحظ بالمكانة التي كان يمكن انتظارها في خطاب يعلن بداية دورة جديدة: ألا وهو موضوع الديمقراطية والإصلاح السياسي.
فقد تحدث الخطاب عن الأمن والاستقرار، وفعالية المؤسسات، والصناعة والطاقة والتمويل، والتنمية البشرية، والحماية الاجتماعية، والعدالة المجالية، والحكومة التي ستنبثق عن الانتخابات المقبلة. لكنه لم يطرح بصورة مباشرة أسئلة تقوية البرلمان، واستقلال القرار الحكومي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتجديد الأحزاب، وتوسيع المشاركة السياسية، وضمان التوازن بين السلطات.
ولا يعني هذا الغياب أن الملكية ترفض الديمقراطية، أو أن المسار الدستوري قد ألغي. فالمغرب يتوفر على دستور وانتخابات ومؤسسات تمثيلية وتعددية حزبية. لكن ترتيب الأولويات داخل الخطاب يكشف أن الرؤية الملكية للمرحلة المقبلة تجعل التنمية والاستقرار والسيادة الاقتصادية والاجتماعية في المقدمة، بينما يبقى تعميق التحول الديمقراطي خارج جدول الأولويات العاجلة.
وهذا الاختيار ليس جديدًا تمامًا في التجربة المغربية. فقد فضلت الدولة، خلال مراحل متعددة، بناء المؤسسات الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية، والمحافظة على الاستقرار، وتدبير قضية الوحدة الترابية، مع إبقاء الإصلاح السياسي داخل إيقاع تدريجي ومحكوم من أعلى.
ومن هنا يمكن طرح فرضية سياسية تستحق النقاش: هل ترى الملكية أن الانتقال الديمقراطي الأوسع ينبغي أن يأتي بعد استكمال الشروط الترابية والمؤسساتية للدولة، وفي مقدمتها تثبيت الحل النهائي لقضية الصحراء على أساس الحكم الذاتي، والتنزيل الحقيقي للجهوية المتقدمة؟
فهذان الورشان لا يتعلقان بالتنمية الترابية وحدها، بل بإعادة توزيع جزء من السلطة والموارد والاختصاصات بين المركز والجهات. وإذا تحول الحكم الذاتي إلى تسوية نهائية معترف بها، وأصبحت الجهوية المتقدمة واقعًا مؤسساتيًا وماليًا، فقد يجد المغرب نفسه أمام بنية جديدة للدولة تفرض تلقائيًا تطوير الديمقراطية المحلية والوطنية.
وبهذا المعنى، قد تكون أولوية المرحلة الراهنة هي استكمال بناء الدولة في حدودها الترابية ونظامها الجهوي الجديد، قبل الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدمًا في توزيع السلطة السياسية.
لكن هذه الفرضية، على وجاهتها، تطرح إشكالًا جوهريًا: هل يمكن بناء الدولة الاجتماعية من دون ديمقراطية أكثر فعالية؟
فالتنمية البشرية ليست مسألة تمويل وبرامج فقط. إنها تحتاج إلى رقابة برلمانية، وحكومات تحاسب على النتائج، وأحزاب تنتج البرامج والكفاءات، وجماعات وجهات تستمد شرعيتها من المواطنين، وصحافة حرة تكشف الاختلالات، وقضاء مستقل يحمي المال العام والحقوق.
وإذا تأخرت الديمقراطية كثيرًا، فقد تتكرر مشكلة المرحلة الأولى نفسها: تنجح الدولة في إطلاق المشاريع، لكن تضعف قدرة المجتمع على مراقبة تنفيذها وتوزيع ثمارها.
فمغرب البنية التحتية أمكن بناؤه بدرجة كبيرة من خلال القرار المركزي والاستمرارية الاستراتيجية. أما مغرب الدولة الاجتماعية فأكثر تعقيدًا؛ لأنه يتصل بالتعليم والصحة والشغل والسكن والعدالة المجالية، وهي مجالات لا تكفي فيها القرارات المركزية، بل تحتاج إلى مشاركة المواطنين، ونجاعة المنتخبين، ومساءلة المسؤولين، وتعبئة المجتمع.
لذلك لا ينبغي أن تكون الديمقراطية محطة مؤجلة إلى أجل غير محدد، بل جزءًا من أدوات المرحلة الثانية نفسها.
فإذا كان الهدف هو إنهاء «المغرب بسرعتين»، فإن الأمر لا يتعلق فقط بتقريب سرعة المجتمع من سرعة الدولة، وإنما أيضًا بتقريب سرعة التطور السياسي من سرعة التحديث الاقتصادي.
وعندئذ يصبح الانتقال المطلوب أوسع من الانتقال من البنية التحتية إلى الدولة الاجتماعية؛ إنه انتقال من الدولة التي تنجز للمواطن إلى الدولة التي تنجز معه، وتطلعه على النتائج، وتمنحه القدرة على الاختيار والمراقبة والمحاسبة.
الخلاصة: المرحلة الثانية من مشروع العهد
يمكن تلخيص خطاب العرش لسنة 2026 في أنه خطاب انتقال من مرحلة إلى أخرى داخل المشروع نفسه.
المرحلة الأولى بنت جانبًا كبيرًا من قوة الدولة:
• البنية التحتية.
• الصناعة.
• الطاقة.
• الأمن.
• السيادة.
• المكانة الدولية.
أما المرحلة الثانية، فيفترض أن تبني قوة المواطن:
• التعليم الجيد.
• الصحة المتاحة.
• الشغل المنتج.
• الدخل الكريم.
• السكن اللائق.
• الحماية الاجتماعية المستدامة.
• والعدالة بين الجهات والفئات.
ولذلك كان افتتاح الخطاب بالشكر، واختتامه بالتطلع إلى دورة تنموية جديدة، منسجمين في الدلالة.
فالشكر هو الاعتراف بما تحقق وصيانته.
والزيادة هي الانتقال به إلى مستوى أعلى.
لقد اقترب المغرب، في بعض بناه المادية والاستراتيجية، من الدول المتقدمة، وصار نموذجًا متميزًا داخل إفريقيا، بل أصبح الدولة الصناعية الأكبر في القارة. لكن اكتمال التجربة لن يقاس فقط بما تملكه الدولة من طرق وموانئ ومصانع، بل بما يمتلكه المواطن من علم وصحة ودخل وأمل.
وهنا تبرز الرسالة الأعمق للخطاب:
لم يعد التحدي الأساسي أن يثبت المغرب قدرته على بناء المشاريع الكبرى؛ فقد أثبت ذلك.
التحدي الآن أن يثبت قدرته على تحويلها إلى رفاه اجتماعي وعدالة مجالية وطبقة وسطى قوية.
وبعبارة تختزل المرحلة كلها:
لقد بُني مغرب البنية التحتية؛ وحان وقت بناء مغرب الدولة الاجتماعية والديموقراطية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق